نبأ رفع العقوبات الااقتصادية الامريكية عن السودان خبر مرحب به من قطاعات واسعة من الشعب السوداني. اقصد بذلك غالبية السودانيين الطبيعيين الذين يعيشون في السودان او يريدون العودة اليه او من يهمهم امر من يعيش فيه. ذلك لسبب بسيط جدا هو ان هؤلأ الناس يريدون ان يعيشوا حياة طبيعية في بلد طبيعي خارج دائرة العقوبات والقوائم السوداء الخاصة برعاية الارهاب او غسل الاموال او الاتجار في البشر وما شابه ذلك، من ممارسات تجعلهم يعيشون في دولة مارقة معزولة معاقبة تطاردهم تبعاتها في كل خطوة من خطواتهم وفي اي امر حياتي يمارسه الانسان بالضرورة، كحالات السفر او العلاج او التعليم في الخارج، ناهيك عن ممارسة الاعمال الاقتصادية والتجارية التي تطال لفمة عيشه اليومية وهو يصحي كل يوم علي صعود جديد للاسعار وهبوط في قيمة الجنيه الذي ساق دخله الي الحضيض.

هكذا هو الحال الان، علي امل ان يكون قرار الادارة الامريكية برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان هو بداية مسار نحو تطبيع الحياة في السودان (دون الحاجة للتطبيع مع اسرائيل)، الذي يروج له كثمن تم دفعه للقرار الامريكي، اذ من الممكن جدا اقامة علاقات بناءة مع الولايات المتحدة الامريكية، كدولة عظمي بمعزل عن اي دولة اخري، بما في ذلك اسرائيل.

لكن بالطبع الملفات العالقة اشد تعقيدا واقصد بالتحديد سلام السودان (رعاية الارهاب) وسلام دارفور الذي (يحمل في داخله ملف الجنائية الدولية). من الواضح ان الحكومة السودانية قد سعت جادة الي تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة الامريكية وتقديم العديد من التنازلات والخدمات الضرورية التي تستدعيها طبيعة النظام الامريكي في نهجه القائم علي الهيمنة وتغليب رؤيته للاحداث في جميع انحاء العالم، بالتالي فان السودان قد وقع ضمن اجندة منظومة التعامل الامريكي مع ملفات المنطقة وليس كما تروج الادارة الامريكية حول الحريات وحقوق الانسان التي هي من اخر شواغلها.

بالرغم من ذلك ومن ناحية شكلية فان الشروط الخمسة وما شددت عليه الادارة الامريكية من مراقبة لمسار الحريات العامة وحقوق الانسان والمساعدات الانسانية الخ...من ديباجة مصاحبة لقرار رفع العقوبات، يصب في مصلحة الشعب السوداني. ما يهمنا هنا بشكل اساسي هو ان تقوم الحكومة بتقديم تنازلات للشعب السوداني بالرغم ان ذلك من صميم حقوقه وليس منة من احد، لكن دعونا نقول تنازلات في الحريات الدستورية التي يكفلها دستور السودان، الحريات العامة وتوسيع المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار بشكل مؤسسي. تنازلات في تخفيف العبء المعيشي بتخفيض انفاقها ورفاهية منسوبيها وفي العمل الجاد من اجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي، باستثمار هذا القرار في تحسين مناخ الاستثمار بجميع مستحقاته وتوجيهه نحو الانتاج الحقيقي في سبيل الوصول الي توسيع قاعدة الانتاج ورفع الانتاجية، تخفيف تكاليف الانتاج ورفع تنافسية القطاع العام.

في هذا السياق يجب الذهاب في الاصلاح القانوني لمواكبة مستجدات الاقتصاد والتجارة الدوليين والاصلاح المؤسسي ومحاربة الفساد حتي يصبح من الممكن الحد من معدلات الفقر الجماهيري المتفشي في البلاد. اذا استمرت الحكومة في الاعتقاد والقناعة بان مخرجات الحوار الوطني وحدها كافية، واذا تعززت هذه القناعة بالنشوة المصاحبة لرفع العقوبات الاقتصادية الامريكية، فان ذلك سيكون مجرد مغازلة للذات في مرآة صباحية مبنية علي نزعة نرجسية مضرة ستذهب دون نتائج ويستمر بعدها الوضع الاقتصادي في تدهوره.

لابد في رأي من النظر بموضوعية للاشياء واستثمار القرار بشكل بناء في المصلحة الوطنية العليا بالبحث عن بدائل حقيقية للخروج من الوضع السياسي والاقتصادي المتأزم والخروج من نفق الركود في الفكر والرؤية السياسية التي اصيبت بالاعياء والتكلس سواء ان كانت في الحكم، الدعوات لاسقاط النظام او تفكيكه من الداخل. هذا القرار منبه للخروج من حالة العجز الحالية التي تدور في فلك عجز الحكومة ومن والاها في تقديم رؤية لتطوير النظام السياسي والوصول به الي مرحلة نوعية جديدة ولا تمكن المعارضة من تقديم بديل لرؤيتها للحكم واستعدادها له ودون ان توضح ماهية ادواتها لتغيير النظام بشكل يلبي شروط القبول والنجاح واستيعاب المتناقضات الحادة التي ظلت تتراكم منذ سقوط نظام مايو وحتي الان مرورا بحكم الانقاذ المطلق ثم شبه المطلق.

في هذا الوضع من المنتظر ان تستقبل البلاد رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية عنها بشكل نوعي مختلف، كخطوة في طريق صعب للتخلص من عواقب تلك العقوبات وتلك الاخري التي لا زالت مسلطة عليها، ان ينظر لهذا الفعل كمشروع للعمل البناء للخروج بالبلاد من نفق الازمة الي رحاب ايجاد الحلول، وليس مناسبة جديدة للمكايدات المتبادلة والطريقة السودانية القديمة عديمة الجدوي المصاحبة بزفة "الليلة ساير يا ود القبايل"، وبمجرد انتهاء الحفل يتضح قبح الواقع وصعوبة مواجهته. المستحقات كثيرة والملفات شائكة ومعقدة والحل يتطلب تضافر الجهود والجدية في التأسيس لعمل يراعي المصالح العليا للبلاد ووضع حد لمعاناة شعبها واندفاع شبابها نحو المهاجر كحلم اخير بمستقبل مشرق. كيفية التعامل مع هذا القرار ستضع خارطة لما بعده ، كيف سيتم توظيف هذا القرار؟ الاجابة علي هذا السؤال تحدد النتائج، التي من المؤمل ان يتم حسابها بروية وتمعن وبدون اندفاع.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.