ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

"شعار (الإسلام هو الحل) مجرَّد (شعار فضفاض)، والحركات الإسلاميَّة مدعوَّة للصمود أمام تحدّيات (الحداثة)، ومواجهة الأوضاع المعقدة لـ (المرأة)، و(الأقليَّات)، و(الحريَّات)، في العالم الإسلامي، دون أن تكون (الشعارات) منافذ للهروب الأمامي"!

                                                                  د. غازي صلاح الدّين

 

(71)

برزت إشكاليَّة (الدّين والدَّولة)، بصورتها الرَّاهنة في ساحة الصّراع السّياسي السُّوداني، لأوَّل مرَّة، مع ظهور التيَّار الأساسي (السُّلطوي) ٭في حركة الإسلام السياسي الحديثة، بتركيبته الرأسيَّة الضيّقة، ومنهجه القائم في الاجترار المتواصل، بلا طائل، لنظام القيم، عوضاً عن إنتاج نظام للمفاهيم مطلوب بإلحاح في حقول الفكر والسياسة. وهى، بهذا، لا تختلف كثيراً عن سائر حركات الإسلام السّياسي في المنطقة ، والتي يرى د. عبد الله فهد النفيسي، أحد أهمّ مفكريها، أن جُلَّ ما تنشره، بشتى مسمياتها، "يتناول نظام القيم .. ولكن ما نحتاجه الآن وبشكل مُلِح هو، تحديداً، نظام للمفاهيم، وبدون التحديد العلمي الموضوعي للمفاهيم لا يمكن بلورة النظريَّة الإسلاميَّة المتكاملة" (الحركة الاسلامية: رؤية مستقبلية ـ أوراق فى النقد الذاتى، مكتبة مدبولى، القاهرة 1989م، ص 18). ويعزى بعض الكتاب هذا القصور، تحديداً، إلى احتياج هذه (الحركة) للتحصُّن بالإلهي والمقدَّس لمواجهة أي نقد أو حوار يأتي من خارجها (د. حيدر أبراهيم على؛ الدين والثورة: لاهوت التحرير في العالم الثالث، ط 2، مركز الدراسات السودانية، القاهرة 1999م، ص 11).

تبلور هذا التيَّار في السودان، حول قضيَّة (الدّين والسّياسة)، منذ أواخر أربعينات القرن الماضي، لا كمشروع نهضوي يستوعب طاقات المجتمع بأسره، ويستند فكريَّاً وسياسيَّاً إلى مبادئ الإسلام الرفيعة المتمثلة في الحريَّة، والمساواة، والشورى، والكرامة الإنسانيَّة، والعدالة الاجتماعيَّة وما إليها، وإنما كمجرّد تعبير شعاري عن رفض الشيوعيَّة، وكمحض تنظيم مناوئ للتيَّار الماركسي الذي ظهر آنذاك (د. حسن مكى؛ حركة الأخوان المسلمين في السودان 1944-1969م، دار الفكر بالخرطوم، ص 8 ـ وأنظر كذلك: تيم نبلوك؛ صراع السُّلطة والثروة في السودان، ترجمة الفاتح التجاني ومحمد علي جادين، ط 1، الخرطوم 1990م، ص 138 ـ 139). فبسبب من إحساسه المستبطن، ولا بُدَّ، بذلك القصور، وبمحدوديَّة الوسائل والأدوات، وقتها، آثر هذا التيار، لا أن يتحصَّن بالمقدَّس، فحسب، بل وأن يتركز، في المدى القريب، كجماعة ضغط، أملاً في التمكن، في المديين المتوسط والبعيد، من وراثة جماهير أحزاب الحركة الوطنيَّة الرئيسة، ببنائها الأفقي العريض، وبالثقل المطلق للعنصر المستعرب المسلم في قيادتها وقواعدها.

من جهتها، وبرغم استنادها إلى النفوذ الطائفي، إلا أن أحزاب الحركة الوطنيَّة هذه تنشَّأت على (بداهة عقلانيَّة) عامَّة في العمل السّياسي، بحيث لم تستشعر، أوَّل أمرها، أيَّ تعارض بين الإسلام وبين الديموقراطيَّة البرلمانيَّة القائمة على التعدُّديَّة الحزبيَّة، والحريَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة، والتداول الانتخابي للسُّلطة. على أن هذه الأحزاب لم تعمل على تطوير (عقلانيَّتها) تلك خطوة واحدة، وعلى مدى سنوات طوال، خارج حدود (البداهة العامَّة)، ممَّا حال دون توطنها في (فقه) أو (فكر) أكثر وثوقاً وإلهاماً، وهذا ما طبعها، عموماً، بهشاشة فكريَّة غالبة.

هكذا وجد التيار (السُّلطوي) بغيته في تلك البنية الفقهوفكريَّة الهشَّة لـ (عقلانيَّة) تلك القوى السياسيَّة التي ينحدر معظم زعمائها وكوادرها الأساسيَّة من الطبقة الوسطى، مثلهم مثل السواد الأعظم من شريحة الإنتلجينسيا/الأفنديَّة، سلالة المؤسَّسة الغردونيَّة التي فرضت عليها خطط الإدارة الاستعماريَّة، منذ مطالع القرن الماضي، القطع مع التعليم الديني المهدوي التقليدي، دون التزوُّد من المعارف المتروبوليَّة (الحداثيَّة) بغير قشور فنيَّاتها، لمجرَّد سدّ الاحتياج لشغل بعض الوظائف في أدنى سلم تلك الإدارة. وبالنتيجة كان لا بُدَّ أن تستعصي، مع الزمن، في مدارك الإنتلجينسيا/الأفنديَّة، منطقياً، إمكانية المقاربة لقضية (الدَّولة) من منظور فقهي وثيق لـ (العقلانيَّة الإسلاميَّة)، ديناً وحضارة، مثلما انبهمت أمامها الخطوط الموصلة بين هذا (الموروث) العقدي المفترض، وبين (عقلانيَّة) الحداثة الغربيَّة الوافدة، فتجَمَّد (الإسلام) في ذهنيَّة هذه الشَّريحة، إما في ديباجات مسطحة، ومنمنمات فجَّة، خالطت خطاب الهويَّة والسّياسة لديها، أو في تصوُّر للدّين محصور، عموماً، في ما يُعرف بـ (الكتب الصفراء)، وفق مصطلح الإستعلاء (الحداثوي)، ومدار علومها الصلوات، والزكوات، والصوم، والحجُّ، والكفارات، والأنكحة، والمواريث، وغسل الجنازات، فأوكلت تلك الذهنيَّة أمر هذه (المعارف)، على سبيل (التخصُّص) الموروث، أصلاً، منذ (السلطنة الزرقاء)، لذوي التأهيل (الأزهري) من شريحة الإنتلجينسيا (الأخرى)، أو (رجال الدّين/المولانات)، أهل اللحى والعمائم والكاكولات والدشداشات، الذين تقولبوا في خصائص مائزة، ثقافة ومظهراً، منذ أيام المعهد العلمي، ومجلس جامع أم درمان الكبير، وشُعَب التربية الإسلاميَّة واللغة العربيَّة بالمدارس، وإلى ذلك ما صار يعرف لاحقاً، وبخاصة منذ الاستقلال، بهيئات ولجان وجماعات وروابط (علماء السودان) الذين احتكروا مهام (الفتيا) الطليقة في حقل السّياسة، على ما تتسم به من تعقيد في العصر الحديث، وما يقترن بها من معارف مفترضة في الفلسفة، والاقتصاد، والانثروبولوجيا، والتاريخ، والاجتماع، والعلاقات الدوليَّة، ونظم الإدارة الحديثة .. الخ. وقد التحق بهؤلاء الإنتلجينسيا/المولانات حتى أهل القضاء الشرعي، برغم تخرُّجهم، هم أنفسهم، في المؤسَّسة الغردونيَّة، وما ذلك، بحسب د. عبد الله علي إبراهيم، إلا لغبنهم الناتج عن تمييز أهل القضاء المدني عليهم، ردحاً طويلاً من الزمن، في سلك الوظائف والترقيات والامتيازات (راجع:A. A. Ibrahim; Manichean Delirium: Decolonizing the Judiciary and the Renual of Islam in Sudan “1885 – 1985”, Leiden 2008). لقد فرض على شريحة الإنتلجينسيا/المولانات هؤلاء الانقطاع، بحكم (تخصُّصهم)، عن هذه الحقول، ولم يُعرف لأغلبهم، طوال عُشرة الناس مع فتاواهم، (تديُّن) في علاقة (المحكوم) بـ (الحاكم) غير (الطاعة) لـ (أولي الأمر)، أجانب أم سودانيين، عسكريين أم مدنيين، قابضين على السلطة فعلياً، أم هم، في خارطة توازن القوى، على أهبة توليها أو الانقضاض عليها، فانكبوا، في الحالين، يوالونهم بـ (الفتاوى) المطلوبة لتمرير مشاريعهم السياسيَّة عبر مختلف الفترات التاريخيَّة، وعلى اختلاف الأنظمة والحكومات، مدفوعين بحزازتهم القديمة التي غذتها في نفوسهم السّياسة الاستعماريَّة تجاه شريحة الإنتلجينسيا/الأفنديَّة من أصحاب التعليم (الحديث) الذين التهموا جُلَّ (كيكة الميري) تاركين لهم الفتات، دون أن يعدل معظم هؤلاء الإنتلجينسيا/المولانات، ولو بمقدار عقلة إصبع، عن ارتيابهم التقليدي في أي مشروع (حداثوي)، كونه يقوم بالمطلق، وفق نظرتهم هذه، على كثير من (التخنث!) و(الفسوق!) و(الخروج) عن (الدّين!)، ويصطلحون على ذلك، إجمالاً، بـ (العلمانيَّة)!

 

(72)

من هنا، تحديداً، تشكلت نقطة الهشاشة الأساسيَّة، التي لازمت قوى (عقلانيَّة البداهة) في هذا المجال، على التمظهر الغالب في استسلامها لابتزاز التيار (السُّلطوي) لها، كتكتيك ثابت، مكتفية، في أفضل الأحوال، بالتعبير عن محض (التململ) العاجز عن صياغة منظور فقهوفكري يُعتدُّ به لسؤال (التراث والمعاصرة)، ولو بالحدّ الأدنى من الوثوق أو التماسك المنهجي (للمزيد من التفصيل راجع كتابنا: (إنتلجينسيا نبات الظل، دار مدارك 2008م).

ولعلَّ أخطر استجابات تلك (الهشاشة) لذلك (الابتزاز) من جهة الأحزاب التقليديَّة هو ما ظل يتبدَّى، دائماً، في (فزعها) من تصنيف التيَّار (السُّلطوي) لها ضمن معسكر (العلمانيَّة). فهذه الأحزاب، ودون التقليل من أثر تصاعد النشاط الجماهيري المستقل على لجوئها، بعد ثورة أكتوبر 1964م، إلى نشر جوّ من الدَّجل اليميني، والتقائها على مشروع (الدُّستور الإسلامي)، في محاولة لتأسيس سلطة (رجعيَّة) باسم الدّين، ظلت تسارع، في كثير من الحالات، تحت ضغط (الفزع) من ذلك (التصنيف)، لإهدار جلّ طاقاتها في خانة (الدفاع) الذي ليس نادراً ما يسلمها إلى نمط من التراجع غير المنتظم حتى عن (عقلانيَّة البداهة) الهشَّة تلك، بل وإلى الانخراط، في غير القليل من الحالات، في شكل أو آخر من (المزايدة) على نمط (تديُّن) التيَّار السُّلطوي نفسه!

أما أخطر تلك الاستجابات من جهة القوى الوطنيَّة الديموقراطيَّة، فهو ركونها لـ (الاستهانة) العقيمة بوصف التيَّار (السُّلطوي) لها بـ (العلمانيَّة)، بكلّ محمولات المصطلح الأصليَّة القديمة، سواء في طبعته الأوربيَّة العامَّة، أم الفرنسيَّة الخاصَّة، بما في ذلك (الإلحاد)، كما في حالة الحزب الشيوعي وغيره من القوى الحديثة، سياسياً ومهنياً ونوعياً. وبالنتيجة، ترك هؤلاء الساحة خالية لهذا التيَّار يزايد عليهم في أقدس مقدَّسات الذهنيَّة الشعبيَّة، مكتفين، في الغالب، إما بإطلاق اتهام كسول، وإن كان صحيحاً، لهذا التيَّار بـ (المتاجرة بالدّين)، أو بالانفلات بالمعركة برمتها من داخل ميدانها المفترض، لإدارتها خارج سياقها، كالترافع عن (الديموقراطيَّة) في ساحات المحاكم، أو الدفاع عن حقوق المُساكنين من (غير المسلمين) في السودان، فلكأن المشكلة كانت ستنتفي، في ما لو لم يكن ثمة مساكنون من هؤلاء في البلاد!

 

                                       (73)

مهما يكن من أمر، فإن الحقيقة الجوهريَّة التي ما تلبث أن تتكشف بجلاء، فى سياق أيّ بحث موضوعي مدقق، والتي قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، رغم أنه لا مراء فيها البتة، هي أنه ليس في دعاوى أيّ من (عقلانيّي البداهة) هؤلاء، بثقلهم المسلم، يميناً أو يساراً، وسواء استخدموا مصطلح (فصل الدّين عن الدَّولة) نصاً، أم حسبه المحللون ضمن خطابهم الفكري أو السياسي حكماً، ما يمكن اعتباره مطالبة فعليَّة تنصبُّ، قصداً وعملاً، على ترتيب هذا (الفصل) بالمعنى (العلماني) الأصلي للاحتجاج على وضعيَّة (الدّين) في الحياة  الاجتماعيَّة، أو الاعتراض على أيٍّ من مهام الدَّولة السودانيَّة، أو أجهزتها الوظيفيَّة، من زاوية اعتبار (الدّين)، أو النهوض بمقتضياته! ولو أن العكس كان صحيحاً لاتسم هذا الصّراع بالوضوح، ولكانت المشكلة أيسر على الفهم!

وإذن، لا يكاد المرء يقع، منذ فجر الاستقلال، على (علمانيَّة) ما في أداء هذه القوى ذات الثقل المسلم، لا من خلال الرَّصد الوقائعي للأحداث والأنشطة التاريخيَّة، ولا من حيث المضمون الفكري أو السّياسي لمختلف الخطابات الدعويَّة/الترويجيَّة/التحشيديَّة. وحتى في حملة معارضة السَّواد الأعظم من (المسلمين) لـ (الأسلمة) بعد مصالحة عام 1977م، أو لإصدار (قوانين سبتمبر)، باسم (الشَّريعة الإسلاميَّة)، عام 1983م، أو لمشروع (الدَّولة الدّينيَّة) الذي تهيَّأ، في أواخر ثمانينات القرن الماضي ومطالع تسعيناته، للدَّفع باتجاه نهاياته القصوى، فإن شيئاً من هذه (العلمانيَّة) المزعومة لم يتبدَّ في أيّ من برامج أو مشاريع أو أدبيات هذه القوى.

كذلك لم يظهر شئ من ذلك في الراهن السّياسي المتصل منذ انقلاب عام 1989م، والذي تبلور الاستقطاب، في بعض فتراته، كما لم يتبلور من قبل، بين الحكومة (الإسلاميَّة)، من جهة، والتي أمسك التيَّار (السُّلطوي) بزمامها، مستخدماً القوَّة المسلحة، وبين معارضة (التجمُّع)، بثقل العنصر المسلم فيها، والتي اتخذت شكل التحالف العريض بين أوسع الأقسام السّياسيَّة المدنيَّة والعسكريَّة، يميناً ويساراً، ومن مختلف الملل والنحل السودانيَّة، دينيَّاً وإثنيَّاً وجهويَّاً، فلا يكاد ملمح واحد من البرامج التي طرحتها هذه القوى المعارضة، حتى وهى تمتشق السلاح لمجابهة مشروع (الدَّولة الدّينيَّة)، يفصح عن أية خطة بديلة تستهدف (إقصاء) الدين من الحياة العامَّة، أو (كشطه) من حقول نشاط الأسرة، أو المجتمع، أو الدَّولة، أو من دوائر الفكر، أو الثقافة، أو التربية، أو التعليم، أو الإعلام، أو ما إلى ذلك ممَّا قد علمنا من (العلمانيَّة) في أصل المصطلح الغربي، كمظهر لـ (عقلانيَّة أوربا) الحداثيَّة، وجنينها الشَّرعي: (فصل الدّين عن الدَّولة)، علماً بأننا لا نتحدَّث، هنا، عن محض (التمييز) بين ما هو (ديني) وما هو (دنيوي/سياسي)، حسب التوجيه النبوي الشريف، فليس هذا (التمييز) من (العلمانيَّة) في شئ، وإنما هو (أصل) مؤسَّس جيّداً، كما قد رأينا، على مداميك شديدة الرسوخ تحت أعمدة الإسلام الأساسيَّة، وإنْ كان من الميسور ملاحظة و(فهم) القدر من الحرص الذي ظلت تبذله حركة الإسلام السّياسي في السودان، بالأخص، لتفاديه في كل أدبياتها!

 

(74)

على أن الباحثين يستطيعون أن يلمحوا، وبيسر، كيف أن التيَار (السلطوي) في حركة الإسلام السّياسي في بلادنا كان قد نجح، خلال السَّنوات التي أعقبت الاستقلال، في ابتزاز قوى (عقلانيَّة البداهة) التقليديَّة المسلمة، تدريجيَّاً، عن طريق اتهامها، حثيثاً، بـ (العلمانيَّة)، والعمل على (فصل الدّين عن الدَّولة)، فدفعها، دفعاً، للتخلي عن (عقلانيَّتها) تلك، حيث:

أ/ أدرجت (مبادئ ونظريات الإسلام) ضمن (مصادر التشريع) بنص المادة/36 من دستور جمهورية السودان لسنة 1958م.

ب/ واستخدمت، في مذكرة (هيئتها الوطنيَّة) لـ (الدستور الإسلامي)، نفس الدّيباجات المغرقة في الإبهام والتعميم، والتي لطالما وسمت خطاب التيَّار (السُّلطوي) ذاته، ومنها أن "الدستور الإسلامي صالح لكلّ زمان ومكان .. وأن الفقه الإسلامي فيه ما يكفى المسلمين لتشريعاتهم المختلفة، إن لم نقل فيه ما يكفى البشريَّة كلها، وفيه من القابليَّة للتطوُّر ما يفوق كثيراً النظم الحديثة" .. الخ (أنظر: مذكرة الهيئة الوطنيَّة للدستور الإسلامى، برئاسة الدّرديري محمد عثمان، إلى أعضاء الجمعيَّة التأسيسيَّة في 1/5/1967م). 

ج/ وعرَّفت (السودان)، بنص المادة/7 من مشروع ذلك الدستور (1968م)، باعتباره "جمهوريَّة .. تقوم على هدى الإسلام".

د/ وجعلت (الشَّريعة الإسلاميَّة)، وفق المادة/113 منه، بمثابة "المصدر الأساسي لقوانين الدَّولة".

هـ/ ونصَّت، تبعاً لذلك، ضمن المادة/115 منه، على وجوب "أن تصدر من التشريعات ما تعدَّل به جميع القوانين التي تعارض أيّ حكم من أحكام الكتاب والسُّنة".      

 

(75)

ولعلنا نجد معنى كبيراً، في هذا السياق، لعودة د. غازي صلاح الدين، أحد أبرز مفكري نخبة الإسلام السّياسي الحاكمة الآن في السودان، بعد أكثر من ثلاثين عاماً من ذلك التاريخ، وأكثر من عشر سنوات من الانفراد بالسُّلطة، ووطء جمرها عملياً، كي يوجّه نقده الصريح لشعار (الإسلام هو الحل)، والذي كان شباب الإسلامويين ينظرون إليه، يوماً ما، كما لو كان آية قرآنيَّة، أو حديثاً شريفاً، فيعتبره د. غازي، مجرد "شعار فضفاض"، على حدِّ تعبيره، ويدعو، من ثمَّ، الحركات الإسلاميَّة، في عموم المنطقة، للصمود أمام تحدّيات (الحداثة)، ومواجهة الأوضاع المعقدة لـ (المرأة)، و(الأقليَّات)، و(الحريَّات)، في العالم الإسلامي، دون أن تكون (الشعارات) منافذ للهروب الأمامي من مواجهة أزمات الماضي والحاضر والمستقبل، وذلك من خلال التأكيد على (التعدُّديَّة الحزبيَّة)، واستيعاب (التيَّارات الحديثة)، وضبط مفهوم (الأمَّة) في سياق (الظرف) الدَّولي القائم، بقوانينه وتشريعاته المعروفة، والسَّعي لخلق (تحالفات) واسعة مع الثقافات (المغايرة) في آسيا وأفريقيا، و(تجنب) الدخول معها في (مواجهات عدائيَّة) تهيئ لاستقطابها من جهات معادية للعالم الإسلامي؛ فبدون ذلك لن يكون كسب هذه الحركات، حسب د. غازي، سوى الفشل والانزواء، حيث لن يذهب (الدّين)، وإنما ستذهب هذه (الحركات)، وتأتى حركات جديدة ربما تتبنى الإسلام جزئيَّاً، وربما لا تتبناه إطلاقاً (أقواس التشديد من عندنا، ضمن رصد "ضياء الدين بلال" لندوة "المركز القومي للإنتاج الإعلامي" بعنوان "مستقبل الحركات الإسلاميَّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر"، الرأي العام، 23/11/2001م).

 

                                                (76)

مهما يكن من أمر ، فإن أمواج (التدافع) الفكري والسّياسي التي ما انفكت تتلاطم، بلا هوادة، طوال تاريخنا الحديث، وبالأخص منذ مطالع تسعينات القرن الماضي، حول جملة إشكاليَّات، من أهمّها وأخطرها إشكاليَّة (الدّين والدَّولة)، قد أخذت ترفع معها إلى أعلى حالة (الهشاشة) التي وسمت، في ما مضى، (عقلانيَّة) القوى الوطنيَّة الفاعلة، وسط الجَّماعة السودانيَّة المسلمة، يميناً ويساراً، وأن تهيئ لمقاربتها من منصَّة أعمق رسوخاً في الاستجابة لنداءات الواقع، ومقتضيات المعاصرة، وأكثر وثوقاً في الانتماء إلى (عقلانيَّة الإسلام)، ومنابع الحركة والتجدُّد في ثقافته، دون أن يفضى شئ من ذلك لإهدار (الدّين)، بالضرورة، الأمر الذي لم يكف، بعدُ، التيَّار (السُّلطوي) عن إفزاعها منه، وابتزاز مواقفها به.

والواقع أن حالة (الإفزاع العام) باسم (الدّين) لهي ممَّا يناسب، تماماً، هذا (التيَّار) الذي لا بُدَّ له من (الإلحاد) عند الاشتراكيين حتى يبرّر وجوده، ومن (العلمانيَّة) عند الليبراليَّين حتى يعي ذاته، ومن (النصرانيَّة) في شكايات الجنوبيين حتى يصرخ: "وا إسلاماه"! فإن لم يجد شيئاً من هذا على أرض الواقع لاخترعه! وقد مضى هذا (التيَّار) يخترع، بالفعل، ويصمِّم لخصومه السّياسيين أقمصة (الإلحاد) و(العلمانيَّة) و(الكفر)، لما يربو على نصف القرن، تساعده، في ذلك، وتشدُّ من أزره، مؤسَّسات وقوى اجتماعيَّة، من أنشطها، كما سلف القول، هيئات ولجان (العلماء)؛ ولاتَ ساعة أهميَّة ألا تجئ هذه الأقمصة على مقاسات الخصوم، إذ يكفي أن تجئ على مقاسات المناهج التي يعتمدها هذا (التيار)، ويتبعها في التفكير وفى العمل السّياسي، أي (نمط تديُّنه) الخاص الذي يخلع عليه وحده قدسيَّة (الدّين)، من أوَّل رؤيته لقضايا الحرب، والسلام، والتشريع، والاقتصاد، والسّياسة الخارجيَّة، إلى آخر تصوُّره لمسائل الغناء، والاختلاط، وتعدد الزوجات، وكرة القدم، والأزياء النسائيَّة. ولا ريب أن لشعار (وصل الدّين بالدَّولة)، وسط هذا كله، مكانته المركزيَّة المعلاة.

وقد درج هذا (التيار) على تفسير أيّ موقف مخالف لنمط (تديُّنه) هو، حول أيّ من هذه المسائل، باعتباره يتحرَّك فقط على خلفيَّة (الأهواء الذاتيَّة)، وباعتبار (مرتكبيه) محض (هوائيين) مَتهومين فى دينهم وأخلاقهم! فقد وصف د. الترابي، مثلاً، معارضى (قوانين سبتمبر) من المثقفين الشماليين المسلمين بأنهم "منافقون مارقون من بين صفوف المسلمين .. يتصنعون الغيرة على حقوق المواطنة .. وأنهم بحماية الأقليَّة غير المسلمة في الجنوب يريدون أن يلقنوا تلك الأقليَّة لتعبّر عن (أهوائهم) التي لا يستطيعون أن يفصحوا عنها" (من محاضرة له عن تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة في السودان ـ ضمن عبد الله على إبراهيم؛ الثقافة والدّيموقراطيَّة في السودان،  ط 1، دار الأمين، القاهرة 1996م، ص 25). هكذا نرى أن خطة هؤلاء (المعارضين) لا تفعل أكثر من أن تفتح شهيَّة خصومهم، في التيَّار (السُّلطوي)، لدمغهم "بالتحايل للمروق عن الدّين"، بينما لا تفيد حتى في الدّفاع عن حقوق غير المسلمين الذين قد يرغبون أن يروا العرب المسلمين في السودان متمتعين بحقوقهم في الاعتقاد والرَّأي وأنواع الشغف الأخرى أوَّلاً، قبل أن يُصدّقوا مشروعهم (عبد الله على إبراهيم ، المصدر نفسه).

 

(77)

لذلك كله، لم يعد ثمَّة مناص من أن ترتفع (عقلانيَّة البداهة)، وسط الجَّماعة السودانيَّة المسلمة، من حالة (هشاشتها) القديمة، لتدرج في مراقي الوعي بذاتها، وبمرجعيَّتها المتوطنة في قلب تربة الإسلام، بمبادئه الأساسيَّة، ومقاصده الكليَّة، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق طالما استمرَّ نطح السّياسة على حالته السّجاليَّة الرَّاهنة (فكي صلي .. ما بصلي)، دون أن تتصعَّد، داخل ثقافة هذه الجَّماعة، وتائر (تدافع) مطلوب بإلحاح، وقد تسبَّبت في تأجيله، طويلاً، حساسيات مُتوَهَّمة باسم الدّين، بين مَن يؤمنون بـ (عقلانيَّة الإسلام) القائمة، بالأساس، على الإعلاء من شأن العقل، والكرامة، والحريَّة، والشُّورى، والعدالة الاجتماعيَّة، وتمييز ما هو (دين) عمَّا هو (دنيا)، وبين (التيَّار السُّلطوي) الذي يطرح نفسه بالمصادمة لكلّ هذه القيم والمبادئ.

 

                                                                                 (نواصل غداً بإذن الله)

 

الإشارات:

٭ ثمة تيارات أخرى، ضمن المجرى العام للتنظيمات الإسلاميَّة في السودان، تميَّزت بعدم الانكفاء على طلب السُّلطة من أيّ طريق، كما وأنها لم تتخذ من مجرَّد المناوءة للحزب الشيوعي المنطق اليتيم لوجودها، فنادت بالإشتراكيَّة، وأبدت اجتهاداً إسلاميَّاً أكثر استنارة تجاه قضايا التغيير والتطوُّر. ومن أهمّ هذه التيَّارات: (الحزب الجُّمهوري) بقيادة الأستاذ الشهيد محمود محمد طه، و(الجَّماعة الإسلاميَّة) أو (الحزب الاشتراكي الإسلامي)، فيما بعد، بقيادة المرحوم بابكر كرار.