سيظل نظام الإنقاذ في السودان يشكل تحديا مستمرا لحركة الإسلام السياسي في البلاد للعقود الثلاث القادمة، و الفشل الذي أصاب المشروع الإسلامي ليس بسبب تحديات خارجية هزمت المشروع و لكن لاختلالات إدارية و قصور فكري تسبب فيه الركون للكارزمة الذي أغلقت منافذ الاجتهاد علي مستوي العضوية، الذي خلق حالة من الكسل الذهني داخل المؤسسة، فالحوار الفكري بين تعدد الرؤي هو الذي يسهم في توسيع دائرة الوعي و تطور و رقي المنظومة من الناحيتين الفكرية و التنظيمية، و إهمال المنظومة الفكرية أدي في جانب أخر بالاهتمام بالمنظومة التنظيمية التي هيأت سيطرة العقليات الأمنية داخل التنظيم، و ظهرت هذه التربية السياسية القاصرة بعد قبض الحركة الإسلامية علي مفاصل الدولة بعد العملية الانقلابية التي قامت بها في 30 يونيو 1989م، و مهما حاولت القيادات التاريخية للحركة أن تجد التبريرات للفشل، و لكن تجد نفسها مواجهة بأسئلة عديدة لا تستطيع الإجابة عليها. و خاصة أن العناصر التي ماتزال مقيدة بالعضوية الحزبية محكومة أن تتبنى منهج التبرير حتى لا يلقى اللوم علي هذه القيادات، التي جاءت صاعدة للقمة من خلال عملها في الشأن التنظيمي، بينما غابت العناصر التي لها الاهتمام بالشأن الفكري، فكان أهم سببا للعجز في التغلب علي الآزمات و التحديات، و الفشل في تحيق الأهداف و تزايد التحديات يؤدي للنحراف نحو الفساد لأنه يؤكد الاستعداد للهروب و سيطرة الروح الإنهزامية.

في واحدة من رؤى الدكتور عبد الوهاب الأفندي حول تأسيس الحركة الإسلامية يقول "أعتقد أن المشروع الإسلامي تبلور كرد فعل على موجة العلمنة، ومن أجل معالجة آثارها. لقد حصلت علمنة واقعية وفعلية في المجتمعات الإسلامية خلال الحقبة الاستعمارية، وكان السؤال الذي طرحته الحركات الإسلامية، منذ جمال الدين الأفغاني، يتعلق بكيفية إعادة الدين إلى مركز الحياة العامة، وإحياء الدين نفسه، وكذا تجديد الفكر الإسلامي" مقولة الدكتور الأفندي تبين السبب الذي أدي لتأسيس الحركة، و لكنه لم يخوض في الإجابة عليها، و لم يبين الاستعدادات الفكرية للنخبة الإسلامية الجديدة سياسيا في الإجابة علي تلك الأسئلة، فالناتج المعرفي الضئيل منذ التأسيس، إلي جانب التغلبات العديدة التي واجهت الحركة توضح إن الحركة أنحرفت إلي الشعارات لأنها كانت تواجه ضعفا في العناصر التي تشتغل بالفكر، و استمر معها هذا الضعف حتى اليوم. و دلالة علي ذلك إن الحركة لم تستطيع أن تجاوب فكريا علي الأسئلة التي طرحتها قيادة مشروع النهضة الإسلامي الأفغاني و أخوته. و هي الإسئلة التي شغلت فكر العديد من النخب الفكرية في العالم الإسلامي علي مختلف مذاهبهم. حيث نجد في مجلة المنطلق " مذهب شيعي " يقول صادق فضل الله في بحث له بعنوان " ملامح في سيرة التغيير عند الأفغاني يقول " لقد حمل الأفغاني عصارة فلسفة الفعل هذه عندما أعتبر أن الملاحظة تحدث فكرا، ثم يعود الفكر الي التأثير في العمل و الواقع، ثم تستمر علاقات التأثير المتبادل، دائما، و بأستمرار لتحدث التغيير الدائم المستمر في كل الأشياء" و يقول في فقرة أخرى " أعتبر الأفغاني في حواره مع " رينان" أن العرب خرجوا بالاسلام من حالة الهمجية التي كانوا عليها في طريق التقدم الذهني و العلمي بسرعة و لا تعادلها إلا سرعة الفتوحات السياسية، و قد تمكن المسلمون خلال قرون من التكيف بالعلوم اليونانية و الفارسية فتقدمت العلوم تقدما مدهشا، بعد أن رقوها و خلو عليها بهجة لم تكن لها من قبل" هنا يبين إن الأفغاني يؤكد إن التغيير لا يتم إلا من خلال بناء فكري مؤثر علي مستوي الثقافة و العلم، و التربية، و هي الأسسس التي أقام عليها الصحابة دولتهم و استطاعوا أن يشيدوا صرح الحضارة الإسلامية. فالحركة الإسلامية السودانية رغم إنها استطاعت استقطاب أعداد كبيرة وسط الطبقة الوسطى و القوي الحديث في المجتمع، و لكنها فشلت في أن توجه هذا الكم الكبير من القوي الحديث تجاه الفكر و الحوارات الفكرية الهادفة، لكي تستطيع الإجابة علي أسئلة النهضة التي طرحت في القرن التاسع عشر، فكان أهتمامها بالسلطان دون الفكر.
كشفت تجربة السلطة " الإنقاذ" ضعف الحصيلة الفكرية التي جعلتها عاجزة في إدارة الدولة علي القيم الأخلاقية التي كانت تبشر بها في شعاراتها، كما إن الخضوع للكارزمة جعل أهمال كامل للعمل المؤسسي، و يدل علي ذلك حتى بعد المفاصلة التي حدثت عام 1999م و عزل الكارزمة كان البحث عن كارزمة بديلة. لآن العضوية قد تكيفت مع نظام الكارزمة الذي يعفيها من البحث عن النظام الأفضل أو يدخلها في صراعات هي لا ترغب فيها. يقول الدكتور محمد الجزولي في لقاء صحفي مع جريدة " الأخبار" بالتأكيد إن شباب السودان لا يمتلك الاعتزاز والقخر بإنتمائه لأمة هذا وضعها، والسبب الثاني التجربة الفاسدة التي قدمتها الحركة الإسلامية إذ أقامت نظام علي قاعدتين استبداد سياسي وفساد مالي، والاستبداد والفساد من أصحاب اللحى والعمائم خلق بيئة طاردة من الدين، والثالث ضعف البنية الثقافية للشباب" و الجزولي يبني تقيمه من خلال تجربة الحكم، و التجربة تفرض تحدي كبير علي الحركة الإسلامية في كيفية أن تغير الصورة التي طبعت في عقول قطاع واسع من الشعب. و هذا التحدي الحقيقي الذي يواجه إي مسعى إصلاحي، فالمسألة ليست أفتراضية إنما هي حقيقة معاشة و ما يزال يعيشها الشعب.
الملاحظ من خلال القراءات المختلفة التي تتناول القضية، نجد إن خطاب التغيير و الإصلاح و المراجعات خطاب قادم من عناصر إسلامية خارج الآطر التنظيمية، و ليس خطاب حاضر داخل الأحزاب المتشظية من الحركة الإسلامية، و حتى الأجيال الجديدة التي اتجهت ناحية الفكر و المراجعات أسست مؤسستها خارج الآطر التنظيمية الحزبية، لآن مساحة الحرية المتوفرة داخل الأحزاب لا تتسع للجدل الفكري، إلي جانب سيطرة العقليات التاريخية التي لا ترى فائدة من مناهج المثقفين، هؤلاء يشكلون المساحة المظلمة داخل الأحزاب و لكنها المساحة التي تفرض شروطها، هؤلاء الدغمائين لا ينكرون أن هناك أزمة و لكن يعتقدون الأزمة يفرضها التحدي الخارجي، و ليس سببها عقليات فقدت قدرتها للتعاطي مع تحديات الجديدة. و إشكالية الحركة الإسلامية السودانية من خلال حكمها للبلاد ثلاثة عقود غدت ضرب مثل. يقول المحبوب عبد السلام في ندوة بعنوان الإسلاميون و التغيير في 21-25 ديسمبر 2016م "إن الحركات الإسلامية في العالم باتت تشتكي من تجربة الحركة الإسلامية بالسودان، لجهة أن الآخرين باتوا ينسبونها إلى الحركة الاسلامية السودانية ويحاسبونها على أخطائها" و أضاف قائلا "لذلك مطلوب من السودانين القيام بعملية إصلاح عاجلة لهذا المأزق الذي ورطهم فيه الحركات الاسلامية في العالم كله". موضحاً أن الاصلاح العاجل يحتاج أن يبدأ بالنقد الجذري واتخاذ هوية جديدة وخط سياسي جديد في التاريخ" و أيضا أضاف "تجربتنا ارتكبنا فيها أخطأ عظيمة وهي أكبر هدية يمكن أن نهديها للعالم بالمراجعة، لكنا لن نستطيع أن نقوم بهذا الفعل إلا اذا تحلينا بقدر كبير من التجرد". مبيناً أن الاسلاميين اذا ارادوا انشاء حزب حديث عليهم أن يتفقوا على رؤية وبرنامج إضافة إلى أجهزة منتخبة ومحاسبة للحزب" إن تحليل المحبوب إيجابي و منطقي، و لكن أي محاولة للجدل في الإصلاح لن تفيد إلا من خلال نقد التجربة نقدا علميا، و أي محاولة للوحدة تصبح مشروعا لتأسيس حزب جديد، يتجاوز الإرث القديم. فمؤتمر الحركة الإسلامية و ما نشر لملخص أوراق في الصحف يغلب عليها الحنين " Nostalgia" لذلك تفارق شروط المنهج النقدي العلمي، و من غرائب الأشياء إن عضوية الحركة كانت هي التي تصرف علي أنشطتها مما يجعلها أكثر استغلالية و لكن اعتمادها علي ثدي الدولة الأن يجعلها فاقدة شروط الاستقلالية، و التي تمكنها أن تقدم انتقاداتها بقوة لمعالجة الاختلالات التي واجهتا و أهمها الإجابة علي سؤال؛ لماذا تفشى الفساد في نظامها السياسي " الإنقاذ" رغم الشعارات الطهرانية التي ترفعها؟ هناك أسئلة عديدة تعجز عن الإجابة عليها.
و معلوم إن نقد التجربة و المراجعات لا تتم إلا بعقليات جديدة مجردة لا تميل للعاطفة القديمة و هدفها فقط الدفاع عن التنظيم في " الخطأ و الصواب" و لابد من إدراك المتغيرات الكثيرة إن كانت في السودان أو في العالم، و هذا ما يشير إليه الدكتور غازي صلاح الدين العتباني في ذات الندوة التي كان قد تحدث فيها المحبوب عبد السلام حيث يقول " من الضرورة أن تكون هناك مراجعات للأفكار والمؤسسات، مشيراً إلى ابحاث غربية متقدمة على الإسلاميين في هذا الشأن. و يضيف "الإصرار على العودة بصورة سالبة للأفكار القديمة لتقول إنك تريد أن تبعث الحركة الإسلامية بتلك الأفكار القديمة ليس مجدياً"، مشيراً إلى أن الشورى والمؤسسية في الحركة الاسلامية لم تطبق عملياً بطريقة تعصم الحركة من الوقوع في لخطأ.و ذكر أن قضية المعارف والعلوم باتت تدخل في وعي البشرية عكس السابق لجهة أنها محدد أساسي لقوة المجتمعات ومقدرة الإنسانية على حل مشكلاتها.وقال إن الحضارة الغربية هي التي تقدم الحلول للمشكلات الانسانية في الوقت الحالي بينما تراجع الاسلاميين عن هذا الدور" و في ذات السياق و فشل التجربة الإسلامية في السودان، يرى الدكتور خالد التجاني النور رئيس تحرير جريدة إيلاف في " الإسلاميون السودانيون و سقوط الأيديولوجيا" و يقول " أن تجربة الوصول الى السلطة كانت دون وجود برنامج فكري متكامل وواضح لإدارة الدولة على مستوى الاقتصاد والسياسة، الأمر الذي حول فكرة المشروع الحضاري لمجرد شعارات ذابت مع صراعات المصالح واغراءات السلطة حتى تحول النظام إلى مجموعة صغيرة حول الرئيس الذي مهد الطريق لنفسه عقب صراعات طويلة للاستمرار في السلطة".
أن تجربة الحركة الإسلامية في السلطة بالفعل تحتاج إلي تقييم موضوعي و علمي، ليس فقط من المهتمين بشأن الحركة في المجال الأكاديمي، و أيضا من عضوية الحركة التي لها أهتمام بشأن الفكري، قالحركة ليست مجموعة استولت علي السلطة بالسلاح و ظلت تحافظ عليها بقوة السلاح فقط، إن ما الحركة قوي اجتماعية لها قوتها السياسية المنتشرة وسط القوي الحديثة التي نالت قسطا من التعليم، و أثبتت تجربة الحكم إن هؤلاء لم يكونوا مؤهلين كفاية لحكم بلد لوحدهم، كما إن قضية الحرية و الديمقراطية تمثل كعب أخيل في الحركة. و أن تجند عضويتها علي الأسئلة التي من المفترض أن تجاوب عليها منذ التأسيس. نسأل الله حسن البصيرة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.