استعنت بكتابي الأثير (سيكولوجية الجماهير) لمؤلفه المفكر الفرنسي ذائع الصيت غوستاف لوبون، لعلني أجد فيه تفسيراً يعينني على فهم ظاهرة جنرال الكهف المُحيرة، فقدرت أن أقتبس منه ما يلي: (من بين جنرالات الفرقة العسكرية كان يوجد جنرال اسمه أوغيرو، وهو رجل مرتزق بشكل بطولي ومبتذل. وكان فخوراً بقامته العالية وشجاعته. وقد وصل الجنرالات إلى المقر العام للقيادة بنفسية غير راضية عن هذا الانتهازي الصغير الذي أُرسل لهم من باريس "أي نابيلون". وبحسب الوصف الذي كان قد وصلهم عنه فإن أوغيرو كان شتَّاماً ومُحباً للعصيان بشكل مُسبق. كانوا يقولون بأنه الأثير لدى باراس، وأنه أحد الجنرالات الذين خاضوا معارك منطقة الفاندي غرب فرنسا، وأنه جنرال شوارع، ويُنظر إليه كالدُب لأنه يفكر دائماً في وحدته، وأنه ذو هيأة صغيرة، وأنه مشهور بعقل رياضي وحالم في آن. ثم أدخلوهم عليه وتركهم نابيلون ينتظرون فترة طويلة قبل أن يستقبلهم. ثم ظهر أخيراً وهو مُزنر بسيفه، ثم لبس رداءه، وشرح مواقفه، وأعطاهم الأوامر وصرفهم. وقد دُهش أوغيرو إلى حد أنه بقي صامتاً لا ينبس ببنت شفة. ولم يصح من صدمته إلا بعد أن خرج حيث عاد إلى طبيعته العادية. واتفق مع ماسينا على القول بأن هذا البونابرت الصغير قد أخافه ولم يفهم سر الرهبة التي سيطرت عليه من أول نظرة).

مضى لوبون في سرده الشيق (كان الجنرال فاندام، المرتزق الثوري، أكثر فظاظة وقوة من الجنرال أوغيرو. وقد قال عن نابليون للجنرال دورنانو في يوم من أيام عام 1815 وكانا يصعدان سوياً درج قصر التويلري: يا عزيزي، إن هذا الشيطان الصغير يُمارس عليَّ سحراً وجاذبية لا أستطيع أن أفهم سرهما. فأنا الذي لا يخشى الإله ولا الشيطان يصل بي الأمر إلى حد أني أرتجف كطفل عندما أقترب منه. ويستطيع أن يسلكني في ثقب الإبرة ويرميني في النار دون أن أحرك ساكناً) غير أنني ما إن فرغت من قراءة هذا المقطع حتى وجدت نفسي أتساءل: عن أي جنرالات يتحدث لوبون؟
(2)
واقع الأمر أن قصة جنرال الكهف تستحق أن تُروى بكل لغات العالم، حتى يدرك الناس أبعاد ظاهرة كونية يمكن أن تُضاف لعجائب الدنيا السبع. كما أنها تستحق أن تُدرَّس في الأكاديميات العسكرية، ويُحكى فيها عن جنرال رصع كتفيه بالنجوم وصدره بالنياشين والأوسمة التي تكاد تخلب الألباب، وهو لم يطَّلع في حياته على أبجديات العلوم العسكرية، ولم يخض حرباً رغم أن يديه ملطختان بالدماء. كما أن قصته تلك جديرة بأن تُحكى للصغار أيضاً، لكي يروُنها لأقرانهم عندما يشبون عن الطوق ويتداولونها كابراً عن كابر. وليت القائمين على الأمر يضيفونها للمناهج الدراسية، فلربما وجد فيها طالبو العلم سراً يفك طلاسمها، فكيف لجنرال يخوض في أمور السياسة وهو لا يملك من أمرها نصباً. وكيف (لطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل) يصبح بين عشية وضحاها في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود. فلا مناص إذن إن ظنَّ أن المال أقصر الطرق نحو السلطة. ولا غرو إن صار ذلك غاية همه ومبلغ علمه. ولم لا؟ ألم يصرف الجنرال على ذات الدولة من مالها الذي اعتبره (حلالاً بلالاً) له ولآله من الأسرة المالكة. خطر لي أن أطلق عليه (الجنرال X) إمعاناً في الغموض الذي يحيط به نفسه، فقد ظل ماضياً في طريقه لا يلوي على شيء، بينما الناس يسهرون ويتجادلون ويختصمون حوله.. هل هو جاهل أم متعلم؟ هل هو حاكم أم محكوم؟ هل هو غبي أم ذكي؟ هل هو إنس أم جان؟ وكأني به يقول ساخراً وما جدوى الأسئلة إن لم يرج من ورائها طائل!
(3)
يريد جنرال الكهف أن يحكم بلداً لا يعرف جغرافيتها ولا تاريخها ولا ماضيها ولا حاضرها. فماذا يمكن أن تسمي هذا؟ يريد أن يحكم بلداً لا يعلم مدنها ولا قراها ولا نجوعها. فماذا يمكن أن تسمي هذا؟ سيرة كلها تناقضات كأنها خرجت من (صندوق الباندورا) كما في الميثولوجيا الإغريقية. بالأمس ولغ في الدم حتى تجشأ، واليوم يتحدث عن السلام، بل وُضِع السلام كله على كاهله حتى ناء بكلكله. هرعوا إليه جماعة مصافحين ومسافحين قيماً ومثلاً وأخلاقاً كانت راياتها ترفرف عالية خفاقة يوم أن كان للنضال ثمن وضريبة. وصموه بالأمس بقتل ذويهم وأقاربهم وأهاليهم، واليوم يرسلون الابتسامات المنفرجة التي تتلألأ مع أضواء الفلاشات وكاميرات التصوير. ليس على الأعمى حرج، طالما أن السلطة تجُبُّ ما قبلها، فلا جناح ولا تثريب إن أصبح الدم ماءً والقتل مباحاً والماضي اللئيم محض ذكرى. فلماذا إذن لا يتودد إليه الزعيم الذي بلغ من العمر عتياً؟ بل إن المضحك والمبكي معاً أن الزعيم عندما مارس السياسة كان الجنرال نطفة في رحم أمه!
(4)
عندما بدأ نجم محمد حمدان دقلو الشهير بكنية (حميدتي) في الصعود كنت آنذاك منهمكاً في فحص وثائق عصبته الأمنية لأدفع بها للنشر في كتابي الأخير (الطاعون/ أسرار الجهاز السري للحركة الإسلاموية في السودان) ودهشت أن جهاز الأمن يترصده أيضاً في كل صغيرة وكبيرة في حياته ابتداءً من مولده عام 1975 ويسخر منه في الذي يسخر منه الناس، كتعليمه المتواضع ثم عمله في تجارة المواشي متنقلا بين نيالا ومليط، ثم العمل في تجارة الحدود بين السودان وليبيا وتشاد. وعند بداية الصراع في دارفور 2003 اُستنفروه في القتال إلى جانب قوات الدفاع الشعبي (وهي في الواقع مليشيا الجنجويد). كان ذلك في إطار محاولة النظام استمالة العنصر العربي، وما لبث أن تمرد على قوات الدفاع الشعبي في العام 2007 لأسباب مالية، ولكنه عاد مجدداً وتمَّ تعيينه قائداً لقوات حرس الحدود واشتد الصراع بينه وبين الوالي حماد إسماعيل، فالتقطه أحد البصاصين الذي سنأتي على سيرته بعد حين. غير أن المهم في مسيرة حميدتي هذه ليس فيها ما يلفت الانتباه سوى أنه وطَّن نفسه على أن يصبح (بندقية للإيجار) لتبدأ بعدئذٍ المسيرة الفعلية لقوات الدعم السريع في العام 2013 حيث رفضت القوات المسلحة العمل تحت إمرتها بحسبها مليشيا قبلية!
(5)
دخل اللواء عبد الغفار الشريف في الخط لشيء في نفسه سنذكره لاحقاً، وتمّ ضم قوات الدعم السريع لجهاز الأمن، ثمّ أصبحت بعدها في حضن المشير المخلوع، وكانت كلما ازدادت عدداً تطاولت أحلام حميدتي في الآمال العراض. ومن باب العزة بالإثم لم يجد حرجاً من أن يلفت الانتباه نحوه بخطبة تنضح دماً، وفيها أزاح (الكدمول) عن وجهه وحاكى الحجاج بن يوسف الثقفي: (زي ما قلت ليكم البلد دي بلفها عندنا، نحن أسياد الربط والحل، ما في ود مرة بفك لسانو فوقنا، مش قاعدين في الضل ونحن فازعين الحرابة، نقول أقبضوا الصادق.. اقبضوه.. فكوا الصادق إفكو الصادق.. زول ما بكاتل ما عنده راي.. أي واحد يعمل مجمجة، ياها دي النقعة والذخيرة توري وشها.. نحن الحكومة ويوم الحكومة تسوي ليها جيش بعد داك تكلمنا.. أرموا قدام بس). أخذ الصادق الأمر بجدية وهاجر إلى الشمال نحو مصر. أما القائل فقد حمل رتبة فريق في قواته، وهي الرتبة التي كان يحملها أحمد محمد أول قائد للجيش السوداني بعد السودنة، ونالها بعد أن تخرج مهندساً من كلية غردون التذكارية!
(6)
لكن كيف تمددت أحلام حميدتي وأصبحت لديه تطلعات لحكم السودان؟ لقد اشتعلت خلافات الصوالين المغلقة. جمعت المصائب المصابين في (خلية) ثلاثية بدأت في الإمساك بمفاصل الدولة، والتي تكونت من اللواء عبد الغفار الشريف الذي ظل منذ بداية الانقلاب يعيش غموضاً في الخفاء، وبجانبه طه عثمان الحسين، وثالثهم محمد حمدان حميدتي. الأول والثاني كانا يذُران على سمع الثالث ما يستلذ له بأنه الرئيس المُقبل، علماً بأن لكل واحد منهم مآربه الخاصة. وفي الجهة المقابلة كان هناك صلاح قوش الذي عاد لكرسيه مرة أخرى بتزكية وتوصية من اللواء الغواصة الفاتح عروة للرئيس المخلوع بغية أن يكبح جماح الأزمات التي تفاقمت. رسم الثلاثة المذكورون سيناريو زج قوات سودانية في حرب اليمن ووضعوها بين يدي المخلوع الذي أصبح بين ظهرانيهم كالميت بين يدي غاسله، أي يوجهونه كيفما اتفق. لذا فقد تقبل الفكرة الكارثية في ارسال الجيش لليمن ولم يعلم بالخطوة حتى المعنيين بالأمر. عضد ذهب جبل عامر الذي فتح باب الثراء الفاجر لحميدتي من سريان الفكرة الإبليسية. وصارت إدارة الدولة حصراً على تلك المجموعة الرباعية (الخلية زائداً المخلوع) ينافحها في الضفة الأخرى صلاح قوش وكلاهما يتربص بالآخر. لكن من جهة ثانية، تمددت أحلام حميدتي في إرث الحكم كما شجرة (اللبلاب) بعد أن أيقن بتواضع قدرات الحاكم كما قال. إذ أسر لي مصدر قريب منه قوله في لحظة نشوى سلطوية: (إذا الزول العوير ده حكم 29 سنة ليه ما نحكم نحن)!
(7)
استمر الحال على ذاك المنوال، وتطاولت أحلام حميدتي بعد أن دخلت الدولة في أزمات وأصبح يمدها بالمال والجنود من قوات الدعم السريع، وظن أنه قاب قوسين أو أدنى من قصر غردون، تكبر أحلامه حيناً، وتتضاءل أحيان أخر إلى أن جاءت ليلة العاشر من أبريل. أي يوم اشتدت وطأة المظاهرات على النظام وبات الاعتصام ثقيلاً، فقررت اللجنة الأمنية مواجهة المشير للتنحي عن السلطة. يومذاك كانت المجابهة التي فوجئ بها المخلوع وأفتى بما لا يعلم في قوله إن المذهب المالكي أباح للحاكم قتل ثلث الأمة من أجل الثلثين. وتلك كانت خاتمة السوء لترهات امتدت لثلاثة عقود حسوما، عندئذٍ وجم أعضاء اللجنة الأمنية جميعا عدا حميدتي الذي هيأت له الصدف أن يخالف، وظهر بمظهر المتعفف عن سفك الدماء. غير أن المهم في الأمر أنه نفسه أدرك أن ما كان يوهم به نفسه أضحى محض أضغاث أحلام، كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد!
فيا أيها الجنرالات الأحياء منكم والأموات... أين صواع الوطن، تالله إنكم لسارقون!
آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////