يشكل غياب الرؤى و استمرار حالة الخوف في السودان ملامح مستقبل البلاد، كما شكلها في الماضي و لم تنتج غير تواصل الأزمات التي تقبض بخناق بعضها البعض، غياب الرؤى و حالة الخوف حالة مرضية في المجتمع، بدأت أعراضها منذ استقلال السودان، حيث فشلت النخبة في تشخيص الأعراض تشخيصا صحيحا، و يعتبر من أهم أسباب المرض انحراف القوي السياسية لصراعات جانبية إقصائية فيما بينها، و أخذ الصراع أشكالا مختلفة، بدأ عقب الاستقلال، عندما كان للطائفية الأثر الأكبر في تحريك المجتمع لصالح سياساتها، و الطائفية رغم إنها ترفع الشعارات الديمقراطية، لكنها لا تستطيع أن تشيد قواعدها بالصورة التي ترسخ في المجتمع بالصورة التي تزيد الوعي بين قطاعات الجماهير، لأنها تتعاض مع مصالحها، و تتعرض مع ثقاتها التي تقوم علي الولاء الأسري و ليس حرية الأختيار، الأمر الذي جعل إحداها تقدم السلطة للقوات المسلحة في طبق من ذهب. و الثانية ساندت كل نظم الانقلابات العسكرية.

تجربة القوات المسلحة في الحكم في نوفمبر 1958م، و التي فتحت شهية الحكوم لقيادات القوات المسلحة، التي بدأت تجربتها بإقصاء الأحزاب عن العمل السياسي، و في ذات الوقت أدركت القوات المسلحة أن القوي المدنية لا تشكل لها خطرا، لأنها لا تملك القوة التي تستطيع بها أن تقف في وجه القوات المسلحة، أي أن ميزان القوى يميل لصالح القوات المسلحة. فجأت ثورة أكتوبر التي شاركت فيها أغلبية جماهير الأحزاب ، و أيضا غيرت معادلة ميزان القوى، و كانت الثورة فرصة طيبة أن تقود القوى السياسية لاتفاق سياسي جامع، لكن جاءت القرارات الأولي لحكومة الفئات مخيبة للأمال، حيث تم تصفية للخدمة المدنية، و وضعت أول بادرة لزج السياسية في الخدمة المدنية، و التي أدت لما يسمى بعملية " التطهير من الخدمة المدنية" ثم في آخر عقد الستينات من القرن الماضي كانت قضية معهد المعلمين و حل الحزب الشيوعي و طرد نوابه من البرلمان، التي قادت للتآمر علي الديمقراطية الثانية و انقلاب مايو عام 1969م. و بدأت مرحلة جديدة من التطهير من الخدمة المدنية و عتقالات، و اقصاء للأحزاب،. عقبتها انتفاضة إبريل عام 1985م، و كانت أيضا فرصة أن يحدث توافق لوقف حالة الإقصاء السياسي بين القوي السياسية، و فشلت في ذلك، كان المطلب الشعبي في النظام الديمقراطي هو الغائب في الأجندة السياسية، كانت كل قوي تريد أن تخضع الآخرين لأجندتها، و هي تعلم أن النظام الديمقراطي الذي تتقارب فيه موازن القوي، يحتاج إلي تقارب و إتفاقات الحد الأدني، ثم تمت ممارسة من قبل القوات المسلحة للتضيق علي الجبهة الإسلامية، و لكنها لم تكن سببا في الانقلاب، إنما الانقلاب كان تمليه الرغبة في الانفراد بالسلطة في مجتمع لم يستطيع أن يرسخ قواعد الديمقراطية لغياب الرؤى عند نخب القوي السياسية المختلفة.
يمثل أنقلاب الجبهة الإسلامية القومية تجربة فريدة في بث الخوف و ممارسة الإقصاء في البلاد، حيث حلت جميع الأحزاب و منعت من ممارسة حقوقها السياسية، و سعت السلطة لتغير التركيبة السياسية بشتى الطريق لخلق كيانات بديلة للأحزاب، و أيضا تم إبعاد أعداد كبيرة من العاملين في أجهزة الدولة، و أغلقت أبواب التعين في وجه أبناء الشعب إلا أن يكون من المواليين. و الغريب أن التجربة كشفت إنها قوى أيديولوجية تفتقد إلي أي رؤية سياسية و مشروع سياسي، يؤدي إلي التنمية و البناء، و لكن كان المشروع هو كيفية تأمين السلطة و ممارسة عملية الاقصاء، إلي جانب انتهاكات للحقوق، مما أدي لسد الأفق. فكان لابد أن يفتح الأبواب لخيارات آخرى بعيدا عن الممارسة السياسية السلمية، فانحرفت البلاد نحو الحروب في كل الاتجاهات في السودان "الجنوب و الشرق و الغرب" هذا التحول في استخدام أقصى درجات العنف من قبل السلطة، كان لابد أن ينعكس بصورة تلقائية داخل التنظيم الحاكم نفسه الذي أدي للمفاصلة عام 1999م، و انقسمت الحركة الإسلامية إلي تيارين، الأول في السلطة و الآخر في المعارضة، و في نفس الوقت بدأت مرحلة جديدة في العمل السياسي، كانت السلطة ما تزال تقدم الأجندة الأمنية علي الأجندة السياسية، و أصبح تكتيك السلطة يعتمد علي المناورة كمنهج لكسب الوقت. و سيظل هو منهجها لأنها لا تملك البديل، لغياب الرؤية.
كانت عوامل الثورة تكتمل شروطها في المجتمع لفشل النظام في تحقيق شعارات التنمية علي الأرض، و كانت أغلبية الطبقة الوسطى تنحدر إلي أسفل، إلي جانب أن الطبقات الدنيا تزداد معناة، دون أن يكون هناك أي أمل في الإصلاح، بل كانت دائرة الفساد تتسع، و أغلبية المشاركين في الفساد جزء من السلطة، يزدادون ثراء و غني، و لكنهم معزولين عن المجتمع و حاجياته و مشاكله، لذلك غابت الرؤى، لآن الرؤى و المشاريع السياسية دائما تتقدم عندما تكون هناك إرادة سياسية عند النخبة الحاكمة لعملية الإصلاح، هذه التغييرات التي حدثتفي تركيبة المجتمع بسبب الفقر، كان لابد أن تسرع باكتمال شروط الثورة، كانت النخبة الحاكمة لا تدرك ذلك بوعي، لأنها كانت مشغولة في كيفية أن تؤمن هذه المكاسب الخاصة، و لم تجد خيارا غير دعم الأجندة الأمنية دون السياسية، هذا الخلل في أولويات النخبة الحاكمة، لابد أن يقود إلي صدام مع المجتمع.
بالفعل أدي إلي انفجار الغضب الجماهيري في عطبرة ثم أنتقل إلي بقية أقاليم السودان لكي يغير ميزان القوى للشارع، أن الشعارات التي رفعها الشارع يعتقد إنها تعتبر مدخلا إلي تأسيس رؤى للحل السياسي، و خاصة أن أغلبية المتظاهرين من الفئة العمرية 15 – 35 عاما، و أيضا أغلبية هؤلاء ليس لهم أنتماءات سياسية سابقة، لكنهم جميعا قد نشأوا في ظل حكم الإنقاذ، هؤلاء لن يتنازلوا عن شعارهم الرئيسي، و لكن تحقيق الشعار الرئيسي للثورة، ربما يساعد علي فتح الباب إلي مساومات سياسية. لكن في ذات الوقت؛ أن التظاهرات خلقت أيضا هالة من الخوف عند البعض، و أيضا فتحت التفكير في مسألة الإقصاء، إلي جانب أنها طرحت قضية غياب الرؤى, و أصبح هناك غموض في موقف القوى السياسية من قضية الإقصاء، و طمأنة البعض لكي يتحولوا إلي ركن فاعل في عملية التغيير. و إذا حاولنا نتتبع مسألة الخوف، نجد أن العديد من القيادات الإسلامية تعتقد أن بعض شعارات الشارع تدعو ألي إقصاء الإسلاميين، و محاولة إبعادهم عن ممارسة أي عمل سياسي مستقبلا، الأمر الذي لا يكون في مصلحة الثورة، و تجعلهم يقفوا مع السلطة و تتحول الفكرة عندهم من تغيير إلي إصلاح ربما لا يفي برغبات القوى الديمقراطية، و هذا الذي يجب أن تدركه قوى التغيير و تتعامل معه بإيجابية، خاصة أن الديمقراطية لا تغرس جذورها في بيئة مضطربة.
الأسئلة التي يجب طرحها: هل القوى الفاعلة في التغيير السياسي تريد أن يكون مدخل عملية التحول الديمقراطي عمليات أقصائية لقوى سياسية بعينها، و إثارة الخوف في المجتمع، أم أن عملية المحاسبة لانتهاكات الحقوق و الفساد متروكة لمحاكمات عادلة من قضاء مستقل؟ هل هناك مشروع سياسي للقوى التي تقود التظاهرات، أم أن ذلك متروك لما بعد عملية أسقاط النظام؟ ما هو تصور القوى السياسية في غياب المشروع؟
أن عملية التغيير الديمقراطي، مسألة ضرورية، و أي عملية سياسية و تنموية لا تشارك فيها كل القوى السياسية سوف ترجعنا مرة أخرى إلي دائرة الخوف و الاقصاء، و فشل في تقديم رؤى صائبة، تستطيع أن تفجر طاقات المواطنيين الإبداعية لعملية البناء، و أن تقديم المبادرات و الرؤى للحل لا يجب النظر لها من زاوية وحدة، باعتبارها مناورات من قبل عضوية الحركة الإسلامية، و يجب النظر للقضية كيفية خلق البيئة الصالحة التي تستطيع أن تنمو و تتطور فيها الديمقراطية. و لا يمنع ذلك أن يقدم كل الذين أرتكبوا تجاوزات و انتهاكات لحقوق الإنسان و مارسوا القتل، و كانوا جزءا من عمليات الفساد إلي قضاء مستقل و عادل. و إذا تريد القوي الديمقراطية أن ترسخ قيم الديمقراطية في الأرض، عليها أن لا تتعامل بردود الأفعال و الانفعالات، لأنها تريد أن تغرس في الأرض قيما جديدة تساعد علي حل الأزمة السياسية و الاقتصادية في البلاد، و تجذب كل الكفاءت للمشاركة الفاعلة في الحل.
يجب علي القوي السياسية أن تأخذ الدروس و العبر من التجارب السياسية، و خاصة تجربة ثورات الربيع العربي، و التي كان يقودها الشباب، خاصة الشباب غير المنتمي، و هؤلاء فقدوا زمام القيادة بعد انتصار ثوراتهم، و صعدت للمسرح السياسي القوي السياسية التي لها قاعدة اجتماعية كبيرة في المجتمع، لكي تدير عملية التحول الديمقراطي، في مصر فشلت في ترسيخ القيم الديمقراطية و فشلت في أن تكسب شباب الثورة، و مالت إلي أهل الولاء. لذلك سهل التآمر عليها. و في تونس كان حزب النهضة يتعلم من التجارب، و استطاعت أن تتغلب علي التحديات. في السودان يجب النظر للقضية بموضوعية، و لمصلحة البلاد و عملية السلام و الاستقرار الاجتماعي، بدلا من الانحراف إلي الانتقام و العنف، فالديمقراطية لا تبنى بالعنف أو عمليات الاقصاء. و لابد أن تكون هناك تصورات واضحة لكي تقنع الآخرين بعملية التحول الديمقراطي. و نسأل الله حسن البصيرة.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.