أكثر ما يُسيئ الشعب وهو يرى حالة النشوى التي يحكي بها النائب العام وهو يُعلن عن تقديم مجرم مثل عمر البشير للمحاكمة بتهمة تافهة بالنظر لجرائمه الأخرى مثل حيازة عملات أجنبية وُجِدت بخزينة منزله، أن تقديمه للمحاكمة بمثل هذه التهمة يُشبه تقديم مُجرم للمحاكمة بتهمة إتلاف منضدة في صالون المنزل الذي قام فيه بإغتصاب فتاة وذبح أهلها الآخرين، ولا يكون من المقبول تبرير ذلك بالقول بأن تقديم البشير بموجب التهمة التي قدمها النائب العام، أن ذلك قد حدث بسبب أن وقائع جريمة حيازة النقد الأجنبي حاضرة وجاهزة للمحاكمة بخلاف القضايا الأخرى التي تسلتزِم بعض الوقت في التحري والتحقيق، ذلك أن كثير من الجرائم الكبرى التي تُنسب للبشير وأعوانه تتوفر لها هي الأخرى بينات حاضرة وجاهزة وأولها جريمة تقويض الدستور والإنقلاب على السلطة الشرعية للبلاد، والتي كان الفقيد الأستاذ علي محمود حسنين ومن معه من المحامين قد تقدموا ببلاغ بشأنها للنائب العام الذي أشر عليه بالموافقة، ومع ذلك، لم يقم النائب العام حتى الآن بأي خطوة نحو ضبط وحبس بقية المتهمين الذين شاركوا مع البشير في الإنقلاب.

وجريمة الإنقلاب على السلطة الشرعية بالذات من الجرائم التي يُمكن للنائب العام ومن بعده المحكمة أن تأخذ (عِلماً قضائياً) بوقوعها، وما بين قوسين تعبير قانوني يعني أنه لا يلزم النائب العام أو المحكمة الحصول على بينة لإثبات أن الإنقلاب قد وقع، ومن أمثلة مفهوم العلم القضائي (لمزيد من التوضيح) أن جهة التحقيق والمحاكمة – مثلاً - تستطيع أن تأخذ علماً من تلقاء نفسها ولا تحتاج لسماع البينة حول حقيقة أن الطفل الذي يبلغ عمره شهرين لا يستطيع المشي أو الكلام، فواقعة حدوث الإنقلاب – شأن هذا المثال – تدخل في العلم القضائي ولا يحتاج النائب العام لأكثر من نصف يوم لصياغة التهمة وتقديم البشير وأعوانه للمحاكمة مباشرة بموجبها لتسمع المحكمة دفاعه وأعوانه عن التهمة ويعقب ذلك صدور العقوبة، وفي إتباع هذا الإجراء ما يمكن به تجاوز الخطأ الذي كان قد أرتكِب في السابق بمحاكمة مدبري إنقلاب مايو حيث ظلت المحكمة تستمع لنحو عام كامل للشهود حتى تُثبت هيئة الإتهام أن إنقلاب مايو قد وقع.

والأصل، أنه وبحسب القانون، أن النائب العام ما كان يلزمه من الأساس إنتظار مُتطوعين مثل الأستاذ حسنين ومن معه من المحامين لأن يتقدموا إليه ببلاغ في مواجهة المجرم البشير بتهمة تقويض الدستور، والصحيح، أن تحريك الدعوى ضد البشير في هذه القضية وغيرها من القضايا ذات الطبيعة العمومية تقع ضمن واجبات وظيفته النائب العام التي تُوجِب عليه أن يقوم من تلقاء نفسه بتحريكها، ومن بينها قضية التحريض على قتل شهداء سبتمبر 2013، وكذلك شهداء بورتسودان وأمري وكجبار والعيلفون، كما كان على النائب العام، أن يقوم من تلقاء نفسه (وقد مضت مدة كافية ليفعل ذلك) بتحريك قضايا الفساد الأخرى مثل قضية بيع سودانير والخطوط البحرية وممتلكات مشروع الجزيرة وبنك الثروة الحيوانية، وقضية التقاوي الفاسدة، وشراء القطار الصيني، وقضية أموال الأدوية ... إلخ.

ثم، أن الواقع يقول بأن الشارع هو الذي أكمل إجراءات التحقيق وقام بتوثيق الجرائم التي حدثت داخل ميدان الإعتصام وخارجه عبر أجهزة الهاتف بالصورة والصوت، وقد كشفت تلك المقاطع (ولا يزال يظهر لها جديد كل يوم) حشود القوات التي قامت بتنفيذ الهجوم وهي ترتدي الزي الميري لقوات الدعم السريع وأجهزة الأمن، كما كشفت المقاطع عن كثير من وجوه مرتكبي جرائم القنص والإعتداء البدني وسرقة السيارات ... إلخ.

الذي أقعَد النائب العام عن القيام بواجباته الوظيفية على النحو المذكور، وترك مُرتكبيها طُلقاء ومن بينهم من لا يزال على رأس عمله (مثل كمال حسن علي المسئول عن مجزرة العيلفون)، الذي جعل النائب العام يتقاعس عن القيام بذلك، أن النائب العام يقوم بتحسّس خطواته حتى لا يصطدم بما يُغضِب عليه فرقاء الأوائل بالمجلس العسكري الذين يحمل على أكتافه لهم الجميل بتعيينه في هذا المنصب، ويستوي معه في هذا الموقف رئيس القضاء، وكلاهما يرجع الفضل إبتداءً في تعيينهما بالمراكز التي أفضت إلى هذا التعين بتراتبية الدرجة إلى الرئيس المخلوع البشير، الأول بتعيينه على رأس النيابة العامة والثاني كان البشير هو الذي قد عيّنه في منصب نائب رئيس القضاء.

والحال كذلك، فإن النائب العام آخِر من يعترض - وقد إعترض بالفعل - على أن يُعهد بالتحقيق في جرائم قتل المُعتصمين والجرائم الأخرى التي وقعت من إغتصاب وضرب وأذى وتحقير .. إلخ إلى جهة محايدة دولية أو غير دولية، بعد أن ثبت أن النائب العام بسبب تقاعسه وإفتقاره للمصداقية وموالاته للمجلس العسكري الذي لا يرغب هو الآخر في محاسبة مجرمي الإنقاذ بدلالة مساعدته في هروب الفريق أمن قوش وشقيق البشير، وبعد ثبوت أن النائب العام نفسه طرف في التخطيط لجرائم القتل والإغتصاب التي صاحبت فض الإعتصام.


لا حظت أن كثير من الأقلام لم تتوقف عند الواقعة التي ظل المجلس العسكري يُعيد ويقول حولها أن الجهة التي كان يقصدها بقرار الفض بالقوة العسكرية هي منطقة "كولومبيا" وليس ميدان الإعتصام، وقد فات على أعضاء المجلس العسكري، أنه، في القانون، لا فرق بين أرواح البشر، سواء كانوا نُبلاء أو مُخالفين للقانون، ما دامت تلك المُخالفات (وهي بالفعل كذلك) لا تُبيح إستخدام الأسلحة النارية، ومن ثم تكون النتيجة حول مسئولية المجلس العسكري واحدة وثابتة ولا فرق في أن يكون المعني بقرار فض الإعتصام هو ميدان كولومبيا أو ميدان الإعتصام.

كلمة أخيرة لا بد أن تُقال حول تفسير المجلس العسكري للقرار الذي إتخذه بإبعاد ياسر عرمان من البلاد والقول بأن ذلك قد حدث بسبب صدور حكم في مواجهته بالإعدام، وهو تفسير ضال وخبيث، والأخذ به على هذا النحو يجعل من الفريق عبدالفتاح البرهان مرتكباً لجريمة مساعدة مجرم على الهروب من العدالة، ومع كونه من المعلوم أن هذا الحكم قد صدر (غيابياً) في مواجهة ياسر عرمان وبخلفية سياسية وأن المخلوع البشير كان وراء تقديمه للمحاكمة، فقد كان الصحيح (إذا ما وجدت بينات جدية وكافية) أن تُعاد محاكمة ياسر عرمان وتُتاح له فرصة الدفاع عن نفسه لا إبعاده من وطنه، وفوق ما ذُكر، يبقى السؤال، إذا صحّ – على سبيل الإفتراض – أن إبعاد ياسر عرمان كان لهذا السبب، فلماذا أبعِد معه رفيقه مبارك أردول؟


سيف الدولة حمدناالله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.