إن الرجاع لتاريخ الأحزاب السياسية السودانية و النبش في أدبها السياسي، نجد إن العقلية السياسية التي قادت النضال ضد الاستعمار، و التي تلتها، كانت في تصوراتها أكثر تقدما في طرح القضايا منها اليوم، لأنهم كانوا طموحين جمعيا، و الأغلبية كانت تشغل عقلها للتمييز بين الأشياء، رغم محدودية التعليم و الثقافة السياسية الوطنية الناشئة، حيث كانت الفكرة هي محركة للوعي، رغم ضعف وسائل الاتصال التي تؤدي لنشر الفكرة، و توسع من دائرة الحوار حولها، و عندما توسعت دائرة التعليم الثانوي و المتوسط في البلاد بعد الاستقلال، و كذلك الجامعي، برزت مجموعات نشطة داخل الثانويات و المعاهد العليا و الجامعات، و هؤلاء هم الذين أثاروا الكثير من القضايا السياسية و الفكرية، و وضعها علي موائد الحوار و المنابر المتعددة. و هذا الوعي بفكرة الدولة الديمقراطية، أدت إلي الانتظام في تأسيس منظمات المجتمع المدني و خاصة النقابات العمالية ثم الفئوية، و هي التي أحدثت إضافة نوعية في عملية النضال اليومي لترسيخ مفهومي الحرية و الديمقراطية. كانت هذه الطفرة التي حدثت في الوعي الجماهيري، لم توزايها طفرة في العقلية السياسية، تجعلها تقدم مبادراتها في شتى المجالات، و حصرت تفكيرها في السلطة، و في كيف الوصول لها، و بدأ العقل السياسي يتراجع أمام المد الثقافي الذي تخلق في تلك الفترة، و بدأ يطرح الأسئلة من داخل حقول الأدب و الفنون، حول قضايا الحرية و الديمقراطية و الهوية. و كان العقل السياسي يعتقد إنه غير معني بهذه الأسئلة مادام هو العقل الذي يقع عليه عملية هندسة المجتمع، فظل العقل السياسي يتراجع باستمرار أمام التحديات الملقاة عليه و علي الوطن، الأمر الذي ساعد علي صعود الطائفة بقوة بعد ثورة أكتوبر، و بدأت تعيد في الشعارات الثورية التي وصلت قمتها في ثورة أكتوبر 1964م. فاستغلت الحركة الإسلامية هذا الفراغ السياسي و استطاعت أن تطرح شعاراتها، و في ذات الوقت تستفز الطائفة و اتباعها الذين لم يجدوا مناص غير تبني هذه الشعارات، و قدمت للساحة السياسية أسئلة جديدة مغايرة للأسئلة الأولي التي غضت القوي السياسية الطرف للإجابة عنها، هذه التغيير كان لابد أن يؤدي لتغيير في طريقة التفكير، حيث ترك العقل السياسي البحث عن الوصول للعوامل التي تشيد صروح المستقبل، و غاص في مغالطات التراث و التوهان في أضابيره، و أصبح الجدل حول مغالطات تاريخية، بدلا أن يكون حول الأفكار التي تصنع المستقبل، و تؤدي للاستقرار الاجتماعي.

هذا التراجع الذي بدأ يحدث في العقل السوداني منذ أواخر ستينات القرن الماضي، ظل مستمرا حتى اليوم، بسبب تعطل العقل السياسي، حيث إن ثقافة الصوفية " الشيخ و الحوار" سادت في الساحة السياسية، ثم إضيفت إليها الثقافة الواردة من المؤسسة العسكرية، و هي ثقافة ليس فيها مساحة للحديث عن الحرية و الديمقراطية، ثم أضيفت إليها ثقافة الباحثين في التراث الإسلامي، و التراث الإسلامي الذي تحول في عهد معاوية بن سفيان إلي ملك عضود، لا يعرف له حرية و ديمقراطية أصبح الضلع الثالث الذي كان داعما لثقافة الشمولية في البلاد، هذا الثالوث ظل يعيق عملية التفكير، و يحاول أن يخلق أسوارا عازلة بين الجماهير و دعاة التفكير الجديد، و قد نجح، لأكنه في ذات الوقت وقوعه في هذا غياهب التراث جعله يكون أسيرا للأزمات و يعجز عن إيجاد حلولا لها.
كان التحدي أمام العقل السياسي، أن لا ينجر إلي الحديث عن التراث، إنما يقدم أطروحاته السياسية حول قضايا المستقبل الذي يبني بتوافق الجميع و ليس بفصيل واحد أو مؤسسة قمعية واحدة، و تفرقت السبل بين القوي السياسية، حيث كل فصيل سياسي يحصر رؤيته في كيفية الوصول إلي السلطة منفردا، أو متحالفا مع قوي أخر لا تشكل إليه منافسة قوية، ظلت الشعارات تملأ الساحة السياسية و غابت الفكرة، و توارى العقل المفكر عن الساحة.
في أوائل التسعينات التي بدأت فيها المعارضة تتجمع في القاهرة، و بدأت مسيرة التجمع الوطني الديمقراطي، كان هذا التجمع تسيره لجنة تسيير، كان رئيسها السيد محمد الحسن عبد الله يسن، و كان يحضر اجتماعات اللجنة ممثلي الأحزاب و الحركة الشعبية و القيادة الشرعية، إضافة لسيد فاروق أبو عيس الذي كان يشغل في ذلك الوقت الأمين العام لاتحاد المحاميين العرب، إضافة للسيد محمد سرالختم الميرغني و الدكتور أحمد السيد حمد عن الحزب الاتحادي الديمقراطي. و كان الخلاف دائم بين القوي السياسية قبل أن تكتمل هيكلية التجمع. في ذلك الوقت كنت قريبا من السيد محمد الحسن عبد الله يسن و السيد محمد سرالختم الميرغني، و في ذلت يوم كنت جالسا مع يسن في مكتبه، سألته إذا كانت هناك فكرة تحكم هذا التحالف غير قضية أسقاط النظام؟ رد علي السؤال بسؤال، و قال أليس إسقاط النظام فكرة؟ قلت لا ، إسقاط النظام عند الحركة الشعبية يختلف عن تصور حزب الأمة و الاتحادي الديمقراطي. قال كيف؟ قلت إن الحزبين التقليديين فكرتهم إرجاع سلطة نزعت منهم باليل. و الحركة الشعبية تريد إعادة بناء الدولة علي أسس جديدة تتوافق مع أطروحاتهم السياسية، و يؤيدهم الحزب الشيوعي في ذلك لكن ليس علي كل برنامج الحركة، طلب يسن مني أن أحضر إليه في البيت مساء لكي نتحاور عن ذلك بإستفاضة.
كان السيد يسن يريد أن يخرج كل الهواء الساخن الذي يحتفظ به داخل صدره، فقال بدون مقدمات، إن التجمع رغم إنه يضم الأحزاب المؤثرة في الساحة، لكن الخلاف بين القوي السياسية لن يسمح لهذه القوي أن تصل لبرنامج سياسي تتفق عليه، و تستطيع من خلاله أن تحدد آليات تنفيذه، فقال إن الأحزاب التقليدية لا تستطيع أن تنجح في عملية تبني العمل المسلح، هذا برنامج الحركة الشعبية و مطالب من الأحزاب أن يكون دورها وسط الحركة الجماهيرية لتعبئتها لكي تناصر البرنامج السياسي الذي تصل إليه المعارضة، لكن محاولة تبني آلية الحركة سوف تضعف القوي السياسية و في النهاية لا تجد غير أن توافق علي كل ما تطرحه الحركة الشعبية. لكن الأحزاب السياسية إذا رجعت إلي آلياتها السياسية، سوف تخلق المعادلة و توازن القوي مع الحركة، و بالتالي لا يكون هناك سببا في أن تقدم تنازلات لها، الأمر الذي يساعد علي برنامج متوازن سياسيا و مقبولا. و بالفعل إن الذي حصل إن التجمع خسر معركته و كسبت الحركة المعركة بتصورها الذي بدأ عام 1993، عندما تبنت الحركة مسألة تقرير المصير، و جرت القوي السياسية لكي تؤيد الحركة في طرح مبدأ تقرير المصير، و بدأت بعد ذلك تتوالى التنازلات دون حرج، و لا تعجز أن تقدم تبريرات، و هي تعلم إنها تبريرات لا تستند علي حقائق و معقوليات، كانت لا تريد أن تغضب قيادة الحركة، و تخرج الحركة من التحالف و تفضحهم أمام جماهيرهم.
في اليوم التالي للقاء للسيد يسن، ذهبت للسيد محمد سر الختم الميرغني، أحمل ذات الأسئلة، و طرحت عليه ما قاله السيد يسن. قال السيد الميرغني إن يسن متخوف من الحركة الشعبية و متوجس منها، و هذا الخوف باعتبار إن عملية حمل السلاح لا تستطيع القيادة الاتحادية تنفيذها بالصورة المطلوبة، كما إنها فشلت في تعبئة الشارع ضد نظام الحركة الإسلامية. كان السيد محمد سر الختم الميرغني يعتقد إن الحركة الشعبية تحمل برنامجا سياسيا جديدا، هو البرنامج المطلوب بعد أخفاقات القوي السياسية في حماية النظم اليمقراطية، و لابد أن تكون هناك قوي تعيد مسألة توازن القوي في المجتمع و خاصة مع الحركة الإسلامية التي بدأت في تجيش المجتمع. لكن السيد محمد سر الختم الميرغني بدأت رؤيته تتغير عندما بدأت الحركة تطرح مسألة تقرير المصير، و بدأت الحركة تفرض أجندتها علي القوي السياسية، و خاصة إن الحركة كانت في اجتماعات أبوجا تطرح رؤية الحركة، دون التعرض للبرنامج الذي اتفقت عليه مع القوي السياسية، و لا برنامج القضايا المصيرية. هذا التحول، الذي حدث في عقلية السيد الميرغني، لم يقف عند ذلك بل بدأ نقده يتناول إدارة المؤسسة الحزبية، في إعتقاد إن الحزب أصبح مقطورة للحركة الشعبية، لادور مرجو منه.
طرحت ذلك كمثال إن العقلية السياسي كانت تتراجع في تصوراتها، و كانت فاقدة الرؤية، و هي تعلم إنها تمارس السياسة دون أن تكون هناك رؤية، و برنامجا سياسيأ واضحا للحزب، تحاول من خلاله أن تجمع و تعبئ جماهيرها حولها، و تتحالف مع القوي السياسية علي ضوئه. لكن القوي السياسية ذهبت للتجمع الوطني الديمقراطي و هي لا تحمل أي رؤية، فكان لابد أن تقع أسيرة لرؤية الحركة الشعبية و تبني شعاراتها، أو تحصر تفكيرها في القضايا التي تطرحها الحركة الشعبية، لذلك استطاعت الحركة ان تسوق كل القوي السياسية لتأييد أطروحاتها أولها مسألة تقرير المصير، ثم تركتها عند " محادثات نيفاشا" و تنتظر بقية القوي السياسية ما تقدمه لها الحركة الشعبية من خلال الاتفاقية و كانت 14%.
ظلت القوي السياسية في حالة انقسام متواصل، حيث تقوم تحالفات و تنفض أخرى دون أن تكون هناك رؤية واضحة. تحالف ينادي بإسقاط النظام و ليس لها برنامج يدل علي إنها بالفعل ساعية لذلك، إنما تحولت آلياتها فقط إلي بيانات تصدر تعليقا علي الأحداث التي لم تكن هي مصدرها، و تحالف آخر عينه علي الخارج أن يقوم بالضغط علي النظام لكي يقدم تنازلات، و هؤلاء أيضا عجزوا في العمل وسط الجماهير للتعبئة، و هذا العجز للقوي السياسية المعارضة يعود لغياب العقل المفكر. هذا العجز ليس قاصرا علي المعارضة، إنما هو أيضا عجز السلطة، و التي فشلت تماما في حل أزماتها، خاصة إن الحوار الذي صنعته بنفسها، و اعتقدت إنه سوف يكون حلا للأزمات و التحديات التي تواجهها، بدلا من حمايته و محاولة تنفيذه، بدأت تناور عليه، و تنفيذه بالصورة التي تخدم مصالح بعض قياداتها، لكي تعمق أزمتها أكثر. و تؤكد إن الإشكالية ليست في جهة واحدة، إنما هي أزمة العقل السياسي السوداني، فالعقل السياسي السوداني لا يستطيع أن يقدم مبادرات للحل إذا لم يتجاوز الثقافة المفروض الآن من قبل السلطة، و التي تتعامل مع الآخرين علي ضوئها، و هي قضية تحتاج لعقول تشتغل بالفكر أكثر من عقليات تنفيذية. و نسأل الله حسن البصيرة.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.