عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نظم معهد الدراسات السودانية والدولية بجامعة الزعيم الأزهري ضمن برامج سنار عاصمة الثقافة الاسلامية بمقر الجامعة بالخرطوم بحري يوم 14 مارس 2017 مؤتمراً بعنوان " التجربة السنارية وبناء الدولة الحديثة في السودان" تضمنت أعمال المؤتمر محورين، المحور الأول :”مفهوم التجربة السنارية ومفهوم بناء الدولة الديثة" قُدمت فيه ورقة واحدة تأسيسية بعنوان "بناء الدولة الحديثة".
والمحور الثاني عن "التجربة السنارية: نظام الحكم وإدارة التنوع والعلاقات الخارجية" شمل باقي أوراق المؤتمرالبالغ عددها 24 ورقة قدمت في أربع جلسات (كل جلستين متزامنتين (2 parallel sessions) ثم الجلسة الختامية. شارك في أعمال المؤتمر باحثين من جامعات كثيرة شملت جامعة الزعيم الأزهري وجامعة الخرطوم وجامعة الرباط الوطني وجامعة بحري وجامعة أم درمان الإسلامية وجامعة الفاشر وجامعة كردفان وجامعة كسلا وجامعة البحر الأحمر وجامعة الامام المهدي والمتحف القومي بالخرطوم.
وكما هو واضح من محور الجلسات فقد خرجت موضوعات الأوراق على النمط التقليدي للبحث التاريخي الذي يتركز في التاريخ السياسي فتناولت الأوراق المقدَّمَة موضوعات متنوعة شملت نظام الحكم والقضاء والجيش والتعليم والأدب والثقافة والتراجم والآثار والتنمية البشرية والتجارة والتوثيق الالكتروني. ونسبة لتزامن أوقات الجلسات فقد حضرت جلستين قُدمت فيها أوراق جيدة. ورغم ضيق الوقت المخصص للمناقشة إلا أن التعقيبات والمداخلات أثرت المادة المقدمة. غير أن الكثير من الحضور لم يتمكن من المشاركة نسبة لضيق الوقت.

تعقيب على بعض الموضوعات
أتيحت لي الفرصة في واحدة من الجلسات بالتعقيب في ثلاث دقائق. وأريد هنا أن أشارك مقدمي الأوراق والقراء الكرام بعض الملاحظات والتعقيبات التي لم يسمح الوقت بعرضها داخل قاعات المؤتمر، ولعل المجال هنا أوسع للمزيد من الشرح والتعليق. أبدأ بما يتردد بصورة عامة - ويكاد يكون مسلماً بها - من أن سنار أول مملكة اسلامية في السودان. والصحيح أن سنار من أوائل الممالك الاسلامية التي لعبت دوراً كبيراً في تشكيل قطاع كبير من المجتمع السوداني في مجالات الدين واللغة والثقافة مما يجعل قيامها إلى جانب قيام الممالك الاسلامية الأخري بداية لتاريخنا الحديث بدلاً من تحقيبنا الحالي الذي يربط بداية تاريخنا الحديث بالاحتلال العثماني (التركي)عام 1820.
وفي واقع الأمر لم تكن سنار أول مملكة اسلامية في السودان، فقد سبقتها مملكتان إسلاميتان في السودان هما مملكة تفلين ومملكة سواكن. جاء ذكر مملكة تفلين عند ابن حوقل الذي توفي عام 961م أي قبل545 سنة من قيام مملكة سنار. تناول ابن حوقل في كتابه صورة الآرض (في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية ص 75) منطقة دُجن وهي دلتا وادي القاش:
"ودُجن هذه قرى متصلة ذوات مياه ومشاجر وزروع وضرعٍ، وإلى وسط هذا الوادي تفلين قرى أيضاً للبادية منهم، ينتجعونها للمراعي حين المطر، ولهم ملك مسلم يتكلم بالعربية من قبل صاحب علوة. ويختص أهل تفلين بالإبل والبقر ولا زرع لهم، فيهم مسلمون كثيرون على غير ناحية على دينهم، يتجرون ويسافرون إلى مكة وغيرها"
وقد اتفق الباحثون أن الدجن أو الدُّكن كما يرد بعض الأحيان هو وادي ودلتا القاش، وقد عُرِفت دلتا القاش ببلاد التاكا. (Crawford, The Fung Kingdom of Sennar p 96.) وابن حوقل جغرافي رحالة مر بسواحل السودان على البحر الأحمر وزار مصر وتجول في المنطقة، ويوضح أنه جمع معلومات مباشرة عن المنطقة مما يضفى جانب الثقة فيما كتبه عن المناطق التي زارها. فابن حوقل وجد مملكة تفلين الاسلامية قائمة، وذات علاقات تجارية بالمسلمين في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي. ويتضح من ذلك وجود المملكة في تاريخ سابق للقرن العاشر الميلادي. ولا ندري متى قامت مملكة تفلين الاسلامية لكن يمكن القول باطمئنان أنها قامت قبل القرن العاشر الميلادي، أي قبل ستة قرون على الأقل من قيام مملكة سنار.
ويلاحظ أن منطقة كسلا حيث ذكر ابن حوقل وجود مملكة تفلين الاسلامية كانت في ذلك الوقت - قبل أكثر من ألف سنة - أكثر رطوبة وتتوفر فيها المياه والحياة الحيوانية والنباتية أكثر بكثير عما هي عليه الآن مما يشير إلى كثافة سكانها المملكة. كما نلاحظ أن مملكة تفلين الاسلامية كانت تابعة لملك علوة المسيحي، مما يشير إلى التسامح والتعايش بين السودانيين في ذلك الوقت.
ولا تتوفر معلومات متصلة عن المملكة بعد القرن العاشر، ولكن وردت معلومات عن مملكة في منطقة كسلا عند النويري (توفى عام 1332م) في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب (في مصطفى محمد مسعد، المكبة السودانية العربية ص 230 - 235) ذكر أن حاكم مصر المملوكي أرسل حملة عام 1316 م تبحث عن بعض الأعراب، وتحركت الحملة من عيذاب إلى سواكن ثم إلى أرض التاكة. وذكر النويري أن الحملة وصلت "إلى أرض التاكا فانتهوا في اليوم الثالث من يوم دخولهم المفازة إلى كسلان [كسلا] ..."
وقد ورد عند ابن عبد الظاهر (تشريف الأيام والعصوربسيرة الملك النصور في مصطفى مسعد، المكتبة السودانية ص 197) أن المماليك كانوا قد أرسلوا قبل نحو 30 سنة من هذه الحملة سفارة عام 1285م إلى ممالك السودان بما فيها مملكة التاكة. ولم يرد في المصادر نتائج تلك السفارة. ويبدو أن ملوك مملكة التاكة لم يكونوا مطمإنين من نوايا المماليك، فحدثت معركة بين الخاسة والحملة المملوكية، ذكر النويري أنه "قتل من حلنقة أربعمائة وستون نفراً، وجرح منهم خلق كثير. ولم يتمكن العسكر من أسرهم ، فإنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من الأسر. وقتل منهم اثنان من ملوكهم على ما حكاه من اجتمع بهم من غلمان العسكر"
ويبدو معقولاً أن تكون مملكة تفلين أو الدجن الاسلامية هي نفسها مملكة الحلنقة في القرنين الثالث عشر والرابع عشرالميلاديين. ولم ترد معلومات عن الحلنقة أو المملكة بعد ذلك. ولكن بدأ ذكر مملكة الدجن يتردد في كتابات الرحالة الأوربيين الذين زاروا اثيوبيا بين القرنين السامس عشر والتاسع عشرمرتبطاً بقبيلة البلو - ويرد اسمهم أحيانا البلوس - التي تحركت من جنوب بلاد البجة شمالاً في القرن الخامس عشر الميلاد. (تناولت هذه الموضوعات بشيء من التفصيل في الجزء الرابع من كتاب السودان: الوعي بالذات وتأصيلالهوية، الكتاب في مرحلة الطباعة)
ذكر بيز Paez في القرن السابع عشَر أن “مملكة الدُّكن تقع بعد إقليم التجري ويسكنها مسلمون سود يعرفون بالبلوس." وظهرت مملكة البالوس على خريطة جون سِنِكس- الخريطة في كتاب بول - التي رسمت عام 1709م في المنطقة الواقعة بين سواكن ومصوع ومتوغلة في الداخل. (Paul, A History of the Beja Tribes of the Susan p 94.)
ونقل كراوفورد عن الفارز في القرن السادس عشَر أن "البلو يمدون الحبشة بالخيول التي تأتي من مملكة الدُّكن التي يسكنها هؤلاء البلو المسلمين وخيلهم أحسن من خيول التقري." وفي القرن السابع عشَروضع الميدا البالوز على خريطته التي تم إعدادها عام 1662 م على النيل الأزرق إلى الغرب من فازوغلي. وعلى خريطة أخرى وضع الميدا الدُّجن في منطقة نهر مارب هو اسم وادي القاش في ارتريا. وكان البلو كما ذكر كراوفورد قد استقروا في النصف الأول من القرن السادس عشَر جنوب مارب، ونقل عن بيتز في القرن السابع عشَر أن البلو لم يكونوا خاضعين للحبشة. وفي القرن التاسع عشَر قال لودلفس (1862 م): "إن ملك سنار يحكم جزءاً من النوبة القديمة المجاورة لمملكة البلو الذين يطلق البرتغال على سكانها البالوس. (Crawford, The Fung Kingdom of Sennar, p 114, 111.)
ينبغي علينا البحث وعن تاريخ مملكة تفلين، أول مملكة اسلامية في السودان وأطولهن عمراً بلغ الألف سنة، والسعي إلى إعادة تركيب مراحل تاريخها الطويل: تفلين ← التاكا ← مملكة الحلنقة ← بلو أو بلوس .
المملكة الاسلامية الثانية هي مملكة الخاسة في سواكن وقد وردت الاشارة إليها أيضاً في المصادر العربية. وذكر الدمشقي (نخبة الهر في عجائب البر والبحر، فس مسعد، المكتبة السودانية ص 137) في القرن الثامن الهجري (14 م) أثناء الحديث عن عيذاب وسواكن: "ويتصل بهم طائفة السودان تسمى خاسة السفلى كفار، وخاسة العليا مسلمون" وورد ذكرهم عن النويري (نهاية الأرب، موقع الوراق ج1 ص66) في القرن الثامن الهجري وعند المقريزي (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، في مسعد، المكتبة السودانة ص 195) في القرن التاسع الهجري(15) عند حديثهما عن سواكن فورد أن: "أهلها طائئفة من البجة يسمون الخاسة، وهم مسلمون ولهم بها مُلك"
وحدد ابن حوقل (صورة الأرض،في مسعدالمكتبة السودانية ص 70) مواطن الخاسة ما بين خور بركة وسواحل البحر الأحمر، وذكر أنهم "بطون كثيرة في السهل والجبل، وجاء تحديد ابن سعيد (5هـ / 11 م، وأغلب الظن أنه قصد منطقة سواكن) لمكان الخاسة كما ذكر ابن حوقل تقريباً. ويمكن أن نخرج من ذلك بأن مواطن قبيلة الخاسة جنوب مدينة سواكن بين وادي بركة وسواحل البحر الأحمر. ويبدو أن الخاسة كانت قبيلة كبيرة وقوية في المنطقة انتظموا تحت إدارة مملكتهم الخاصة. وقد اتفق كل من النويري والمقريزي والدمشقي أن الخاسة كانوا مسلمين، كما اتفق النويري والمقريزي بأن لهم مملكة في سواكن.
وقد وردت بعض المعلومات عن الاسلام في موانئ البحر الأحمر المطلة على بلاد البجة. وتناول السخاوي (الضوء اللامع في علماء القرن التاسع، موقع الوراق. ج 1 ص 223 و231 وج 4 ص 305) كثيراً من أمثلة الفقهاء والعلماء الذين كانوا يأتون إلى سواكن من مصر والحجاز ويمكثون في شبه الجزيرة ويتزوجون، وبعضهم تدركه المنية فيدفن في بلاد البجة، وقد وجدت الكثير من المقابر والمدافن القديمة غلى مناطق الساحل أو مراكز التجارة حيث يتوافد التجار المسلمون.
ومرة أخرى لا بد من البحث والتنقيب عن مملكة الخاسة في منطقة سواكن ثاني مملك اسلامية في السودان. ربما هنالك ممالك اسلامية أخرى سبقت أوعاصرت مملكة سنار تنتظر من الدارسين البحث والتقصي والتوثيق بخاصة في أعالى النيل الأزرق او في غرب السودان. فقد انتشر الاسلام في تشاد والحبشة وقامت الممالك الاسلامية في تلك المناطق المجاورة للسودان قبل ستة قرون من قيام مملكة سنار.
ونواصل التعقيب على ما ورد في المؤتمر