من ذاكرة مارس/أبريل المجيدة

انتَهَتْ اللَّعْبَة!

GAME OVER!

(سيناريو مستعاد من فيلم قديم)

كمال الجزولي


ضحى الثاني من أبريل 1985م 

سيَّارة مسرعة تعبُر جسر النيل الأبيض باتجاه أم درمان، ومنصَّة منصوبة قبالة الواجهة الجنوبيَّة للقصر الجُّمهوري بالخرطوم!
خلف مقود السَّيَّارة رجل يسابق الزمن، متمنيَّاً لو أن ساعات اليوم تطول أكثر من مجرَّد أربع وعشرين، وفوق المنصَّة ثلة من كولونيلات النميري، ودكاترته، وموظفي اتحاده الاشتراكي، يتناوبون الهدير بكلام هم آخر من يعلم أن نصفه محتشد حتى أسنانه بالمفارقات، وأن نصفه الآخر فارغ تماماً من أيِّ معنى!
فأبو ساق يُهَسْتِر محرِّضاً: "أضربوهم ضرب العقارب"، دون أن تكون لديه أدنى قدرة لمعرفة مَن سيضرب مَن خلال الأيام القليلة القادمة!
وأبو القاسم يبتدئ كلَّ جملة بحرف التوكيد والنصب (إنَّ)، دون أن يفكر حتى في ما سينتهي إليه من (خبر) لتلك الـ (إنَّ)!
وفي الحقيقة كان ثمَّة شعور عميق باليُتم يلفهم أجمعين، جرَّاء التوقيت غير الموفق الذي اختاره (رئيسهم القائد) كي يغيب فيه عنهم، يومها، بأمريكا، ويتركهم يواجهون وحدهم جماهير المستضعفين، بعد أن هيَّجها عليهم بقوله، في آخر خطاباته المستفزَّة، ما لم تقله ماري أنطوانيت في زمانها عن .. (البقلاوة)!
وإلى ذلك كان ثمَّة إحساس عارم بالغبن يعتمل في صدورهم، يطيلون، تحت وطأته، التحديق، بأعين واجفة وشفاه طبشوريَّة، في جمع هزيل وقف أمامهم يصطلي، مغلوباً على أمره، بشواظٍ شمس آخذة في التلهُّب، بينما غالبيَّته ما تنفكُّ تتضجَّر من الطريقة التي جرجروها بها، حتف أنفها، إلى ذلك المكان، حيث لم يفلح سماسِرة المواكب في اصطياد عدد أكبر، برغم المال السَّائب الذي جرى تبديده، كالعادة، وإنْ للمرَّة الأخيرة، في تحشيد ما أطلقوا عليه، يوم ذاك، ويا كَم كانوا شطاراً في اصطناع التسميات، (موكب الرَّدع)!
......................
......................                
كان المُستهدَف بذلك (الرَّدع) هو الحِراك النقابي والسِّياسي الذي كانت هِمَّته قد علت، أيامها، أكثر من أيِّ وقت مضى، وإلى الحدِّ الذي زرع، ربما لأوَّل مرَّة، خوفاً حقيقيَّاً في نفوس أولئك السادة الذين ما كانوا يتقنون غير التبضُّع بالشعارات الخاوية، والتلهِّي بالكلام السَّاكت، فإذا التبضُّع والتلهِّي لا يورثانهم، بآخرة، سوى الإحساس المرعب ببداية النهاية يسرى في دواخلهم مسرى الدَّم، كجرذان سفينة مشرفة على الغرق! 
ومِن عجب أن مَن كانت معلوماتهم الأمنيَّة تشير، ساعتها، إلى أنه هو المُنسِّق الأساسي لذلك الحراك/المؤامرة، فأضحى، مِن ثمَّ، المطلوب الأوَّل لبطش أجهزتهم الأمنيَّة، هو نفسه أمين مكي مدني .. الرجل الذي كان جالساً، في تلك اللحظات ذاتها، خلف مقود سيَّارته، تنهب الأرض نهباً، في وضح النهار، وتمرق، كالسَّهم، من جسر النيل الأبيض باتجاه بيت الصادق المهدي في منطقة الملازمين بأم درمان!

صباح الثامن عشر من يناير 1985م

مشنقة علنيَّة نصبت للمفكر الشَّهيد الأستاذ محمود محمد طه، الشَّيخ السَّبعيني الذي ارتقاها ببسالة نادرة، لا لجريرة سوى إعلان رأيه المعارض في ما عُرف، حينها، بـ (قوانين سبتمبر)، وهي التشريعات التي سنَّها النميري، في لحظة جنون تاريخيَّة، باسم الشَّريعة الإسلاميَّة المعرَّفة بالألف واللام، والتجاوزات التي لازمت تطبيقها، من استهانة بأبسط قواعد الإثبات، وأخذٍ للأبرياء بالشُّبهات، وعقوبات كان أكثرها شيوعاً قطع الأيدي، والقطع من خلاف، وتمزيق جلود الناس بالسياط، بل وفضحهم، ضغثاً على إبالة، عبر الصحف والإذاعات والتلفزيونات، وما إلى ذلك من بشاعات، في زمن ساد فيه عدم الرشاد، وانتهكت الحريَّات، وعمَّت المجاعات، حتى نبش الناس مساكن النمل بحثاً عمَّا يسدُّ الرَّمق ويخرس الجوع. لذا شكل (إعدام محمود) عنواناً أبرز لظلامات ذلك العهد الأسود، وحدثاً غير معتاد، بكلِّ المعايير، لا في ميزان العدالة على إطلاقها، ولا في ذاكرة الحكم الوطني منذ الاستقلال.  

مساء الثامن عشر من يناير 1985م

تداعى لاجتماع سِرِّي ممثلو ثلاثة عشر نقابة، على رأسها المحامون، والأطباء، والمهندسون، وموظفو التأمينات، وأساتذة الجَّامعات، ليؤسِّسوا (التجمُّع النقابي)، وليتداولوا خيارَي الإضراب أو تسيير موكب يسلم رئيس الجُّمهوريَّة مذكرة تطالب بإطلاق الحريَّات والحقوق، وبالأخصِّ حريَّة العمل النقابي، وإلغاء قانون النقابات، وضمان استقلال القضاء، والجَّامعات، وحريَّة البحث العلمي، واعتماد الحلِّ السِّلمي لما كان يُسمَّى، حينها، بـ (مشكلة الجَّنوب)، فضلاً عن رفع المعاناة عن كاهل الجَّماهير، وما إلى ذلك. وبدا الرأي الغالب أميَلَ للمزاوجة بين الخيارين.
من جهتها كانت أحزاب الأمَّة والاتحادي والشِّيوعي قد عكفت، أصلاً، ومنذ العام 1984م، ولأغراض الإطاحة بالنظام، على بلورة (ميثاق) يوحِّد جبهة المعارضة  الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة، بما فيها الكتلة السِّياسيَّة التي كانت قد ائتلفت، قبل سنوات من ذلك، مع حزب البعث (جناح العراق)، في ما عُرف، وقتها، بـ (تجمُّع الشَّعب السُّوداني)، وأهمُّ أطرافه الحزب الاتحادي الدِّيموقراطي بقيادة الشَّريف حسين الهندي.

الأسبوع الأوَّل من مارس 1985م

سجَّل جورج بوش الأب، نائب الرئيس الأمريكي، أوان ذاك، زيارة تاريخيَّة للخرطوم التقى خلالها بالرئيس، ونائبه، وبأطراف في المعارضة. وبحسـب تقـدير السَّفير جبارة الله الذي كان، وقتها، دبلوماسيَّاً بسفارة السُّودان بواشنطن، فقد كانت لتلك لزيارة أهداف ثلاثة، من أهمها استئناف مهمَّة ترحيل اليهود الفلاشا الإثيوبيين من شرق البلاد إلى إسرائيل مباشرة، وقد كانت بدأت، أصلاً، في الأول من نوفمبر 1984م، وتوقفت في الخامس من يناير 1985م، بعد أن تمَّ نقل ثمانية آلاف منهم ضمن (عمليَّة موسى Operation Moses) التي تعاونت فيها وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة CIA مع الجيش الإسرائيلي، والسِّفارة الأمريكيَّة بالخرطوم، وجهاز الأمن السُّوداني، و"بعض المرتزقة". ويعزى سبب التوقف إلى تصريحات أدلى بها شيمون بيريس، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في الخامس من يناير، وكشف، من خلالها، عن العمليَّة، مِمَّا اضطر نظام النميري لإيقافها وسط مناخات الغضب الذي فجَّرته لدى جهات عربيَّة عدة.
هكذا جاء بوش، بعد زهاء الشَّهرين، ليبحث في نقل المتبقين، وعددهم زهاء الألف، عبر عمليَّة جديدة أطلق عليها (عمليَّة يوشع Operation Joshua). وفي ذلك السياق زار بوش وحرمه معسكر (ود شريفي) بشرق السودان، حيث جرى تجميع الفلاشا، وقضيا بينهم قرابة الثلاث ساعات. ويُرجِّح جبارة الله، في تفسير علة الأمر، أن بوش الذي كان يعتزم ترشيح نفسه للرئاسة بعد انتهاء فترة رونالد ريجان الثانية عام 1989م، أراد تسجيل نقطة لصالحـه لدى اللوبي الصهـيوني الأمريكـي (احمـد عبد الوهاب جـبارة الله؛ محطات دبلوماسيَّة، ط 1، دار رؤية، القاهرة 2014م، ص117 ـ 121).      

السَّابع والعشرون من مارس 1985م

بدأ نميري زيارته الأخيرة لواشنطن (27 مارس ـ 5 أبريل 1985م)، مخلفاً وراءه وضعاً سياسيَّاً مأزوماً، ونظاماً يترنح في كفِّ عفريت. وعن ذلك يقول الرائد (م) زين العابدين محمد احمد عبد القادر، أحد رفاق نميري في انقلاب مايو 1969م، وعضو مجلس قيادة الثورة، محمِّلاً جهاز الأمن مسئوليَّة تضليل الرئيس: "بينما كانت المظاهرات المتفرقة تزداد في أحياء العاصمة وشوارعها وطرقاتها الرئيسة، رافقت عناصر الأمن موكب الرئيس نميري للمطار عبر الشَّوارع والمسارات الخالية من المظاهرات. وهكذا أقلعت طائرته .. وهو لا يعلم ما يدور في عاصمة حكمه" (مايو: سنوات الخصب والجَّفاف، مركز محمد عمر بشير للدِّراسات السودانيَّة، الخرطوم 2011م، ص 172 ـ ضمن المصدر نفسه، ص 122).
ضمَّ الوفد الذي رافق النميري في تلك الزيارة عدداً لافتاً من أفراد أسرته، الأمر الذي أثار، وقتها، شكوك الصحفي عبد الرحمن الأمين، مراسل صحيفة (السِّياسة) الكويتيَّة من واشنطن، في أن الرئيس السُّوداني إنما كان يزمع اللجوء لأمريكا وعدم العودة للسُّودان، مِمَّا أثار عاصفة إعلاميَّة حول نهاية نظامه. وقد لوحظت الترتيبات الأمنيَّة الاستثنائيَّة التي أحيطت بها تلك الزيارة، مقارنة بزيارات سابقات، حتى أن خروج النميري من مقر إقامته بدار السفير عمر صالح عيسى كان رهيناً، فقط، بذهابه إلى البيت الأبيض للاجتماع بالرئيس رونالد ريغان، ونائب الرئيس جورج بوش الأب، وكذا ذهابه إلى الكونغرس للاجتماع بأعضائه، وذهابه إلى مستشفى ولتر ريد العسكري لإجراء ما يلزم من فحوصات، وإلى ذلك زيارة مقر السِّفارة السُّودانية، بل إنه، وهو الرجل الذي كان قد نصَّب نفسه، قبل سنوات من ذلك، أميراً للمؤمنين، مُنع حتى من أداء صلاة الجمعة في المركز الإسلامي بواشنطن، رغم أنه على مرمى حجر من مقرِّ إقامته (المصدر نفسه، ص 122 ـ 123).

الخميس الرَّابع من أبريل 1985م ـ قبل يومين من الطوفان

جاءت تصريحات نميري الصحفيَّة من واشنطن آية في الاضطراب، إن لم تكن الغفلة. قال لمراسل (الشَّرق الأوسط): "ليس في السودان معارضة حزبية"، إنما توجد فقط "معارضة فردية .. أنا أعرف عملاء جبناء خارج السودان يأخذون الأموال، وإذا كان جورج بوش قابلهم في السودان فلا أعتقد ذلك، لأنهم ما بيجوا السودان إلا إذا كانوا جاءوا بطريقة ما وقابلهم، فالأنصار ليسوا معارضة ولا غيرهم، ويقفون مع الثورة .. يقولون إنني أتيت لاجئاً سياسيَّاً .. هكذا يقولون، لكنني سأرجع يوم السبت المقبل وتعال ودِّعني في المطار .. وحتى إذا حصلت (حاجة) في السُّودان وأدَّت إلى تغيير الوضع .. فإنني سأركب طائرتي، وسأرجع للسودان، ولن أقعد زي الآخرين الخوَّافين الذين يخرجون من بلادهم. إنني سأمشي وأعود لأناضل من داخل بلدي .. إنهم لا يعرفون من هو النميري. أنا لا أهرب من بلدي .. وعندما أسافر خارج السُّودان أترك أناساً أكفاء عندهم ولاء، مثل الوزارات والمصالح التي لديها السلطة لتأدية واجباتها .. وأنا لا أديرها من هنا لأن هناك غيري من يقوم بذلك مثل نائب الرئيس والوزراء والاتحاد الاشتراكي والأجهزة المختلفة تساعد في هذه الإدارة وهذه المسؤوليَّة .. أنا ما زلت رئيساً للسُّودان، ولا يستطيع أحد أن يشيلني!!!" (الشَّرق الأوسط اللندنيَّة، الخميس 4 أبريل 1985م، ضمن المصدر نفسه ص 121 ـ 123 ـ 124).

صباح السادس والعشرين من مارس 1985م

بادر طلاب جامعة أم درمان الإسلاميَّة بإنزال الضربة الأولى على رأس المسمار، حيث سيَّر اتحادهم موكباً جسوراً جاب وسط المدينة، لتلتحم معه أعداد غفيرة من الكادحين في منطقة السُّوق الكبير. وإن هيَ إلا ساعات حتى كانت أصداء الحدث الاستثنائي تتمايح، رويداً رويداً، لتنداح إلى كل مواقع العمل والسكن في العاصمة المثلثة. وبدأت الجَّماهير تتدفق إلى الشَّوارع، وتدخل في صدام مكشوف مع (نظام الجوع والإرهاب). فإذا بعطر أكتوبر يضوع، بسرعة البرق، وإذا بالشَّعب يغدو على أتمِّ الاستعداد للفداء في سبيل الإطاحة بالنظام، وإذا بذلك كله يطرح من المهام الإضافيَّة ، أمام القوى النقابيَّة والسِّياسيَّة، ما استوجب الإسراع بالتصدِّي له!

صباح الثامن والعشرين من مارس 1985م

حدث مفاجئ كاد يربك حسابات التجمُّع النقابي! اجتمعت الجمعيَّة العموميَّة للهيئة النقابيَّة الفرعيَّة لأطباء مستشفى الخرطوم بقيادة نقيبها أحمد التيجاني الطاهر، وقرَّرت الدُّخول، منفردة، في إضراب حتى الثلاثين من مارس، احتجاجاً على القمع الوحشيِّ الذي واجه به النظام المتظاهرين في الشَّوارع طوال اليومين الماضيين، وكان من نتائجه اكتظاظ المشرحة والعنابر وعيادات الطوارئ بالشُّهداء والجَّرحى. أعلنت الفرعية قرارها ذاك في بيان دعت، من خلاله، مركزيَّتها، بقيادة نقيب الأطباء الجـزولي دفع الله، وسائر النقابات الأخرى، لإعلان الإضراب السياسي بهدف إسقاط النظام!
صار لا بُدَّ من عقد اجتماع عاجل للتجمُّع النقابي لاتخاذ قرار حاسم، إما بالاستمرار في التحضير للموكب والمذكرة، أو بالدخول، فوراً، في إضراب يؤازر خطوة تلك الفرعيَّة. وبعد اتصالات سريعة ومضنية استقرَّ الرأي على عقد ذلك الاجتماع مساء نفس اليوم، بدار نقابة المحامين القديمة بشارع سينما كلوزيوم بالخرطوم.

مساء الثامن والعشرين من مارس 1985م

في الموعد المحدَّد للاجتماع وقع حدث آخر كاد يربك، أيضاً، حسابات الجميع، حيث تقاطرت، فجأة، إلى دار النقابة، ومن كل أنحاء العاصمة المثلثة، جموع غفيرة من المحامين الذين اتضح أن تسريباً مغلوطاً قد دعاهم للاحتشاد هناك! أيَّاً كان الأمر، فقد أمسى مناخ الدار الصغيرة غير مناسب لعقد الاجتماع المزمع! بل لقد تعذرت تماماً، وسط ذلك الحشد الذي كان في أعلى درجات التعبئة، حتى مواصلة التشاور الموسَّع حول ما يمكن عمله لإنقاذ الوضع، والذي بدأ، تلقائيَّاً، بين العدد القليل من الحاضرين من مجلس النقابة وبين بعض المحامين الناشطين في معاونة المجلس من خارجه، وكنت أحدهم. فاقترح النقيب المرحوم مرغني النصري الدُّخول إلى مكتبه لإتمام التشاور بهدوء وسريَّة!
......................
......................
داخل مكتب النقيب كنا ما بين 12 ـ 15 شخصاً، وكان وكيل النقابة، حينها، عمر عبد العاطي، واقفاً، مباشرة، على الباب المغلق يُحكم سدَّه. لكن ما أن بدأنا الحديث، حتى سمعنا طرقاً على ذلك الباب، وحركة دفع، وتدافع، وجلبة غير عاديَّة. قطعنا الحديث، واضطر عمر لفتح الباب، فكان بمستطاع كلٌّ منا أن يرى، بوضوح، أن ثمَّة وريقة قد سلمت، من الخارج، لعمر، وأنه قد بدأ يطالعها وهو ما يزال واقفاً بالباب من الداخل، وأن أربعة غرباء يقفون بالباب من الخارج، وأعينهم تتفحص مشهد المكتب المكشوف لهم بكامله، ومن وراءهم تتزاحم جموع المحامين الذين كانت تعج بهم الدار!
لحظات، ثمَّ خاطبنا عمر، وسط الصَّمت الذي عمَّ، قائلاً بصوت جهوري:
ـ "يا أساتذة .. الجماعة ديل من الأمن، ومعاهم أمر قبض على بعض الأسماء، فرجاءً البسمع إسمو يطلع ليهم: أمين مكي مدني، عمر عبد العاطي، سليم عيسى، مصطفى عبد القادر، كمال الجزولي، و .."!
أسماء أخرى أُنسيتها. غير أنني أذكر جيِّداً أن أمين كان غائباً، يومها، بلندن، ولم يعُد إلا بعد ذلك بيومين، في الثلاثين من مارس، وأن أفراد الأمن لم يتعرَّفوا، في ما بدا واضحاً، على أغلب المطلوبين، بمن فيهم عمر عبد العاطي نفسه، علاوة على أن إيماءات ندَّت عنهم أوحت بأنهم قد تعرَّفوا على اثنين منا، مصطفى وشخصي، مع أنني لم أكن عضواً بمجلس النقابة، لكن لم يكن ثمَّة مناص من إنهاء المسألة بخروج كلينا .. وفوراً!

صباح التاسع والعشرين من مارس 1985م

بتنا ليلتنا تلك في زنازين الجهاز. وفجر التاسع والعشرين أخرجونا إلى حيث كان بانتظارنا ميني بص صعدنا إليه فوجدنا بداخله كلاً من بكـري عديل، والجـزولي دفـع الله، ومحمد الأمين التوم، وحسين أبو صالح، ومروان حامد الرشيد، ومامون محمد حسين، فضلاً عن محمد احمـد سلامـة، رئيس اتحـاد جامعـة أم درمـان الاسلامـيَّـة، ومحـي الديـن محمـد عـبـد الله، سكرتير الاتحاد. فعلمنا منهم أنهم اعتقلوا جميعاً مساء البارحة، وأنهم باتوا، مثلنا، في زنازين الجهاز.
اتخذ الميني بص طريقه، أوَّلاً، باتجاه الشَّرق، ثمَّ انعطف باتجاه الشَّمال، عبر جسر القوَّات المسلحة، وغشي بنا سجن كوبر لبعض الوقت، ريثما أنزل مروان واستكملت إجراءات تسليمه، ثم واصل السَّير، طاوياً الخرطوم بحري وريفها الشَّمالي، حتى بلغ بنا إلى سجن دبك على الضِّفة الشَّرقيَّة للنيل!
......................
…..................
أودعونا عنبراً تنشع فيه رائحة الخفافيش النافقة، في قِسم به عنبر آخر مشابه فتحوه، في اليوم التالي، لاستقبال منسوبي حركة الترابي المعتقلين، قبل ذلك، والمُرحَّلين إلى هناك من سجن سواكن. وقد كانوا، إلى ما قبل أسابيع من ذلك، حلفاء للنميري، لكنه ما لبث أن شنَّ عليهم جردة اعتقالات وملاحقة في إطار (نكبة البرامكة) التي حلت بهم يومها!
بدا واضحاً أن ذلك القِسم ظلَّ مغلقاً لسنوات، وأنه جرى تجهيزه، على عجل، لاستقبالنا، لكن بيئته كانت ما تزال رديئة، حتى أن بكري عديل فضَّل أن يسحب سريره من داخل العنبر ليستقرَّ به تحت ظلِّ شجرة أمامه. وسرعان ما أصبح ذلك السرير ملتقى سحابات نهارنا، نناقش، ونحلل، ونحاول، في عزلتنا تلك، حيث لا جرائد تصل ولا راديو يُسعِف، استقراء ما قد تكون سارت عليه الأحداث منذ اعتقالنا!   

مساء الأوَّل وضحى الثاني من أبريل 1985م

كان مِمَّا علمنا، لاحقاً، بعد (النصر)، أن التجمُّع النقابيَّ تمكن من تجاوز ارتباك أمسية الثامن والعشرين من مارس، وأن مشاوراته تواصلت باتجاه تسيير موكب حدَّد له الثالث من أبريل موعداً، وذلك بغرض تسليم مذكرته إلى السُّلطة، وأنه عقد، مساء الأول من أبريل، عشيَّة (موكب الرَّدع)، أحد أهمِّ اجتماعاته، على نجيل نادي الخريجين بالخرطوم بحري، حيث خلص إلى وضع تصوُّره النهائيِّ للموكب، وللمذكرة، ولتصعيد المواجهة، ثمَّ كلف أمين مكي بحمل تلك المقترحات لتنسيقها مع القوى السِّياسيَّة.
......................
......................
هكذا، عندما وصل أمين إلى منزل الصَّادق، ضحى اليوم التالي، الثاني من أبريل، في سباق مع (موكب الرَّدع) ، كان الصَّادق يتأهَّب للاختفاء تفادياً لشلِّ حركته. على عجل سلمه أمين تصوُّر النقابات، واستلم منه الميثاق المقترح من القوى السِّياسيَّة، مكتوباً بخط يده، كما حصُل منه، مثلما كان قد حصُل، قبلاً، من الأحزاب السِّياسيَّة الأخرى، على دعم تلك الجهود، وتوجيه القواعد بالمشاركة في موكب الغد. ثمَّ اتفق الرجلان على استمرار اتصالاتهما عن طريق عمر نور الدائم وصلاح عبد السلام وآخرين.
......................
......................
خرج أمين من بيت الصَّادق بالملازمين بأم درمان، ليلحق باجتماع سكرتاريَّة التجمُّع النقابي، عند الظهر، بمكتب عثمان عبد العاطي في وسط الخرطوم، حيث استنسخت صور من بيان جماهيريٍّ أعِدَّ لأغراض الموكب، يزاوج بين أعمِّ مشتركات النقابات والأحزاب. وفي المساء انعقد اجتماع آخر للتجمُّع النقابي في منزل بمنطقة كوبر ببحري وُضِعت فيه اللمسات الأخيرة على جهود التحضير للموكب والمذكرة.  

نهار الثالث من أبريل 1985م

غير مسبوق، بكل المعايير، هذا الانفجار الجَّماهيريُّ المدوِّي الذي ظلَّت تشهده منطقة وسط الخرطوم، منذ الصَّباح الباكر.
جموع المواطنين والعاملين تتقاطر، على بكرة أبيها، وتتجمَّع، نساءً ورجالاً، شيباً وشباباً، الكسيح على ظهر الأعمى، لتتدفق أنهاراً، من كلِّ فجٍّ عميق، صوب شارع القصر، تملأه حتى يفيض، من السِّكة حديد إلى ساحة الشُّهداء، وتتمركز، بالأخصِّ، في ذات السَّاحة، تحدِّياً، في ما بدا واضحاً، لموكب (ردع) البارحة! لكن .. شتَّان بين هذا الطوفان البشري الهادر، وبين ذلك الجَّمع الهزيل الذي تمت جرجرته بالأمس إلى هنا، ليستمع، متضجِّراً، إلى مبتدءات (إنَّ) التي لا (خبر) لها، وليتلقى، مستهزئاً، تحريضات (ضرب العقارب) في الجحور! لقد كان أكتوبر آخر يتخلق في تلك اللحظة، وساعة النظام قد أزفت لا ريب فيها!
......................
...................... 
في ما بعد حدَّثني عمر عبد العاطي الذي أوكل إليه إلقاء بيان التجمُّع النقابي، قال: "رغم كلِّ ما بذلنا من جهد في صياغة ذلك البيان ليجئ على قدر طموحات الجَّماهير، ومعبِّئاً لها بقوَّة، إلا أنني، وأقسم بالله العظيم، حين رفعوني بالقرب من سور مستشفى الخرطوم لألقيه، وألفيت نفسي أواجه مئات الآلاف من حدقات الأعين التي تقدح شرراً، وغضباً، ورفضاً، وتصميماً، أحسست بالقشعريرة تسري في أوصالي، إذ تأكد لي أن كارثة ما ستحيق، حتماً، بنا، نحن أنفسنا قادة ذلك الموكب المهيب، إذا لم أتصرَّف أثناء الإلقاء، على نحو ما، باختزال بعض فقرات ذلك البيان، وعباراته المثقلة بالمطلبيَّة النقابيَّة، وارتجال شحنات سياسيَّة إضافيَّة من مزاج تلك اللحظة الشعبيَّة المتفجِّرة بالسَّخط، والغضب، والثورة .. وقد كان"! 

الرابع والخامس من أبريل 1985م

لم تتراجع قط، بل أخذت في التصاعد، أكثر فأكثر، حركة النقابات والأحزاب، فاكتظت الشَّوارع بالهتافات الدَّاوية ترفع شعارات الإضراب السِّياسي، والعصيان المدني، وتدعو لإسقاط النظام، وللقصاص من قادته ورموزه، في ذات الوقت الذي راح يستعر فيه نشاط جهاز الأمن متجاوزاً كلَّ الحدود، فازداد تساقط الشُّهداء، وعلى رأسهم الشهيد عبد الجليل طه، والشهيد أزهري مصطفى، والشهيدة الطفلة ذات العام الواحد مشاعر محمـد عبد الله، وغيرهم، جرَّاء إطلاق زبانية النميري المندسِّين وسط المتظاهرين رصاصهم الحيَّ عليهم من مسافات قريبة لا تزيد على المترين! وضاقت الزنازين بالمعتقلين، ما أنْ تفرغهم شاحنات الأجهزة بالمئات في السُّجون، حتى تعود لتمتلئ بغيرهم! وإلى ذلك عاثت السِّياط، والهرَّاوات الغليظة، والعصيُّ الكهربائيَّة، تنكيلاً في جموع الثُوار العُزَّل إلا من تصميمهم على إسقاط النظام البغيض. وانتشر الغاز المسيِّل للدُّموع في الشَّوارع والسَّاحات يلوِّث هواء المدينة، ويتسلل من فرجات الأبواب والنوافذ إلى غرف المستشفيات والبيوت. وصحف حزب النظام ما تفتأ، أثناء ذلك، تلعب دورها المرسوم، فتختزل الطوفان بأسره في محض "عناصر مخرِّبة تحدث بعض الشَّغب!"، و"غوغاء يخرِّبون ممتلكات المواطنين!"، و"فلول أحزاب عقائديَّة تطلُّ برأسها من جديد"! كل ذلك بأمل محاصرة وإيقاف المدِّ الشعبيِّ الزَّاحف بإصرار، والذي لم يكن النظام ليتصوَّره، أو يشهد له مثيلاً من قبل .. ولكن هيهات!
......................
...................... 
ظلت بيانات ومنشورات القوى السِّياسيَّة والنقابيَّة تصدر ساعة بعد ساعة، يوزعها علناً، وبفدائيَّة منقطعة النظير، شباب تلك القوى وكوادرها الناشطة، تمجِّد انتفاضة الشَّعب الباسلة، وتحرِّض الجَّماهير على التمسُّك بأهدافها النبيلة، وعلى الاستمرار في الإضراب وتوسيع قاعدته، وتزرع التفاؤل بالنصر في النفوس، وتبشِّر بدنوِّ فجر الخلاص.
لم يقعد بهمَّة تلك القوى كونها لم تكن، من جهة الشكل، منخرطة، طوال السَّنوات السابقة، في تنظيم تحالفي واحد. فالحزب الشِّيوعي ظلَّ يمارس نشاطه، بعد مذبحة 1971م، في معارضة النظام من موقعه المستقل. ثمَّ إنه قد رفض دعوة النظام للمصالحة قبل تهيئة أجوائها بشروط حدَّدها، معتبراً المصالحة، بصورتها تلك، مجرَّد آليَّة لتطويل عمر النظام، ومنادياً، بدلاً منها، بتشكيل (جبهة موسَّعة للدِّيموقراطيةَّ وإنقاذ الوطن)؛ وهكذا بقي يكدح، خلال السَّنوات التالية، كما في السَّابق، على صغر حجمه، وشُحِّ إمكاناته المادِّيَّة، وسط صفوف حلفائه من مفردات (الجَّبهة الديموقراطيَّة)، بمنأى عن تكتيكات (الجَّبهة الوطنيَّة) التي كانت تضمُّ، من الجَّانب الآخر، أحزاب الأمَّة والاتحاديين والإسلامويين، وقد وافقوا، أجمعين، بصورة أو بأخرى، على مصالحة النظام، ولأمداء زمنيَّة متفاوتة.   
لكن، في المحصلة النهائيَّة، فإن القبول التامَّ بتلك المصالحة على شروط النظام لم يصدر سوى عن حزب الترابي، طوال الفترة من 1977م، وإلى حين انقلاب النميري عليهم في (نكبة البرامكة) عام 1985م. أما القطاع الأقوى تأثيراً من الاتحاديين، بقيادة الشَّريف حسين الهندي، فقد نفض يده عنها، حتى قبل أن تولد إجرائيَّاً. وأما حزب الأمَّة، فرغم ما كان قد أبدى من قبول ابتدائيٍّ بها، إلا أنه سرعان ما تراجع وانسلخ عنها، لمَّا أدرك أن النظام لم يرد له غير أن يصبح مجرَّد قطعة ديكور فيها، أو محض (تمومة جرتق)، فعاد يتخذ موقف المعارضة كأشرس ما تكون، استجابة، ولا بُدَّ، لرغبة قواعده التي لم يكن خافياً أنها لم تسعد، البتة، بتلك المصالحة.
هكذا تهيَّأ، مع مطالع الثمانينات، أساس مناسب لتتنادي من فوقه غالبيَّة القوى الوطنيَّة، الحزبيَّة والنقابيَّة، إلى تكوين (جبهة للدِّيموقراطيَّة وإنقاذ الوطن) كشكل تحالفي لم يكن موجوداً من قبل، كما ولم يكن من الممكن، بغير تهيئة ذلك الأساس، أن يوجد. والواقع أن أية محاولة لفبركة تحالف شكلي كانت كفيلة بجعل أطرافه تشلُّ بعضها البعض، وتغرق، أجمعها، في مستنقع الاتهام والتخوين المتبادل، وليس ثمَّة ما هو أدعى من ذلك لهزيمة الحركة الجَّماهيريَّة، وشماتة النظام!
وفي صلاة جمعة الخامس من أبريل ظهر الصَّادق المهدي، فجأة، بجامع الإمام عبد الرحمن بود نوباوي، ليصعد المنبر يفتتح الخطبة بقوله تعالى: "حتى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظنُّوا أنَّهُم قد كُذِّبُوا جاءَهُم نصرُنا فَنُجِّيَ مَن نشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُـنا عن القـوم المُجـرمـين" (110 ؛ يوسف). ووسط التهليل والتكبير مضى يعبِّر بطلاقة عن نبض جماهيره، وطموحاتها، ويحيِّ حيويَّة الشَّعب وإقدامه، وينبِّه إلى أن شعاعات الصبح  أسفرت واتَّحدت الكلمة، ويحضُّ على مواصلة الانتفاضة حتى سقوط النظام، فما لبث الأنصار، عند نهاية الصلاة، أن أحاطوه بحمايتهم، وتسللوا به من باب خلفيٍّ، ليعيدوه للاختفاء!

ليل الخامس من أبريل 1985م

توالى حضور مندوبي التجمُّعين النقابي والحزبي إلى المنزل الذي جرى تأمينه، بحيِّ العمارات بالخرطوم، لعقد أوَّل اجتماع مشترك بين الطرفين بشكل مباشر، بعد أن كان التنسيق غير المباشر يتمُّ بينهما، حتى ذلك الوقت، عن طريق أمين مكي الذي اختفى فور انفضاض موكب الثالث من أبريل، ثمَّ حضر مساء اليوم إلى مكان الاجتماع بصحبة عمر عبد العاطي، مندوب المحامين الذي اختفى هو الآخر.
حضر الاجتماع، أيضاً، كلٌّ من عبد الرحمن إدريس عن الأطباء، وعوض الكريم محمد احمد عن المهندسـين، وعـبد العـزيز دفع الله عن موظفي التأمينات، وعلي عبد الله عباس عن أساتذة جامعة الخرطوم؛ كما حضر عمر نور الدائم وصلاح عبد السَّلام عن حزب الأمة، وسيد احمد الحسين وابراهيم حمد عن الاتحاديين، ومحجوب عثمان عن الشِّيوعيين.
كان الاجتماع عاصفاً، لم يخلُ من حِدَّة وملاسنات وعنفٌ لفظيٌّ متبادَل، خاصة بين عبد الرحمن إدريس وعمر نور الدائم، مِمَّا كاد يودي به إلى الفشل في أكثر من لحظة، ومع ذلك فقد استمر لإحساس الجميع بضرورته، كما وأن تدخلات محجوب عثمان قد ساهمت في تخفيف التوتر!
تركزت نقاط الخلاف، أساساً، حول رئاسة مجلس الوزراء الانتقالي التي كان التجمُّع النقابي يطالب بها، فضلاً عن مطالبته بـ 60% من مقاعد المجلس، وبأن تكون الفترة الانتقاليَّة ثلاث سنوات، مقابل مطالبة الأحزاب بألا تتجاوز سنة واحدة!
أخيراً، وعند الثالثة من فجر السَّادس من أبريل، تمكن الاجتماع من التوصُّل إلى نصٍّ توافقيٍّ لما صار يُعرف بـ (ميثاق التجمُّع الوطني الدِّيموقراطي)، صاغه أمين مكي بخط يده، وأرفق معه، وفق ما قرَّر الاجتماع، النقاط الخلافيَّة التي كانت ما تزال عالقة، غير أنه لم يُعلن عنها، مطلقاً، في أيِّ وقت بعد ذلك! واستطراداً، فقد تمَّ تجاوزها، عمليَّاً، في ما بعد، وبالأخص الخلاف حول مدى الفترة الانتقاليَّة، حيث تنازل النقابيُّون عن مطلبهم بشأنها حين قامت لديهم استرابة جديَّة في الأسلوب الذي جرى به الإعلان، بغتة، من خلف ظهر الجميع، عن تشكيل (المجلس العسكري الانتقالي)، وما تكشَّف من مناورات انتهجها في أيامه الأولى، وأوحت بتطلعه للعب دور سياسيٍّ أكبر في تقرير مصير الانتفاضة!
......................
......................               
على حين كان ذلك الاجتماع ما يزال منعقداً، كان ثمَّة حدثان آخران، لا يقلان جسامة، يجريان على جبهة نظام مايو وما تبقى له من سلطة!
فمن ناحية كان كبار قادة القوَّات المسلحة، وقتها، يعقدون اجتماعاً تاريخيَّاً آخر، في القيادة العامَّة، مع المشير سوار الدهب، القائد العام ووزير الدفاع، ويمارسون عليه ضغطاً مكثفاً كي يوافق على إعلان انحيازهم للانتفاضة عن طريق الإطاحة بالنظام، ورئيسه، وأجهزة حكمه، وإلا تُرك الأمر ليتولاه صغار الضباط مع كلِّ ما قد يستتبع ذلك من عواقب وخيمة على وحدة الجيش في تلك الظروف! وقد نجح ذلك الضغط، بالفعل، مع السَّاعات الأولى لفجر السَّادس من أبريل!
لكن، على الضِّفة الأخرى، وفي ذات تلك اللحظات العصيبة، كان اللواء عمر محمد الطيِّب، النائب الأوَّل لرئيس الجُّمهوريَّة ورئيس جهاز الأمن، يحاول اللعب بآخر كرت توهَّم أنه ما زال في جيبه! فعندما تأكدت له تحرُّكات كبار القادة، بعث، في الهزيع الأخير من الليل، برسالة شفهيَّة تنضح سذاجة ويأساً، مع اثنين من كبار جنرالات الجهاز، هما اللواء عثمان السيد والعقيد الفاتح عروة، إلى السيدين ملتون وجيري ويفر، مندوبي المخابرات المركزيَّة الأمريكية CIA الناشطين، بعلم الجِّهاز، خلف قناعين دبلوماسيٍّين في سفارتهم بالخرطوم، طالباً تدخُّل قوَّات الانتشار السريع من القواعد المتوسِّطيَّة لحماية (البلاد!)، بزعم اكتشاف مخططٍ ليبيٍّ لشن غزوة داهمة عليها خلال الساعات القادمة! غير أن الردَّ الصَّاعق سرعان ما جاءه، شفاهة أيضاً، عبر رسوليه، بأنه لم يعُد، للأسف، ثمَّة متَّسع من الوقت لمساعدة (النظام!)، فقد انتهت اللعبة game over، على حدِّ تعبير مندوبي المخابرات الأمريكيَّة، وليس بمستطاع أيَّة قوَّة على الأرض أن توقف الانقلاب الذي سيقع بعد قليل، والذي ائتمر قادة الجيش على تنفيذه انحيازاً للانتفاضة!               
الشاهد أن الاجتماع التاريخيَّ الأوَّل لـ (التجمُّع الوطني) الذي انعقد وأنجز (ميثاقه)، من جهة، واجتماع كبار قادة الجيش الذي نجح في إقناع القائد العام وزير الدفاع  بالإطاحة بالنظام من جهة أخرى، إنما كانا يجريان، كلاهما، في سباق محموم مع مخطط تآمري، وإن كان في غاية السَّذاجة، لرئيس جهاز الأمن بغرض إجهاض الانتفاضة!

فجر السادس من أبريل 1985م
مع البيَّاح انفضَّ اجتماع (التجمُّع الوطني)، حيث قرَّر أمين مكي وعمر نور الدائم البقاء  حتى شروق الشمس في نفس المنزل، بينما راح الآخرون يتسللون ليتفرَّقوا في شوارع حيِّ العمارات وفق خطة متفق عليها.
خرج عمر عبد العاطي بصحبة عبد العزيز دفع الله قاصِدَين سيَّارة عمر التي كان قد جاء بها مع أمين، أوَّل ليل البارحة، وأوقفها أمام منزل أحد أصدقائه، على بُعد شارعين! وهو نفس المنزل الذي غشيه معظم ممثلي النقابات والأحزاب، وتحرَّكوا منه إلى مكان الاجتماع! لكن ما كاد عمر وعبد العزيز يقتربان من السيَّارة حتى اكتشفا أنها مفتوحة، وأن (مجهولين) ينتظرون بداخلها مستغرقين في غفوة، فأطلقا سيقانهما للريح! وعندما أحسَّ (أهل الكهف) بحركتهما، أفاقوا، لتشهد شوارع الحيِّ الهادئ مطاردة عنيفة ما كان عمر ليتصوَّر، حسبما روى لي، أنه يقدر عليها، وهو الذي ظلَّ يشكو من آلام الظهر والمفاصل!
في ما بعد اتضح أن شقيق زوجة صاحب المنزل، والذي شارك في استقبال كل ضيوف صهره قبل أن يتوجَّهوا إلى اجتماعهم، عضو بالجهاز! ولولا أنه انشغل، أكثر شئ، بالمسارعة للإبلاغ عنهم، قبل أن يعرف المكان الذي توجَّهوا إليه من منزل صهره، لما قامت لذلك الاجتماع التاريخيِّ قائمة!
واستطراداً، فإن الوحيد الذي عثروا عليه واعتقلوه، في ملابسات تلك الليلة، هو التيجاني الكارب المحامي الذي كان قد أوصل عمر نور الدائم وصلاح عبد السلام بسيارته إلى ذلك المنزل، ثمَّ عاد إلى بيته، حتى قبل أن يبدأ المندوبون في التوجُّه إلي مكان الاجتماع، فاعتقل من هناك! وهكذا قدِّر له أن يكون آخر مَن تعتقله سلطة الفرد المطلقة، وهي في برزخ المنزلة بين المنزلتين، تلفظ أنفاسها الأخيرة، قبل سقوطها المدوِّي!

نهار وأوَّل مساء السادس من أبريل 1985م

نعود لمشهدنا حالة كوننا قوماً منقطعاً بهم في سجن دبك. فبطبيعة الحال لم يقيَّض لنا، إلا بعد (تحريرنا) وعودتنا إلى (الحياة)، أن نعلم بكل تلك التفاصيل، خصوصاً أحداث الثالث من أبريل والأيام الثلاثة التالية. مع ذلك لم يخلُ ملتقانا حول (سرير بكري) من بعض (تسريبات) شـحيحة يعلم الله وحده بمصدرها في ذلك الصقع القفر، ونحن "في سور داخل سور"! فهناك بلغتنا  أصداء موكب التجمُّع النقابي. وهناك علمنا أن الأمور لم تنته بنهايته، بل ما تزال الأحداث تجري، وما تزال الجَّماهير ترابط في الشَّوارع، تزلزل الأرض تحت أقدام النظام المغرور. وهناك رفعت من معنوياتنا، بخاصَّة، أخبارٌ لم تتأكد لنا إلا لاحقاً عن تغييرات جوهريَّة في مواقف القوَّات النظاميَّة، والعاملين بالإذاعة والتلفزيون! لكن حصولنا على مصدر ثقة لأخبار البي بي سي ومونتي كارلو، أوَّلاً بأوَّل، كان له أكبر الأثر على حياتنا في ما تبقى من أيَّامنا هناك! وعلى أهميَّة كلِّ أخبار السُّودان التي ارتقت، فجأة، إلى واجهة نشرات المحطتين، إلا أن ثمَّة تقريرين خبريَّين كان لهما دويُّ الزلازل، في نفوسنا، ودمدمة البراكين: أولهما تمحور حول التصريحات الجَّسورة التي أدلى بها سفيرا السُّودان، وقتها، إبراهيم طه أيوب من كينيا، ومحمد المكي إبراهيم من باكستان، عقب انقطاع أخبار الأحداث، في إثر إضراب الإذاعة والتلفزيون، يؤكدان فيها انتصار الانتفاضة، وزوال النظام فعليَّاً! أما الآخر فقد اتصل سياقه، بدءاً من تأكيد ملازمة الجَّماهير للشَّوارع، ومبيتها الليالي على الجسور، وانتقال الانتفاضة إلى أنحاء السُّودان الأخرى، وانتهاءً ببيان المشير سوار الدهب يعلن، صباح السَّادس من أبريل الأغر، عن انحياز الجيش للإرادة الشَّعبيَّة!
تلك كانت اللحظة التاريخيَّة التي فجَّرت أهازيج الثورة الماجدة، عبر شاعريَّة  محجوب شريف المتفرِّدة، وحنجرة محمد وردي الصَّدَّاحة: "بلا وانجلا .. السِّجن ترباسو انخلع وانهدَّ كتف المقصلة"!
......................
......................               
عند ذلك الحدِّ كانت قد انتفت، بالطبع، كلُّ مبرِّرات وجودنا في ذلك المكان القفر، لكن .. من يقنع مدير سجن دبك؟! سمع بأذنيه بيان سوار الدهب في نشرة السَّادسة صباحاً، فسارع بإحضار خروف نحره تحت أقدامنا! ولم يكن ثمَّة ما هو أكثر إقناعاً بأننا في علم، لا في حلم، من رؤيته في الزِّيِّ الرَّسمي، والنجوم تتلاصف على كتفيه، ما ينفكُّ يهتف بأعلى صوته، وسط باحة السِّجن، والدموع تنهمر مدرارة من عينيه: "جيش واحد .. شعب واحد"، "عاش نضال الشَّعب السُّوداني"، ونحن نردِّد وراءه، ولا يكاد يكفُّ عن رفع ساعديه يهزُّهما فوق رءوسنا على أنغام (وطن الجدود) للشفيع، و(أفدِّيك بالروح) لعثمان حسين، و(الحارَّة بندورا) لأبو داود، تصدح من إذاعة أم درمان التي عادت تعمل، وذلك عبر جهاز الترانزيستور الصغير الذي أخرجناه، الآن، للعلن، وأدرناه بأعلى صوت أيضاً، دون أن يبدي سيادته أدنى اهتمام بمعرفة الطريقة التي تسرَّب بها إلينا!
كل ذلك كان، بطبيعة الحال، وفي ظلِّ تلك الظروف، طيِّباً جداً، ومدعاة لسعادة حقيقيَّة، إلا شئ واحد .. أن سيادته لم يُبدِ أيَّ استعداد كي يفتح أبواب السِّجن ليدعنا نخرج! كان، كلما أثرنا معه هذا الموضوع، يصيح آمراً المساجين الذين أحضرهم لإعداد الطعام:
ـ "يا آدم استعجل المرارة .. يا هارون سِيب الفِي إيدَّك ده ونضِّف الكَمُّونيَّة كويِّس .. وانت يا كوكو لِحَدِّي دِلوَكت ما جهَّزتَ البصل والشطة بالليمون"؟!
و .. لم يستطع أيٌّ منا أن يقنعه، في تلك اللحظات، بأننا لا نريد كَمُّونيَّة ولا مرارة، بقدر ما نريد أن نخرج .. أن نذهب إلى الشَّوارع، وإلى الناس، وإلى بيوتنا!
تهامسنا بأن نصبر عليه، فقد كان طيِّباً ولطيفاً بحق. وبعد أن أكلنا سويِّاً الملح والمُلاح، توجَّه إلى مكتبه. فاجتمعنا وقرَّرنا أن نرسل إليه وفداً صغيراً يناقشه بهدوء. تم اختيار الوفد من حسين أبو صالح ومصطفى عبد القادر وشخصي. وفي المكتب سقنا الحُجَّة تلو الحُجَّة، حتى بحَّت أصواتنا، وقلنا له إننا سمعنا من العساكر أن الناس زحفوا إلى سجن كوبر الأسود، وتسلقوا أسواره المنيعة، وحطموا بوَّاباته الغليظة، وحرَّروا المعتقلين! لكن .. لو كان الحائط يسمع لسمع سيادته، فقد استعصم بمنطق أبى أن يتزحزح عنه قيد أنملة: ـ "الشغل شغل يا أساتذة .. أيْ نعم مايو انتهت، لكن برضو لازم ننتظر التعليمات من الرئاسة ، فـ .. ساعدونا من فضلكم بالصبُر"!
عدنا نجُرُّ أذيال الخيبة، ونقرِّر، احتراماً للرجل الذي أحسن معاملتنا، أن "نساعده من فضلنا بالصبُر"، فنفوِّض أمرنا لعزيز مقتدر عساه يشملنا برحمة من عنده، وبفرج قريب!
......................
......................
قبيل المغرب جاء الفرج، من جهتين لا جهة! فقد عاد أهالي دبك من الخرطوم، حيث  قضوا سحابة نهارهم يؤدون واجب الوطن، ولمَّا علموا بأننا ما زلنا محبوسين، هبُّوا لنجدتنا بكلَّ ما لديهم من مركبات .. حتى لواري التُّراب! تلازم ذلك مع وصول عدد من سيارات ذوي بعضنا الذين ظلوا يبحثون عنا، ولم يعرفوا بمكاننا إلا متأخراً جداً! هكذا اكتظ الموقع، فجأة، بالخلق، وبأبواق السَّيَّارات، وبالهتافات، وبالأناشيد المنطلقة من مكبِّرات الصوت اليدويَّة. عند ذاك كان الإعياء قد بلغ بسيادة المدير مبلغاً، بعد أن ظلَّ مرابطاً بمكتبه، طوال اليوم، يحاول الاتصال بـ (الرئاسة)، دون جدوى! فقيِّض لنا أن نعود إلى بيوتنا، ومنها، بسرعة البرق، إلى نادي أساتذة جامعة الخرطوم.
وإنني إذ أبعث، الآن، بتحاياي إلى ذلك المدير الهمام، فإنما أعذره تماماً، حيث أن مَن يتورَّط في دور العكازة التي تتوكأ عليها الشُّموليَّة، لا بُدَّ يصعب عليه، وإن أراد، الانفلات، بغتة، من ذلك الدَّور! 
......................
......................              
حدَّثني أمين مكي، لاحقاً، بأنه حرص، بعد إذاعة بيان سوار الدهب، على استنساخ صورة من (الميثاق) والنقاط الخلافيَّة بتوقيعات المندوبين، وسلمها لعوض الكريم. ثمَّ قام، في ما بعد، بوضع أصل تلك الوثيقة في إطار زجاجيٍّ وسلمها للصَّادق المهدي. وأرجو أن تكون محفوظة، الآن، بدار الوثائق المركزيَّة، فما أضرَّ بتاريخنا الوطني الحديث غير ضياع الكثير من مصادر وقائعه، إذ دُفن بعضها مع شهودها الموتى، وتُرك ما تبقى منها لمشافهات الأحياء وذواكرهم الخربة!
(النهاية)