هذا العنوان مستقى من محاضرة سياسية قدمها للسيد الصادق المهدي في اسلام اباد قبل نيف وثلاثين عاما في خواتيم واحد من تلك المؤتمرات الإسلامية التي لا تنتهي واذكر ان المحاضرة كانت باللغة الإنجليزية وحسب المحاضر الجليل فان الذي أصاب جيشنا منها لم يكن مكروبا أو فيروسا وانما بقة Bug من تلك الآفات السريرية التي تعذب الراقدين وتقلق مناماتهم وقد كان ذلك تدقيقا حميدا من المحاضر زود به اخوتنا الباكستانيين الذين كانوا يعيشون أياما قاسية في ظل دكتاتور مسلم يبرر حكمه هو الآخر بالرجوع الى تقاليد الإسلام العريقة ولا سبيل لتصور بهجتهم وهو يفتيهم بأن الإسلام لم يعرف ولا يعترف بفكرة الجيش البريتوري ( أي الجيش المنظم على الطريقة الرومانية القديمة بما فيها من تراتبية مرصودة والذي يتلقى معاشه مقابل حمايته للدولة حتى لو كانت ممثلة بدكتاتور) وكان من رأيه ان الجيوش الإسلامية كانت تقوم على التطوع الذاتي وليس على الاعطية والرواتب.

إلا أن جيشنا السوداني نشأ على يد الاستعمار ونال نصيبه من الأعطية ولم تكن بالشيء القليل واستمات في الخدمة والتفريق بين ما هو عسكري- نظامي - رجولي وما هو ملكي- فوضوي-بلا مرجعية أو بلا انتساب الى أوامر القادة . وفي استخدامات الرتب الدنيا بالجيش يعني "شغل الملكية" الفوضى والتساهل والخيابة ومقدارا من شغل العوين بمعناه البلدي واذا بدا ذلك مبررا ومفهوما في سياقات كولونيالية فانه ليس ممارسا في جيوش البلدان المتقدمة التي استعمرت العالم الثالث وزودت جيوشه بتدريباتها الأساسية فهنالك ميول على الأقل لدقرطة الحياة العسكرية (إشاعة الدمقراطية فيها) خاصة بعد انضمام النساء الى الصفوف القتالية والمستقبل هو وحده الكفيل بتحديد معالم الدمقراطية الوافدة على جيوش البلدان المتقدمة وعبرها الى جيوش العالم الثالث.

من جهة أخرى يقدم الاقتصادي السوداني العظيم مأمون بحيري في كتاب ذكرياته الصادر بالإنجليزية ومترجما عنها الى العربية واقعة مبكرة للممارسة السياسية للعسكرية السودانية في الأيام الأولى للاستقلال وقبل ان يختطف العسكر السلطة السياسية في البلاد. وتدور القصة في الأيام الأولى للاستقلال حين ذهب الزعيم الازهري الى باندونج ومنها الى الهند في زيارة هي اولى زيارات القيادة السودانية الى الخارج ومعروف ما كان للهند من محبة وتقدير وأسبقية نضالية في نفوس الرعيل الأول من آباء الاستقلال والازهري على وجه الخصوص. وفي ختام الزيارة وافقت الهند على تزويد السودان بطاقم من المستشارين الهنود لمساعدته في مجال التخطيط الاقتصادي. وهنالك تفاصيل شيقة عن مقام الوفد الاقتصادي بالسودان ولكن الامر الذي يهمنا هو استعانة أحد أعضاء الوفد بالسيد بحيري لتيسير لقاء بالزعيم الازهري وهو امر أكمله الاقتصادي السوداني على أحسن الوجوه وبموافقة فورية من الزعيم الكبير وحين خطا الزائر الهندي خارجا من مكتب الزعيم لاحظ وجود عدد من العسكريين السودانيين قي غرفة الانتظار فسأل من يكونون وأطلعه بحيري على هويتهم كقادة لجيش البلاد

-وماذا يريدون من السيد الرئيس؟
اجابه السيد بحيري
- مكاتب سيخليها الجيش البريطاني عند الجلاء ويريدونها لأنفسهم
قال الخبير الهندي
-اذن دعني اعود للسيد الرئيس. عندي له كلمة تحذير مهمة.
ومن جديد استأذن له السيد بحيري فأذن الزعيم باستئناف المقابلة وعاد الخبير الهندي يكاشف الزعيم بما يمثله العسكريون من خطر على الدمقراطية الوليدة
-انهم أناس خطرون ولقد شكمناهم في بلادنا ولكنهم خطرون الى أبعد مدى وأريد ان أحذرك منهم يا سيدي الرئيس. انهم يفعلون كل ما تتصور وما لا تتصور وبمقدورهم ان يعتقلوك يا سيدي الرئيس وأن يودعوك السجن وبالفعل وفي مدى سنوات قليلة وقع المحظور وقام ضابط متقلب المزاج يمارس " مشية العقرب" في أوقات فراغه وبمساعدة من رئيس قضاء انقلابي وضعا رافع العلم وأبو الوطنية السودانية في الحديد حيث مات محروق الحشا في قيود السجن والمهانة دليلا على قدرة الشعوب الاستثنائية على النكران والجحود وعض اليد التي تتقدم اليها بجميل الخدمة والاعزاز وظني ان أحدا لم يستنكر موت النميري في داره وبين أهليه ولا موت بابكر (والعوض على الله ) في القاهرة وسط هذيانات الزهايمر ولوثات العمر المتقدم. وقذاراته في استكمال ذلك التاريخ الأسود لا أدرى كيف أقول جاء عبود او جيء بعبود وهو رجل لاشك في كونه لطيفا ومحبوبا وكان من واجبنا ان نحاكمه بالإعدام ثم ينال عفوا رئاسيا في اليوم التالي لصدور الحكم ولكننا فضلنا ان نكون في موقع المحسن المتفضل وعندما علم شبابنا العسكريون ان الحكاية ليس فيها محاكمة واعدام اقبلوا على اللعبة الانقلابية بلا أدني خوف وليس أسوأ في حق الدمقراطية من العزة بالإثم والتمجد الذي مارسه النميري في نهايات عمره الشقي مفتخرا بأنه حرق حشا الامة في محمود محمد طه وعبد الخالق محجوب وآخرين لا تعلمونهم الله أعلم بهم وفي كل ذلك قال دعبل الخزاعي او لعله لم يقل:
بنات زياد في القصور مصونة وبنت رسول الله في الفلوات
وزياد هو زياد ابن ابيه الذي استلحقه معاوية بن ابي سفيان كاخ له لأبيه من زانية معروفة وبنت رسول الله المعنية هي السيدة زينب غفيرة مصر حفيدة النبي وأخت الحسين وثأرهما لازال مطلوبا من قبل الشيعة الإيرانية بعد قريب من خمسة عشر قرنا على الجريمة.

واليوم ها هم العسكر ينازعون الشباب على مجد ثورتهم وينازعوننا كمواطنين سودانيين في حقنا في الترشح للمنصب العام وخوض انتخابات شفافة للوصول الى ذلك المنصب المطلوب وهنا يحسن بنا ان نتريث قليلا فمن أين للعسكر علم ذلك؟ لقد فتحوا أعينهم على زعيط ومعيط ولم يروا الازهري والمحجوب الا في الصور القديمة الباهتة باللونين الأبيض والأسود ولم يدرسوا في معاهدهم عن عظمة الجيوش وهي ترفع راية الدمقراطية وتنتصر لها او تموت من اجلها مرددة مع الرئيس لنكولن ان حكومة الشعب للشعب بالشعب لن تبيد من وجه الأرض ولن تختفي من الوجود. من أين لهم واكبرهم عمرا وبرهانا لم يسمع كثيرا عن اولئك الاعلام ومبلغ علمه وعلمهم يقف عند المخلوع ورفيقه النميري وما كلامهم وتصديتهم الا تكرار ممجوج لخطابة المخلوع وغدا يرقصون رقصاته وبذلك يذبحوننا على الطريقة الإسلامية اختناقا بالضجر والسأم والملالة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.