هناك فارق كبير و نوعي بين السياسي و بين المفكر السياسي. الأول يتعامل مع الأحداث من خلال تأثيرها السلبي و الإيجابي علي المصالح التي يدافع عنها، أو يتعامل معها تعاملا سطحيا لا يسبر غورها، و لا يبحث في الظاهرة لمعرفة ما هي مسبباتها و العوامل المؤثرة فيها، و الثاني يسبر غورها و يبحث عن مسبباتها،و التعرف علي طرق علاجها، و أيضا قدرة المفكر أن ينقل التفكير من القضايا الهامشية إلي قضايا أكثر جدية تشكل العمود الفقري للظاهرة، إلي جانب تجاوز الشعارات السياسية كأداة للتعامل مع الظاهرة إلي الفكر، باعتبار إنه الآداة الناجعة لعملية تحليل الظاهرة، و كشف مركباتها، و عملية نقل التفكير من قضية إلي آخرى لا تعني البحث عن عناوين جديدة، و لكن أن تفكك الظاهرة، و أيضا فحص الآدوات التي تتعامل معها. و المفكر يعرف متى يستطيع أن يقدم أطروحته الفكرية، و ما هي القاعدة الاجتماعي التي يعتقد إنها لديها القدرة في التعامل مع الظاهرة بذهن مفتوح، و أيضا يشير للآدوات الفاعلة.

أن إشكالية العقل السياسي في السودان، إذا كان في عهد الإنقاذ، أو حتى بعد الثورة، هو المناط به أن يفرض و يحدد شروط الفعل السياسي، إذا كان من خلال جلسات الحوار بين تحالفات القوى السياسية، أو حتى بين فئة المدنيين و العسكريين، الأمر الذي جعل الصراع محصورا في دائرة توزيع السلطة و الثرورة، و قسمة السلطة و الثروة نفسها تقدم حلولا تتضمن العديد من الإشكاليات، و تستجلب معها إشكاليات ما كانت مطروحة من قبل، أن كانت في طريقة توزيع الثروة و السلطة أو أهمال مناطق بعينها، أو عدم قبول مجموعة للقسمة مما تعقد المشكل، و لا تساعد علي الحل، و سيطرة العقل السياسي علي الساحة السياسية، هو الذي يفرض شعارات المرحلة بديلا عن الاجتهاد الفكري، و يعتمد عليها في عملية تشكيل الوعي الجماهيري، مما يجعل الجميع يتعاملون مع القضية بسطحية، تتمحور في الفوائد الوقتية، و ليست الفوائد التي يجب أن تؤسس ركائز البناء الوطني. لكن المفكر السياسي يحاول أن يطرح أسئلة جديدة، أن يثير موضوعات تشكل حجر الزاوية في المشكل. و لا يتردد إذا كانت القضايا التي يطرحها تخالف طريقة التفكير السائدة، أو المزاج العام، مادام طرحها يفتح أبواب للحوار الجديد الذي يجعل الجميع يصعد علي أولى عتبات الحل.
في ندوة أقيمت في جامعة الزعيم الأزهرى، تحدث فيها الدكتور الشفيع خضر، حاول أن يكون طرحه السياسي مغايرا تماما للذي يسود في الساحة السياسية، و ينقل الناس للتفكير الأكثر عمقا، إذا كان الناس بالفعل تبحث عن حلول ناجعة لعملية التغيير و التحول الديمقراطية، حيث قال ( أن ﻋﺒﻮﺭ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻟﻠﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﺑـﺎﺟـﺮﺍء ﻣﺴﺎﻭﻣﺔ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺗﻠﺒﻲ ﻁﻤﻮﺣﺎﺕ ﺍﻻﺳﻼﻣﻴﻴﻦ ﻭﺃﺣﺰﺍﺏ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭ ﻭﻧﻮﻩ ﺍﻟﻰ ﺍﻥ ﺣﻞ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﺎﻟﺪﻭﻟﺔ ﻟﻦ ﻳﺘﻢ ﺍﻻ ﻋﺒﺮ ﻣﺴﺎﻭﻣﺔ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ.) و أضاف قائلا ( أن استمرار ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ يعود لفشل ﺍﻟﻨﺨﺐ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﺟﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﺳﺆﺍﻝ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ، ﻭﻟﻐﻴﺎﺏ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﻁﻨﻲ ﻳﺨﺎﻁﺐ ﻣﻬﺎﻡ ﺍﻟﺘﺄﺳﻴﺲ، ﻭﺍﻋﺘﺒﺮ ﺃﻥ ﺃﺳﺎﺱ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻧﻘﺎﻁ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻻﺗﻔﺎﻕ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﺗﺘﻀﻤﻦ: ﺳﻴﺎﺩﺓ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮن، ﺍﺳﺘﻘﻼﻝ ﺍﻟﻘﻀﺎء ﻭﻣﺴﺎﻭﺍﺓ ﺍﻟﻤﻮﺍﻁﻨﻴﻦ ﺃﻣـﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺑﺼﺮﻑ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋـﻦ ﺍﻟﻤﻌﺘﻘﺪ ﺃﻭ ﺍﻟﺠﻨﺲ ، ﺑﺠﺎﻧﺐ ﺃﻥ ﺗﺼﺒﺢ ﺍﻟﻤﻮﺍﺛﻴﻖ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻴﺔ ﺑﺤﻘﻮﻕ ﺍﻻﻧﺴﺎﻥ ﺟـﺰء ﻻﻳﺘﺠﺰء ﻣﻦ ﺣﻘﻮﻕﺍﻻﻧﺴﺎﻥ ﻭﺭﺃﻯ ﺃﻥ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﺗﺤﻞ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﻌﺘﻘﺪﺍﺕ ﻭﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﻭﺍﻷﺛﻨﻴﺎﺕ ﺑﺎﻟﺘﺴﺎﻭﻱ.) أن حديث الدكتور الشفيع خضر يعتبر محاولة لتعديل أجندة الحوار، إذا كانت لدي النخب السياسية أو المؤسسات الحزبية، و نقل العقل إلي فكرة أكثر عمقا ، يحتاج إلي أن يستقطب النخب التي تشتغل بالفكر في الحوار الدائر، لكي تعيد الحوار لمجراه الحقيقي الذي يستطيع أن يصل إلي نتائج طيبة تساعد علي الوصول لحلول ناجعة. و هي فرضية تحتاج إلي إعادة النظر في طريقة التفكير السائدة التي تنطلق من فرضية معاكسة تتجاوز حتى شعار الثورة " حرية – سلام – عدالة" لأنها فرضية تبحث عن المصالح الضيقة، إذا كانت حزبية أو شخصية، التي تجعل إشكالية الصراع تتمحور في قضيتي السلطة و الثروة، الأمر الذي يضيق مساحة التفكير السياسي و يجعله محصورا في قضايا بعينها. فالدكتور خضر يتحدث عن نجاح الفترة الانتقالية، لآن نجاحها سوف يؤسس لقواعد عملية التحول الديمقراطي " التغيير" و لكن السؤال هل القوى السياسية التى حصرت فاعلية العقل في " السلطة – الثروة" لديها استعداد في إعادة النظر في أجندتها، و البحث عن المداخل الإيجابية التي تسهم في عملية " التغيير" أم أنها قد اغلقت أبواب تغيير الأجندة، و غدت حاصرة نفسها في رغائب محاصصية؟ هناك فارق كبير في عملية التفكير، أن الذي يفكر في مصالح ضيقة ذاتية أو حزبية لا يستطيع أن يمد خياله بعيدا لكي يطول القضايا الوطنية.
أن رؤية الدكتور خضر حول التفكير العقلاني و صحوة العقل حول " المساومة التاريخية" ليست رؤية جديدة، بل رؤية كان قد طرحها من قبل، يعتقد أن الفكر وحده الذي يستطيع أن يسهم في تقديم المبادرات السياسية التي تؤدي لعملية التغيير في المجتمع. حيث قدم ورقة بعنوان " الهوية الحضارية السودانية" في ندوة عن التنوع الثقافي في القاهرة عام 1995م قال في ورقته (أن الحركة السياسية السودانية تعاني من أزمة عدم التفاعل و التفاهم فيما بينهما علي صعيد البرامج، و الحوارات الفكرية ،و قصر هذا التفاعل علي الآطار السياسي فقط المتعلق بمسألة السلطة، حيث ظل الحوار السياسي هو الطاغي باعتبار أن السياسي هو الحدث الساخن دائما، و الذي يفرز نتائج سريعة ملموسة، و لكننا نضيف أن الاستسلام لهذا الواقع يعني الأقرار باستمرار الآزمة) لكن القوى السياسية ظلت تتعامل بالسياسي دون الفكري و حتى الثقافي، لذلك ظلت في الآزمة فترة طويلة دون أن تنتقل إلي مربع متقدم، فالنقلة يحدثها دائما الفكر. و الملاحظ حتى النخب التي كانت تشتغل بالفكر و تسهم بكتاباتها في العديد من الصحف الالكترونية و الورقية، انسحبت من الساحة بعد عزل الرئيس و بدء حوار هياكل السلطة، الأمر الذي يؤكد أن الحاضر الآن في الساحة هو العقل السياسي، و هو عقل يعاني من آزمة، لا تجعله يستطيع أن يتحرر من قيود فرضه علي ذاته.
أن المساومة التاريخية التي تحدث عنها الدكتور الشفيع خضر، هي مساومة تحتاج لتغيير في طبيعة التفكير، و النظر إليها باعتبارها " المشكل" الذي تتوالد منه المشاكل الآخرى، لأنه مرتبط بقوة بالقضايا الأيديولوجية منبع الصراع الاجتماعي السياسي، و محاولة جعلها علي مقدمة الأجندات بالضرورة سوف تحدث تغييرا في طبيعة تفكير النخب السياسية، لكنها في ذات الوقت تقود لحوار مع الجانب الآخر الذي يتعامل مع القضايا من خلال العقل. و كما قال المحبوب عبد السلام المفكر ذو المرجعية الإسلامية في تناوله لقضية " الإسلام السياسي" حيث قال "أن الإسلام السياسي قد استنفذ دوره" هذا القول يؤكد أن الإشتغال بالعقل يعتبر أقصر الطريق للوصول لحلول، و بالتالي سوف ينظر الإسلاميون لمقولة الدكتور خضر بشكل مغاير. و يعتبروها نقلة نوعية في طرح القضايا، و القضايا ذات البعد الفكري لا تقبل التعامل بالشعارات، و خاصة الإقصائية منها المطروحة في الساحة. بل تعتمدعلي إعمال العقل للبحث عن أرضيات مشتركة، يتم التوافق عليها من الطرفين، لكي تكتمل صورة عملية التغيير في الذهنيات الديمقراطية، و هي خطوة ضرورية و مهمة تبدأ بتفكيك المؤسسات الشمولية، و أهمها الثقافة الشمولية السائدة الآن، التي تحتضن الفكر الإقصائي. لكن هناك أيضا عقليات رغم إنها ترفع "شعارات ديمقراطية " لكنها تحتفظ بالثقافة الشمولية المضمنة دأخل الأيديولوجيا. و هذا يعود بسبب طول النظام الشمولي ثلاث عقود ترسخت في الواقع الثقافة الشمولية، و حتى الذين يعتقدون أن تمسكهم بالديمقراطية بعيدين عن تأثيرها تجدهم في بعض المرات يستخدمونها في خطابهم دون مراعاة كيف تسربت لهم، لذلك دعوة الرجوع للعقل مسألة ضرورية لعملية فرز الثقافة.
فالقوى السياسية جميعها مطالبة أن تراجع أجندتها، و تنظر لقضية " التغيير" بعقل مفتوح بعيدا عن المزايدات السياسية، و أن تقدم مبادرتها حول قضية التغيير. لقد أثبتت التجارب أن التحالفات السياسية عندما تدخل في حوار و يتناول لب القضايا، تبدأ بعض القوى تتراجع عنه إذا لم يحقق رغباتها، كما حدث داخل نداء السودان عندما دخلت قوى الحرية و التغيير في تفاوض مع المجلس العسكري، أكدت قيادات الجبهة الثورية أنها وحدها سوف تدير حوارا مع المجلس العسكري حول الفترة الانتقالية و كيفية المشاركة في هياكل السلطة، كما صدرت أتهامات من بعض القوى أن الحوار أخذ جانب المحاصصات، الأمر الذي يؤكد أن البناء التحالفي في العمل السياسي هو تحالف ظل ضعيف طوال مساراته التاريخية، و لا يصمد أمام التحديات، لذلك يجب علي القوى السياسية أن تقدم رؤاها للحوار منفردة، حتى تكون قوى سياسية مسؤولة عن رؤيتها.
و لكن يظل السؤال هل القوى السياسية تمتلك القدرة علي أن تخوض حوارا فكريا في الأجندة التي طرحها الدكتور الشفيع خضر، أم إنها سوف تتجاهلها لأن فكرها و آدواتها لا تساعدها علي الدخول في مثل هذا الحوار؟ أن القوى السياسية جميعها محتاجة لمراجعات فكرية، و تنظيمية تهدف منها تحديث المؤسسة و تطويرها، لكي تؤهل نفسها الدخول في الحوارات الفكرية من أجل الوصول لتوافقات تخدم المواطن و الوطن. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////