في دفاعه أمام محكمة ديكتاتورية عبود أوضح الشهيد عبد الخالق محجوب كيف توصل إلي فهم ظاهرة الاستعمار والماركسية بقوله :

"كنت سعيدا حينما عثرت على كتاب عند صديق ، كتاب بسيط في طباعه متواضعة اسمه " المشكلة الوطنية ومشكلة المستعمرات " بقلم جوزيف ستالين . هنا لمحت الحل ووصل إلى رد حاسم لتساؤلي ، فعرفت كنه الاستعمار، وأنه لا يعني فقط احتلال الجنود لبلادنا ، بل يعني سيطرة رأس المال الأجنبي على مقدرات وطننا ، وأن هذا الأخطبوط من شأنه أن يحيط نفسه بطبقات من داخل البلاد بوساطة بنوكه وشركاته ، طبقات تشمل الإقطاعيين وكبار الرأسماليين ، وأن هذه المصالح هي التي تحرك تلك الطبقات وتقتلع جذورها من أرض الوطن .
وكانت تلك الأفكار النيرة فاتحة لنافذة كبرى نطل بها على العالم ونتبصر بها طريق حركتنا الوطنية ، وقد تداول هذا الكتاب وقتها عشرات من الطلبة كل يتطلع لإيجاد حل لمشاكل الحركة الوطنية السودانية ويتلمس فيه أنجع الطرق لحرب المستعمرين وتحقيق الحرية والاستقلال . ومنذ ذلك التاريخ وأنا أتطلع كل صباح لمعرفة المزيد من النظرية الماركسية اللينينية التي اتخذتها منهجا لحياتي محاولا تطبيقها على ظروف بلادنا وفق تقاليدنا السودانية وما تتطلبه مصالح شعبنا الحقيقية ـ إن تاريخ حياتي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك إنني لم أطرق باب الماركسية جريا وراء نفع شخصي أو غرض زائل بل وراء البحث المخلص الأمين لوسائل تحرير الوطن من نير المستعمرين والمساهمة في بناء جمهورية سودانية مستقلة حقا ينعم فيها أبناء الشعب بخيرات بلادهم .


واليوم عندما أنظر من وراء هذه الســــــــنوات الطويلة أشعر بالسعادة والفخـــــــر بفكر تقبلته مختارا وبمنهج سلكته عن اقتناع تام وأرتاع لمجرد التفكير في أنني لو لم أكن شيوعيا ماذا كنت أصبح ؟

أنني لم أصل إلى النظرية الماركسية اللينينية عبر طريق النضـــــــال السياسي وحسب، رغم أن هذا وحده يكفي ، ولكني توصلت إليها في بحثي وراء الثقافة التي تنسق عقل الانســــــــان ووجدانه وتباعد بينه وبين التناقضات العقلية والعاطفية التي عاشها جيلنا".

"راجع : ثورة شعب، اصدار الحزب الشيوعي السوداني 1965 " .

قبل عبد الخالق وجيله توصل الشاعر خليل فرح ” 1894- 1932” في نضاله ضد الاستعمار إلي كنه الاستعمار باعتباره سبب الشقاء والتخلف للسودانيين ، وهذه النظرة نلمحها في قصيدة “ صائد الأنام ” وهى قصيدة نظمها بمناسبة زيارة “ أمير بريطاني” للسودان جاء فيها :

يا صائد الأنام سافر يا أمير وأنزل أراضينا

جوب ساحاته واستعرض ميادينا

ما تهمك مدارسنا ونوادينا

أهلك أهملوا تأسيسه عامدينا

ساد الجهل وسادت عوادينا

وعم الفقر مداينا وبوادينا

ما اتسولنا أو مدت ايادينا

غير الخالق المن فيضه يدينا

يا صائد الأنام المولى عاطينا

طبيعة غنيه في بواطينا

ما أخصب جزائرنا وشواطينا

وخيرات الجزيرة الدافقة طينا

ويختتم الشاعر بقوله :

بس الشفته من أحوالنا بيألم

أحكى عنه لأهلك وعد سالم

"راجع : ديوان خليل فرح ، تحقيق علي المك ".

الخليل هنا يعبر عن مفهوم عميق للاستعمار كظاهرة اقتصادية اجتماعية ، باعتباره سبب الجهل والتخلف رغم ادعائه بأنه جاء لنشر التعليم والمدنية ، ويتضح ذلك من اهماله للتعليم والشح في بناء المدارس والأندية التي ترمز للوعى والتقدم الاجتماعي والثقافي ، ورغم خيرات البلاد وخصوبة أرض الجزيرة ، الا أن عائدها يذهب لجيوب المستعمرين بينما السودانيون يعانون من الفقر في المدن والبوادي ، والخليل هنا كان عميقا عندما يلاحظ الفقر في القطاع الحديث ( المدن) ، وفى القطاع التقليدي ( البوادي) ، ويشير إلى عزة السودانيين الذين يرفضون التسول رغم الفقر الذي عمّ في فترة سيادة الاستعمار الذي اهتم بالمحصول النقدي ( القطن) وأهمل زراعة قوت الناس مثل: الذرة والدخن والخضروات. الخ، أي أن الاستعمار لم يكن يهمه غذاء السودانيين ورفاهيتهم بقدر ما كان يهمه إنتاج المحصول النقدي( القطن) اللازم لمصانعه في لانكشير وتحويل السودان إلي منتج للمواد الخام " القطن" ومستورد للسلع من أقمشة وأدوات الإنتاج ..الخ ، وفي تبادل غير متكافئ يعيد إنتاج التخلف ويعمق الفقر والتفاوت الطبقي ويدمر الصناعة الوطنية .

اعتقد أن الخليل هنا عبر بالحدس والفطرة تعبيرا عميقا عن فهم ظاهرة الاستعمار والأسباب الأساسية للتخلف التي نشأت من استنزاف خيرات البلاد، وتصدير الفائض الاقتصادي للخارج وإبقاء السودانيين في حالة من الجهل والفقر.

بعد استقرار دولة الحكم الثنائي شرعت في إرساء البنيات الأساسية للدولة السودانية الحديثة ، فقامت السكك الحديدية والنقل النهري وتم انشاء ميناء بورتسودان ، و التعليم الحديث وقامت كلية غردون وتم بناء المستشفيات الحديثة ، وقامت مصلحة البوسطة والتلغراف وقام مشروع الجزيرة وخزان سنار ، ونشأت دور الطباعة والنشر والصحافة. الخ.

وشهدت الفترة (1900 – 1919 م) تخرج متعلمين في كلية غردون ، كما شهدت تطورات عالمية وداخلية كان لها الأثر في تطور وظهور شكل جديد للوطنية السودانية بعد هزيمة دولة المهدية واتباعها وهزيمة الانتفاضات القبلية والدينية التي استمرت حتى 1916م. حيث تم القضاء على تمرد السلطان على دينار في دارفور. وشهدت تلك الفترة الحرب العالمية الأولى وما تمخض عنها من تطورات في الحركة الوطنية لشعوب المستعمرات. والاتجاه العام للمطالبة بحق تقرير المصير ، كما شهدت نشوء ومولد الصحافة السودانية التى بدأت أجنبية الملكية سودانية القراء ، حتى قامت أول جريدة ( الحضارة) سودانية في الملكية والقراء. (راجع : محجوب محمد صالح، الصحافة السودانية في نصف قرن).

كما اشترك الجنود السودانيون في الحرب العالمية الأولى وعادوا للبلاد بوعى جديد ، كما شهدت تلك الفترة نهوض الحركة الوطنية المصرية التي توجت بثورة 1919 م والتي كانت تطالب بسيادة واستقلال مصر ، كما شهدت شعوب المستعمرات الأخرى في الشرق ثورات مثل : ثورة الهند ، و الثورة الروسية عام 1917م.

ولم يكن السودانيون ولا سيما المتعلمين منهم بمعزل عن تلك الأحداث والتطورات، فتم انشاء نادى الخريجين ، وقامت جمعية الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الأبيض فيما بعد والتي كانت تطالب بوحدة وادى النيل تحت التاج المصري وجمعية اللواء الأبيض من أوائل التنظيمات التي قامت على أسس سياسية حديثة في السودان وشكلت تطورا أرقى في ميدان التنظيم في السودان. كان خليل فرح عضوا في جمعية الاتحاد السوداني التي تكونت عام 1921 م في منزل محى الدين جمال أبو سيف ومن أعضائها المؤسسين توفيق أحمد البكري وبشير عبد الرحمن وكلهم كانوا من طلاب كلية غردون ، وكان هدف هذه الجمعية وحدة وادى النيل ، ثم صار من أعضائها : مدثر البوشي ، الأمين على مدنى ، عبيد حاج الأمين ، بابكر القباني ، توفيق صالح جبريل وغيرهم.

ومارست الجمعية أساليب العمل السري ضد الاستعمار ، وكانت اجتماعاتها تتم سرا ، وتوزع المنشورات التي توضح أهداف وأفكار الجمعية ، وعندما قامت جمعية اللواء الأبيض انضم اليها خليل فرح.

ثم بعد هزيمة ثورة 1924 استمر نضال الحركة الوطنية ضد الاستعمار بمختلف الأشكال اضراب طلاب كلية غردون 1931، قيام الجمعيات الأدبية والصحف والمجلات " النهضة السودانية والفجر" ، قيام مؤتمر الخريجين ومذكرته الشهيرة عام 1943 للمطالبة بتقرير المصير ، واضرابات العمال حتي تم تتويجها بانتزاع النقابات العمالية وغيرها بعد قانون 1948 ، وقيام الأحزاب السياسية بعد الحرب العالمية الثانية ومن ضمنها الحركة السودانية للتحرر الوطني " الحزب الشيوعي فيما بعد" التي استندت علي المنهج الماركسي لفهم الواقع السوداني وخصائصه ومعرفته من أجل تغييره ، و لفهم ظاهرة الاستعمار كما أوضحه عبد الخالق سابقا، والنضال ضده مع مجموع الحركة الوطنية حتي تم انتزاع الاستقلال عام 1956 . وأنه لا يكفي الاستقلال السياسي ، بل يجب استكماله بالاستقلال الاقتصادي والثقافي ، أي بإنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، بالتالي كان الحزب الشيوعي امتدادا لتطور الحركة الوطنية السودانية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////