(2-2) آخرُ العلاج .. الكَيْ!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 (8)

لا شكَّ، البتة، في أن العامل الثقافي/النفسي/التاريخي هو المختبر الأدقُّ لقياس رغائب الناس الحقيقيَّة، والمفسّر الأصدق لدوافعهم وخياراتهم، حتف أنف الأزمة العميقة التي لطالما عصفت بعلاقات التساكن في بلادنا. لذا فإن التعانف السّياسي، على علوّ ضجيجه وعجيجه، حرباً وسلماً، قد أثبت عجزه، في كثير من اللحظات التاريخيَّة الحاسمة، عن إخفاء حقيقة أن المقوّمات الثقافيَّة/النفسيَّة لـ (الوحدة) تظلُّ، بالنسبة للجنوبيّين عموماً، ولمثقفيهم الوطنيّين خصوصاً، أقوى من دواعي (الانفصال) المتهومين به، إطلاقاً، في مستوى الوعي الاجتماعي السائد في الوسط وإلى الشمال النيلي، والذي ينشط في تغذيته (الانفصاليّون الشماليُّون)، وجلهم من إنتلجينسيا الجماعة المستعربة المسلمة، بالأخصّ. وقد تكفى نظرة عجلى للتيقن من أن هذه المقوّمات تأخذ في الاتساع كلما ذهبنا باتجاه القواعد الشعبيَّة أسفل الهرم المجتمعي الجنوبي، منصرفين عن ربوة سنامه حيث يكثر (الانفصاليون الجنوبيُّون) بالمقابل.

ولن يطول الأمر بمن أراد البحث، بنزاهة، عن أدلة ملموسة على هذه الحقائق؛ وكنا عرضنا لبعضها في مناسبات سبقت، ولا بأس من استعادتها هنا أيضاً. فذاكرة الرقّ التاريخيَّة، وتأثيراتها السَّالبة على صورة (الجَّلابي)، لم تحُلْ، خلال القرن التاسع عشر، دون تبلوُر صورة الإمام المهدي كابن للرُّوح المقدَّس (دينق) لدى الدينكا، مثلاً، وانخراطهم، من ثمَّ، في حربه الثوريَّة على الأتراك. و(السّياسة الجنوبيَّة) التي اجترحتها ونفذتها الإدارة الاستعماريَّة البريطانيَّة، ردحاً طويلاً من الزمن، لم تمنع النوَّاب الجنوبيين من التصويت، في أوَّل برلمان سوداني، مع استقلال السودان (الموحَّد)، مقابل مجرَّد إبداء الأحزاب الشماليَّة قدراً من (النوايا الحسنة) بشأن تلبية أشواق الجنوبيين للحكم الفيدرالي. وحتى المواجهات الدمويَّة، ابتداءً من 1955م، لم تستطع أن تطمس التعبيرات الجنوبيَّة (الوحدويَّة)، على تفاوتها، سواء في (المائدة المستديرة، 1965م)، أو في (أديس أبابا، 1972م)، أو خلال الحرب من 1983م إلى 2005م. ثمَّ ها هي (اتفاقيَّة السَّلام الشامل، 2005م) تبلغ بهذه التعبيرات أقصى أمدائها. وبرغم إصرار بعض الانتلجينسيا الجنوبيَّة على اعتماد الإنجليزيَّة، بل واقتراحهم السواحيليَّة، لغة قوميَّة هناك (Sir Anaye; Nile Mirror, Feb.74)، إلا أن كلمة (الثقافي/النفسي) العفويَّة الحاسمة قد مضت في هذا الأمر، بحيث انحصرت الإنجليزيَّة، مع الزمن، بين أقليَّات (النخب)، وهى ليست لغة أفريقيَّة بأي معنى، بينما واصلت اللغات المحليَّة أداء رسالتها، إلى جانب (عربي جوبا) كلغة تواصل lingua franca في قاعدة المجتمع الجنوبي بين قوميَّاته المختلفة، على غرار (عربي أم درمان) في الوسط وبقاع واسعة من الشمال؛ والعربيَّة، من قبل ومن بعد، لغة أفريقيَّة حملها "الجلابي .. إلى الجنوب .. منذ 1878م، ووزع مفرداتها وصيغها مع بضائعه، وقد وجدت فيها قبائل الجنوب .. لغة تتفاهم بها في ما بينها" (عبد الله على إبراهيم؛ الماركسيَّة ومسألة اللغة، دار عزة، ص 40). ومع الإقرار بأن هذا كله ما يزال أقصر من قامة المعالجات المطلوبة في إطار سياسة ثقافيَّة ديموقراطيَّة راشدة، إلا أننا "لسنا بحاجة إلى اعتساف هذا التطور .. بصيغ دستوريَّة .. تنطوي على الإكراه" (المصدر نفسه). وإلى ذلك لاحظت كثير من التحليلات نزوح أغلب الجنوبيّين شمالاً، حين تحاصرهم الحرب والفاقة، بالمقارنة مع مَن لا يلجأ إلى بلدان الجوار الأفريقي إلا مضطراً. وثمَّة، أيضاً، ملاحظة سر أناي لكون معظم اللغات الجنوبيَّة تستخدم مفردة (جور)، بمعنى (الغريب)، في الإشارة إلى أهل الجوار الأفريقي، بينما تستخدم مفردة (مندوكورو) فى الإشارة إلى المستعرب المسلم الشمالي (أنظر كتابنا "الآخر"، دار مدارك، القاهرة 2006م، ص 24). ومن ملاحظاته السديدة أيضاً أن الجنوبي يتجوَّل في مدن (الشمال) بإحساس (صاحب الأرض)، بينما تلفه مشاعر الغربة بمجرد أن تطأ قدماه أرض أي بلد أفريقي مجاور (نفسه، ص 25)؛ وفي هذا المعنى (الصّحّي) الطليق جاءت كلمة الراحل جون قرنق بأنه يشتهى أن يشرب القهوة في المتمة، والتي ظلَّ إعلام (الانفصاليين الشماليين) يحوّرها إلى معنى عدائي عليل! وبرغم ما كان يلوح، أحياناً، أثناء مفاوضات السلام في كينيا، من ميل (مظهري) إلى (المفاصلة)، إلا أن (عين السخط) وحدها هي التي لم تستطع أن تلمح، من وراء ذلك، طيوف رغبة جنوبيَّة حقيقيَّة في (الوحدة)، وإن بأشراط أكثر غلظة! كما وأن النوايا السَّيّئة وحدها هي التي لا تستطيع أن تلتقط الدلالات الوحدويَّة الصادحة في حدثين بسيطي المظهر، عميقي المخبر، وقع كلاهما خلال أبريل 2009م، وأوَّلهما لمسة الوفاء التي سجلها اتحاد الطلاب الجنوبيين لمدرسة الشيخ لطفي الثانويَّة برفاعة، والتي ظلت تحتضن، منذ 1984م، وبجهد أهلي مرموق، الآلاف من طلاب الجنوب النازحين من ظروف الحرب، وتوفر لهم فرص التعليم المجَّاني، حتى بلغ عدد الذين تخرَّجوا منهم فيها 13 ألفاً، وتشمل اللمسة خطة إعادة تأهيل المدرسة من حُرّ تبرُّعات الخريجين، وحثَّ حكومة الجنوب على إطلاق اسم الشيخ لطفي على أحد أكبر شوارع جوبا، فضلاً عن إنشاء مدرسة في إحدى مدن (الجنوب) توازي مدرسة الشيخ لطفي، فتستوعب الطلاب الجنوبيين والشماليين دعماً لـ (الوحدة الوطنيَّة). أما الحدث الآخر فهو تفويج أندية الاستوائيَّة لكرة القدم 300 من الشباب، من الجنسين، بقافلة بصَّات من جوبا إلى كمبالا، يلوحون بأعلام السودان، مؤازرة لفريق المريخ في مباراته أمام فريق كمبالا ستي في العاصمة اليوغنديَّة، ضمن بطولة الأندية الأفريقية، الأمر الذي شكل أهم عوامل فوزه في ذلك اليوم. أخيراً، وليس آخراً، فإن الكثيرين من زوَّار جوبا الشماليين يلاحظون، ولا بُدَّ، ضبط سائقي السَّيارات وأصحاب الكناتين مؤشّرات راديوهاتهم على (ام درمان)، لتصدح، ليس فقط بأغاني وردي وكابلي وزيدان وإبراهيم عوض، بل حتى النعام آدم ومحمد كرم الله وسائر طنابير (الشمال) النيلي!  

 

(9)

وإذن فثمَّة تناقض عميق بين المقوّمات الثقافيَّة/النفسيَّة لـ (الوحدة) لدى الجنوبي العادي reasonable southerner، من جهة، وبين سياسات (التهميش) و(الاستعلاء) و(نقض العهود) التي ظلت تعتمدها، من جهة أخرى، أنظمة الحكم المتعاقبة، منذ الاستقلال وحتى حكومة (الوحدة الوطنيّة!) الحاليَّة، الأمر الذي من شأنه أن يعزز، منطقيَّاً، في نهاية المطاف، من عزوف هذا المواطن عن هذه (الوحدة) بشروطها القديمة، ومن (ترجيح) تصويته، بالتالي، لـ (الانفصال) في (الاستفتاء)، لا لأنه (متيقن) من ضرورة هذا (الانفصال)، وإنما، فقط، من باب رغبته في التعبير عن (غبن) مزمن لديه، يغذيه (الانفصاليُّون) من سياسييه ومثقفيه، جرَّاء سياسات (التهميش) و(الاستعلاء) المتطاولة!

لقد أشار الفريق سلفا إلى هذا التناقض، بقوله، في فاتحة مؤتمر جوبا: "إن السودان في مفترق طرق، وخيارا الانفصال والوحدة متماثلان". لكن هذا التناقض (يرجّح)، فعليَّاً، أن يصبح الذهاب إلى (الاستفتاء)، بهذا الوضع المزري، ذهاباً، في الغالب، إلى المفاضلة، في لحظة جنون تاريخيَّة، بين (الانفصال!) و(الانفصال!)، حيث تكاد تنعدم أدنى ثقة في إمكانيَّة أن يُفضي إلى دولة (وطن موحَّد)! فإذا بقيت الاتفاقيَّة على حالها الراهن نهباً لـ (الانفصاليّين الجنوبيّين)، يدعمهم (الانفصاليُّون الشماليُّون)، فلا مناص من إجراء (الاستفتاء) على (الوحدة) أو (الانفصال) في التاريخ المحدَّد بعد أقلّ من عامين، بنتيجته الواضحة، منذ الآن، لكلّ من حباه الله مثقال ذرَّة من البصيرة، إذ أن الإصرار على تطبيقه، بمعزل عن أيّ نصّ آخر في الاتفاقيَّة، لن يعني سوى إجرائه على هذا النحو المعيب!

ويجدر أن نشير إلى أن منطق (الانفصاليّين الجنوبيّين) قد لا يقوم هنا، فقط، على إلزاميَّة نصّ (الاستفتاء) كتعبير عن إرادة طرفيه، رغم أنهما لا يملكان، في الواقع، أن يزعما تمثيل إرادة مجموع الشَّعب، لا في (الشمال) ولا في (الجنوب)، وإنما، كذلك، على إلزاميَّة القانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث ينبغي، في كلّ الأحوال، تنفيذ الاتفاق على تطبيق (حقّ تقرير المصير)، حسب هذه القراءة (الانفصاليَّة الجنوبيَّة) للنصّ، في ما لو صحَّت!

بتفصيل أكثر، فإن البند/1/3 من (المبادئ المتفق عليها)، والبند/2/5 من (الجزء "ب": عمليَّة الانتقال)، ضمن (بروتوكول مشاكوس) المبرم في 20/7/2002م، واللذين ينصَّان على إجراء (الاستفتاء) في نهاية الفترة الانتقاليَّة، تنبغي قراءتهما مع، وفي ضوء، بنود أخرى، كالبند/1/1 من ذات (المبادئ المتفق عليها)، والذي يجعل (الأولويَّة) لـ (الوحدة) القائمة على "إرادة الشعب الحرَّة، والحكم الديموقراطي، والمساءلة، والمساواة، والاحترام، والعدالة"؛ والبند/1/5/1 الذي ينصُّ على إقامة (نظام ديموقراطي) في البلاد، والبند/1/5/2 الذي ينصُّ على أن (السَّلام) لا يكون بمجرَّد إيقاف (الحرب)، وإنما "بالعدالة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسّياسيَّة"، فضلاً عن البند/1/5/5 الذي يقترن فيه (الاستفتاء) نفسه، كممارسة مستحقة لـ (تقرير المصير)، بالعمل على جعل (الوحدة) خياراً (جاذباً)؛ وكذلك البند/2/4/2 من (الجزء ب: عمليَّة الانتقال)، والذي ينصُّ على عمل الأطراف مع (مفوضيَّة التقويم والتقدير) لجعل (الوحدة) خياراً (جذاباً) للجنوبيّين. فلو أن (الانفصاليّين الجنوبيّين) أخذوا (تطبيق) جملة هذه النصوص بحقها، دون انتقاء أو تبعيض، لكان منطقهم مقبولاً بشأن إلزاميَّة (الاستفتاء)، ولانفسح المجال للتحاكم العادل، بينهم وبين (الوحدويّين)، جنوبيّين وشماليّين، أمام الجماهير الجنوبيَّة، عام 2011م، على أكمل وأتمّ وجوه الممارسة الديموقراطيَّة.

سوى أن الحاصل، قانونيَّاً وعمليَّاً، هو أن (واجب) الالتزام بهذه (المقدّمات) و(الشروط) لم يتمَّ الوفاء بجله طوال الثلثين المنقضيين من عمر الفترة الانتقاليَّة، ولن يتمَّ، غالباً، خلال الثلث المتبقي، ممَّا يعني خرقاً صارخاً لـ (شروط) ممارسة (الاستفتاء) على الوجه السليم، الأمر الذي (يترجَّح) معه، بوضوح، أن تترتب عليه أوخم الآثار في مثل هذه الظروف؛ وهذا هو، بالتحديد، ما يريد (الانفصاليُّون)، جنوبيّين وشماليّين، أن يوصلونا إليه؛ إذ أنهم، على حين يملأون الدنيا ضجيجاً عن (إلزاميَّة) إجراء (الاستفتاء)، في حدّ ذاته، لا يعيرون أدنى اعتبار لـ (إلزاميَّة) النصوص الأخرى الرامية لجعل (الوحدة) خياراً (جاذباً)! 

مع كلّ تلك الحسابات، وما ترهص به، فإن على (الانفصاليّين الجنوبيّين) بالذات، وهم يلهوجون (اختطاف) الاتفاقيَّة، و(إفراغها) من محتواها الاجتماعي، و(تجفيفها) في حدود ممارسة (شكليَّة)، فحسب، لـ (الاستفتاء)، بعد إغفال (شرط) الوفاء بـ (مقدّماته) اللازمة من إنجاز (التحوُّل الديموقراطي) و(العدالة الاجتماعيَّة)، والسعي لجعل (الوحدة) خياراً (جاذباً)، ألا (يأمنوا)، نهائيَّا، (عواقب) العامل (الثقافي/النفسي) الذي قد يفاجئهم بقلب المنضدة على وجوههم أجمعين، وألا يركنوا، تماماً، لما يبدو في الظاهر من (ضآلة) الفرص المتاحة لهذا الاحتمال في الوقت الراهن، وأن يدركوا أن (الاستفتاء)، في ظلّ مجمل هذه الأوضاع، قد يصبح عملاً شبيهاً بقمار (الروليت الروسي)، رغم أنه سيجري، للمفارقة، على أساس (الحقّ الديموقراطي) المشروع تماماً في (تقرير المصير)! بعبارة أخرى، فإن الإقدام على هذه الممارسة، برغم غياب (التحوُّل الديموقراطي)، وانتفاء شرط (الوحدة الجاذبة)، سيفتح (صندوق بنادورا) من شأنه أن يحوّلها إلى (ورطة وطنيَّة) حقيقية لن ينجو أحد منها، بما في ذلك (الانفصاليُّون) أنفسهم! ولعلَّ في هذا يكمن المعنى السَّديد الذي ما برح ينبّه إليه، منذ حين، بعض (الوحدويّين) من قادة الحركة الشعبيَّة، كالصَّديق القائد ياسر عرمان، بقولهم إن (جنوب السودان) لن يتحوَّل، حتى في حالة وقوع (الانفصال)، إلى (جنوب البرازيل)!

 

(10)

والحال هكذا، نخشى أنه لم يتبق سوى (الكَيّ)، بعد أن تعذرت، في (ميزان القوَّة) الرَّاهن، كلُّ سبل (العلاج) الأخرى! وما من (كَيٍّ معقول) يمكن التفكير فيه، الآن، في ساعتنا الخامسة والعشرين هذه، غير طرح (المَخرج المحتمل) الوحيد من هذه الورطة، وهو "الكونفيدراليَّة Confederation" (راجع: رزنامة الأسبوع ـ الأخبار، 17/8/09).

لكن، قبل أن نمضي قدماً للتعرُّف على ملامحها الرئيسة، لكن، قبل أن نتعرَّف على ملامحها الرئيسة، والأسس التي تسند طرحها، فضلاً عن الفرص المتاحة للأخذ بها،  يجدر أن نؤكد، ابتداءً، على الآتي:

أ/ لسنا وحدنا من يطرح هذا الاقتراح، وليست هذه هي المرة الأولى التي يُطرح فيها، فقد سبق أن طرحته الحركة من خلال المفاوضات المطوَّلة التي أفضت إلى اتفاقية السَّلام؛ وطرحه المرحوم محمد ابو القاسم حاج حمد، في مايو 1999م، عبر صحيفة (الحياة اللندنيَّة)؛ وطرحه تقرير مركز الدّراسات السّياسيَّة والاستراتيجيَّة بواشنطن، في فبراير 2001م، بعنوان (سياسة الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في السودان)؛ كما تنبأ ستيفن موريسون، مدير المركز الذي شارك في صياغة التقرير، بأن تنتهي إليه عملية السلام (خالد التيجاني؛ سودانايل ـ نقلاً عن "إيلاف"، 19/9/09). كذلك طرحه حزب الأمَّة "القومي"، منذ حين، كما تمَّ طرحه داخل (مؤتمر جوبا)، عبر ثلاثة أوراق، إحداها لحزب الأمَّة "الإصلاح والتجديد"، والأخرى لكاتب هذه السطور في لجنة (الوحدة والانفصال)، والثالثة للأستاذ طه ابراهيم في لجنة (السلام) التي تبنته في تقريرها، وجرى اعتماده في المؤتمر، لكنه لم يظهر ضمن (الإعلان الختامي) لسبب غير معلوم! 

ب/ مهما يكن من أمر، فإن الفرق جدُّ كبير بين طرح (الكونفيدراليَّة) كخيار (تكتيكي)، كما في حالة الحركة إبَّان المفاوضات، أو كخيار (أيديولوجي)، كما في حالتي محمد ابو القاسم والمركز الأمريكي، ممَّا أدى إلى رفضها، أوان ذاك، من قبل (الوحدويّين)، استناداً إلى اتساع الفرص التي كانت متاحة، نسبيَّاً، أمام (الوحدة) الكاملة، وبين طرحها، الآن، باعتبارها (المَخرج) العمليَّ الوحيد من (ورطة) ما تنفكُّ تندفع نحوها قضيَّة (الوحدة)، سواء جرى التصويت بنسبة 51% أم 75%، لا بسبب (قناعة عقلانيَّة) مؤكَّدة لدى المواطن (الجنوبي) بخيار (الانفصال)، وإنما بسبب الملابسات التي حكمت بأن يجري (الاستفتاء)، تطبيقاً لـ (حقّ تقرير المصير)، في زمن تقع فيه مسئوليَّة التنفيذ الكامل لاتفاقيَّة السَّلام على عاتق النظام، وليس على عاتق مجموع أو حتى أغلبيَّة الشَّعب!

 

(11)

عرف التاريخ أنواعاً مختلفة من (الاتحادات) بين الدول، تمايزت في ما بينها، على انبهام هذا التمايز أحياناً، ومثلت، من ثمَّ، باباً مستقلاً في القانون الدَّولي الكلاسيكي تفرَّد بكثرة التحوُّلات العمليَّة، واتساع الإسهامات الفقهيَّة، خصوصاً بعد الحربين العالميَّتين. وأهمّ هذه الأنواع (الفيدراليَّة) و(الكونفيدراليَّة).

ولئن كانت (الفيدراليَّة) اتحاداً (كاملاً) يحتفظ كيانه المركزي بالوظائف الأساسيَّة للدولة (الموحَّدة)، ففي (الكونفيدراليَّة)، على العكس من ذلك، تكون (الدُّول) الأعضاء (متحدة) بشكل بالغ الضيق، قد لا يتجاوز، في الغالب، رمزيَّة (رئاسة الكونفيدراليَّة)، و(العملة الموحَّدة)، وبعض (الهيئات المشتركة)، فضلاً عن تمتع مواطني هذه الدول بـ (الجنسيَّة المزدوجة)، و(حريَّة التنقل) و(حقّ التملك) داخل حدود (الكونفيدراليَّة)، بينما تحتفظ كلٌّ (دولة عضو) بنظام حكمها، وبحقها في مباشرة جميع اختصاصات ووظائف الدَّولة (المستقلة) ذات (السَّيادة). بعبارة أخرى فإن (الكونفيدراليَّة) تتأسَّس، في المقام الأوَّل، على (معاهدة) بين دولتين، أو مجموعة دول كاملة (الاستقلال) و(السيادة)، لتحقيق أهداف محدَّدة، فتنشئ (هيئات عُليا) من ممثلي (الدُّول الأعضاء)، وتجعل على رأس هذه الهيئات (مجلساً) تحت رئاسة (رمزيَّة) للإشراف على تنفيذ هذه الأهداف. ولا تنقل الدُّول (الأعضاء) شيئاً من اختصاصاتها أو وظائفها لهذه (الهيئات العُليا)، إلا في حدود ما يمكّنها، فقط، من صون (استقلال)، و(سلام)، و(مصالح) هؤلاء (الأعضاء)، سياسيَّاً واقتصاديَّاً.

وقد حفل التاريخ بنماذج كثيرة من (الكونفيدراليَّات)، كالولايات المتحدة الأمريكيَّة، خلال الفترة (1776 ـ 1787م)، وسويسرا، فترة طويلة من تاريخها حتى 1848م، وألمانيا، خلال السنوات (1815 ـ 1866م). على أن هذا الشكل اختفى، تماماً، في العصر الحديث، أو كاد، فلا توجد منه، الآن، سوى نماذج محوَّرة باتجاه المزيد من تأكيد (استقلاليَّة) و(سيادة) دوله (المفردة)، كالاتحاد الأوربي ومجلس التعاون الخليجي، على سبيل المثال.

وتتجلى أهمّ الفروق بين شكلي (الفيدراليَّة) و(الكونفيدراليَّة)، بحسب (د. محمد حافظ غانم؛ مبادئ القانون الدولي العام، ط 3، القاهرة 1963م، ص 207 ـ 211)، في ما يلي:

أ/ (الاتحاد الفيدرالي) نظام قانوني مركَّب، وذو خصائص مائزة، في القانونين الداخلي والدولي، حيث تحدّد الوثيقة الدستوريَّة المنشئة له سلطات أجهزته، واختصاصاتها، والعلاقات بينها، فتكون له حكومة مركزيَّة ذات (سلطة عُليا) نافذة على أعضائه، ومسئولة عن تصرفاته الدوليَّة وتصرفات رعاياه، وفق القانون الدَّولي العام. أما (الاتحاد الكونفيدرالي) فيحتفظ لكلّ (دولة عضو) فيه باستقلالها، وسيادتها، وحكومتها الوطنيَّة، وشخصيتها الدَّوليَّة، ولا تعتبر (هيئاته العُليا) حكومة تنفذ سلطتها على (الأعضاء)، وإنما يقتصر عملها، فقط، على ما نصَّت عليه المعاهدة.

ب/ وحتى في هذه الحدود، فإن (الهيئات العُليا) لـ (الاتحاد الكونفيدرالي) لا تملك تنفيذ قرارتها عن طريق أجهزة تابعة لها، كما وأن قراراتها لا تعتبر تشريعات نافذة، بذاتها، في أقاليم (الأعضاء)، وإنما تقوم بإبلاغ الدُّول (الأعضاء) بقراراتها عن طريق حكوماتها الوطنيَّة.

ج/ وبينما تصدر قرارات حكومة (الاتحاد الفيدرالي) وفق الميكانيزمات المعتادة في عمل الحكومات، وتعتبر أجهزته التنفيذيَّة والتشريعيَّة والقضائيَّة أعلى من جميع أجهزة (أعضائه)، فإن قرارات (الهيئات العُليا) في (الاتحاد الكونفيدرالي) تصدر بـ (الإجماع)، كقاعدة، إلا ما استثني، وفق نص خاص، بجواز إصداره بـ (الأغلبيَّة).

د/ وفي حين يباشر (الاتحاد الفيدرالي) كامل وظائف العلاقات الدوليَّة، من حيث إبرام الاتفاقيَّات، وتبادل التمثيل الدبلوماسي، والانضمام إلى المنظمات الدَّوليَّة، وإعلان الحرب وفق قواعد القانون الدَّولي، فإن ممارسة هذه الوظائف، في (الاتحاد الكونفيدرالي)، موكولة لكلّ (عضو) على حدة، وإن روعيت، في ذلك، السّياسة العامَّة المتفق عليها؛ علماً بأن بعض الدساتير (الفيدراليَّة) تعدّل من هذه القاعدة، فتسمح لأعضائها بتبادل التمثيل الدبلوماسي، كالدستور الألماني لسنة 1871م، أو الانضمام للمنظمات الدوليَّة، كما كان الحال بالنسبة لبعض الجمهوريَّات السوفيتييَّة، كأوكرانيا وروسيا البيضاء مثلاً.

هـ/ وتعتبر الحرب التي قد تنشب داخل (الاتحاد الكونفيدرالي)، بعكس تلك التي قد تنشب داخل (الاتحاد الفيدرالي)، حرباً (دوليَّة)، وليست (أهليَّة).

و/ وبخلاف الحال في (الاتحاد الفيدرالي) الذي يجوز تعديل وثيقته الدستوريَّة بالأغلبيَّة العاديَّة أو الخاصَّة، ولا يكون للعضو المخالف حقُّ (الانفصال)، فإن معاهدة (الكونفيدراليَّة) لا يجوز تعديلها إلا بموافقة جميع الأعضاء، مع الاحتفاظ للعضو المخالف بحقّ (الانفصال) كأحد أهمّ الوسائل التي يؤكد بها على (استقلاله) و(سيادته). 

   

(12)

هكذا نستطيع أن نرى، بوضوح، أن (الكونفيدراليَّة)، وإن كانت شكلاً من أشكال (الاتحاد)، إلا أنها (اتحاد) غاية في الهشاشة! إنها، كما وصفناها في مناسبة سابقة، محض (اتحاد) بـ (شعرة معاوية)، أو قل هي (الانفصال) ذاته حالة كونه (مؤجَّلاً)!

لذا فمن المنطقي أن يثور، هنا، على الفور، سؤالان: أوَّلهما عن جدوى طرحها، الآن، كخيار نقترح أن تتبناه القوى (الوحدويَّة) في (الشمال) و(الجنوب)، لتدفع باتجاهه، وتفاوض شريكي نيفاشا لإقناعهما باعتماده، بدلاً من هذا (الاستفتاء) المعيب، والذي لا يمكن، مع ذلك، التراجع عنه إلا بموافقتهما. أما السؤال الآخر فعن مدى الفرصة المتاحة كي يحظى هذا الاقتراح بقبول هذين الشَّريكين.

للإجابة على السؤال الأول، يكفي أن نستعيد ما سبق أن سقناه من كون اتفاقية السَّلام لم تنفذ بالقدر الذي (يضمن) أن تكون (الوحدة الكاملة) خياراً (جاذباً) في (الاستفتاء)، فضلاً عن (ترجيح) كون الزمن المتبقي على نهاية الفترة الانتقاليَّة لن يكفي لتحقيق هذا الهدف، آخذين في الاعتبار جدليَّة (الوحدة والانفصال)، بين العوامل السالبة لواقع التساكن المعلول، وبين العوامل الثقافيَّة/النفسيَّة الإيجابيَّة.

أما للإجابة على السؤال الثاني، فإننا نحتاج لأكبر قدر من (الواقعيَّة السّياسيَّة) كي نستصحب جملة اعتبارات من شأنها حفز الشريكين على فتح الاتفاقيَّة مجدداً، لإعادة التفاوض حول هذه النقطة، تحديداً، بغرض الاتفاق، قبل فوات الأوان، على الآتي:

أولاً: صرف النظر، في الوقت الراهن، عن إجراء هذا (الاستفتاء) المعيب، والذي لا سبيل لإصلاح السير باتجاهه؛

ثانياً: التصفية الفوريَّة لشكل (الاتحاد الفيدرالي) الحالي، والذي هو، في الواقع العملي، شكل (شبه كونفيدرالي)، ولا ينقصه سوى أقل القليل كي يتحوَّل إلى شكل (كونفيدرالي) مكتمل؛

ثالثاً: الإلتزام بإقرار قيام دولة كاملة (الاستقلال) و(السَّيادة) في (الجنوب)؛

رابعاً: الإلتزام بإبرام معاهدة فوريَّة لتأسيس (اتحاد كونفيدرالي) بين هذه الدَّولة وبين الدولة الأخرى (المستقلة) ذات (السَّيادة)، بالمقابل، في (الشمال)؛

خامساً: التعهُّد بإجراء (استفتاء) دوريّ للجنوبيّين، بعد قيام (الكونفيدراليَّة)، كلَّ عشر سنوات مثلاً، حول ما إذا كانوا يفضّلون (مواصلة) السَّير بهذا (الشَّكل الكونفيدرالي)، أم (العودة) إلى (الشَّكل الفيدرالي)، أم إقرار (الانفصال) نهائياً.

ولعلَّ تلك هي الضمانة الوحيدة، الآن، لتفادي مغامرة (الروليت الروسي) في (الاستفتاء) المعيب، مع (استدامة) شكل ما من (الاتحاد)، وإن بهذه (الهشاشة)، فـ (الهشاشة)، على أيَّة حال، أفضل من (العدم)؛ أو، على الأقل، لـ (تأجيل) هذا (الاستفتاء) إلى ظروف أخرى أكثر ملائمة، وإلى لحظة تاريخيَّة تغلب عليها عقلانيَّة الفكر والممارسة.

وأما الاعتبارات التي من شأنها المساعدة على دفع الشريكين للقبول بفتح الإتفاقيَّة لإعادة التفاوض حول هذه المسألة شديدة الحساسيَّة، فهي، حسب تقديرنا، غاية في البساطة، من حيث منطقها الداخلي، وذلك على النحو الآتي:

أ/ بإجراء (الاستفتاء) عام 2011م، تحت هذا الظرف المحدَّد، وبافتراض استمرار الحال على ما هو عليه، تكون ممارسة (الروليت الروسي) قد اكتملت، وانقضى أمرها تماماً، وانقطعت كل خطوط التراجع عنها، ولم يعُد مشهدها يستوعب غير نتيجتها، مع الاحتمال (الراجح) لوقوع السيف على رأس (الوطن الواحد)، وبتره نهائيَّاً، في لحظة تاريخيَّة تفتقر إلى عقلانيَّة الممارسة! ويقيننا أن في قادة الحركة الشَّعبيَّة عقلاء عينهم لا تغفل عن تبعات (الانفصال)، ومخاطره، كقفزة في الظلام لا تؤمن بوائقها؛ كما وأن في قادة المؤتمر الوطني عقلاء يخشون حكم التاريخ عليهم، مرة وللأبد، حال وقوع (الانفصال)، بأنهم هم مَن (انشطر) الوطن بسبب ترتيبات خرقاء جرت في عهدهم هم، دون جميع الأنظمة التي تعاقبت على الحكم منذ الاستقلال، فلا يعود مجدياً لهم، بإزاء هذه (السُّبَّة) الوطنيَّة، أن يواصلوا التباهي، في باب رصدهم لإنجازاتهم، برصف الطرق، أو إقامة السُّدود، أو تشييد الكباري! ومن ثم فإن الفرصة قد تكون سانحة، برأينا، لـ (مساومة) كلا الطرفين حول مقترح (الكونفيدراليَّة).

ب/ من جهة أخرى، فإن من شأن (الكونفيدراليَّة) تلبية طموح (الانفصاليّين الجنوبيّين)، إلى أقصى حدّ، في (الدولة المستقلة)، مع ضمان تفادي ما يمكن أن تحمله لهم نتائج (استفتاء 2011م) من مفاجآت (الروليت الروسي) غير المحسوبة! كما وأن من شأنه، أيضاً، تسكين بلبال (الوحدويّين) في شطري الوطن، والذين ليس لديهم أيُّ بديل واقعي أو عملي عنه في الوقت الراهن.

 

(13)

أمَّا ما يثيره الطرفان والدول الراعية للاتفاقيَّة، من ناحية، حول (استحالة) فتحها لإعادة التفاوض على أيَّة جزئيَّة منها، وما يتشبَّث به (الانفصاليُّون الجنوبيُّون)، بخاصَّة، في ما يتصل بـ (حتميَّة) إجراء (الاستفتاء) في موعده المحدَّد، بحُجَّة أنه منصوص عليه فيها، وقد انسكب، من ثمَّ، في نصّ دستوري، وتصوير ذلك باعتباره (قيداً فولاذيَّاً) لا يمكن الفكاك عنه، فتناقضه، من ناحية أخرى، نصوص في الاتفاقيَّة ذاتها، باعتبارها (مرجعيَّة) الدُّستور الانتقالي، فضلاً عن إفصاحات لم يعُد من النادر أن تصدر عن نفس هذه الأطراف، وكذلك جملة أحداث تسير، واقعياً، في الاتجاه المعاكس لإمكانيَّة تنفيذ هذا (الاستفتاء) بعد أقلّ من عامين. فعلى سبيل المثال:

أ/ ينصُّ البند/2/2/7/2 من (بروتوكول قسمة السلطة) على أنه "يجوز إدخال تعديلات على الدُّستور القومي الانتقالي خاصَّة بأحكام اتفاقيَّة السَّلام، شريطة موافقة كلا الطرفين الموقعين على هذا الاتفاق". ومن البدهي أن (إعادة الاتفاق) تنبني، أساساً، على (إعادة التفاوض). وهو نفس المعنى الذي ذهب إليه نصُّ البند/2/6 من (بروتوكول مشاكوس)، والذي يقرأ: "تمتنع الأطراف عن أيّ شكل من أشكال إلغاء أو إبطال اتفاقيَّة السَّلام من جانب واحد"؛ أي، بمفهوم المخالفة، يكون ذلك ممكناً إذا اتفق عليه الجانبان.

ب/ وعلى حين قطع، مثلاً، د. غازي صلاح الدين، مستشار رئيس الجمهوريَّة، بنفي أيّ اتجاه لفتح الاتفاقيَّة، أكدت مصادر حكوميَّة "أن المؤتمر الوطني (عرض) على الحركة رفع نصيبها في الحكومة إلى 30% .. حلاً لأزمة التعداد السُّكاني!" (الأحداث، 21/8/09). ومعلوم، بالطبع، أن (العرض) يُعد بمثابة (زغرودة) فتح الاتفاقيَّة!

ج/ وإذا كان (الاستفتاء) يَفترض، ابتداءً، توفر (الاستقرار) لأهل الجنوب الذين سيشاركون فيه، فقد أصدر (مركز إندبندنس) الأمريكي تقريراً، خلال يوليو 2009م، قال فيه إن الأمم المتحدة وحكومة الجنوب لم تعودا قادرتين على نزع 3 مليون بندقيَّة من أيدي 8 مليون مواطن (الأحداث، 11/7/09). وقد تفاقمت النزاعات القبليَّة بوحشيَّة غير مسبوقة، مِمَّا عرَّض ويعرِّض الآلاف للقتل والتشريد، بما في ذلك النساء، والأطفال، والعجزة، وكبار السن، وأصبح مادَّة يوميَّة للوكالات وأجهزة الإعلام العالميَّة. من ذلك ما وقع، مؤخَّراً، من معارك راح ضحيَّتها العشرات في بانتيو بولاية الوحدة الغنيَّة بالنفط (فرانس برس، 3/10/09)، واتهم الفريق سلفا كير المؤتمر الوطني بالضلوع فيها (الأخبار، 4/10/09). وقبلها سقط أكثر من مئة قتيل في مواجهات دامية بين أفراد من النوير ومجموعات من الدينكا بولاية جونقلي، حيث لاحظ ديفيد جريسلي، رئيس عمليَّات الأمم المتحدة في (الجنوب)، أن المسلحين يبدون أكثر تنظيماً من مجرَّد مجموعات لسرقة المواشي التقليديَّة. وأضاف: "نحن قلقون بشأن احتمال وجود عناصر توجّه هجماتها لمؤسَّسات الدولة"! ووقتها، أيضاً، اتهم ساسة جنوبيُّون المسؤولين في (الشمال) بتسليح القبائل لنشر الفوضى قبل (انتخابات 2010م)، و(استفتاء 2011م)، بينما نفت الخرطوم هذه الاتهامات، وعزاها إبراهيم غندور، القيادي بالمؤتمر الوطني، إلى محاولة حكومة (الجنوب) "التغطية على قصورها الأمني". وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى سقوط أكثر من 1200 شخص في هجمات مماثلة في (الجنوب) هذا العام، ممَّا يثير المخاوف بشأن الاستقرار هناك (بي بي سي، 24/9/09).

ج/ وتجئ هجمات جيش الرَّب المتواصلة، ضغثاً على إبالة، لتقتل، وتغتصب، وتنهب، وتشيع الذعر في مناطق شاسعة على الحدود مع الكنغو وأفريقيا الوسطى، فتجبر الأمم المتحدة على تعليق أنشطتها الإنسانيَّة هناك، تاركة آلاف اللاجئين والنازحين بلا حماية أو مساعدة، إلا ما يتدارسه، منذ حين، مكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانيَّة، حسب بيانه الصادر خلال أغسطس 2009م، من إمكانيَّة توفير تمويل عاجل بمبلغ 50 مليون دولار لعمليَّات إسقاط جوي للأغذية في الإقليم الذي يقف الآن، حسب البيان، على شفا أزمة غذائيَّة حادَّة (الأحداث، 22/8/09).

د/ فلئن لم يكن ثمة عاقل يستطيع أن يتصوَّر إمكانيَّة أن يتهيَّأ، في مثل هذه الظروف، مناخ ملائم لمجرَّد الاستعداد لـ (الاستفتاء)، دَعْ إجراءه، فإن الوقائع المشار إليها تؤسّس، أيضاً، لإمكانية تداول مقترح (الكونفيدراليَّة)، كآخر المخارج المتاحة، لا سيَّما وأن الاتفاقيَّة نفسها، خاصة بروتوكول الترتيبات الأمنيَّة، تؤسّس، فعليَّاً، بحكم التحدّيات التي فرضتها ضرورة إبرامها، لنظام (كونفيدرالي) غير مفصح عنه، بالإسم، حيث تتمتع حكومة (الجنوب)، وفق الاتفاقيَّة، بسلطات تفوق ما تتيحه (الفيدراليَّة)، عادة، وإن قصُرت، شيئاً، عمَّا تتيحه (الكونفيدراليَّة) الكاملة.

هـ/ والقوى الدَّوليَّة نفسها أضحت تبدي، مؤخَّراً، (قلقاً) واضحاً من الهاوية التي ما تنفكُّ تندفع نحوها الأمور في السودان، والمآل (الانفصالي) الذي يُتوقع أن يفضي إليه (الاستفتاء)، في ما لو أجري تحت هذه الظروف المحدَّدة، ليس بالنسبة لـ (الجنوب) فقط، وإنما كنموذج يمكن أن تحذو حذوه أقاليم أخرى في البلاد. لذا سارعت روسيا لعقد مؤتمر دولي حول قضايا السودان، وخاطب الكسندر سلطانوف، نائب وزير الخارجيَّة، جلسته الافتتاحيَّة بفندق (الرئيس) بموسكو في 6/10/2009م، قائلاً إن بلاده ترغب "في تحقيق التسوية في السودان سلميَّاً، دون المساس بسيادته و(وحدة) أراضيه"؛ كما أكد ميخائيل مارغيلوف، المبعوث الروسي الخاص إلى السودان، على أن سّياسة بلاده تجاه السودان تهدف إلى "منع صوملته" (الأحداث، 7/10/09)؛ ومن جانبه دعى جورج لينك، المبعوث النمساوي الخاص إلى السودان، والذي هو، في ذات الوقت، مبعوث الاتحاد الأوربي إلى أفريقيا، شريكي الاتفاقيَّة لإدارة حوار داخلي في ما بينهما، والتحدُّث إلى مواطنيهما في (الشمال) و(الجنوب)، عن مزايا وعيوب (الوحدة) و(الانفصال)، مشدّداً، صراحة، على "ضرورة (بقاء) السودان (موحَّداً)، والتركيز على المنافع الاقتصاديَّة التي ستصاحب ذلك" (الأخبار، 5/10/09). أما الإدارة الأمريكيَّة فتتداول، حاليَّاً، مقترحين: أحدهما يتمحور حول تأجيل (الاستفتاء) حتى 2013م، كي يتمَّ إدماج اتفاق سلام دارفور، بافتراض التوصُّل إليه خلال موعد أقصاه أبريل 2010م، في اتفاق نيفاشا، بحيث يفضيان معاً إلى تمثيل الأقاليم كافة في حكم البلاد، ومن ثمَّ إلى اختبار (الوحدة)، مجدَّداً، خلال السَّنتين اللتين تسبقان العام 2013م! أما الآخر فيتمحور حول إجراء (الاستفتاء) في موعده المحدد (2011م)، على أن تواصل دولة (الجنوب)، حال التصويت لـ (الانفصال)، البقاء في إطار (السودان القديم!) حتى 2013م، ريثما تحسم قضايا النفط، وترسيم الحدود؛ وهو المقترح الذي تدفع باتجاهه دوائر من بينها "مجموعة الأزمات الدوليَّة" (الأحداث، 22/8/09). ولئن كانت أمريكا قد قرنت مقترحها الأخير هذا بـ "وعد" منها بأن ترمي، بعد ذلك، "بثقلها!" في "دعم الدَّولة الوليدة اقتصاديَّاً!" (المصدر نفسه)، فإن القراءة الصحيحة لهذا "الوعد" ينبغي ألا تتجاوز اعتباره مجرَّد (جرّ أرجل) لـ (الانفصاليّين الجنوبيّين) من جانب (دولة عظمى) كانت قد "رمت بثقلها"، ابتداءً، في دعم مطلب (تقرير المصير) أثناء مفاوضات السلام، وتليين مواقفهم، تحت ضغط المستجدَّات الماليَّة والاقتصاديَّة العالميَّة، لقبول (مبدأ) إرجاء ترتيبات (الانفصال)، حتى بعد إقراره في (الاستفتاء)، إلى العام 2013م، بلا دلائل مقنعة على أنها مستعدَّة لتحمُّل أدنى قدر من المسئوليَّة الفعليَّة عمَّا سيحدث نتيجة الأوضاع الملتبسة التي سوف تترتب على التمديد لذينك العامين، دَعْ ألا تعود قبل نهايتهما لتطلب التمديد لعامين آخرين، وهكذا دواليك!

و/ لكن (قلق) القوى الغربيَّة هذا، على علاته، ورغم وقوفها على مسافات متفاوتة من النظام، وصمتها على الخلل الواضح في تنفيذ الاتفاقيَّة، مع أن بعضها مشمول بقائمة الضامنين لها، يبدو أكثر إيجابيَّة من (قلق آخر) ما ينفكُّ يعتري بعض القوى الإقليميَّة، لكن ليس على مصير (الوحدة) في السودان، وإنما على مصالحها هي المباشرة، إقتصاديَّاً وسياسيَّاً. وربَّما يكفي أن نشير، هنا، إلى نموذجين لا يحتاجان إلى تعليق! أوّلهما ما كشف عنه سلفا كير للمصلين في كتدرائيَّة سانت تريزا الكاثوليكيَّة بجوبا، من اتصال العقيد القذافي به، في الثالثة من فجر أحد أيَّام زيارته لطرابلس أواخر يونيو 2009م، ليؤكد له (مساندة!) ليبيا لـ (الجنوب) إذا ما قرَّر (الانفصال)، واعداً بإرسال (خبراء ليبيين!) إلى هناك للمساعدة في "إعادة إعمار البنية التحتيَّة والزراعة!"،  و .. "إذا أراد (الجنوبيُّون) أن يقترعوا على الاستقلال فينبغي ألا يخشوا أحداً، و(سأقف!) إلى جانبهم .. لقد كان من (الخطأ!) الإبقاء على (الجنوب) موحَّداً مع (الشمال) بعد عام 1956م .. كان (ينبغي!) أن (ينفصل!)، إما كدولة (مستقلة) أو (ينضمَّ) إلى دولة أخرى في شرق أفريقيا!" (الأحداث، 1/7/09). أما النموذج الآخر فهو ما أفصحت عنه، صراحة، ، أواسط سبتمبر 2009م، السفيرة منى عمر، مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، حول استعداد مصر، مسبقاً، لسيناريو (الانفصال)، و".. إحنا في الجنوب مش قليلين وأتقل من أي حد، ولدينا علاقات قويَّة مع الإخوة في الجنوب، بالإضافة إلى عددٍ من المشاريع والمستشفيات والخبراء المتواجدين هناك!" (سودانايل، نقلاً عن "الشروق المصريَّة"، 15/9/09)

 

(14)

بإزاء كلّ ما تقدَّم، فإن (إعلان جوبا ـ سبتمبر 2009م) يُعدُّ، بكلّ المعايير، عملاً عظيماً، لا يقلُّ عظمة عن (مقررات أسمرا ـ يونيو 1995م)، على الأقلّ لجهة تصدّيه لاستعادة (المسألة السودانيَّة) إلى (حاضنتها الوطنيَّة)؛ وتطويره معالجات مستبصرة لمعظم القضايا الشائكة. غير أن (المصفوفة) التي اجترحها لقوانين وترتيبات (التحوُّل الديموقراطي)، و(الانتخابات)، و(الاستفتاء)، ستبقى محض (حلم ليلة صيف) ما لم يعززها حراك جماهيري باسل من الأقسام الاجتماعيَّة الأكثر تقدُّماً في البلاد.

أمَّا قضيَّة (الوحدة)، بالذات، فستبقى رهن الجهود (العمليَّة) التي يُنتظر من (الوحدويّين)، الجنوبيّين والشماليّين، أن يبذلوها، فما أضرَّ بها سوى الركون إلى (التنظير المحض)، أو (التلقائيَّة الذاهلة)، أو (الغفلة) التي تركن للاستبعاد (المجَّاني) لـ (الانفصال)، والتهوين (العبثي) من شأن (الانفصاليّين)!

ولكم وددت، بهذه المناسبة، لو أن المذكرة التي دفعت بها (مجموعة الخبراء الأكاديميّين والسّياسيّين)، في 6/10/2009م، مطالبة بتمديد الفترة الانتقاليَّة إلى 2014م بدلاً من 2011م، قد دعمت مطالبتها هذه بتوضيح الكيفيَّة التي يمكن بها إقناع الأطراف بهذا (التمديد)، بل وبكيفيَّة (عمل) هذا التمديد نفسه، تحت الظرف المحدَّد، "كآليَّة"، على حدّ تعبير المذكرة، "لمعالجة الأزمة وتغيير الواقع" (الأخبار، 7/10/09).

                                                                    (إنتهت)