إن الأحزاب السياسية السودانية، و التي جاءت من خلال حاجة اجتماعية أملتها ظروف النضال الوطني، إن كان ذلك في فترة مواجهة المستعمر، أو تأسست بعد ذلك في فترة ما بعد الاستقلال لحاجات اجتماعية سياسية، و كان من المفترض علي النخبة المثقفة الواعية في الأحزاب السياسية و في المجتمع، أن تسير علي منوال الثقافة التي كان يؤسس لها مؤتمر الخريجين، أن تصبح الديمقراطية هي الطريق لحل المشكلات، و هو تحدي يقع علي عاتق القوي الجديدة التي تبني رؤيتها علي المعرفة، و تصبح الأحزاب هي معامل حقيقية لانتاج الثقافة الديمقراطية، و أيضا تدريب النشء علي قيمها، لكن تراجعت الديمقراطية بسبب اندياح الأفكار الإيديولوجية التي بدأت تفرض ذاتها علي الساحة السياسية، خاصة بعد دخول المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، و فرض ثقافتها علي المسرح السياسي، و هي ثقافة أوامر لا ترغب في الحوار و جدل الآراء، هذا التحول قد أدى لتعرض الأحزاب لانقسامات و انشقاقات، و أغلبيتها كانت إما لصراع سياسي بهدف السيطرة علي الحزب من قبل مجموعة بعينها أو طائفة، أو بسبب انعدام مساحات الحرية، و ضيق مواعين الممارسة الديمقراطية فيها، و الجانب الأخطر تأثير الاعتماد علي الكارزما و تراجع دور المؤسسة.

في اللقاء الذي تعقده جريدة التيار " كباية شاي" استضافت المهندس صديق يوسف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، الذي تحدث في عدة موضوعات و هنا أقف عند قضية الانقسامات داخل الحزب الشيوعي و هي أنقسامات عديدة، و يقول صديق يوسف عن هذه الانقسامات و أسبابها "نعم هناك انقسامات وهي تنتج عن الاختلاف في وجهات النظر خاصة في الأحزاب الديمقراطية، فالقانون يقول أن الأقلية يجب أن تنصاع لقرارات الأغلبية على الرغم من عدم قناعتها لكن إذا خرجت عن هذا الطور فقد وضعت نفسك خارج هذا التنظيم، وجميع الإنقسامات كانت مرتبط بهذه النقطة" جميل أن يشير يوسف إن المقولة تخص الأحزاب الديمقراطية، باعتبار إن الانقسامات التي حدثت داخل الحزب الشيوعي أغلبها كان سببه ضيق المواعين الديمقراطية، منذ إبعاد عبد الوهاب زين العابدين عام 1951، ثم من بعد رفيقه عوض عبد الرازق، و هي بسبب آراء تتعارض فكريا مع الآخرين الذين تضيق عندهم المساحة الديمقراطية.
توالت الانقسامات داخل الحزب الشيوعي لسببين: الأول طغيان الكارزما علي المؤسسة، فكان السكرتير العام للحزب عبد الخالق محجوب فوق المؤسسة، و ليس غريب أن يلغي عبد الخالق قرارات و توصيات المؤتمر الاستثنائي للحزب الشيوعي الذي كان قد عقد عام 1971 في الجريف، بل أن يسحبه تماما من إرشيف الحزب. و السبب الثاني الديمقراطية المركزية التي تجعل المكتب السياسي مسيطر سيطرة كاملة علي مجريات الأموار، و الأجراءات داخل الحزب، و حتى اختيار القيادات التي تحضر المؤتمر العام للحزب، فالصراع الفكري داخل الحزب الشيوعي تقف ضده القيادة الاستالينية خوفا من أنتشار الوعي و التمرد علي قراراتها غير الصائبة، فالحزب تراجع دوره الجماهيري و خفت صوته و تأثيره وسط الجماهير بسبب انعدم الممارسة الديمقراطية و تقليص مساحة الحرية.
تعتبر قضية عبد الوهاب زين العابدين و من بعده عوض عبد الرازق، من أوائل القضايا التي شكلت تحدي لقضية الديمقراطية داخل الحزب الشيوعي، و هي قضية قد طرح فيها رآي كان يمكن أن يواجه برآي أخر، لكن الحصل عكس ذلك تماما. يقول المهندس صديق يوسف " كان عبدالرازق برفقته رجال وطنيين كذلك عوض عبدالرازق، ابو المعالي عثمان و بابكر أحمد موسى، وهي شخصيات قامت بانقسامات، لكن حسن الطاهر لم يترك الحزب إلى أن توفي وكان عضوا في اللجنة المركزية، عطفا على ذلك نجد أن من خرجوا في هذه الفترة هم من القيادة في مدينة أمدرمان التي خرج منها عدد كبير من العضوية، وكان الانقسام متمركز فيها ولم ينتشر في مناطق اخري، السبب الأساسي في ذلك كان أن الشعارات التي يطرحها عوض عبدالرازق بأننا حزب شيوعي نعتمد علي الطبقة العاملة، وان السودان لا توجد به طبقة عاملة لان جميع العمال هم عمال صيانة لعدم وجود صناعات لذلك اعتبر أن تكوين حزب شيوعي في هذه الفترة غير مناسب لذلك يجب أن نعمل وسط الأحزاب الديمقراطية الأخرى، بالذات الأحزاب الاتحادية مع العلم ان الاغلبية كانت تفتكر أن أسباب مثل هذه لا يجب النظر اليها بالقدر الذي ننظر لما يطرحه الحزب من رأيه لحل مشكلة السودان من الوصول للاستقلال والديمقراطية" صحيح كان الخلاف كان قد أخذ جدلا فكريا، و إذا استمر الجدل الفكري داخل المؤسسة الحزبية من خلال الوسائل الديمقراطية كان ذلك قد غير كثيرا في الثقافة السياسية في السودان، و كان الحزب الشيوعي يعتبر حجر الزاوية في البناء الديمقراطي في السودان، لكن الذي حصل، اتهم عوض عبد الرازق بالانتهازية البرجوازية و غيرها من الصفات التي يطلقها الزملاء دائما عندما يريدون حرق الشخصية، و هي الأساليب التي كان يستخدمها دائما عبد الخالق محجوب ضد خصومه " حرق الشخصية" و تم إبعاد عوض عبد الرازق، ليس فقط من سكرتارية الحزب، بل من عضوية الحزب، و عوض لم يخرج من الحزب بسبب الخلاف في الرآى، أنما هي إرادة عبد الخالق محجوب الذي أرسي قواعد المنهج الاستاليني في الحزب الشيوعي و اتبعه حواريه في الحزب.
الغريب في قضية عوض عبد الرازق و هي نفسها قضية عبد الوهاب زين العابدين، إن رؤيتيهما كانت إن الوقت غير مناسب لإعلان "حزب شيوعي" و يجب الاستفادة من تيار الاتحاديين الذي كان قد سيطر سيطرة كاملة علي الطبقة الوسطى في البلاد، و توسع وسط الجماهير، و في هذه الحالة كان يجب علي اليسار أن يلعب الدور الفكري و الثقافي داخل الاتحاديين، لكي يؤسسوا قواعد البناء الديمقراطي، و بذلك تضمن كتلة اليسار إنها قادرة علي تحقيق أهدافها، هذا الحديث عارضه عبد الخالق محجوب و أيدته مجموعة القاهرة علي رأسهم التجاني الطيب و الجنيد علي عمر و عبد الرحمن الوسيلة و عبده دهب. و طرد عوض عبد الرازق و خرجت معه مجموعة ذهبت للاتحاديين منهم خضر حمد و محمد امين حسين و حسين عثمان وني و تحول منذ تلك الفترة عبد الخالق محجوب إلي عدو ل "الحزب الوطني الاتحادي" و شن هجوما عنيفا علي الوطني الاتحادي في كل المنابر التي كان يقف فيها مخاطبا،. يقول محمد أبو القاسم حاج حمد في كتابه " السودان المآزق التاريخي و آفاق المستقبل" منذ عام 1951م و من بعد تصفية الكوادر القيادية الأولي للحزب التي ألفت التعاون مع حركة الوسط الاتحادي، انعطفت الحركة الشيوعية بكامل طاقتها النقابية نحو اليمين الطائفي و الانعزالي منه علي وجه الخصوص و ذلك تحت شعارات كان مقصدها حرق الوسط و ضربه في وقت لم يكن فيه الاحتلال قد لملم علمه بعد" وكان الحزب الشيوعي الداعم لطائفة الختمية التي أيدت خروج "ميرغني حمزه و خلف الله خالد و أحمد جلي" من الوطني الاتحادي، ثم فترة بعد الاستقلال عملت ذات الأيادي لانقسام داخل الوطني الاتحادي بقيادة الشيخ علي عبد الرحمن الضرير و أحمد السيد حمد، الانقسام الذي أدي لتأسيس حزب الشعب الديمقراطي بمعاونة الحزب الشيوعي داخل السودان و جمال عبد الناصر خارج السودان، و جاء بعد انقسام هؤلاء مباشرة لقاء السيدين الذي أطاح بحكومة الأزهري، اللقاء الذي كان قد أيده الحزب الشيوعي نكاية في الوطني الاتحادي. الغريب في الأمر أن الحزب الشيوعي طوال مسيرته التاريخية كان يتحالف مع الطائفية " الأمة – الشعب الديمقراطي" و لم يتقارب مطلقا مع الوطني الاتحادي حزب الطبقة الوسطى، هؤلاء الذين افسدوا مسيرة الديمقراطية في السودان، و وطدوا وجودهم داخل القوات المسلحة.
اختصر المنهدس صديق يوسف قضية الخاتم عدلان و الشفيع خضر و هي القضية التي جعلت الحزب الشيوعي يصدر نشرة دورية " قضايا سودانية لمناقشة القضايا التي كان قد طرحها الخاتم عدلان في ورقته للحزب، يقول يوسف عن قضية الخاتم "اما انقسام الخاتم عدلان فلم يكن لديه اسباب جوهرية، مع أنه، الآن أقول انه كان بطابع مختلف لأن الخاتم عدلان كتب ورقة وعرضها لعضوية الحزب وضح فيها ما اسماها مرتكزات، انا بصورة شخصية لا افتكر بها شيء جوهري .. على العموم الآن كون حزب موجود حركة(حق) وهي تشارك في العمل السياسي الوطني" أختلف مع يوسف في ذلك، و أنني سمعت قضية الخاتم منه شخصيا في جلسات مطولة في القاهرة، ثم عقدت له ندوة في " المركز السوداني للثقافة و الإعلام بالقاهرة" الذي كنت مديرا له، حيث أرسل الحزب الشيوعي الدكتور الشفيع خضر لمحاورة الخاتم عدلان و حضرها جمع غفير جدا من الشيوعيين و غيرهم. قبل جلسة الحوار بيوم واحد أجرت جريدة الخرطوم حوارا مع التجاني الطيب قال فيه " إذا 85% من عضوية الحزب اختاروا تغيير أسم الحزب و مرجعيته الفكرية التي تتمثل في الفلسفة الماركسية و 15% أختاروا البقاء علي أسم الحزب و مرجعيته لهم الحق الذهاب بالحزب" قال الخاتم في تلك المحاضرة أنني علي يقين أن القيادة التاريخية لن تسمح أن يصل الحوار نهاياته، و هي قيادة بحكم الديمقراطية المركزية متحكمة في مفاصل الحزب تحكم كامل، و هي قيادة لا تدافع عن طبقة، أو مصلحة وطنية، و كل الشعارات التي تنادي بها غير موجودة بصورة مفصلة في ذهنيتها، أنما هي تدافع عن مواقعها و مصالحها الخاصة، و الوقت و التحديات لا تسمح أن ننتظر ما تقرره هذه القيادة التاريخية، و نحن أعلم ببواطن الأمور داخل الحزب، و كيف تدار المعارك الفكرية داخله، أي مجموعة أو فرد يدير معركة فكرية تتجاوز الفكري التقليدي للماركسية الأرثوذكسية داخل الحزب الشيوعي سوف يجعلونه يغادر الحزب، لأنهم لا يملكون القدرة علي محاججتها.
كان الدكتور الشفيع خضر في المحاضرة يهدي من أنفعال الخاتم عدلان، و يقول أن المعارك الفكرية تحتاج إلي صبر، و تغيير في التكتيك، المهم كيف تخلق وعيا جديدا داخل المؤسسة، و إن الخروج لا يحل مشكلة، بل يجب البقاء داخل المؤسسة و مناطحة طواحين الهواء حتى تجد الفرصة لكي تغير اتجاهها دورانها هو المفيد، و أن الواقع السياسي في السودان و التحولات التي تجري في العالم تفرض علينا قراءة الفكر بمنهج نقدي جديد، و رؤي تتجاوز مسلمات الماضي. و لكن الدكتور الشفيع لم يكن يعلم القدر، إنه سوف يأتي و يتضرر من ذات المؤسسية التي بنيت علي أسس غير ديمقراطية جعلت الكتلة التاريخية تتحكم في الحزب من خلال المركزية الديمقراطية.
يقول يوسف في قضية الدكتور الشفيع خضر "الشفيع اختلف مع الحزب سياسياً” حقيقة الشفيع قاد توجها فكريا داخل الحزب، و فضل البقاء بذات الرؤية. و الديمقراطية تفرض علي الحزب أن لا يقمع الأقلية، بل يتيح لها مساحة الحرية لكي تواصل الحوار حول رؤيتها، لكن القيادة التاريخية الاستالينية التي هي علي دراية كاملة بقدراتها الفكرية، فضلت عدم استمرار هذا الحوار، الذي سوف يهزم رؤيتها، و فضلت اللجوء إلي أسهل الطرق أن تفصل الشفيع و الذين يؤيدون رؤيته الفكرية، و تثبت القيادة التاريخية الاستالينية إن ليس لها علاقة بالديمقراطية، و لا هي راغبة في انتاج الثقافة البرجوازية صانعة الآمبريالية، فقضية الانقسامات داخل الحزب الشيوعي، أغلبها كان بسبب ضيق المواعين الديمقراطية، و تحجر العقل الاستاليني في المؤسسة. و نسأل الله حسن البصيرة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.