(24/11/2008م)

 (1957م ـ 2009م)

في الثامنة من صباح الأربعاء 2/12/2009م فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، بمستشفى القصر العيني بالقاهرة، بعد رحلة طويلة شاقة مع آلام الفشل الكلوي، فواريناه الثرى، صباح اليوم التالي، مع أسلافه الصُّلاح بمدافن أربجي العتيقة. اللهمَّ إنا لا نزكي حبيبنا نجم الدين عندك، وهو عبدك الذي ما هان إلا عليك، لكنا، نحن الرافلين في سُنَّة الصَّلصال الأزلي، وجبلة الحمأ المسنون، لا نملك، كلما رفت ذكراه الطيِّبة، إلا أن نذرف الدَّمع السَّخين حزناً على نفسه السَّمحة، وفؤاده الزكيِّ، وظله الخفيف، وعُشرته الحلوة، وسيرته العطرة، وسريرته النَّقيَّة، وعلمه النافع، وكدحه الصالح، ومنظره اليشرح، ومخبره اليبهج، ومحضره اليؤنس، ولقياه التروق؛ فوسِّع، يا ربُّ، في مثابه، ومهِّد لنزله في مراقد المقرَّبين إليك، المرضي عنهم لديك، مع الصّدّيقين والشُّهداء وحسن أولئك رفيقا، واشمله، اللهمَّ، بغفرانك وعفوك ورحمتك، يا واسع المغفرة والعفو والرحمة، واجعل البركة في ذريَّته وأهله، والهمنا، نحن أصدقاءه وعارفي فضله، جميل الصبر والسُّلوان، ولا قوَّة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.     

                                                                                كمال

 

الإثنين

مضى عام، ولحق به آخر أو تولى، والخرطوم ما تبرح تتراءى كسراب بقيعة يحسبه الظمآن من أمثالنا ماءً، بل أملاً عصياً لن نبلغه أبداً، مهما كابدنا ومهما طال سفرنا. إنها المرة الأولى التي يفصلني فيها عن الوطن، منذ صرخة الميلاد، مثل هذا الغياب السحيق. نعم تصلنا الأخبار، عبر الأثير، عبر الأسفير، عبر الصحف الورقيَة تصلنا، مع القادمين والآيبين والعابرين تصلنا، العامة منها بانتظام، والخاصة متقطعة، لكنها، على أية حال، تصلنا. ومع ذلك هيهات أن تشفي لنا غليلاً، فليس من رأى كمن سمع!

أول ما جذب انتباهنا المطار بما لم نكن قد تركنا فيه من أثر. لقد زيدت منافذ تمرير القادمين، وأضحت الإجراءات نفسها أكثر يسراً. كذلك ارتخت، وإن لم تنفرج تماماً، تلك القبضة الحديدية القديمة البغيضة، وذلك الإحصاء للأنفاس الذي كانت تمارسه سلطات الجمارك، وعسف ضباطها واشتطاطهم في تفتيش حقائب المسافرين، ينبشون أحشاءها، ويجسون وجوهها وظهورها وزواياها، تماماً كمن ينقب عن إبرة في كومة من القش! يا زول .. قل، باختصار، أننا، في هذا الجانب، قد لحقنا، شيئاً ما، بطرف من السلوك الرسمي لأهل التحضر، وإن تبقت لدينا نواقص ومعايب، بعضها مدعاة للعكننة، ولعل أهمها أن وزارة الداخلية ما تزال تصر على اقتضاء (رسوم تأشيرة الخروج) التي لا نظير لها في أي بلد أخر، بل والملغاة، منذ سنوات، في بلدنا نفسها، و .. بأمر رئاسي! فإذا لم يستخرجها المغادر مسبقاً، فسوف يضطر لسدادها، حتماً، بالمطار، عداً نقداً قبل الولوج في صالة المغادرة، وتطلق الداخلية عليها (رسوم استيفاء) كاسم دلع! وأذكر أن صديقي كمال أثار هذه المسألة في رزنامته أكثر من مرة، رابطاً إياها بحرية التنقل التي هي من أهم حقوق الإنسان المنصوص عليها ضمن المواثيق الدولية، فضلاً عن وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي، ولكن .. قد أسمع لو نادى حياً! فلا يبدو، عموماً، أن أمامنا سوى التذرع بجميل الصبر، وبالحكمة القائلة بأن العافية، في أصلها، درجات!

في الباحة الخارجية لفحت وجوهنا نسمات محتقنة بالندى والوقت يدانى السحر، فالهزيع الثانى من الليل إلى انطواء. مثل هذا الهواء هو ما ألفته رئتاي في بلدي، ولم تألف سواه في بلاد الآخرين، فأخذت أعب منه بشراهة. وتذكرت مشهد بعض من طال بهم النوى من المصريين يقبلون تراب بلدهم أول ما تطأ أقدامهم أرض مطار القاهرة؛ ولكم وددت، لولا العلة، أن أفعل، تعبيراً عما اجتاحني، ساعتها، من فرح خرافي بمعانقة هذا الوطن الخرافي!

إنطلقت بنا العربة تشق غبشة الفجر، وهبوب صبا السحر ندي بليل. فمررنا، لدهشتنا، ببنايات عالية صقيلة، بعضها حكومي وبعضها الآخر خاص، تتلألأ كلها كتلك التي بجزيرة مانهاتن بنيويورك، أو تلك القائمة وسط المدن الأمريكية الضخمة كشيكاغو فى الغرب الأوسط، وهيوستن بتكساس، وسان فرانسيسكو بكاليفورنيا! الفارق الوحيد أن عمائرنا هذه قد شيدت حيثما اتفق، واشرأبت بأعناقها الطويلة تمد ألسنتها، من علٍ، إلي ما يحيط بها من بيوتات طينية قديمة بالية مهترئة، في افتقار تام للتناسق والتجانس والانسجام، مما يجعل المشهد كله مدعاة للنفور، بحيث يضيع بهاء البنايات الزجاجية التي أضحت كالزنابق في الوحول، وتزيد حالة التقزم والقبح فى المباني القديمة التي غدت كما الأيتام في موائد اللئام، فبدا لي أن التخطيط العمراني، وإلى حين إشعار آخر، غير معنى بأكثر من سلامة الهياكل الخرصانية، وقياس ارتفاعاتها، وبُعدها عن حوائط الجوار. أما في ما عدا ذلك فالجميع، حكومة ومالكين أثرياء، في حل من عدم التقيد بأي ضوابط أخرى، ناهيك عن أن هذه الضوابط الأخرى نفسها غير موجودة، فلهم، إذن، أن يفعلوا ما شاءوا ببناياتهم، مستطيلة أو مستديرة أو مربعة أو حتى متوازية الأضلاع، يطلونها بالأحمر أو الأخضر أو الأصفر أو الأزرق، فهذا كله من ضمن حرياتهم المصونة، بل لعلها الوحيدة المصونة حقاً وفعلاً، مع العلم بأن خبراء تخطيط المدن فى كل بلدان العالم يصرون على ما يعرف بوحدة الجوار أو المماثلة فيه، بالغاً ما بلغ من البساطة، وعلى تجانس الألوان واتساقها وإراحتها للعين والنفس، فليس المبنى لمالكه فقط، وإنما للجميع، للغاشي والماشي، ولكل من يحتمل أن يقع ناظراه عليه!

كنا، في ما مضى من أزمان، نخشى على مستقبل المدينة إن هي وقعت في قبضة رعاة الشاء. لكن ها قد وقع المحظور الآن، فإذا بالخرطوم مزيج من ملامح المدن البترولية باذخة الثراء المالي، فقيرة الثقافة الروحية، مما ينعكس في نوعية مبانيها الشبيهة بتلك التي أسماها الروائي الراحل عبد الرحمن منيف (مدن الملح) القائمة في خواصر الصحاري، بتصاميمها النابية المستوردة بكاملها دونما أدنى مراعاة للواقع المناخي أو الحضاري؛ مسطحات وجدران عملاقة من بلاط السيراميك والزجاج الملون، شبكات من وحدات تبريد عملاقة باهظة الأثمان، بكلفة تشغيل لا يبدو أنها تقلق أحداً من أثرياء الريف الجدد هؤلاء، إيغال في طرق وأساليب حياة تحتشد، لدى القلة، بالرفاه على النمط الاستهلاكي العبيط، بينما أكثر الشرائح تفتقر حتى للمستوى المعيشي الذي تحظى به مثيلاتها في (مدن الملح) تلك، فتجدها، رغم اكتشاف واستخراج وتصدير البترول، أشبه ما تكون بالمدن الأفريقية الساحلية الفقيرة، حيث أكواخ الصفيح المظلمة، وعشش الكرتون البائسة، تكتظ بمخلوقات تعيش على خشاش الأرض أو دونه، بينما المترفون، أصحاب الأبراج الزجاجية الصقيلة الشاهقة، تقوم أنديتهم على مرمى حجر، يحيون فيها حفلاتهم الصاخبة التي تعج موائدها بكل ما طاب ولذ من لحوم ذوات الأربع، وذوات المناقير، والسابحات في النهر والبحر، وما لا عين رأت ولا أذن سمعت من صنوف الحلوى الشامية واللبنانية والتركية، بينما المتحلقون حولها فاقدون للشهية من تخمة الغداء الدسم في بيوتهم، ومن نومة ما بعد الغداء تحت فحيح المكيفات الناعم، فتجدهم بالكاد يمسون الأطباق بأطراف أناملهم، ثم يتركونها نهباً لمن يتخطفونها من ذوي الأسمال البالية يصطرعون عليها، آخر الليل، مع القطط والكلاب، يلتهمون بعضها، ويتراكضون ببعضها صُرراً لزغب حواصل يتضورون جوعاً في ظلام الأكواخ، ثم قد يدخرون ما يفيض، تماماً كفعل النمل في الشتاء!

زادت الجسور عدداً، فمنها الطائر، ومنها المعلق، ومنها التقليدي، ومنها ما لا يزال تحت التشييد؛ لكن اختناقات المرور هى نفسها، إن لم تكن قد تضاعفت! أغلب الطرق، سريعها وبطيئها، تفصل بينها كتل من الاسمنت والحواجز الخرصانية التي تكفى تكلفتها لاقامة طرق أخرى كاملة، وذلك في غير ما معنى، اللهم إلا سوء الظن بمستخدميها! وقد رأينا في بلدان أخرى كيف يكتفون بخطوط فاصلة بيضاء وربما صفراء تميز بين معبر وآخر، والناس قد تعلموا الالتزام بها، لا يحيدون عنها قيد أنملة، بل يحفظونها كتابا. أما الطرق العرضية المتقاطعة مع الطولية، كما في شارع المك نمر، على سبيل المثال، فقد أغلقت تماماً، وإذا أردت أن تطرقها فما فعليك إلا أن تسير حتى تبلغ نهاية الطريق، ثم تستدير لتعود ثانية، وبهذا يهدر الوقود، ويضيع الوقت، وتتعقد أوضاع المرور، ويسود البطء والتكدس، بينما السائقون الغارقون في العرق يمدون أعناقهم عبر نوافذ السيارات التي تغلي محركاتها كالمواقد بفعل حرارة الطقس، يسألون بعضهم البعض عمن يكون العبقري صاحب هذا التخطيط!

 

الثلاثاء

في أنباء الكوارث أن معلماً مصرياً في إحدى مدارس الإسكندرية ضرب تلميذاً في الحادية عشر من العمر ضرباً أفضى إلى موته! ولأن الحال من بعضه فقد أيقظ الخبر الحديث مجدداً حول عقوبة الجلد في المدارس، وما إن كانت، بالفعل، وسيلة ناجعة للتربية والتعليم!

لقد طويت هذه الصفحة، في البلدان المتقدمة، طياً تاماً، بتحريم ضرب الأطفال تحريماً مطلقاً، وربما بشكل متطرف، ليس على مستوى المدرسة فحسب، بل حتى في نطاق الأسرة، بحيث أنهم وفروا للأطفال رقماً هاتفياً حفظوه كتاباً، وهو 911 يلجئون إليه حين يصيبهم مكروه من ضرب أو نحوه، فيتصلون تواً بهذا الرقم لتأتيهم النجدة في هيئة قوة شرطية توفر لهم الحماية المطلوبة، والتي قد تنتهي بانتزاعهم من الأسرة، وحرمانها منهم، باعتبارها غير مؤهلة لتربيتهم! وعموماً توفر الدولة للأطفال في هذه البلدان كل مقومات الرعاية والعناية والسلامة؛ فالبص الذي يقل أطفال المدرسة، مثلاً، لديه امتياز لا يتاح لغيره، فحين يوقفه سائقه، ويشغل أنواره المتقطعة، فإن من يتخطاه يواجه غرامة قد تبلغ المائة دولار، يتجرعها المخالف جزاءً وفاقاً على فعله القبيح الخطير! وهو مبلغ باهظ حقاً إذا علمنا أن الناس في تلك البلدان لا يعملون، عادة، بالسمسرة، ولا يصيبون مالاً سهلاً يهون عليهم تبديده كل يوم في الغرامات!

قالت لي الطبيبة التي تشرف على علاجي في الخرطوم، حينما علمت صلتي بالكتابة الصحفية: لماذا لا تتناولون امتهان سلامة أبنائنا البدنية، ناهيك عن النفسية، تحت سياط معلميهم؟! وروت لي أن طفلها قد أوسعوه، في اليوم السابق، ضرباً بالمدرسة، في إطار عقاب جماعي، حتى أدموا عجيزته! وما ذلك إلا لأن التلاميذ أحجموا عن إفشاء اسم أحدهم كان قد ارتكب مخالفة ما! فهل يعقل هذا؟!

يبدو أن السيل فعلاً قد بلغ الزبى، ولم يعد الصمت عليه ممكناً. لهذا لا بد من تدواله بين المسئولين والمختصين، بالسرعة المطلوبة، وبلا أدنى حساسية، وبأقصى درجات الشفافية، تمهيداً لاتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات عاجلة بشأنه، وإلا أصبحت وزارة التعليم العام بأسرها في محل الاتهام! ولتكن غاية هذا التداول وسطا بين التشدد في المنع وبين الإفراط في العقاب، مراعاة لمطلوبات التربية المكتملة والتعليم الجيد. لكن، في كل الأحوال، "حين لا يبقى غير الجلد بالسوط، فليبدأ الإذلال العام!"، على حد قول الكاتب المتميز عبد الله علي إبراهيم، على لسان إحدى شخصيات مسرحيته (الجرح والغرنوق)!

 

الأربعاء

المحكمة الدستورية هي الموجهة المفترضة لمقود التحول الديمقراطي، بما يخضر ويورق بين يديها من نصوص الدستور عند التطبيق. وحين غادرت الخرطوم، قبل عامين، كان في أضابيرها عدد مقدر من الدعاوى، تضاعف، لاحقاً، في سياق التصدي المستمر لانتهاكات الحقوق الدستورية، ولطلبات حمايتها. لكن، مقارنة بالرسوم الباهظة المقررة على الطعون، رغم أنها الأولى بالمجانية، بل وبتوفير العون القانوني لطالبيه، إذ يتصل الأمر هنا بقدس أقداس الحقوق، فإن المحكمة، للأسف، لم تقم حتى الآن بما كان يتوقع منها عندما تمت إعادة تشكيلها وفقاً لنصوص الدستور الانتقالي لسنة 2005م. فما أكثر ما تراكم في أرشيفها من طعون بانتظار البت فيه، رغم بساطة ووضوح الإجراءات المطعون ضدها؛ وما أكثر ما قرَّرت عدم التدخل فيه من هذه الطعون، وشطبه إيجازياً، رغم مفارقة موضوعاتها الظاهرة للدستور؛ بل الأنكى أنها، حتى في ما فصلت بموجبه من أحكام في بعض الطعون، قد تجاوزت حدود صلاحياتها، حيث حمل قرارها طابع الأحكام التي تصدر والبلاد خاضعة لأحكام الطوارئ، مما عرضها للنقد من بعض الخبراء المختصين. وفي ما عدا رأى مخالف وحيد جاء، كثور الشامة الأبرق، في الطعن المشار إليه، بتوقيع نائب رئيسها مولانا الطيب عباس الجيلي، وآخر أصدره رئيسها مولانا عبد الله الأمين البشير في طعن قدم ضد دستورية المادة 243 من قانون الإجراءات المدنية القاضية بحبس المدين الفاشل فى قضاء ما عليه من دين حتى السداد، تنفيذا للأحكام الصادرة بالطرق المدنية، فقد كان مصير أغلب الطعون المهمة، بما في ذلك الطعنين المشار إليهما، هو الشطب في نهاية المطاف.

يجأر الناس بالشكوى من أن الدستور، وبالأخص باب الحقوق والحريات، أضحى خرقة بالية تتسع فتوقها، يوما بعد يوم، على الراتقين؛ وبالنتيجة أصاب الجمود والعطب قضية التحول الديموقراطي حتى تعطنت؛ وأضحى من الصعب أن ينأى أحد بالمحكمة الدستورية، مع كامل الاحترام والتوقير لها، عن المسئولية في هذا الشأن الوطني الجليل.

 

الخميس

ظل مبلغ همي، منذ عودتي إلى الوطن، أن أعثر، بأعجل ما يمكن، على مركز لغسيل الكلى في موقع قريب لسكني، حيث عليَّ أن أخضع لجلسات الغسيل ثلاثة أيام في الأسبوع، وليس ثمة عذر لتأجيل أي منها، مهما كان، وقى الله السامعين شرور هذا الداء اللعين! إنطلقنا ننقب عبثاً هنا وهناك وبين ذلك قواما، فلكأننا نحفر في الصخر بالأظافر، رغم أن ما نطالع من بيانات وزارة الصحَّة وإحصاءاتها تترك لدى المرء انطباعاً لا يتطرق إليه الشك بأنه لا بد واجد في كل زاوية مركزاً للغسيل! فمرض الفشل الكلوي في انتشار مروع، وقد غادرت البلاد لأكتشف إصابتي به بعد تشخيص حالتي في موطن إقامتي الجديد. وهكذا أصبحت أهتم بأخباره في السودان، وأتابعها، فالصبُّ للصبّ نعم المؤاسي!

صحيح أن بالخرطوم الآن أربعة وعشرين مركزاً للغسيل الدموي، وفيها جيش من العاملين الذين تلقوا تدريبا جيداً وخبرة وافرة. لكن الكثير منها يتبع للقطاع الخاص الذي يهدف إلى الربح بالأساس، ولهذا يتركز في المناطق الراقية؛ بينما يتوزع الحكومي منها على المستشفيات العامة التي تقع في الوسط أيضاً؛ بينما هذه العلة لا تميز طبقة عن طبقة، ولا عرقاً عن عرق، ولا تستثنى نوعاً واحداً، ولا فئة عمرية معينة، ولا مهنة دون غيرها. الأطفال الأيفاع ممن يتعين أن يكونوا مع أترابهم في الرياض والحضانات، تجدهم يكتوون بجمر الغسيل؛ والذين في شرخ الشباب ممن يتعين أن يكونوا في قاعات الجامعات، أو معامل الأبحاث، أو منتديات الآداب أو الفنون، أو في دور الرياضة وأنديتها يتجادلون في أمر جمال الوالي، وحكيم الهلال، ووارغو النيجيري، يمكنك أيضاً أن تصادفهم في ورديات الغسيل؛ والشابات والقواعد من النساء، بدلاً من أن يكن منهمكات في أعمالهن المكتبية أو الميدانية، أو يستمعن إلى برامج الأسرة في مطابخهن، تستطيع أيضاً أن تراهن في مقاعد الغسيل؛ ولا يستثني هذا الداء المبدعين، فقد فعلها بالراحلين جيلي عبد الرحمن ومصطفى سيد احمد وعبد الله محمد خير. ولقد قاومه وتعافى منه، لحسن الطالع، عدد ممن انتاشتهم سهامه، كمحمد وردى وسيد احمد الحردلو؛ لكن ها هو ينتقي، مؤخراً، حجتنا أمام العالم .. الطيب صالح الذي لا يزال يصارعه، وإن كان ذلك على حساب وقته وطاقته وكل ما تنتظره الأجيال منه. وبمثل ما ينتقي هذا المرض اللعين، فإنه، في كثير الأحيان، يحتطب احتطاباً ليلياً أيضاً، ليصيب حتى العاطلين من الإبداع أمثالنا!

المطلوب الآن أن تقرع نواقيس الخطر بشدة، كي يبدأ إيقاف التدهور، أو الـzero growth  كما يقولون. يجب أن نتعامل، بجدية أكثر، مع التفاقم المحير للمرض كظاهرة ندرسها بعناية، نسبر أغوارها، نكشف عن أسبابها، ونقيم، لأجل ذلك، الندوات، وورش العمل، والمؤتمرات، ونشجع وندعم المؤسسات البحثية. وعلى مستوى العلاج نسارع إلى سداد مستحقات هذه المراكز، وفقا لجدولة تحترم وتنفذ بدقة، حتى لا يعود يخيم علينا شبح إضراب جديد كما حدث بالأمس القريب، حين أضحى واقعاً ماثلاً ما كنا نظنه شبحاً مرعباً في الكوابيس وحدها. فقد تم تنفيذ الإضراب بنسبة كبيرة للأسف الشديد، وترك المرضى يدبرون أمورهم بأنفسهم! وتذكرت ما درجوا على تقديمه لنا من نشرات وإرشادات كي نعد العدة في حالة انقطاع الغسيل لأي سبب طارئ، لكن ليس من بين ذلك إضراب العاملين بطبيعة الحال! إتصلنا هاتفيا بالمركز فأبلغونا بأن علينا الذهاب إلى مستشفى الشرطة. هرولنا إلى هناك، فأبلغونا بأنه لا مكان لغير المسجلين في جدولهم! هكذا ابتلينا بالمرج، وتعرضنا لكل خطر يمكن تصوره، حتى تداركتنا عناية الله برفع الإضراب!

ينبغي أيضاً زيادة عدد الغسلات إلى ثلاث، فالاثنتان الحاليتان أقل من المطلوب، والدواء منقوص وغال، ومع ذلك يضطر المرضى الفقراء لشرائه أملاً في أن يكتمل أثر الغسيل المنقوص والغالي! ضف إلى ذلك غياب الفحص المعملي، وحتى إن وجد فهو، بدوره، يثقل كاهل هؤلاء المرضى بأعباء مالية لا قبل لهم بها.

والغسيل، بعد كل هذا، مجرد علاج وقتي لا يقطع شأفة cure هذا الداء. فآخر الدواء نقل كلية من شخص سليم تتطابق أنسجته ودمه مع أنسجة ودم المريض. ولقد أسعدني ما رأيت، في هذا الصدد، بمستشفى احمد قاسم ببحري، من مضاء عزم هذا البرنامج وحسن اضطراده، رغم عدم مواتاة الظروف العامة. رأيت إقدام الأسر وتدافعها للتبرع لمصابيها .. شيئاً فوق التصور! الأمريكيون يحتفلون أيما احتفال بكل حالة يتفضل فيها شخص بالتبرع لآخر، ويعدون ذلك مأثرة وبطولة تستحق الذكر والتمجيد الدائمين؛ بينما يشكل هذا لدينا سلوكاً فطرياً ليتنا نوليه اهتمامنا، وعنايتنا، وتثميننا العالي، وتشجيعنا التربوي، عن طريق إصدار الفتاوى الدينية التي تحض الناس على فضيلته، وتبين نبله، وعمق إنسانيته، وكذلك التثقيف العلمي الذي يوضح، بجلاء لا لبس فيه ولا أدنى غموض، انعدام أي ضرر يترتب عليه، ويثبت، بتقديم النماذج الحية، أن حياة المتبرع سوف تمضي عادية جداً بعد تبرعه، بل ومكتسية بسعادة غامرة، كونه، بتبرعه هذا، إنما يصنع حياتين two lives ، كما وصف ذلك مريض الفشل الكلوي الأشهر في السودان طيب الذكر المرحوم د. عمر بليل في كتابه الذي جعل هذه العبارة الموحية عنواناً له. ويمكننا أن نفعل ذلك كله عبر برامج الإرشاد الديني، والمناهج التعليمية والتربوية، وأجهزة الإعلام والصحافة؛ فالبذرة، مهما بلغت من الصحة والخير، تذبل إن لم نتعهدها بالسقيا!

 

الجمعة

أذهلني، وسط كل فقرنا المستشري، خبر صفقة رئيس نادى المريخ، جمال الوالي، لضم اللاعب النيجيري اليافع وارغو إلى صفوف الفريق بمبلغ مليونين ومائتي ألف دولار فقط .. لا غير!

وارغو؟!

المريييييخ؟!

قرابة الخمسة مليار جنيه .. الجنيه يطق الجنيه؟!

بربكم هل جمال الوالي هذا مقتنع بأنه رئيس نادي المريخ السوداني؟! أم يظن نفسه رئيس ريال مدريد الأسباني أو مانشيستر يونايتد الإنجليزي؟!

طيب! الكورة عند هذه الأندية الأوربية احتراف وصناعة رأسمالية، فما هي الكورة عندنا؟! وأنديتهم نفسها مؤسسات استثمارية ربحية، فهل نريد أنديتنا كذلك؟! بل دعونا نتساءل، وبراءة الأطفال في أعيننا: أي مجد سيحققه لنا هؤلاء الأجانب؟! وعندما ينتصرون، من يكون، في الحقيقة، قد انتصر: كورتنا أم سفهنا؟!

يا كباتن .. عيب!

شعبكم الفقير يعاني .. عيب!

و .. "نحنا هل جنينا أم عقولنا نصاح"؟!

 

السبت

أكثر ما كان يحبب السودانيين في جامعة الخرطوم في الماضي هيبتها، ومجانيتها، وجودة محتوى برامجها، ومثالية مناخها الأكاديمي، وحسن انتظام الدراسة فيها، ومساواتها الصارمة بين الطلاب في الفرص، وانضباطها في التمسك بمعيارية التنافس في ما بينهم.

وقد بلغني على أيام الطلب، أن اقتراحاً قدم لأحد اجتماعات مجلس الجامعة Senate بتجاوز معيارية القبول بالنسبة لإبنة أحد البروفسورات، وكان مجموعها ينقص بدرجة أو درجتين عن المطلوب، وفاءً لعطائه الجليل في كلية الطب! غير أن أستاذنا د. محمد الفاتح حامد، عميد كلية القانون وقتها، اعترض بهدوئه المعهود قائلاً: هذا فتح لباب الشيطان، فالزميل فوق هامتنا، وإبنته إبنتنا، لكن المعايير شيء يدنو من القداسة، وإذا فرطنا فيها اليوم، فلن نستطيع المحافظة عليها غداً. كان البروف والد الطالبة أول المتفقين مع رأي أستاذنا، وهكذا تنفس المجلس الصعداء، وتم الاعتذار للإبنة، وحمت الجامعة عهدها.

خطرت لي تلك الواقعة البعيدة بمناسبة ما نشهد اليوم من تراجع عن تلك المعايير، ليس في جامعة الخرطوم وحدها، وإنما في كل الجامعات التي انتشرت بأعداد فلكية، حيث تضيق فرص المتفوقين الذين يودون دراسة تخصصات بعينها، لكن مجاميعهم نقصت ببضع درجات عن بلوغها، وفي نفس الوقت لا يملكون من المال ما يكفي للقبول الخاص الذي يتسع فقط أمام الطلاب المقتدرين، وإن كانوا أقل تفوقاً!

غير معقول، بالفعل، أن يحرم طالب طموح من الالتحاق بكلية يحلم بها لمجرد أن مجموعه نقص ببضع درجات يحسبن على أصابع اليد الواحدة. وصحيح أن الحل لا يكون بتجاوز معيارية درجات القبول العام. لكنه أيضاً لا يكون بإفساح الفبول الخاص لذوي القدرات المالية وحدهم. الحل الأمثل أن ينشئ المجتمع صندوقاً للقبول الخاص لغير المقتدرين من النابغين الذين قعدت بهم عن القبول العام بضعة أرقام، على أن تحدد الجامعة أيضاً معيارية هذه الشريحة مسبقاً. هذا ما تقوم به، في شتى أنحاء العالم، منظمات مجتمع مدني متخصصة، ورجال أعمال يتم تشجيعهم بخصم مساهماتهم من جملة ضرائبهم السنوية!

 

الأحد

ذات صباح من صباحات الأيام الخوالي، كنت أنتظر جلستي داخل قاعة محكمة الخرطوم الجزئية، فحضرت طرفا طريفاً من سماع دعوى بموجب قانون الإيجارات. كان المدعي معلماً أزهرياً بالمعاش، وقد اشترى، بتحويشة العمر الذي قضاه في تدريس الفصحى، منزلاً بديوم الخرطوم الغربية يعيش من ريعه، فاستأجره منه أحد العاملين القادمين من الهامش، ممن ليست العربية لسان أم له أو أب، لكنه فشل في سداد الأجرة، فأصبح الطرف الآخر في الدعوى. كان ظن المعلم أنه يتعين عليه مخاطبة المحكمة  بأفضل ما لديه من مخزون لغة الضاد! أما خصمه فقد طفق يحدق مرعوباً في وجه المعلم الذي انبرى يخطب بحماس:

ـ "إن الحق إذا حصحص، وانقدح في وجدان المحكمة السليم، واستوى ميزان العدل بين راحتيها، فلا مناص من أمرها بإخلاء هذا المكتري للعين موضوع المنازعة في التو والحين، إذ ما فتئ يجحدني، الأشهر الطوال، ما يقابل سكناه فيها، فيجحد عيالي، بالضرورة، ما يسد رمقهم بالكاد، وما من سند لهم عداها سوى فالق الحب والنوى، و .."!

فما كان من المدعى عليه، المغلوب على أمره، إلا أن قاطعه صائحاً:

ـ "مولانا ممكن بالله ياخي تخلى زول ده يتكلم عربى"!

***