حَوْليَّاتُ الحُلْمِ الانْسَانِى
السَّادِسُ والعِشْرُونَ مِنْ يُونيو (3)
كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
(1/1) بمناسبة السادس والعشرين من يونيو ، اليوم العالمى لمناهضة التعذيب ، كتبنا فى الحلقتين الماضيتين نستبشع قهر المستضعَف بإذلاله ، ونذمُّ مَن لا يجد فى نفسه واعزاً من دين أو خلق يحول دون ارتكابه لعمل شنيع كهذا.
(1/2) وقلنا إن البشريَّة تمكنت من رفع (مناهضة التعذيب) إلى قلب أولويَّاتها فوق كلِّ ما ناء به ضميرها من أوزار ، كونها عرفت أساليب التعذيب منذ أقدم العصور مقترنة أكثر شئ بأنظمة ومناهج الاعتراف الجنائى. وأشرنا ، فى الاطار ، إلى عدد من الوثائق الدوليَّة (كالاعلان العالمى لحقوق الانسان) و(العهد الدولى للحقوق المدنيَّة والسياسيَّة) مع (البروتوكول الاختيارى الثانى) الملحق به ، إضافة (لإعلان حماية جميع الأشخاص من التعرُّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة والعقوبة القاسية أو اللا إنسانيَّة أو المهينة) ، حيث تحوَّل هذا الاعلان ، لاحقاً ، إلى (اتفاقية) دخلت حيِّز التنفيذ فى 26/6/1986م ، وهو التاريخ الذى اعتمدته الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة فى ديسمبر 1997م يوماً عالمياً لمناهضة التعذيب.
(1/3) وأوضحنا أن الاتفاقيَّة تعرِّف التعذيب ، وتحرِّمه ، وتنشئ لجنة خاصة لمناهضته ، وأن فقهاء القانون الدولى والجنائى يقطعون بأن التعذيب غير مبرَّر أخلاقاً أو قانوناً ، علاوة على كونه غير مُجْدٍ من الناحية العمليَّة. كما لاحظنا ، بوجه عام ، أن اهتمام القانون الدولى بحقوق الانسان آخذ فى الازدياد ، وبخاصة من زاوية مناهضة التعذيب. ولكننا استدركنا بأن مزيداً من الجهد يُنتظر أن يُبذل قبل أن تتحقق الانسانيَّة من محو وصمة التعذيب نهائياً من على جبينها.
(1/4) وقلنا إن هذا الجهد متعدِّد الأوجه فلا يجوز حصره فى إطار عمل الأمم المتحدة أو العلاقات الدبلوماسيَّة أو الأنشطة التقليديَّة لمنظمات المجتمع المدنى. ورأينا سداد التعويل على (الثقافة) التى تشكِّل الواعز الذاتى النابع من ديناميَّات العقل والوجدان الجمعيَّين ، والتى غالباً ما تتشكل على منظومات من ترميزات القيم المعتقديَّة الخيِّرة والمثل المتأصِّلة فى صميم الفطرة السليمة ، بأكثر من التعويل على (القاعدة القانونيَّة) الدوليَّة التى تنشأ من التواثق بين الدول. وفى السياق تمنَّيْنا على المنظمة السودانيَّة لضحايا التعذيب إثراء خطابها بما يبرز نظرة مختلف الأديان والثقافات فى بلادنا لهذه الممارسة ، ويكرِّس الموقف الأخلاقى النهائى منها لدى منظومة التنوُّع السودانى ، باعتبار أن فى كلِّ دين حكمته النبيلة المقدَّسة ، وفى كلِّ ثقافة عنصرها الانسانى الرفيع.
(1/5) وبعد أن ألقينا نظرة عامة على أساليب ومناهج التعذيب كما عرفتها البشريَّة عبر مسيرة تطوُّرها الطويلة والمعقدة باتجاه استكمال مقوِّمات إنسانيَّتها ، منذ المجتمع البدائى وحتى العصر الحديث ، وَعَدْنا بأن نعرض لموقف الاسلام من هذه الممارسة ، ليس باعتباره دين الجماعة السودانيَّة المستعربة المسلمة فحسب ، بل ولكونه يتداخل أيضاً فى النسيج الثقافى لتكوينات إثنيَّة مغايرة تنتمى إليها مجموعات معتبرة من مسلمين غير مستعربين فى بلادنا ، الأمر الذى يفترض التأثير المتبادل بين أنظمة القيم ، مِمَّا عددناه من حُسن فأل الوحدة الوطنيَّة المأمولة. وفى ما يلى نواصل:
 
(2)
(2/1) من غير الممكن مقاربة مضمون حقوق الانسان فى الاسلام من دون مقاربة المفهوم القرآنى للانسان ابتداءً. وهو مفهوم يرتكز على ثلاث شعَب أساسيَّة: المخلوق المُكرَّم بالأمانة = المخلوق المُكرَّم بالاستخلاف = المخلوق المُكرَّم بالعقل. فمِمَّا يُفترض علمه من الدين بالضرورة لدى كل مسلم:
أ/ أن ثمة حكمة تكمن وراء خلق السماوات والأرض ، وسن السنن الكونية ، وخلق الانسان ، وتحديد مركزه المُمَيَّز كأفضل الكائنات: "ربنا ما خلقت هذا باطلا" (191؛ آل عمران). وأن الله جعل هذه (الحكمة) فى متناول أفهام البشر بما أودع فيهم من قبس إلهى: "ثم سواه ونفخ فيه من روحه" (9 ؛ السجدة) ، وما خصهم به من خصيصة قرينة لخلقهم قبل التنزيل نفسه: "فطرة الله التى فطر الناس عليها" (30 ؛ الروم) ، ومامنحهم من أداة تمكنهم من بلوغ هذا (الادراك) وهى (العقل): "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير" (10 ؛ الملك). وروى عن النبى (ص) أنه قال: "أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر ، ثم قال الله عز وجل: وعزتى وجلالى ما خلقت خلقا أكرم علىَّ منك ، بك آخذ ، وبك أعطى ، وبك  أثيب ، وبك أعاقب" (أخرجه الطبرانى فى الأوسط).
ج/ وأن العقل ، كما يصفه الامام الغزالى ، هو ".. أشرف صفات الإنسان .. إذ به تقبل أمانة الله" (أبو حامد الغزالى ؛ إحياء علوم الدين ، ج 1 ، ص 12 ـ 13). وباستخدام العقل ، والتعويل على الفطرة ، والتدبُّر فى الآيات ، يستطيع الانسان أن يدرك أن غاية الخالق من خلقه هى (استخلافه) فى الأرض لإعمارها: "واذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة" (30 ؛ البقرة). وتركت له ، على هذا الأساس حريَّة الاختيار والتمييز بين العدل والظلم ، كما وألقيت على عاتقه المسئوليَّة عن هذا الاختيار والتمييز. وبقدر كسب الانسان ، بحريته غير المنتقصة هذه ، يكون حسابه: "وأن ليس للانسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى" (39 ، 40 ، 41 ؛ النجم) ، فمدار هذا العدل الإلهى هو كسب الانسان بمحض إرادته الحُرَّة وعقله المختار.
    د/ وأن الخالق بذلك كله قد (كرَّم) الانسان (المستخلف) على إطلاقه ، دون أىِّ تمييز بالايمان أو الاسلام أو الجنس أو النوع : "ولقد كرمنا بنى آدم" (70 ؛ الاسراء) ، وفضَّله على سائر مخلوقاته الأخرى: ".. وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (الآية) ، بل ورفعه درجة حتى على الملائكة "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" (116 ؛ طه) ، ووهبه ، علاوة على نعمة العقل ، (الحرية) فلم يقسره حتى على الإيمان به: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (99 ؛ يونس) ، "وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل" (107 ؛ الأنعام) ، "وما أنا عليكم بوكيل" (108 ؛ يونس) ، "وما أنا عليكم بحفيظ" (86 ؛ هود) ، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (29 ؛ الكهف) ، "لا إكراه فى الدين" (256 ؛ البقرة). "لست عليهم بمصيطر" (22 ؛ الغاشية). وقد استندت جماعة من العلماء إلى هذه النصوص الواضحة لتقرر أن الراجح ، حتى بالنسبة للحربى ، ألا يُكره على الدخول فى الاسلام (وهبة الزحيلى ؛ آثار الحرب فى الفقه الاسلامى ، ط 2 ، ص 78).
(2/2) وإذن فخطاب (الاستخلاف) و(التكريم) القرآنى متوجه ، كما قد رأينا ، إلى جميع (الناس) ، لا إلى أصحاب (السلطان) الذين يحيطون أنفسهم بقدر من (العصمة) و(القداسة) ، سواء فى ذلك الحاكم المطلق الفرد ، أم النخبة الحاكمة ، أم الطبقة الاجتماعية السائدة اقتصاديا وسياسيا ، فلكأنهم ظلال الله فى أرضه يستبدون بالأمر من دون سائر خلقه. ولا فرق بين أن يدَّعى هذه الوضعيَّة السلطويَّة دكتاتور علمانى أو آخر يدعى تنزيل حكم الله على المحكومين. فشعار (الدولة الدينية) ، فى حقيقته ، هو صنو الادعاء بأن (إنسانا) ما يحتكر وحده (الوكالة) عن (الله) عز وجل فى (معرفة) حُكمه ، و(تنزيله) على سائر الناس فى المجتمع المعين ، أو بأن هذا (الانسان) هو نفسه (الإله) المعبود!
(2/3) ويُلاحظ أن لكل استبداد فى التاريخ أسلوبه الخاص فى الاتشاح بأوشحة (الدين). ولئن كان الخوارج أول من تخندق تحت شعار (الحاكميَّة لله) فى تاريخ الفكر السياسى الاسلامى ، فقد استخدمه ، بمختلف الأساليب ، كثير من حكام المسلمين كسلطة معنوية تعضد أدوات قهرهم لشعوبهم  حتى أتى على الناس حين من الدهر ".. تربع على مقاعد الحكم خلفاء لا تسندهم سوى شرعية السيف ، و(صار) من مقتضيات حكم القوة أن .. يخضع الحكام شعوبهم .. و .. صارت ولاية الأمر فى جانب القوة وحدها ، وانتشر الاستبداد .. ملجماً الفكر واللسان" (الصادق المهدى ، أحاديث الغربة ، ص 30 ـ 31).
(2/4) على أن ممارسة القهر ، بدعوى تنزيل إرادة (الله) على (البشر) ، ليست وقفاً على تاريخ الدولة الاسلامية ، وانما عرفتها البشرية بمختلف أجناسها وأديانها ولغاتها وثقافاتها. ويتضمَّن القرآن الكريم خبر فرعون ضمن جملة آيات كريمات: "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى" (38 ؛ القصص) ، "قال فرعون ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (29 ؛ غافر) ، "فقال أنا ربكم الأعلى" (24 ؛ النازعات). كما وأن هذه المزاعم الباطلة راجت أيضا لدى أكاسرة الفرس ، وقياصرة الروم ، وشتى ملوك وأباطرة وخواقين العالم القديم.
(2/5)     ويفسِّر بعض المفكرين عِلة ذلك بقدرة الدين على التأثير فى البشر حين تدعوهم تعاليمه "إلى خشية قوة عظيمة هائلة .. تتهدد الانسان .. تهديدا ترتعد منه الفرائص ، فتخور القوى ، وتنذهل العقول" ، فيجد المستبدون فى ذلك إغواءً خاصا بتدعيم سلطانهم عن طريق مشاكلته بتلك القدرة الخارقة ، ليتيسَّر لهم استرهاب الناس "بالتعالى الشخصى ، والتشامخ الحسى ، ويذللونهم بالقهر ، والقوة ، وسلب الأموال ، حتى يجعلوهم خاضعين لهم ، عاملين لأجلهم" (عبد الرحمن الكواكبى ؛ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ، ص 36 و 37).

(3)
(3/1) من هذه الوضعيَّة القرآنيَّة (للتكريم بالعقل والفطرة) ، أو (المسئوليَّة المؤسَّسة على حريَّة الاختيار) ، يمكن ، وبصورة عامَّة ، استخلاص مجمل مضمون وجوهر الموقف الاسلامى من (التعذيب) قبل النفاذ إلى الصورة المخصوصة التى وردت بشأن هذه المسألة فى سياق الخطاب القرآنى. لكن هذه الوضعيَّة لم تنسرب فى تاريخ الفكر الاسلامى بذات السلاسة التى هى عليها فى هذا الخطاب. والسبب واضح بلا شك ، (فالقرآن) هو كلمة الله المطلقة فى عليائه اللا متناهى ، بينما (الفكر) إنعكاس لصراعات البشر النسبيَّة حول مصالح دنيويَّة محدَّدة. وفى هذا تمظهُرٌ جلىٌّ لوجه أساسىٍّ من وجوه الفارق بين (الدين) و(التديُّن) ، بين (الاسلام) وبين (تاريخ الدولة الاسلاميَّة).
(3/2) ولهذا السبب بالذات فإن الخلاف ظلَّ ينشب دائماً فى تاريخ الفكر السياسى الاسلامى على تخوم العلاقة بين إرادة الله وإرادة الحاكم على خلفيَّة النقاش حول العلاقة بين إرادة الله وإرادة البشر. ".. ولعل الحقبة الأمويَّة تكثف المخاضات الأولى لمفهوم الإيمان والعدل والظلم وصفات الله .. فى صراع مفتوح على السلطة يبحث باستمرار عن الغطاء الأيديولوجى للطاعة" (هيثم مناع ؛ "الانسان فى الثقافة الاسلاميَّة" ، ضمن "رواق عربى" ، ع/20 ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان 2000م ، ص 27). وفى إطار ذلك الصراع أجمع (المرجئة) ، أو ما يُعرف (بالخطاب المفكر للحزب الأموى) ، على تأويل (آيات الوعيد) فى ما يتصل خصوصاً بظلم الحاكم ، باعتبارها تنطوى على استثناء مضمر (!) وهو ما يعده مفكرون معاصرون مسلكاً تبريرياً للظلم والفساد (نصر حامد أبو زيد ؛ الاتجاه العقلى فى التفسير ، ط 3 ، دار التنوير 1993م ، ص 17).
(3/3) لقد أسَّس غالب تيار (الارجاء) القائم على نظريَّة (الجبر) لسلب الانسان نعمة (الاختيار) ، وذلك بردِّ عمل الحاكم ، بما فى ذلك ظلمه وفساده (لإرادة الله)! وربما كان بمستطاع أعجل نظر أن يرى ، بيسر ، توافق المرامى بين أطروحة ذلك التيار القديم وبين أطروحة د. حسن الترابى المعاصرة ، والساعية حثيثاً ، وبوضوح تام ، رغم التواء العبارة ، للمطابقة بين مطلوبات (النظام السياسى) ومطلوبات (الإيمان) ، من حيث وجوب (التوحيد) ، عنده ، فى كليهما ، بقوله: إن الاسلام ".. دين توحيد يجعل الحياة كلها محياها ومماتها ونسكها وشعائرها وقوانينها وأسس بيعها وشرائها وسياستها .. وأخلاقها وأسس معاملاتها معاشاً وسياسة كلها عبادة لله سبحانه وتعالى .. ولكن الله سبحانه وتعالى يبتلى الناس عبرها (فيشركون) بعض (إشراك) أو كل (إشراك) .. فى مجال (السياسة) كما .. فى كل مجالات الحياة .. فى العِلم وفى الاقتصاد" .. الخ (أقواس التشديد من عندنا ـ حسن الترابى ؛ خواطر فى الفقه السياسى لدولة إسلاميَّة معاصرة ، ص 6). فإذا كان (الشرك) بالله سبحانه وتعالى يعنى ، ببساطة ، أن يُعبدَ معه غيره: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بنى إسرائيل أعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" (72 ؛ المائدة) ، أى من يجعل معه "فى العبادة غيره" (تفسير الجلالين) ، أو "يعبد معه غيره" (تفسير إبن كثير) ، فما هو المعنى الذى ذهب إليه د. الترابى بموضوعته عن (الشرك) فى (السياسة) التى لاتعتبر (أصلاً) من (أصول الإيمان) الثلاثة التى تستوجب التوحيد: الألوهية والنبوة واليوم الآخر ، بل هى من (الفروع) التى تحتمل الاختلاف بمعايير الصواب والخطأ ، لا الإيمان والكفر (د. محمد عمارة ؛ الاسلام والسلطة الدينية ، ص 77)؟!
(3/4) غير أن تاريخ الفكر الاسلامى شهد ، منذ وقت باكر ، تياراً آخر يمثله مفكرون أحرار اشتغلوا على الاعلاء من شأن مفهوم (حريَّة) الارادة الانسانيَّة فى القرآن ، مقابل (الجبر) كتبرير للظلم ، كاشفين بذلك عن الدوافع (السياسيَّة) الكامنة فى أساس نظريَّة (الارجاء) الملغومة! ولذلك لم يكن محض مصادفة أن يُغتال أبرز رموز هذا التيار من خلال صراعات الدولة الاسلاميَّة ، كمعبد الجهمى عام 80 هـ ، وغيلان الدمشقى عام 99 هـ ، والجعد بن درهم عام 120 هـ (هيثم مناع ؛ "الانسان فى الثقافة الاسلاميَّة" ..) ، تماماً مثلما اغتيل فى السودان ، ولنفس الأسباب ، الشهيد محمود محمد طه عام 1985م. ويلزمنا أن نشير هنا أيضاً إلى أن الحسن البصرى (21 ـ 110 هـ) يُعتبر أقوى أبكار المدافعين عن حريَّة الاختيار والعدل والمسئوليَّة ، وهو الذى سأله سائل: "آخذ عطائى من بنى أميَّة أم أدعه حتى آخذه يوم القيامة"؟ فأجابه من فوره: "قم ويحك خذ عطاءك فإن القوم مفاليس من الحسنات يوم القيامة!" (أنظر: هيثم مناع ؛ الامعان فى حقوق الانسان ، موسوعة عالميَّة مختصرة ، دار الأهالى 2000م ، مادة "الحسن البصرى").

(4)
(4/1) هكذا نستطيع أن نلمح بوضوح أن أقدم وأقوى قراءة مفهوميَّة (للانسان) ، وبالتالى (حقوقه) ، ككائن معرفىٍّ عاقل ، قد وردت فى سياق الصراع الفكرى والسياسى حول منظومة المفاهيم القرآنيَّة (للتكريم) و(الاستخلاف) و(العقل) و(الاختيار) و(العدل) و(المسئوليَّة). وإذن فإن هذا (الانسان) الذى أعلى الله سبحانه من قدره فوق سائر مخلوقاته ، و(كرَّمه) بالعقل ، وحضَّه على اكتساب المعرفة ، ومن ثمَّ (التمييز) و(الاختيار) بين (العدل) و(الظلم) بهذه الأداة التى أودعها فيه ، وأمر الملائكة أن يسجدوا له لصيرورته بالارادة الالهيَّة (مستخلفاً) فى الأرض ؛ هذا (الانسان) لا يملك كائن من كان أن يسلبه شيئاً من هذه الخصائص أو يحط من قدرها.
(4/2) ومن هنا فإن (الشريعة الاسلاميَّة) ، على العكس مِمَّا يفهم الكثير من الداعين إليها للأسف ، تتميَّز عن القوانين الوضعيَّة باقترانها ، أصلاً ، وبحكم جوهرها العقيدى نفسه ، بفكرة (الكرامة الانسانيَّة) المتأصِّلة فى حواس وعقل ووجدان هذا المخلوق المُكرَّم. بل إن هداية الدين ذاتها ، فى ما يؤكد أئمة التنوير ، قد وُهِبَت للانسان بعد تلك الهدايات الثلاث الأسبق عليها ، إذ أنها ".. الهداية الرابعة بعد هداية الحواس ، والوجدان ، والعقل" (الامام محمد عبده ؛ الأعمال الكاملة ، ج 3 ، بيروت 1972م ، ص 293).
(4/3) وعلى هذا ، فالشريعة الاسلاميَّة ، وإن عرفت نظام (الاعتراف = الاقرار) كدليل فى الاثبات ، إلا أنها سيَّجته بقدر من الأشراط ، وكبحت استخداماته بقدر من القيود ، بحيث يستحيل على (الوالى) أن يغفلها أو يتجاوزها دون أن يكون قد أغفل أو تجاوز أشراطاً فى صميم العقيدة نفسها!
(نواصل)