الاثنين

الأطروحة التي بدأ الصديق د. الواثق كمير نشرها، منذ البارحة 20/12/2009م، على حلقات بصحيفتي (الرأي العام) و(الأحداث)، تحت عنوان (دعوة للحوار مع النفس: الحركة الشعبيَّة والعودة لمنصَّة التأسيس)، وكان، قبل ذلك، قد بعث إليَّ، مشكوراً، بنصّها الكامل، تثير، ربَّما لأوَّل مرَّة في (العلن)، مسألة تعتبر، برغم طابعها الوطني (العام)، من أهمّ المسائل (الداخليَّة) للحركة، بل أخطرها، طرَّاً، وأكثرها تعقيداً على الإطلاق؛ ومع ذلك فلطالما جرى، مؤخَّراً، وبحسب الواثق، تحاشي مناقشتها علي المستوى (التنظيمي)، حتى كادت تنطمر، بالكليَّة، تحت ركام المشاغل السّياسيَّة اليوميَّة للحركة، وتندرج، نهائيَّا،ً ضمن المسكوت عنه في (داخلها الرَّسمي)، وهي المسألة المتعلقة بمدى تحمُّلها لمسئوليَّتها تجاه جعل الوحدة "جاذبة"، ليس، فقط، كأحد مستحقات اتفاقيَّة السَّلام الشامل والدُّستور الانتقالي، بل، في المقام الأوَّل، كأحد مستحقات (السودان الجديد) نفسه، باعتباره (الاستراتيجيَّة) التي ظلت الحركة تبشّر بها، لأكثر من ربع قرن، وسط الملايين من المهمَّشين والمثقفين الوطنيّين الديموقراطيّين، بما يضع على كاهلها عبء ألا تسمح، ولو للحظة، بأن يلتبس موقفها إزاء قضيَّتي (الوحدة) و(التحوُّل الديموقراطي)!

د. الواثق يرى أن تعسُّر العلاقة بين شريكي الاتفاقيَّة التي تهدف لتحقيق هتين القضيَّتين، ناجم من تشابك ثلاثة أسباب رئيسة. فمن جهة، لم يُجر أيٌّ منهما، داخل صفوفه، "حواراً استراتيجيَّاً جادَّاً وصريحاً حول استحقاقات التحوُّل الديموقراطي، والأبعاد الحقيقيَّة لخياري الوحدة والانفصال، والتبعات السالبة لخيار الانفصال بالأخص"؛ كما ولم يُجر أيٌّ منهما مثل هذا الحوار، من جهة أخرى، بينه وبين جماهيره؛ في حين أن هذين الحوارين يشكلان، برأي الواثق، الآليَّة القمينة بأن تفضي بالشريكين، من جهة ثالثة، إلى "حوار فاعل ومثمر .. يسفر عن نتائج إيجابية تحمى وطننا شرَّ القتال والتمزق". 

لئن كان الغرض، أصلاً، من أيّ (حوار)، هو تبيُّن الخيوط البيضاء من السَّوداء في القضايا المطروحة، واتخاذ المواقف، من ثمَّ، بناءً على ذلك، فقد يصعب، ابتداءً، الاتفاق مع الكاتب على أن المؤتمر الوطني لم يتحرَّ داخله، بإطلاق القول، "الأبعاد الحقيقيَّة لخياري الوحدة والانفصال، أو لمستحقات التحوُّل الديموقراطي". كلُّ ما في الأمر، وبوضوح تام، أن ما يعنيه مثل هذا (الحوار) بالنسبة للحزب الحاكم هو شئ آخر مغاير لما يعنيه بالنسبة للواثق! فالأخير، كما قال بنفسه، يعتبر أن ضرورة هذا (الحوار) نابعة من "الحاجة الماسَّة للدّراسة المتأنية والبحث الأمين" في القضايا المذكورة. وما من شكّ، بطبيعة الحال، في أن كلمتي (التأني) و(الأمانة) إنما تستمدَّان دلالتيهما من ذات السّياق الواردتين ضمنه، وهو سياق محتشد، ولا ريب، بالكثير من (النزاهة) و(حسن النيَّة) تجاه الآتفاقيَّة. فهل، يا ترى، تشكل هاتان القيمتان نفس المعياريَّة بالنسبة لمواقف الحزب الحاكم النهائيَّة؟!

للإجابة على سؤال (المليون دولار) هذا لا بُدَّ من الأخذ في الاعتبار بحقيقة أساسيَّة، وغير خافية على أيّ مراقب. فالمؤتمر الوطني دخل مفاوضات نيفاشا، ووقع اتفاقيَّتها، مرغماً لا بطلاً! لذا ظلَّ يحتقب، طوال الوقت، ذات (استراتيجيَّته الشُّموليَّة)، ويطلق، باتجاه تحقيقها، ذخيرة من (تكتيكات) يتحسُّب بها لكلّ ما يمكن أن يعيقها، خلال (التفاوض) أو (التطبيق)، مضمراً ألا يتنازل، من حيث (الجوهر)، عن ملمتر واحد من (سلطته المطلقة)، حتى لو اضطرَّته عاصفة (الإيقاد) وشركائها وأصدقائها لإحناء الرأس، إلى حين، والصبر، في المدى القريب، على (تحوير) هذه (السُّلطة)، من حيث (الشَّكل) فقط، دون المساس، في المديين المتوسّط والبعيد، بعظم ظهر المشروع (الشُّمولي) نفسه، ولو مقدار قلامة ظفر! 

وربَّما لا يحتاج التأكد من هذا الأمر لأكثر من محض نظر عابر في الخطاب والأداء السّياسيَّين للحزب الحاكم، وكلاهما قائم على (الاستخفاف) بالاتفاقيَّة، و(التحقير) للحركة، وقادتها، ورموزها، دَعْ الأحزاب الأخرى! ولمن أراد مثالاً قريباً، رغم أننا لا نعتقد أن ثمَّة من يحتاج، حقيقة، إلى ضرب الأمثلة، فدونه (الاستهانة) الفادحة لحزب المؤتمر باتفاقه مع الحركة، مؤخَّراً، حول (قانون الاستفتاء) الذي ما أن أشرقت عليه شمس يوم واحد حتى نقض المؤتمر غزله، ثمَّ وجَّه كتلته البرلمانيَّة بإجازة هذا الغزل المنقوض، رغم انسحاب نوَّاب الحركة من الجلسة، ومعهم نوَّاب الأحزاب الجنوبيَّة الأخرى، بل وحتى النوَّاب الجنوبيّين في كتلة الحزب الحاكم ذاته، ممَّا حدا بياسر عرمان، رئيس كتلة الحركة، لضرب أخماسه في أسداسه عجباً من إجازة قانون لتقرير مصير (الجنوب) في غياب (الجنوبيّين) أنفسهم (سودانايل، 22/12/09)، وكذلك فعل سلفاكير ميارديت، النائب الأوَّل لرئيس الجمهوريَّة ورئيس الحركة الذي زاد بأن وصف الأمر بأنه "تصرُّف غير مسئول!" (الشرق الأوسط، 24/12/09). وثمَّة، قبيل ذلك أيضاً، القوَّة المفرطة التي جابهت بها الشرطة مسيرة الاثنين 7/12/2009م، حدَّ الاحتجاز والضرب في حراسات الشرطة، بما طال حتى أمين الحركة العام، ونائبه، بل ووزيرها بوزارة الداخليَّة التي تتبع لها الشُّرطة نفسها! وقبل ذلك كله كان وزير الداخليَّة السابق قد أطلق فيالق الشرطة على دور الحركة، وبيوت ضباطها في مجلس الدفاع (المشترك!)، إثر معلومات مغلوطة، أو قل مختلقة، بأن سلاحاً قد خبئ فيها! ضف إلى ذلك ما لا حصر له من سوابق انفراد المؤتمر الوطني بالقرارات الكبيرة من خلف ظهر الحركة، كالقرار الابتدائي حول دخول قوَّات حفظ السلام في دارفور، وطرد المنظمات الأجنبيَّة منها، والموقف من المحكمة الجنائية الدوليَّة، وغيرها من القرارات!

لقد أصاب الكاتب الإسلامي الطيّب زين العابدين حين استنتج من مجمل هذه الممارسات "أن المؤتمر الوطني يريد أن يقول للحركة إن نصيبها من السلطة في الشمال هو الرواتب، والعربات، والمكاتب، والمخصَّصات الأخرى، ولكن ليس من حقها المشاركة في صنع القرارات المهمَّة، ويكفيها ما تمارسه من سلطة مطلقة في الجنوب، فاتفاقيَّة السَّلام كلها بنيت على قسمة الشمال للمؤتمر والجنوب للحركة!"، وأصاب حين وصف، إلى ذلك، موقف الحزب الحاكم من موكب الاثنين وقادته بأنه "خطأ سياسي فادح وقبيح .. يعني استمرار المؤتمر الوطني في منهجه (الشُّمولي)، فهو لم يسمح، ولا مرَّة واحدة، لأيّ موكب .. يحتجُّ على بعض السّياسات، أو يطالب ببعض الحقوق، حتى لو كان موكب بضعة معاشيّين يطالبون بمرتبات هزيلة ما تفتأ تتأخر عليهم"! وأصاب حين خلص، من كلّ ذلك، إلى أن "الشُّموليَّة المستبدَّة ما زالت قائمة، وستبقى ما بقي المؤتمر في السُّلطة .. (فهو) مرعوب، شأن كلّ نظام شمولي، من أيَّة حشود جماهيريَّة تسير في الشارع، ولا يسيطر هو عليها!" (سودانايل، 13/12/09).

وإذن، فليس صحيحاً أن الحزب الحاكم لم يقف على "الأبعاد الحقيقيَّة لمستحقات الوحدة والتحوُّل الديموقراطي"، بل بحث، ودرس، وقطع أمره، من جهة، بعدم مقاربة خردلة من ذلك إلا بشروطه هو، ومن جهة أخرى بالاكتفاء، فحسب، بإطلاق خطاب سياسي وإعلامي شَّكلاني، قائم، في الصباحات والمساءات، على (مضمضة الشّفاه lip service) بالكلام الأجوف، المفتقر للصّدقيَّة، الخالي من أيّ محتوى حقيقي، والموجَّه إلى (الخارج!)، على نحو مخصوص، عن (رغبته!) في تحقيق هدفي الاتفاقيَّة، دون أن يكبّد نفسه (مشقة) أن يخطو (عمليَّاً)، ولو خطوة واحدة، باتجاه أيّ منهما! يشهد على ذلك تلكؤه المتعمَّد، طوال أربع سنوات، في النهوض بالتزاماته حسب الاتفاقيَّة، ثم نهجه، بعد أن تآكل الزمن المحدَّد تماماً، أو كاد، في التعامل ليس فقط مع قانون (استفتاء الجنوب)، بل، أيضاً، مع قوانين التحوُّل الديموقراطي، كقوانين (الأمن) و(النقابات) و(الانتخابات)، وغيرها، ممَّا يشي بما سيكون عليه، أيضاً، نهجه حيال قانوني (استفتاء أبيي) و(المشورة الشعبيَّة لجنوب كردفان والنيل الأزرق)!

أما في ما يتصل بضرورة إجراء "الحوار مع النفس"، داخل الحركة، حول جملة هذه القضايا، وفي مقدّمتها قضيَّة (الوحدة)، من كلّ بُد، فذاك أمر آخر نجدنا متفقين بشأنه، تماماً، مع د. الواثق. ذلك أن رؤية الحركة لمستقبل الوطن، منذ بداياتها الأولى، هي بناء سودان (موحَّد) على أسس جديدة. وهي الرؤية التي وفرت، بالفعل، الوقود الفكري للحركة لشنّ نضالها، وإقامة تحالفاتها، وتأسيس علاقاتها الخارجيَّة، وألقت على كاهلها بالتزامات لا يمكن الفكاك منها، أو التشاغل عنها بالجوانب القانونيَّة أو الإجرائيَّة لـ (تقرير المصير)! وبالتالي فهي أحوج ما تكون، الآن، لهذا (الحوار) الذي تأخَّر طويلاً، ليس في مستوى كوادرها القياديَّة، فحسب، بل ووسط قواعدها، من جهة، وبينها وبين الجماهير، في الجنوب والشمال، من جهة أخرى، كي تفي بالتزاماتها تجاه (استراتيجيَّة السودان الجديد)، والتي لن تستطيع أن تفي بها ما لم تضع (كراعها الكبيرة)، بوضوح، في موقع (الوحدة الجاذبة)، بينما كلتا (كراعي) المؤتمر الوطني مغروسة في موضع (الانفصال)، أو (الوحدة المنفرة) في أفضل الأحوال، استلافاً، كما فعل الواثق، لكلمة الراحل جون قرنق الطريفة في تقييمه للموقف المتذبذب لأحد كوادر الحركة من انقلاب الناصر، قائلاً بعربي جوبا: "زول ده كراع معانا وكراع مع الانقلابيين، لكن كراع (كبيرة) بتاعو مع ناس الانقلاب"!  

الثلاثاء

فتوى (هيئة علماء السودان) بـ (تحريم) المسيرات صدرت منذ 7/12/2009م، ونشرتها الصحف، في وقتها، ومن بينها (السوداني)، وظلَّ الناس يتداولونها طوال الأيَّام التالية، دون أن تعترض الهيئة، أو تنف صدورها عنها، أو تصحّحها، إن كان شاب نشرها خطأ ما! لكنها، ما أن فوجئت، بعد قرابة الأسبوع، بصدور فتوى مضادَّة من الشيخ القرضاوي، رئيس (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)، بأنَّ أمْرَ هذه المسيرات "يدخل في دائرة الإباحة ولا صحَّة لتحريمه" (سودانايل ـ نقلاً عن "الشرق الأوسط"، 12/12/09)، حتى أخذ موقفها يتضعضع، ويتصدّع، ويتهاوى بلا انتظام، فإذا بزكيبة من المغالطات المتهافتة تصدر عنها لموقع (سودانيزاونلاين) الإليكتروني، تزعم فيها أن (السوداني) شوَّهت فتواها، عمداً، لتضليل الرأي العام، وأنها (لم تحرّم) المسيرات، وأنها، فقط، ضدَّ (الفوضي) و(الشغب)، ولو أن الأحزاب "استلمت (التصديق) .. الذي (يجعل) المسيرة (شرعيَّة) .. لوقفنا معهم وآزرناهم!"، وأن "القرضاوي عالم جليل، ومحل احترامنا، ولكن البعض (نقل) له بياننا بصورة مغلوطة .. فله العذر" .. الخ!

يُفهم من ذلك أن معيار (الشَّرع)، في (فقه) الهيئة، لخروج (مسيرة) تطلب من (الحاكم) صون (حقوق المحكومين)، ليست هي (الكتاب)، أو (السُّنة)، أو (الإجماع)، أو (القياس)، بل (تصديق الشُّرطة) فحسب، بحيث يدور (الحق) معه أينما دار! بعبارة أخرى: حيثما كان (قرار الشُّرطة) فثمَّ (شرع الله)!

وبعد، هل، تراها، تبقت مزعة لحم في وجه هذه الهيئة؟!  

الأربعاء

في إجابته على سؤال عن حقيقة (بيوت الأشباح)، أو السُّجون السّرّيَّة لجهاز الأمن، قال الفريق صلاح قوش، المدير السابق للجهاز، إن "هذه حملات سياسيَّة مدبَّرة ومنظمة كانت تستهدف تشويه سمعة الجهاز والعاملين فيه، وهي ادّعاءات باطلة بغرض المزايدة .. بزعم أن هناك استغلالاً سيّئاً للسلطة .. وكنت حريصاً على تصحيح هذا المفهوم، وأن يشعر المواطن بأن هذا الجّهاز جهازه الذي يحميه .." الخ (الأخبار، 23/11/09).

(بيوت الأشباح) ليست (وهماً)، ولا مؤامرة دبَّرها (خيال) معارضين للنظام يبغون تشويه صورته؛ وإنما هي (حقيقة)، وإنَّ لي، شخصيَّاً، تجربة مريرة فيها، إذ ما كادت تمُرُّ سوى فترة قصيرة على إطلاق سراحي، بعد اعتقال طويل دام لعامين كاملين، قضيتهما، من يوليو 1989م حتى منتصف 1991م، بين سجون كوبر وسواكن وبورسودان (العلنيَّة)، حتى أعيد اعتقالي من مكتبي، ذات ظهيرة في مطلع فبراير 1992م، ومعي الإخوة د. عاصم المغربي، والأستاذ محمد خليل، رئيس تحرير (الشَّماشة) سابقاً، وشقيقه العميد حقوقي عبد الله خليل، وقد تصادف وجودهم في زيارة عمل.

تم اقتيادنا، هذه المرَّة، معصوبي الأعين، إلى حيث لا نعلم ولا ندري! ولم تفك العمائم عن عيوننا إلا حين أودع كلُّ منا محبساً انفراديَّاً، داخل (بيت) حكومي، عرفت، بعد إطلاق سراحي، أنه يقع إلى الجوار من بناية (سيتي بانك) بشارع البلديَّة بالخرطوم! وللمفارقة، روى لي د. عاصم، لاحقاً، أنه قضى صباه في ذلك (البيت) الذي كان يتبع لوزارة الصَّحَّة، فخصَّصته لوالده، جرَّاح العظام الشهير د. إبراهيم المغربي، ثمَّ خصّص، في الزمان المايوي، لكلتوم العبيد، سكرتيرة جعفر نميري.

في ما بعد تبيَّنت أن الزنازين المجاورة تضمُّ المرحوم الحاج مضوّي، وميرغني عبد الرحمن، وفاروق احمد آدم، ومحمد وداعة، كلاً في حبس انفرادي، ومعتقلين آخرين كثر في زنازين جماعيَّة، والزنازين أجمعها مرصوصة على هيئة حرف (يو) الأجنبي، تتوسطها باحة صغيرة مردومة بتراب أسود تفتح فيه المياه بالنهارات، حتى يستحيل إلى طين لبيك، تحضيراً لـ (الحفلات الليليَّة)، وما أدراك ما هي!

قضيت، في ذلك (البيت)، ستة أشهر، بلا كتب، ولا صحف، ولا راديو، ولا زيارات، ولا مقابلة طبيب، ناهيك عن مقابلة قاض! والأدهى أنني شهدت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا طاف بعقل بشر، من صنوف التعذيب، والتحقير، والإذلال، والإهانات للمعتقلين!

تصحيح الأخطاء التاريخيَّة، إنْ خلصت النوايا، شئ مرغوب فيه؛ أمَّا رواية التاريخ نفسه فشئ آخر ينبغي أن يتسم بالدّقة. فالناس قد يعفوا، لكنهم لا ينسون، وما ينبغي لهم! غير أن العفو لا يقع صحيحاً إلا عند المقدرة. والمقدرة لا تتوفر إلا بتصفية تركة الماضي المثقلة بالآلام العراض والجّراح الغائرة. لذلك، عندما ننادي بإجراءت (العدالة الانتقاليَّة)، وأوَّلها لجنة (الحقيقة والانصاف والمصالحة)، فإنما ننادي، في الواقع، بالتصالح، بدءاً ومنتهى، مع (تاريخنا الوطني)، و(ذاكرتنا الوطنيَّة)؛ وبدهي أن ذلك مستحيل بدون حفظ (التاريخ) بأمانة، والإبقاء على (الذاكرة) متقدة لا تخبو قط! 

الخميس

حقَّ لأوباما أن يبدو، اليوم، جزلاً، لا لأنه يتهيَّأ، مع عائلته، لقضاء عطلة الكريسماس ورأس السَّنة بهاواي، فهي عطلة سنويَّة معتادة، بل لأن مجلس الشيوخ أقر مشروع قانون الرّعاية الصّحّيَّة الذي يبلغ حجمه 871 مليار دولار (وكالات، 24/12/09). فتلك، بالتأكيد، أعظم هديَّة قدّمت لرئيس أمريكي، خلال المائة عام الماضية، بالنظر إلى أن الكثيرين من الرؤساء سعوا، طوال ذلك القرن، ومنذ عصر تيودر روزفلت (1901 ـ 1909م)، للحصول على هذا "النصر التشريعي"، بلا طائل!

مشروع القانون الذي صوَّت لصالحه 60 عضواً ديموقراطيّاً في مجلس الشيوخ، وهو العدد المطلوب لتمريره، بينما صوَّت ضده جميع الأعضاء الـ 39 الجمهوريّين، يهدف إلى ضمان التأمين الصّحّي لنحو 31 من أصل 36 مليون من المحرومين منه، بنسبة 94% من الذين تقلُّ أعمارهم عن 65 سنة، علماً بأن الأكبر سناً يشملهم نظام (الميديكير) الذي تؤمنه الحكومة الفيدراليَّة. وقد وصف أوباما المشروع، ضمن كلمته في البيت الأبيض عقب التصويت، بأنه "تاريخي، وسيقرّبنا من نهاية قرن من النزاع لإصلاح نظام الرعاية الصّحّيَّة في أمريكا"، داعياً الكونغرس لتحويل تصويت مجلس الشيوخ على المشروع إلى قانون، خلال الأسابيع المقبلة، منوّهاً إلى أنه "يتضمن أقسى الإجراءات لإخضاع قطاع التأمين للمحاسبة"! كما وصفه هاري ريد، زعيم الأغلبيَّة في المجلس، بأنه "انتصار للأمريكيين، حيث سعداء الحظ الذين يملكون تغطية صّحّيَّة سيحتفظون بها، ومن لا يملكها سيحصل عليها". ولم تفت على الخطباء الديموقراطيّين في مجلس الشيوخ، بهذه المناسبة، تحيَّة ذكرى تيد كينيدي، أشرس المدافعين عن الإصلاح الصّحّي حتى وفاته أواخر أغسطس الماضي.

وكان مجلس النوَّاب قد أقرَّ، في نوفمبر الماضي، مشروع الإصلاح بما يقارب التريليون دولار، وذلك بفارق 220 صوتاً مقابل 215. وفي بيانها، عقب التصويت، وصفت نانسي بيلوسي، رئيسة المجلس، المشروع بأنه ينحاز للطبقات المتوسّطة والمسنين والأطفال، ويُحمّل قطاع التأمين مسئوليَّاته (وكالات، 20/11/09).

على أن ثمَّة مشكلتين ستجابهان مسألة المحافظة على الأغلبيَّة المطلوبة، وسط اليساريّين والديموقراطيّين المعتدلين، كي يمرَّ المشروع كقانون في اجتماع الغرفتين، خلال الشهر المقبل، قبل وضعه أمام أوباما للمصادقة النهائيَّة. المشكلة الأولى أنه، وبعكس نصّ مجلس النوَّاب، فإن نصَّ مجلس الشيوخ لا يشمل إنشاء صندوق حكومي للتغطية الصّحّيَّة ينافس شركات التأمين الخاصَّة. أما المشكلة الثانية فتتعلق بفارق الأصوات البسيط بين المؤيّدين والمعارضين، خصوصاً في مجلس النوَّاب.

ومع ذلك ترجّح أكثر التقديرات إمكانيَّة تجاوز تلك العقبة. ويأمل رئيسا الكتلتين الديموقراطيَّتين في المجلسين أن يتمَّ الفراغ من المهمَّة، ورفع القانون إلى البيت الأبيض، قبل موعد خطاب (حالة الاتحاد) السَّنوي الذي يلقيه الرئيس، تقليديَّاً، في الأسبوع الأخير من يناير. 

ولم يكن مستغرباً أن ينتهز المخرج السينمائي الأمريكي التحريضي مايكل مور فرصة مشاركته في مهرجان تورونتو السينمائي الدَّولي، بفيلمه الجديد (الرَّأسماليَّة: قصة حب  Capitalism: a Love Story)، كي يعقد مؤتمراً صحفيَّاً يستنفر فيه مواطنيه لدعم أوباما في هذه المعركة، رغم أن الخطة الحاليَّة لا تشكل سوى نصف المطلوب (أ ف ب، 15/12/09)؛ فمايكل صاحب قدح معلى في هذه المعركة، وبالتالي فإن هذه البشريات على صعيد العدالة الاجتماعيَّة في أكبر بلدان الغرب الرَّأسمالي لا تعدُّ انتصاراً لأوباما والحزب الديموقراطي، فحسب، وإنما، أيضاً، وعلى نحو ما، وبوجه خاص، لمايكل شخصيَّاً! وكنا عرضنا، في رزنامة 28/4/2008م، لفيلمه الوثائقي الممتع (سيكو ـ Sicko) الذي سكب فيه عصارة خبرته، وحرفيَّته، وفكره الديموقراطي الاجتماعي، ليجئ آية في الاتقان الفني، من جهة الشَّكل، والنقد الهادم/البناء، من جهة المضمون. لقد هزَّ ذلك الشريط ملايين المشاهدين، داخل وخارج أمريكا، حدَّ الإفزاع، بأطروحته وافرة البساطة، شديدة التعقيد، حيث ما ينفكُّ خمسون مليون أمريكي يصلون، صباح مساء، كيلا يصيبهم مرض، بينما ثمانية عشر مليوناً منهم مرشحون للموت خلال نفس السنة، كونهم، وهم مَن يعيشون في (جنَّة الحُلم الأمريكي) الباذخ، عاجزين، بسبب الفقر، عن الحصول على .. بطاقات تأمين صحِّي! ويفضح الفيلم، بجرأة واقتدار، فكرة أن (رعاية صحيَّة أقل تساوي أرباحاً رأسماليَّة أكبر!)، والتي اتخذتها شركات التأمين الخاصَّة شعاراً سرّيّاً (تتلاعب)، من تحته، بحياة الناس، وتهدّد كلَّ من يتصدَّى لتحميل الدَّولة مسئوليَّتها عن التأمين الصّحّي، بما في ذلك آل كلنتون، أوَّل دخولهم البيت الأبيض، عندما (حاولت) هلري أن ترفع، من موقع السَّيّدة الأولى، شعار (رعاية صحيَّة لكلِّ فرد)، فإذا بألسنة اللهب تمسك بأطراف ثوب العائلة، ممَّا دفعها للتخلي عن المشروع! ومن ناحية أخرى يعقد الفيلم مقارنة نقديَّة صافعة بين النظم الصّحّيَّة المتقدّمة في كندا وبريطانيا وفرنسا، والأكثر تقدُّماً في كوبا، وبين النظام المتخلف في أمريكا!

لقد كان للنموذج الاشتراكي، بعد الحرب الثانية، بما في ذلك (الرعاية الصحيَّة) التي تتولاها دولة أحالت الفرز والتحيُّز الطبقيَّين إلى المتحف، تأثيره الضاغط على حراكات الطبقة العاملة والوسطى في البلدان الرأسماليَّة، وفي أوربا، بالأخص، بجامع القرب الجُّغرافي، والتاريخ المشترك، مِمَّا فرض على الدولة، هناك، ابتداع نظم (التأمين الاجتماعي) لتخفيف ضغط الاحتقان المفضي، حتماً، للانفجار!

ولئن قامت فرضيَّة مايكل الأساسيَّة، في فيلمه البديع هذا، على كون النظام الذي يوفر كلَّ حقوق التعبير والتنظيم والانتخاب، بينما يحرم الناس من أبسط فرص العلاج المجاني، ليس نظاماً (ديموقراطياً) بعد، فها هو أوباما يخطو خطوة هائلة باتجاه جعل الحزب (الديموقراطي) الذي دفع به إلى سدة الرئاسة يتماهى، نوعاً ما، مع اسمه، ولسوف يحفظ التاريخ لمايكل أنه لعب  دوراً مجيداً في ذلك!

الجمعة

في حوار صحفي، قبل زهاء العشر سنوات، شنَّ الأستاذ غازي سليمان هجوماً عنيفاً على د. الترابي الذي كان، وقتها، قد فاصل النظام، لأنه، برأي غازي، ".. لم يحتج ضدَّ القوانين المقيّدة للحرّيّات .. ومن بينها (قانون الأمن) .. الذي يمنح سلطة اعتقال المواطنين تعسُّفيَّاً" (الصحافة، 18/3/2000م).

وفي 26/10/2009م هبَّ نفس الأستاذ غازي سليمان للدفاع عن (قانون الأمن) ذاته، في جلسة صاخبة خصّصت لمناقشته في البرلمان، مطالباً بالإبقاء عليه ".. بكل الصلاحيات والاختصاصات الممنوحة لجهاز الأمن وأعضائه"، بل وبمنح الجّهاز ".. كلّ السُّلطات التي يحتاجها"، لأن ".. قصر مهامه على جمع المعلومات وتقديمها سيحيله إلى وكالة أنباء لا تختلف عن سونا" (أجراس الحرية، 27/10/09).

والآن، وتصحيفاً لسؤال كونفوشيوس الحكيم، إن لم تكن "الأصابع العشرة" قد خلقت لشدّ شعر الرأس، وانتزاعه من جذوره، فماذا يمكن للمرء أن يفعل بها؟!

السبت

للنحَّاتة السوفيتيَّة البارزة فيرا موخينا (1889 ـ 1953م) الكثير من القطع الفنيَّة الساحرة، كتمثال الموسيقار الروسي العالمي العظيم بيتر تشايكوفسكي، القائم في باحة مبنى الكونسيرفتوار بموسكو، وغيره من التماثيل والأنصاب. على أن  تمثال (العامل والفلاحة) الذي كان من أبرز معالم مدينة موسكو، والذي اتخذه ستوديو (موسفيلم) السينمائي شعاراً له، والذي جرى حجبه، وسط (هوجة) أواخر ثمانينات القرن المنصرم، قبل أن يُردَّ إليه الاعتبار، منذ حين، هو أهمّ أعمالها على الإطلاق، وقد حظى بشهرة عالميَّة واسعة، ليس، فقط، لكونها استخدمت الفولاذ في صنعه، لأوَّل مرَّة في تاريخ النحت، بل، الأهمُّ من ذلك، لكونه ظلَّ يرمز، دائماً، للاشتراكيَّة المنتصرة في نهاية المطاف.

عُرض هذا التمثال، أوَّل أمره، بالجناح السوفيتي في معرض باريس الدولي عام 1937م؛ ولهذا حكاية طريفة. فلأغراض نقله إلى العاصمة الفرنسيَّة جرت تغطية التمثال الذي يزن 63 طناً باثنتي عشر طناً إضافيَّة من الصفائح الفولاذية، ثمَّ قسّم إلى 65 جزءاً، حملتها 28 عربة قطار خاص. وفي الأراضي البولنديَّة نشأت صعوبة مرور بعض أجزائه عبر الأنفاق، ممَّا حتم تقسيمها، بدورها، إلى جزيئاتٍ لتجمع، مرَّة أخرى، في باريس. 

والآن، ولأوَّل مرَّة، منذ سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي، عرض التمثال، خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين، بالتزامن مع الذكرى الـ 120 لميلاد موخينا، في معرض فني، وسط موسكو، بعنوان (لقطة مستقبليَّة)، يحتوي على عشرات الصور والوثائق والرسوم البيانيَّة لعمليَّة إنجاز التمثال الذي كان، يوماً ما، من أشهر معالم المدينة (نوفوستي، 21/9/09)، وذلك قبل أن يُعاد تركيبه، قبل أيَّام، في مركز المعارض بموسكو، حسب ما أفادت بذلك، مؤخَّراً، قناة (روسيا اليوم) التلفزيونيَّة.

لكن من آيات الغفلة، يقيناً، قراءة ردّ الاعتبار لهذا النصب التاريخي بمعزل عن المتغيّرات التي لم تفت ملاحظتها، طوال السنوات الماضية، على المراقبين المدققين، كالبلجيكي جان ماري شوفيه الذي أسماها، في قصَّة صحفيَّة وافية، "الحنين السُّوفيتي"، وذلك في مستوى الوعي الاجتماعي والسَّايكولوجيَّة الجماهيريَّة للشَّعب الرُّوسي. فتماماً كما كان يُرى في استعراضات السَّاحة الحمراء يزداد، عاماً بعد عام، حجم المشاركة في الاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكيَّة في السَّابع من نوفمبر؛ والأعلام الحمراء عادت ترفرف حتى في الاحتفالات الرَّسميَّة بيوم النصر على ألمانيا النازيَّة في التاسع من مايو؛ ونشيد الاتحاد السُّوفيتي عاد يدوّي مجدداً؛ في ما راحت المقاهي الأنيقة تزدهي بالرُّموز السُّوفيتيَّة؛ وفرق الروك تجدّد بعض الأغاني السُّوفيتيَّة الشَّهيرة؛ ومحطات التلفزيون تعرض الأفلام السُّوفيتيَّة "بناء على رغبة الجمهور"؛ والمراهقون يتباهون بألبسة زُيِّنت بعبارة "موطني هو الاتحاد السُّوفيتي"؛ وما إلى ذلك من الظواهر (لوموند ديبلوماتيك الباريسيَّة ـ النسخة العربية، مارس، 2004م)، حتى أن أندريه كوسلسنيكوف، الصحفي الروسي الموالي للنظام الحالي، عبّر عن (قلقه) إزاء هذه الظواهر وغيرها، قائلاً "يبدو أن الشَّعب السُّوفيتي ما يزال موجوداً"، و"أن الحنين إلى الماضي هو الخاصّيَّة المسيطرة على المزاج العام" (إزفيستيا، 5/6 و14/8/2001م ـ ضمن المصدر).

ويؤكد جان شوفيه، من خلال تقصّيه لحالة روسيا، أن جهود النظام الرَّامية لـ (استئصال الشيوعيَّة) لم تتوقف منذ العام 1991م، حيث جرى، وما زال يجري، إغراق الشَّعب الرُّوسي في كمّ هائل من الأرشيفات والمقالات والكتب والبرامج التلفزيونيَّة التي "تفضح الرعب الأحمر"، وتروّج لـ "القيم الاستهلاكيَّة"، تدعمها في ذلك مؤسَّسات غربيَّة، أمريكيَّة بالأساس، مثل فورد، وسواريس، وهيريتج، وكارنيجي، ويو إس إيد، وغيرها. لكن خطة (الاستئصال) هذه بلغت من محاولة التشويه (الكاريكاتيريَّة) للحقائق التاريخيَّة حدَّاً شملت فيه حتى نظرة "التفهُّم!" لـ (تعاون!) البعض مع (النازيين!) على أيَّام الحرب الثانية، حيث اعتبر مكسيم سوكولوف، مثلاً، أن "الظروف كانت معقدة .. والرايخ الثالث كان المعقل الوحيد لحماية أوربا من البربريَّة البلشفيَّة!" (إزفستيا، 26/3/2002م ـ ضمن المصدر)، كما بلغت من السَّطحيَّة والتهافت درجة أن كتب فيكتور سوفوروف، مثلاً، "أن جميع الزعماء السوفيت كانوا، بلا استثناء، أوغاداً تافهين"، الأمر الذي عارضه حتى ألكسندرو تشيبكو، أحد روَّاد العداء الرَّسمي للشّيوعيَّة، منبّهاً إلى أن هذا الأسلوب في التحقير من شأنه أن يفضي إلى نتائج عكسيَّة، وأن من الآثار (الضَّارة!) التي يُفضى إليها "تحضير الأرض لإعادة الاعتبار إلى التاريخ السُّوفيتي"! ولا غرو، فقد صوَّب هذا الأسلوب تهجُّماته الغبيَّة على قيم المساواة، والتأميم، والجَّماعيَّة، الرُّوسيَّة، منها، والسوفيتيَّة، على السَّواء، واستهدف بذلك ملايين العمَّال، واصفاً إيَّاهم بأنهم "متواطئون مع النظام السَّابق، ومستفيدون منه، وخاملون، وغير نافعين" (ضمن المصدر).

رغم ذلك، بل ربَّما لذلك، فإن نتائج الاستبيانات والتحقيقات التي أجريت في فترات مختلفة كشفت عن أن روسيا ما تزال خارج (النظرة النمطيَّة) التي أريد لها أن (تتوحَّد) نحو الاتحاد السُّوفيتي السابق. فقد أكد استبيان أجري عام 2001م أن 57% من الرُّوس يودُّون عودة الاتحاد السُّوفيتي، وأن 45% يعتبرونه "أفضل" من النظام الحالي، وأن حوالي 80% يرفضون أعمال الخصخصة الكبيرة، ويعتبرونها "إجراميَّة"، بل وأكد استبيان آخر أجري في 2003م على أن 43% يتمنون "قيام ثورة بلشفيَّة جديدة"! كما بيّن تحقيق أجري بمساعدة مؤسَّسة فريدريتش إيبرت الألمانيَّة إلى أي درجة باتت "إعادة الاعتبار إلى الاتحاد السُّوفيتي" نابعة من تفكير ناضج قلما يساير القوالب الجَّاهزة، مقدّراً أن الضغط الممارس في هذا الاتجاه قد استنفد مفاعيله، وكاشفاً فشل السُّلطة، ووسائل الإعلام الموالية لها، في "إضفاء طابع (الكابوس) على السَّنوات السُّوفيتيَّة السَّبعين!" (المصدر)

هذه النتائج ما زالت تثير حنق أنصار النظام، وسخطهم، لكونها تعبّر، برأيهم، عن "محض فقدان للذاكرة"، وعن "سذاجة الخاسرين والعجزة"، وعن "كراهيَّة الأغنياء لمجرَّد أنهم أغنياء"، ولا يخفون يأسهم، ومن ثمَّ تعويلهم، بالكامل، على "البيولوجيا!" التي لم يعُد لديهم، في ما يبدو، ما يعوّلون عليه سواها لـ "تسوية الأمور"، في النهاية، لصالحهم!

الأحد

يُروى عن الإمام الشعبي (ت: 104 هـ) أنه كان، على علمه الغزير، وورعه الكثير، ساخراً، ذا دعابة، وخفة ظلّ. وكان أكثر ما يكون سخرية من المغفلين الذين يسألون عمَّا هو معلوم بمحض البداهة، أو يطلبون الفتوى في أمور لا جدوى منها. وقد أورد الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء) أن رجلاً لقي الشعبي ومعه امرأة يمشيان، فسأله: أيُّكما الشعبي، فأشار الشعبي إلى المرأة قائلاً: هذه! وسأله آخر عمَّا إن كان ولد الزنى أكثر شرَّاً من والديه، فقال: لو كان كذلك لرُجمَت أمُّه وهو في بطنها ولم تؤخَّر حتى تلده! وحدَّث مجالد أن الشعبي سُئل، مرَّة، عن الغوغاء، فقال: نعْمَ الشيء هُم؛ يسدُّون السَّيل، ويطفئون الحريق، ويشغبون على ولاة السُّوء! وروى إسحاق الأزرق عن الأعمش أن رجلاً سأل الشعبي، يوماً، عن اسم امرأة إبليس، فقال: ذاك عُرس ما شهدته!

***

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]