أتفقت قوى الحرية و التغيير و المجلس العسكري علي أغلبية القضايا المطروحة علي أجندة الحوار بينهما، و كما ذكر الطرفان إنهما كونا لجنة مشتركة لبحث نقاط الاختلاف، و أهمها ممثلة في المجلس السيادي أي المجلس الذي يقوم بمهام السيادة في البلاد، و هي النقطة الأهم للمجلس العسكري، و المجلس العسكري لن يتنازل عن السيادة لأسباب عديدة مرتبطة باتفاقيات و مصالح أيضا مرتبطة بدول في محيط السودان، و أيضا في إدارته لشؤون الأمن، لذلك قال من قبل أن وزارة الدفاع و الداخلية لن يتنازل عنهما لقوى مدنية، و سيطلب المجلس العسكري من قوى الحرية و التغيير أن يكون المجلس عسكري هو الذي يقوم بدور السيادة، و يقبل ممثلين للقوي المدنية في المجلس. عكس ما طالبت قوى الحرية و التغيير.

في جانب آخر نجح الرئيس المصري في تجاوز واحدة من أهم العقبات أمام مخطط خارجي في كيفية إدارة السودان بعد الثورة، حيث وافق الاتحاد الأفريقي مد فترة تسليم السلطة لمدنيين لمدة ثلاثة شهور، و يعتقد إنها كافية جدا لإدارة الصراع الداخلي بالنسبة لرؤية خارجية ترتبط مصالحها بالسودان، الذي يمثل لها سندا قويا في تعزيز نفوذها في المنطقة، و معروف أن رئيس المجلس العسكري الانتقالي و نائبه مرتبطين بصورة مباشرة بالقوات السودانية المتواجدة في اليمن. و كان العديد من المتظاهرين قد رفعوا شعارات تنادي بعدم تدخل دول في المنطقة في الشأن السوداني و سحب القوات السودانية من اليمن، هذه الشعارات قد أرقت مضاجع صناع القرار في تلك المنطقة. كما إن المجلس العسكري رفض استقبال الوفد القطري، الأمر الذي يؤكد ميول المجلس في النزاع في الخليج، ألمر الذي سوف ينعكس مستقبلا علي صراع السلطة في البلاد.
في الذهنية السياسية السودانية إن زيارة وفد مشترك سعودي أماراتي يصحبهم رجل الأمن السوداني الذي كان يشغل مدير مكتب الرئيس المخلوع البشير، و الفلسطيني الذي عليه استفهامات عديدة محمد دحلان، لا ينبئ بمسألة إيجابية، لكنها تعبر عن مخطط مدعوم من الدولتين إلي جانب مصر. و أيضا القضية متعلقة بتاريخ الدولتان في صرف أموالا كثيرا في هدم أهداف ثورات و انتفاضات الربيع العربي، و تدخلهم الواضح في كل من الحروب الدائرة في كل من " سوريا – ليبيا – اليمن – مصر " و بالتالي يكون الخوف من علاقتيهما برئيس المجلس العسكري و نائبه، الذان يتابعان شأن القوات السودانية في اليمن. فهي مسألة لها انعكاساتها في النظام السوداني الجديد.
قضية الثورة في السودان كانت تشكل و ما تزال قلقا شديدا في المنطقة، و خاصة في السعودية و دولة الأمارات العربية المتحدة، و خاصة تخوفهم أن تأتي سلطة جديدة في السودان ليس لها علاقة بالدولتين و يتم سحب القوات السودانية من اليمن، حيث أن السودان الدولة الوحيدة التي قبلت مشاركة قواتها في حرب اليمن دون الدول العربية الآخرى، و تلعب القوات السودانية دورا كبيرا ليس في اليمن أيضا في الحدود السعودية اليمنية خوفا من زحف الحوثيين علي المنطقة الجنوبية و الجنوبية الشرقية حيث يتواجد الشيعة السعوديين و تزيد المنطقة اشتعالا، فالقوات السودانية أصبحت تمثل ضامن لعدم تمدد النفوذ الحوثي الإيراني، و يصبح الصراع داخل الأرض السعودية و ليس في الحديقة الخفلية للمملكة.
في فترة النظام السابق، رغم أن الدولتين كانتا مع تصفية تنظيم الأخوان المسلمين في المنطقة، لكنهما كانتا تتعامل بشكل إنتهازي مع نظام المخلوع البشير الذي كان خائفا من تغيير السلطة في السودان حتى لا يتم تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، لذلك كان ينفذ كل ما تطلبه الدولتان رغم إنهما تقدمان له القليل. فالتغيير السياسي ربما يكلف الدولتان الكثير خاصة في رفض الدول العربية و الإسلامية الآخرى إرسال قواتها للقتال في اليمن. و الآن تخططان أن يبقي رئيس المجلس العسكري و نائبه علي قمة المجلس العسكري تأمينا لمسألة تواجد القوات السودانية في اليمن. و هي تعلم أنها لا تملك كروت ضغط علي النظام الجديد، و هذا سوف يكلفها كثيرا، و ليس أمامها غير إنها تدفع المليارات من الدولارات لكي تبقى القوات السودانية في اليمن، و تقدم استثاءات للمغتربين السودانيين من قوانينها الجديدة، و خاصة في المملكة العربية السعودية، و استمرار القوات السودانية في حرب اليمن أهم لها من محاربة النظام الديمقراطي، فهي سوف تتعامل بنعومة أكثر لكنها ستظل تبحث عن مداخل لتعزيز نفوسها في السلطة الجديدة أن كانت في الفترة الانتقالية أو بعد الانتخابات..
أن زيارة الوفد المشترك جاء لتأمين و ضمان استمرار الاتفاق المتعلق بالقوات السودانية في اليمن، و دفع ثلاثة مليارات دولار للسودان للخروج من أزمته الاقتصادية، متعلق بصناعة مستقبل السودان. فوجود المجلس العسكري الانتقالي يقوم بمهام السيادة يعطيه استخدام الفيتو علي أي قرار يتخذ من قبل السلطة التنفيذية المدنية فيما يخص القوات في اليمن، و أيضا يعطي رئيس المجلس أن يلعب دورا سياسيا مهما في الفترة الانتقالية، يمكنه من إبراز نفسه كشخصية يمكن أن ترشح للرئاسة.
أستطاعت قوى الحرية و التغيير أن تتماسك أمام التحديات، و استطاع تجمع المهنيين يقود الثورة إدارة ناجحة و الوصول بها للهدف، و الوصول الآن مع المجلس العسكري الانتقالي إلي تفاهمات و تشكيل لجنة مشتركة لحل القضايا المختلف عليها هي نقطة إيجابية و متقدم في إدارة الصراع، و سوف يقبل المجلس العسكري تسليم السلطة للمدنيين في إدارة السلطة التنفيذية. لكن الخلاف الذي يبنى عليه بعد الاتفاق هي مدة الفترة الانتقالية، بذات الصورة التي حدثت بعد ثورة أكتوبر عام 1964م، أن قوى الحرية و التغيير حددت الفترة الانتقالية باربعة سنوات، فهل الأحزاب السياسية سوف تقبل أن تكون بعيدة عن السلطة أربعة سنوات. و حددها المجلس بسنتين لكنه ربما يتفق مع قوى الحرية و التغيير، لكن الإشكالية سوف تأتي مستقبلا من الأحزاب في بيان حزب الأمة ممهور بتوقيع سارة نقد الله الأمين العام لحزب الأمة تقول فيه "سيعمل حزب الأمة القومي بتنسيق مع حلفائه في قوى الحرية والتغيير على التواصل مع المجلس العسكري للوفاء بالتزاماته بتحقيق استحقاقات الثورة المشروعة والوصول للتحول الديمقراطي وتسليم السلطة لممثليه المنتخبين" يعني أن المجلس العسكري هو الذي تطالبه أن يسلم السلطة لممثليه المنتخبين. أي أن يكون المجلس علي قمة السلطة السيادية، نقلت جريدة الجريدة حديث للقيادي الاتحادي الديمقراطي علي السيد يطالب أن تكون الفترة الانتقالية سنة واحدة، و هذا ما قاله جعفر الميرغني نائب رئيس المجلس، و في ذات الوقت طالب المؤتمر الشعبي أن تكون الفترة الانتقالية سنة واحدةو كذلك القوي الوطنية للتغيير، هؤلاء هم الذين سوف يضغطون في إثارة القلاقل في الفترة الانتقالية بهدف تقليصها، الأمر الذي يعيد المجلس العسكري للواجهة بقوة.
سوف تنشط الدولتان في هذه الفترة الانتقالية، في العلاقة مع الأحزاب و القوى التي تمتلك قاعدة واسعة في المجتمع، و تدفع لهم ما يؤهلهم علي خوض الانتخابات بإمكانيات واسعة جدا، لكن الرهان سوف يكون التنازل عن الرئاسة للبرهان باعتباره شخصية و طنية استطاعت أن تتفاعل مع الثورة و له دور بارز في التغيير و سقوط النظام، و أن الدولتين سوف تتعهدان بتقديم المساعدات التي تعزز ترشيح البرهان و تقنع المجتمع باستمراره.
إشكاليتنا أننا دائما ننظر لحاضر القضايا و الأحداث دون النظر للمستقبل، و قراءة التطورات التي سوف تحدث، و كيفية التعامل معها، فالتخطيط الإستراتيجي دائما ينظر للحاضر و مدي تأثيره علي المستقبل. الدولتان سوف توفيان بالإلتزامات التي قطعتاها، في توفير النفط و القمح و الدواء و السيولة للعملة الصعبة، التي تخفف الضغط علي المواطن و ضمان عدم ثورته مستقبلا، الأمر الذي يمهد لتنفيذ المخطط. و يبقي السؤال ما هو الضمان أن تستمر الفترة الانتقالية أربع سنوات في ظل النفوذ الخارجي الضاغط. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////