عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

استضافني الأسبوع الماضي – مشكورا – الأخ الأستاذ الطاهرحسن التوم في برنامجه " حتى تكتمل الصورة", بجانب ثلاثة من (الدكاترة) الشيوخ : عصام الدين أحمد البشير, ويوسف الكودة, وعلاء الدين الزاكي. وكان موضوع الحلقة هو الفتوى التي أصدرها الشيخ (الدكتور) علاء الدين بخصوص تقرير مصير الجنوب وأنفصاله عن الشمال.
كنت مدركا لطبيعة المأزق الذي سأتعرّض له, خصوصا وأنّ الضيوف الثلاثة خطباء وأئمة مساجد, تعودوا على مخاطبة الناس أكثر من تعودهم على الأستماع اليهم, ولذا كان لزاما علىّ انتزاع فرصة الحديث "بالملاواة", حتى أنّ الأستاذ الطاهر بدا مندهشا لمحاولتي " قلع" الفرصة "زندية".
الهدف الأساسي الذي قصدت اليه من المشاركة هو أيصال رسالتي بطريقة واضحة ومختصرة من خلال الفرص المحدودة التي سيسمح بها وقت البرنامج. لا أدري أن كنت نجحت في ذلك أم لا, ولكن كثيرا من ردود الأفعال التي وصلتني أوضحت أنّ رسالتي رغم محدودية الفرصة قد وصلت.
قلت أنّ الفتوى الدينية في القضايا العامة المرتبطة بأمور السلطان والحكم هي في حقيقتها "رأي سياسي" يتدثر برداء الدين, وأنّ السبب في اللجوء اليها هو خلق نوع من المشروعية لهذا الرأي أو ذاك, لأنّ أكبر مصدر للمشروعية في المنطقة العربية والأسلامية هو الدين. وقلت كذلك أنّ قضية تقرير المصير قضية سياسية يجب أن يقول الشعب فيها رأيه عبر الأوعية السياسية الممثلة في ألأحزاب والمنظمات والتكوينات المدنية وغيرها.
وقلت كذلك أنّ خطورة أصدار فتاوى تخلص الى أنّ تقرير المصير أو الأستفتاء أو الأنفصال "حرام" و "لا يجوز شرعا", وأنه " باطل" وهو بمثابة الخيانة " لله ولرسوله وللمؤمنين" تتمثل في أنّ المتلقي لمثل هذه الفتاوى سيعمل بها, وسيحاول أيقاف ذلك الباطل بالطريقة التي يراها مناسبة وهذا ما سيقود لأمور لا تحمد عقباها خصوصا في أوضاع السودان الحالية التي تشهد استقطابا حادا وتنافرا بائنا بين أهله, ولا يستبعد أن نرى مشاهد العنف والتفجير والقتل التي نشاهدها كل يوم في بلاد عربية واسلامية تحدث في السودان, وهذه دائرة شريرة لا تنتهي الا بتمزيق الوطن وتشتيت قواه, و بعثرة شعبه وموارده.
وسقت العديد من الأمثلة لفتاوى مشابهة أدّت الى أزهاق أرواح وزعزعة أوضاع وأثارة فتن, ومنها أغتيال المفكر المصري الدكتور فرج فودة ( الذي أغتاله سمّاك أمى لا يقرأ ولا يكتب), وأغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات, ومحاولة أغتيال الكاتب الكبير نجيب محفوظ , وغيرها من الحوادث.
دافع (الدكتور) الشيخ علاء الدين عن فتواه قائلا أنّه لا يلزم بها أحدا, وجادلناه في أنّ مجرّد صدور الفتوى بهذا الشكل يعتبر تحريضا مباشرا لأنّ من سيتلقفها ويعمل بها سيكون شخصا بسيطا, وليس عالما فقيها وهنا مكمن الخطر.
قلت أنّ أستدعاء مصطلح مثل " أهل الحل والعقد" هو محاولة لسلب الجماهير حقوقها في التعبير وفي الزام الحكام برأي الشعب, بحيث تنوب عنهم فئة محدودة مرتبطة " بالسلطة" ولا يمكنها الا مسايرتها, وهذا هو درس التاريخ الذي نستخلصه من سيرة الحكام والسلاطين والأمراء المسلمين.
تحّدثت عن الديموقراطية, فجاءني الرد القاطع من (الدكتور) الشيخ علاء الدين بأنها حرام. وهذا بالطبع " ليس رأي الدين ولكنه رأي علاء الدين" كما قال الأستاذ الطاهر التوم في عبارته الذكيّة تعليقا على الفتوى. وقد دافع الشيخ يوسف الكودة دفاعا طيبا – وان لم يكن مكتملا – عن الديموقراطية اذا كانت تعني " أدارة الحكم والتنفيذ" وليس التشريع. وأقول انّ الديموقراطية التي تشمل التشريع لا تخالف الدين كذلك لأنّ نوّاب الشعب يشرّعون ويصدرون قوانين  متعلقة بمستجدات العصر, ومرتبطة بأحوال الناس, ولم ترد في الشريعة.
قلت أنّ الأزمة الحقيقية ليست في الفتوى , ولكن في المنظومة الفكرية التي خرجت منها, وهى منظومة مأزومة مغتربة في الزمان, وأفقها المستقبلي مسدود لأنّ مثالها المنشود قد تحقق في الماضي, وهى ما زالت حبيسة الفقه الذي لا يساوى بين البشر بسبب أختلاف الدين, ولا يسمح لشركاء الوطن بتولي الولاية الكبري لأنها ستكون ولاية "مليّة" للكافر على المسلم.  
أتفّق معي (الدكتور) الشيخ يوسف الكودة في جل ما ذهبت اليه, وكذلك (الدكتور) عصام البشير رغم أختلاف منطلقاتنا, غير أنّ أحساسا خفيا سرى أثناء حديث الشيخ علاء الدين أوحى بأنّ الدكتور عصام كان يتحدث بأسم الحكومة, وهو ما أكّد وجهة نظري التي ذكرتها مسبقا عن أنّ الفتوى في حقيقتها رأى سياسي.
الحديث الذي لم أجد مجالا لقوله هو الأحساس المخيف الذي أنتابني عندما كان الشيوخ الدكاترة يتجادلون حول موضوع الفتوى, فقد شعرت وكأنهم يتحدثون في مجلس منعقد في العقد الثاني من القرن الرابع عشر, وليس القرن الحادي والعشرين.
لم ترد في حديثهم كلمات مثل " المواطنة" و " حقوق الأنسان" " والدستور" و " الأحزاب" "وتداول السلطة". ولم يستشهد واحدا منهم بالمواثيق الدولية, ولا حتى باراء لعلماء مسلمين متأخرين مثل الأمام محمد عبده أو الشيخ شلتوت, بل كانوا يتسابقون في تعضيد أقوالهم باراء الأمام احمد بن حنبل, وابن تيمية, في قضية هم أعلم بتفاصيلها. وهذا يعني أنّهم مقتنعون بأنّ كلامهم لن يجد مشروعية الا اذا رددوا أقوال السلف.
وددت كذلك لو سمح لي زمن البرنامج بطرح سؤال في غاية البساطة والموضوعية, وهو أنّ السودان عرف شخصية مفتي الديار منذ أمد بعيد, وأنّ الشيخ عوض الله صالح المفتي الأشهر ظل يقوم بدوره في هدوء وحكمة وعلم وتقوى دون أن يتدخل في شئون السياسة بهذه الطريقة السافرة التي نشهدها من الدعاة والوعاظ اليوم, فما الذي حدث ؟ كان الوطن والدين في ذلك الزمان في حال أفضل بكثير من زماننا هذا رغم تزايد أعداد من يدعوّن العلم الشرعي, ويتسابقون في زهو لأصدار الفتاوى, فهل هناك علاقة طردية بين التدهورالعام والتحلل من قيم الدين الجوهرية, وبين التزايد المستمر في التمسك الشكلاني بقشور الدين؟
سنظل نعيش في قاع مقلب نفايات الأمم, نستهلك ما ينتجه الأخرين, ونزهو بماض لن يعود الا في الأحلام, ما دمنا نصر على مفارقة العصر بالأنتماء للعصور الوسطى, وما دمنا نتجادل في هل أرض الجنوب ضمّت للسودان "فتحا" أم " صلحا" ؟ , وأنّ الديموقراطية حرام !!, وما دمنا مؤمنين بأنّ حلول المشاكل كلها موجودة في كتب الزمان الماضي, وما علينا الا الحفظ والترديد .
 و ما نرانا الا نقول معادا من قولنا مكرورا.
ولا حول ولا قوة الا بالله