عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

ثمة أوصاف وتسميات خُلعت على بعض الدول في التاريخ الحديث. نذكر منها على سبيل المثال وصف الدول العظمى، وهو الوصف الذي أُطلق على الدولتين اللتين تمثلان التوجهات الرأسمالية والشيوعية (الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي) وكان ذلك إبان حقبة ما سُمي بالحرب الباردة، ومن جانبهما تبادلتا النعوت أيضاً حيث وصمت الثانية الأولى بلفظ الدولة الامبريالية Imperialism ومقصود بها الدولة الاستعمارية في سياق معانيها الكثيرة، وقبل ذلك سُميت ألمانيا بالدولة النازيةNazism  وهي وصف للأيدولوجيا التي اتخذها حزب العمل القومي الاشتراكي والمستندة على مرجعية نقاء وسيادة الجنس الآري، وإيطاليا بالدولة الفاشية أو التوتاليتارية Totalitarianism واسرائيل بالدولة الصهيونية Zionism وهي حركة سياسية يهودية تؤمن بحق أمتهم في اقامة دولتها التاريخية، وإنبثق كذلك بعد الحرب العالمية الثانية مصطلح الدول النامية والدول المتقدمة، كنقيضين لا يحتاجان لكثير شرح. وكان نجاح ووصول الثورة الإيرانية إلى الحكم قد تزامن مع إنحسار ظل الدولة الشيوعية، فلم يكن ثمة مناص أمام الدولة الرأسمالية التي ناصبتها إيران العداء، إلا أن تصفها بالدولة الأصولية Fundamentalism  حيناً والمتطرفة حيناً آخراً. ومن جانبها ردت الصاع صاعين فسمَّت الدولة الرأسمالية تلك والتي انتصر لها التاريخ - بحسب فرانسيس فوكوياما - بالشيطان الأكبر، مع أنه بالنظر لتوجهات إيران الايدولوجية كان حريٌ بها أن تسبغ اللقب على الدولة التي انحسر ظلها في خارطة العالم!

 

وقد سرت حُمى التسميات بعدئذٍ وضمت دولاً تماثل إيران في التوجهات الأصولية والمتطرفة، فلم تجتهد كثيراً حين سمَّت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بدول الاستكبار. ومؤخراً ساد وصف جدلياً لدول لم تعد كنية الدول النامية تكفيها فسميت بالدول الفاشلةFailure States وعلى النمط نفسه استخدم دكتور جلال أمين في كتابه الذي صدر مؤخراً (مصر والمصريون في عهد مبارك 1981-2008) مصطلح الدولة الرخوة  Fragile Stateوهو المصطلح الذي وضعه عالم الاقتصاد السويدي الشهير (جنار ميردال) كمعيار لقياس احوال دول بعينها، ولكن أمين قال إن بلده مصر هي من ينطبق عليها المُسمى بحذفاره. وبالرغم من أن لنا دولة كان لها من التطرف والفشل والرخاوة نصيب، إلا أنه عنَّ لنا أن نسميها بـ (الدولة المُرهَقَة) ومن سماتها وصول الحكومة والمعارضة فيها إلى حالة من حالات الرهق السياسي، فيضحى الصراع سجالاً بتعادل سلبي. وهي الدولة التي تتحدث فيها السلطة عن عالم إفتراضي لا يوجد إلا في مخيلتها، بينما نقيضه هو الذي يستشعره مواطنها على أرض الواقع. وهي الدولة التي يُقنن فيها الفساد بقوانين ويصبح له سنن وفرائض. وهي الدولة التي تكتسب شرعيتها بـ (الفهلوة) السياسية. وهي الدولة التي فشل نخبتها في تحديد هويتها واختلط على مواطنها معرفة حقوقه من واجباته. وهي الدولة التي عجزت عن إيجاد الحلول لقضاياها الداخلية فاستعانت بالأيادي الخارجية. وهي الدولة التي حينما يستبد الفرح بأحد مواطنيها الشعراء، ويزمع التعبير عن وطنيته، يمدحها منتشياً بقوله: «ملعون أبوكي بلد»!

 

الدولة المرهقة هذه وبسِماتها المذكورة ظلت تتجلى لنحو عقدين من الزمن أمام انظار مواطنيها، وكلما حاولت العصبة ذوي البأس الخروج بها من مأزقها الذي صنعته بجهلها واستعلائها وغطرستها زادته تعقيداً، ولهذا لا غروَّ أن باتت تتحدث مؤخراً عن انتخابات تنوي إجراءها في ظل ما تسميه بالتحول الديمقراطي، علماً بأن الذي يُقرُّ بهذه الفرضية، ينبغي عليه الاعتراف أولاً بنقيضها الذي تمدد منذ اغتصابها السلطة وتحكمت به في مصائر البلاد والعباد. وهو المنهج الذي أنتج موروثاً مثقلاً بالآلام والأحزان والمحن، وبالتالي لا يمكن تأسيس واقع جديد بطريقة القفز بـ (الزانة) أو حرق المراحل التاريخية، فثمة أوضاع غير طبيعية ينبغي تسويتها أولاً بأي شكل من أشكال المصالحات أو المحاكمات. وإذا كانت السلطة الحاكمة صادقة في نواياها فالتحول الديمقراطي لا يتحقق بالانتخابات وحدها، فمن الطبيعي أن تسبقه مطلوبات ينبغي أن يلمسها المواطن ويحسها حتى يطمئن قلبه، فعلاوة على التسويات المذكورة، لا مفر من تحييد جهاز الخدمة المدنية ولابد من قوممة – من قومية - المؤسسة العسكرية، وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات، واشاعة العدل في الحقوق وتكريس المساواة في الواجبات، إلى جانب الاعتراف بالتداول السلمي للسلطة بإستلهام معاني خضوعها لإرادة الشعب. ولعله من نافلة القول أنه بدون الايفاء بهذه المطلوبات يصبح الحديث عن تحول ديمقراطي كالحرث في البحر تماماً. لست من المتشائمين ولكني من المؤمنين بثلاثة مستحيلات، أولها قيام انتخابات، وثانيها أن تكون حرة ونزيهة وعادلة وشفافة إن قدر لها القيام، وثالثها، أن تقبل العصبة ذوي البأس بنتائجها إن قدر لها القيام وكانت حرة ونزيهة وعادلة وشفافة. ولكن إن (تشائلنا) فقل يا عزيزي القاريء أن أمر تحقيقها سيكون مرهوناً بيد رافعة شعبية...وليس ذلك على القوم بعزيز!

 

بالقدر نفسه إن نحن آمنا بمقولة التحول الديمقراطي، يمكن القول إن للمعارضة أيضاً مطلوبات ينبغي التأمين عليها، فالديمقراطية كما نعلم جميعاً...ليست نصوص نظرية جامدة، وإنما واقع يكسبه التطبيق ديناميكية والممارسة فاعلية، والديمقراطية لا تمنح في طبق من ذهب ولا تتنزل في مائدة من السماء، وإنما تُنتزع بنضال حقيقي وبتضحيات جسام. وفي هذا الاطار قد يحمد للقوى الحزبية والتنظيمية هذا الحراك السياسي المكثف الذي راج مؤخراً، ومن ضمنه الدعوة التي ابتدرتها الحركة الشعبية لتحرير السودان بشأن لقاء يعقد في جوبا ويجمع كل القوى السياسية، وبدورنا لا نريد البكاء على اللبن المسكوب ونقول إن الفكرة جاءت متأخرة أو كان يفترض أن تكون قبل سنوات، ولا نريد أن نقول كذلك أن الحركة الشعبية اقدمت عليها بعد ما أهدرت وقتاً ثميناً مع شريك شيمته الكذب والخداع والاحتيال السياسي، ولا نريد أن نقول إنها تلكأت في خطوة كان يمكن أن تقوى من الأرضية التي تقف عليها في مواجهة ذلك الشريك ومؤامراته الدائمة. كما أننا لا نريد أن يقال عنها إنها خطوة جاءت كنتاج لتراكمات واقع مأزوم، بل لا يجوز مطلقاً الايحاء بأنها موجهة ضد أحدٍ ما أو كيانٍ معين، ولا يفترض أن يفهم البعض أنها مشروع تحالف لخوض الانتخابات القادمة، فمثل هذا المشاريع تأتي طوعاً وتلقائياً ويحددها مدى تقارب أو تنافر البرامج!

 

عوضاً عن هذا وذاك يفترض أن تكون القواسم المشتركة بين الداعي والمدعويين هي الدافع الحقيقي لهذا اللقاء، أي تلاقي الإرادات والايمان على أن قضايا هذه الوطن لا يمكن لجهة واحدة مهما أوتيت من الامكانات والقوة والجبروت حلها بمفردها، وأن من حق الجميع الاسهام برأيهم وفكرهم وجهدهم في حلحلة هذه القضايا، وحتى تسير الأمور على أرض ممهدة ليس أمام المدعويين سوى إحسان الظن بالداعي وهي الحركة الشعبية، فينبغي منحها ما يكفي من آيات الاطمئنان بالتأمين على اتفاق السلام أو ما سمي باتفاق نيفاشا، والمعروف أن موقف بعض القوى من الاتفاق ساهم فيما مضى في التباعد – إن لم نقل التباغض - بين الطرفين، إلى جانب أن العصبة ذوي البأس استخدمت ذلك التباين بمكر ودهاء في الايحاء بإمكانية عودتها للحرب إذا لم تلتزم الحركة بدور الشريك الخانع. وعليه فإن التحرك نحو الحركة الشعبية عبر بوابة التطمين والتأمين على مكتسبات اتفاقية السلام، سيكون كفيلاً بتبديد أي شكوك أو ظنون تتناوشها من حين لآخر، وفي هذا الصدد لا نعتقد أن النقد الذي وجهه السيد الصادق المهدي للاتفاقية، في منتداه الاسبوعي (بين الصحافة والسياسية) يوم الأربعاء الماضي 8/7/2008 كان موفقاً، صحيح أن كثير من القوى السياسية كان لها موقفاً سلبياً منها في بداية ظهورها، وتركز النقد في قصورها من حيث التمثيل وعدم شمول الأجندة، وهي انتقادات تفهمها الراحل دكتور جون قرنق وأبدى أسباباً منطقية في تفسيرها، وصحيح أيضاً انه بعد وفاته تعرضت مسيرة الحركة لكثير من الاهتزاز والابتزاز، وعليه لسنا بصدد محاكمة الماضي بقدر ما نحن بصدد استشراف المستقبل، ومن هذا المنطلق لا يجوز نكء الجراح ولا إثارة الشحناء والبغضاء والتناحر!

 

بيد أن النقطة السلبية الوحيدة التي نراها من وجهة نظرنا وتمثل (كعب أخيل) هذا المسعي، بل تبدو لنا أيضاً انها السبب في عدم إنعقاد اللقاء حتى الآن، ويمكن القول أنها تتهدده بفشل صريح في حال قيضت له الظروف إنعقاداً. هذه النقطة تتمثل في وجود السيد مبارك الفاضل على رأس اللجنة التحضيرية. فالسيد مبارك ليس بالرجل المناسب في هذا المقام لعدة أسباب لا تخفى عليه هو نفسه ناهيك عن المراقبين. فالشخص الذي يتولى زمام هذا الموقع ينبغى أن يتحلى بالاستقلالية والحيادية والشفافية ونكران الذات، وهي كلها صفات لا يزعم السيد مبارك بأنه يملك منها شروى نقير، وعوضاً عن ذلك فهو يريد هذا اللقاء لتصفية حسابات عالقة بينه وبين إبن عمه السيد الصادق المهدي، وبنفس القدر يمكن القول إن علاقته مع قوى سياسية أخرى إما أنها متهتكة أو متوترة أو مرشحة للأثنين معاً. والمعروف أن تجارب السيد مبارك الفاضل في العمل السياسي بوجه عام والنشاط المعارض بوجه خاص، كانت تجارب مليئة بالمحن والإحن والفشل المزمن والخيبات المتكررة، الأمر الذي يجعل من تسنمه رئاسة اللجنة التحضيرية هذه عرضة لفشل متوقع بقدر سواء!

 

المعارضون الذين كانوا ينضوون تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي، يعلمون تمام العلم أن وجود السيد مبارك الفاضل يومذاك كان (خميرة عكننة) وسبباً في تعطيل فاعلية الكيان المعارض وإفقاده حيويته، حيث قضى سنواته في معارك (دنكشوتية) ضد الحلفاء في التجمع وإنصرافية ضد النظام، تحركه نزعة أنانية تحت دثار طموحاته الشخصية حيناً وتطلعات حزبية حيناً آخراً. والمفارقة أن مبارك الذي أقبل على تجربة العمل المعارض جاءها مثقلاً بآثام وخطايا الماضي. فكان ثاني أثنين من حماة النظام الديمقراطي (وزير الداخلية) يفر بجلده ولا يبذل مثقال ذرة في صمود النظام ولا التصدي لمغتصبيه حينما حدث الانقلاب، ولم يكن ذلك غريباً ففي خلال الثلاث سنوات ونصف التي عمَّرها النظام البرلماني وتسلَّم فيها مقاليد ثلاث وزارات، ظلَّ مبارك مثار جدل متصل، فهو الوزير الوحيد الذي شكَّل له السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء لجنة برئاسة قاضٍ، وذلك لتقصي الفساد الذي ملأت سيرته الآفاق آنذاك، ويبدو أن حدوث الانقلاب كان بالنسبة له محمدة وخلاصاً، إذ قطع أعمال تلك اللجنة قبل أن تكمل مهمتها. ولهذا لم يكن غريباً أن تداول قبل هذا أمر إنقلاب مماثل مع شخصيات من ذات الحزب الذي نجح انقلابه، وتلك قصة وثقنا لها في مكان آخر. والأنكى أن هروبه المثير للجدل جاء ليكمل دائرة التساؤلات المبهمة، والتي لم يستطع أحد أن يسبر غورها أو يفك طلاسمها رغم مرور عقدين على حدوثها!

 

من أجل هذا فنحن نعتقد أن الفترة التي قضاها السيد مبارك في التجمع الوطني الديمقراطي، كانت بالنسبة له بمثابة جولة في العلاقات العامة، استطاع من خلالها أن يمحو تلك الصورة الكئيبة التي التصقت بسيرته من الحقبة البرلمانية، وصادف هذا إننا من لدن قوم حباهم الله تعالى بذاكرة (غربالية) كثيرة الثقوب، توارثت بإعتزاز شعار (عفا الله عما سلف). كما أن تلك الفترة اتاحت للسيد مبارك لقاء شخصيات مؤثرة في عملية صنع القرار في بلدانها في المحيطين الإقليمي والدولي، وهو أمر كان يفتقر له منذ تدرجه في مراقي العمل السياسي. ولهذا جاء خروج السيد الصادق المهدي في العام 1997 صادماً له، وقطع الطريق أمام طموحاته الشخصية. فبدأ في اختلاق المشاكل وتفخيخ القضايا مع القوى السياسية الحليفة بدعاوي كثيرة لا يشتم منها شيئاً سوى الطموحات الشخصية، واختصاراً لسيرة ملَّ الناس سماعها، قاد مبارك مسيرة توجه الحزب نحو الخرطوم، والتي ما أن وصلها حتى شق الحزب نفسه ليحقق طموحه الذاتي، فتم تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية رغم أنه منصب شرفي إلا أنه بدا به سعيداً للدرجة التي لم يتورع معها في البصق على العمل المعارض الذي كان أحد رواده، إذ قال في حوار مع صحيفة الصحافة 28/12/2003 إن «أي أفكار سارت عليها القوى السياسية، أو حل النظام وإقامة نظام آخر تشارك فيه كل القوى السياسية، أو إقامة إنتخابات أولاً، ثم المشاركة، كلها نظريات سقطت الآن، ما عادت ذات جدوى» ولم يشفع له هذا التداعي، فتمَّ ركله ببيان مقتضب، كان قمة الإهانة لمن جعل العمل السياسي غاية همه ومبعث طموحه، وزاد من محنته تنكر الانتهازيون من عاطلي الفكر والسياسة الذين استصحبهم خلال رحلة الاسراء نحو السلطة، فتركوه يعرج لوحده وقالوا له إذهب أنت وما تبقى من رهطك فقاتلا فنحن في وزارتنا قاعدون!

 

في الواقع لم يقاتل مبارك قيد أنملة، لكنه بدأ في استثمار وقته فيما لا طائل يرجى من ورائه، مثل إقامة مؤتمرات صورية لتعيد إنتاج الأزمة التي قال إنها كانت سبباً في انقسامه من حزب الأمة، فقبل اسبوعين تمَّ إعادة (إنتخابه) رئيساً للحزب في مؤتمر قيل إنه الثالث! ذلك ليس بغريب عند من إتخذ السياسية وسيلة للتسلية أكثر من كونها واجب وطني. ومثل هذه المواقف لا تصمد كثيراً أمام الامتحانات الطارئة، فعندما اعتقلته السلطات قبل نحو عامين إلى جانب السيد على محمود حسنين واللواء (م) محمد على حامد رفع السيد مبارك مذكرتين بتاريخ 3/9/2007 و13/9/2007 تعدان من أسوأ المذكرات التي سطرها قلم سياسي سوداني لسلطة اعتقلته في سيناريو لإنقلاب وهمي، ولولا أننا أوردنا نصوصهما من قبل لاعدنا نشرهما حتى يتبين القاريء نمط الشخصية محور حديثنا. مبارك ليس لديه الآن ما يقدمه غير الهجوم على حزب الأمة وإبن عمه السيد الصادق، وهو أمر لا شأن لنا به بالرغم من أنه خرج عن طور الخلاف السياسي المعهود وصب في بحور الفجور في الخصومة، وتلك على أية حال سمات توضح طبيعة شخصية السيد مبارك الذي وصفته الدوائر المعارضة يوم أن كان جزءاً منها بلقب (البلدوزر) في دلالة لا تحتاج لكبير شرح، ولا ندري ما الذي حدا بالسيد الصادق أن يستخدم هذا اللقب مؤخراً، ولكن هذا وذاك يأتيان دلالة على أن الخلاف المتفاقم بين الأثنين لم يقف على أعتاب الخلافات السياسية، فبعض الذي قيل لو أنه أثير في بلد يحترم سياسيوها مواطنيها لاعتزلوا العمل العام. إتجه مبارك نحو مرافيء الحركة الشعبية لقضاء منافع له بعد أن فقد المهاجرين والأنصار ولم يتبق له سوى ميراث الاسم الذي يقتسمه مع آخرين. في التقدير هو يريد الاستقواء بالحركة الشعبية بغية تحقيق المآرب التي ذكرناها، ولكن بات واضحاً لو أن الحركة تريد نجاحاً للقاء جوبا ما عليها سوى الطلب من السيد مبارك الفاضل إبتداءاً أن يترجل عن مقعد رئاسة اللجنة التحضيرية، ولا شك أن تلك مهمة يسيرة طالما أن لا أحد من المدعويين إختاره أو زكاه لهذا المنصب!

 

حتى لا نتهم بأننا نرمى الاقتراحات على عواهناها، أو أننا ننتقد دون أن نقدم اقتراحات ايجابية تصب في اتجاه تفعيل هذا اللقاء الهام والدفع به نحو مراقى النجاح، نقترح خمس نقاط تمثل خطوطاً رئيسية عريضة في تقديرنا، ونأمل ان تساهم في إثراء الحوار:

 

أولاً: من الناحية الإجرائية وبعد الحثيثات التي تقدمنا بها، يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن وجود السيد مبارك على رأس اللجنة التحضيرية يشكل عائقاً حقيقياً ولا يشجع القوى السياسية على المشاركة، التي قلنا إنها ليست على وئام مع السيد مبارك، بمثلما أن السيد مبارك يفتقر لمؤهلات القيادة التحضيرية ذاتها، وعليه فإن بداية نجاح المؤتمر يتمثل في تنحيته من هذا الموقع!

 

ثانياً: عِوضاً عن ذلك نقترح أن تكون اللجنة التحضيرية مكونة من عدة شخصيات وطنية وذلك بالاستفادة من تجربة مؤتمر المائدة المستديرة التي أُسندت لجنته التحضيرية إلى سكرتارية برئاسة البروفسير الراحل محمد عمر بشير والذي اختار بدوره مجموعة مساعدة من تسع شخصيات عامة ومشهود لها بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية، وكان لها دوراً كبيراً في تسيير أعمال المؤتمر وما تمخض عنه من قرارات وتوصيات.

 

ثالثاً: ينبغي أن توجه الدعوة لكل القوي السياسية والتنظيمية بما في ذلك الحركات الدارفورية بلا استثناء، وفي التقدير أن الخطوة التي قام بها حزب الأمة مع حركة العدل والمساواة يمكن أن تكون فاتحة لعلاقات مماثلة بين الحركة والقوى السياسية الأخري، وهي خطوة تمثل حافزاً لدعوة الحركة للمشاركة في الملتقى دون الالتفات لإرهاصات المرجفين الذين يحللون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم!

 

رابعاً: كخطوة تمهيدية واجبة حتى تطمئن كثير من نفوس المشاركين يجب الاقرار بالواقع الراهن متمثلاً في الاتفاقيات بغض النظر عن الموقف من أحد طرفيها، وعلى رأس ذلك تجييء اتفاقية السلام، وكذا الاتفاقيات الأخري في أسمرا وأبوجا والقاهرة، إلى جانب مقررات اسمرا 1995 والتي تعتبر أحد أهم ما أنجزه العقل السياسي السوداني على المستوى النظري، بدليل أن الاتفاقيات اللاحقة بلا استثناء لم تجد بداً من استلهام روح نصوصها، وقد أتضح بما لا يدع مجالاً للاجتهاد أن أزمتنا السياسية ليست في الاتفاقيات وإنما في التنكر للعهود ونقض المواثيق!

 

خامساً: مما لاشك فيه أيضاً أن وجود القوى الوطنية والديمقراطية في كيان جامع، قد يساعد في وضع القضايا في اطارها الصحيح ومن ثم النظر في كيفية حلها، وتبدو الصورة الماثلة أكثر خطورة لأن القضايا التي نحن بصددها مثل قضية الوحدة والانفصال تجاوزت أطر الصراع السياسي على السلطة واصبحت تهدد هوية البلاد ووجودها!

 

وأخيراً الطريق إلى جوبا ليس (مباركاً) كما ذكرنا في صدر هذا المقال، وحتى يكون سالكاً ليت السيد مبارك الفاضل أزاح الحرج عن الداعي والمدعوين وترجل بملْ إرادته، تماماً مثلما يفعل الوطنيون الذين تؤخزهم ضمائرهم في الملمات والشدائد والمواقف الصعبة!

 

عن (الأحداث) 12/7/2009

 

لمزيد من مقالات الكاتب يرجى زيارة مكتبته على موقع الجالية السودانية بواشنطن على الرابط:

 http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%DD%CA%CD%EC%20%C7%E1%D6%E6&sacdoid=fathi.aldaw

وشكراً