واحدة من عاهات دراسات ثورة أكتوبر 1964 خلوها من النظر المقارن. أي أن الدراس لا يستأنس بأي معرفة بثورات أخرى في الدنيا لكي يضاهي عليها ما اتفق له من راي حول ثورة أكتوبر. فالدارسون لأكتوبر في كتاب "خمسون عاماً على ثورة اكتوبر " وخارجه مجمعون على أن الثورة لم تحقق أهدافها. وغاب عن هؤلاء الدارسين:

1/ أن الثورات لا تحقق أهدافها تنزيلاً من ميثاقها المباشر على أرض الواقع. فلم يتحقق النظام الجمهوري بصورة مستقرة الذي ثارت من أجله فرنسا في 1798 إلا في 1840 بعد مرور نصف قرن من الزمان.

2/ أن تحقيق الأهداف ليس عملاً من أعمال الزمالة (التي يقولون إن الصفوة تجردت منها) بل عملاً صراعياً بين أطراف هذه الصفوة وسائر الشعب. ولهذا قيل إن الثورة تأكل أبناءها. ومن هنا المدخل على الثورة المضادة. وهو موضوع متروك في مباحث ثورة أكتوبر. فمثلاً كان من أهداف أكتوبر استرداد الديمقراطية. ولكن اختلفت الأطراف حول هل نعود لديمقراطية الصوت الواحد للمواطن أم نجري تعديلاً يستوعب حقائق الجمهور الحداثي، عماد الثورة، بتمثيل متفق عليه يمثل المدينة بصورة رشيدة توطنها في الديمقراطية. وربما استلهمنا هنا المفهوم العام للتمثيل النسبي المتبع يومها باتحاد طلاب جامعة الخرطوم. فكان من صالح الاتحاد تمثيل كل تيار سياسي ذي قاعدة مناسبة حتى لا يعتزله ويجنح للتآمر. وجاءت فكرة التمثيل النسبي كما روى الأستاذ محمد عبد الرحمن بالضبط بعد تعاقب مضطرب للجان تنفيذية كانت ثمرة تحالفات من كل من اعتزل الاتحاد. ولم تنته هذه الفترة المضطربة في حياة الاتحاد إلا بتبني الاتحاد لمبدأ التمثيل النسبي. ولم نكن بعيدين من مثل هذه الديمقراطية الحريصة على استدامة نفسها بإصلاحات معلومة. فدوائر الخريجين صارت تقليداً ما في انتخاباتنا. وهي دوائر كرّمت الخريجين ولا أساس لها في مبدأ الديمقراطية الليبرالية: صوت واحد لكل مواطن. وللأسف لم تر القوى التقليدية أهمية ذلك المقترح لاستدامة الديمقراطية، وشيطنتهه كوسواس شيوعي، واستبسلت في الدفاع عن ديمقراطية الصوت الواحد بغض النظر. ثم جاءت ديمقراطية لم تجد من ينهر الكلب عنها "جر" حين قضت عليها العصبة المتنفذة، في قولهم، من فرط هزالها.

سرحت في الكلام. وكنت أريد القول اليوم أن قيام بعض المآثر الثورية على الإشاعات وارد متى كففنا عن المحلية الضيقة التي نعالج بها دراسة ثورة أكتوبر، ونظرنا لخبرات الثورة في الدنيا. فقد استقر عند بعض الدوائر أن ليلة المتاريس الغراء قامت على إشاعة وما بني على باطل باطل. وقلنا في المرة الماضية أن الدلائل قائمة أنه كان ثمة تدبيراً في الجيش لعمل مضاد للثورة وضحنا عناصره. وقلنا حتى على افتراض أن تلك الهمة الثورية بنت إشاعة فمثلها في الثورات وارد. وأضرب لكم مثلاً من الثورة الفرنسية عن همة ثورية استثنائية لنساء باريس خلال ثورة فرنسا في 1789 من كتاب للمؤرخ جونثان سبيربر (Jonathan Sperper) اسمه "أوربا الثورية 1780-1850. قال في الكتاب:
في بداية أكتوبر 1789 زادت أسعار الأطعمة في أسواق باريس. وشاع (أي أنه لم تصدق بعد) أن أفراد العائلة المالكة، التي سكناها قصرها في فرسايل على مسافة من باريس (20 ميلاً)، يتآمرون ضد الجمعية الوطنية التي جاءت بها الثورة، ويسيئون للثوار. فسار عدة آلاف من النساء في حالة غضب من باريس إلى فرسايل للمطالبة بالخبز من الملك بصورة مباشرة، ومعاقبة المتسببين في زيادة الأسعار والمتآمرين. وكان مطلبهم أن يعود الملك معهم إلى باريس. واستدعى ذلك تحريك الحرس الوطني لحصر التظاهرة وردها على أعقابها. وانتقل الملك إلى باريس نزولاً على رغبة الجماهير. وصار بذلك من يومها سجين ذلك الجمهور الذي جاء إلى عتبة قصره والجمعية الوطنية. وضاق الملك ذرعاً بالحصار فقرر الهرب من باريس. ففعل. وترك مذكرة يدين فيها كل قرارات الثورة ويلغيها. فألغى الوثيقة الدستورية التي فرضت على القسس أن يقسموا بالولاء للوطن لا للبابا في روما، وأعاد كل المكوس الدينية والاقطاعية التي كانت الثورة قد رفعتها عن كاهل الناس. ولم يفلح في هروبه. فألقت الثورة القبض عليه في 20 يوليو 1791. واجتمعت الجماهير من كل صوب على جانبي الشارع الذي عاد به تسفه به، وتشتمه، وتلعنه.

ما أضر فهمنا للتاريخ الأغر لشعبنا إلا جهلنا بديناميكية الثورة وسيكلوجياها. والسبب انقطاعنا عن النظر المقارن للمثيلات. فالسودان عنده لا شبيه له.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.