تعرّض الرأي الذي إنتهى فيه الأستاذ نبيل أديب إلى التقرير بعدم شرعية القرارات التي تصدرها لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد وإسترداد الأموال لهجوم قاسٍ برغم سلامة ما إنتهى إليه، والسبب في ذلك يرجع – في رأيي - إلى ما يكون قد فُهِم خطأً من رأي الأستاذ أديب بأنه يُعارض إسترداد تلك الأموال، ولعل اللغة الأكاديمية التي إستخدمها الأستاذ أديب فضلاً عن الإسهاب البالغ وتطويله في السرد، قد ساعد على تغييب الفكرة الأساسية التي حاول الأستاذ أديب طرحها بما جعل الكثير من القراء يقفزون إلى الخُلاصة التي إنتهى إليها دون الوقوف على الحيثيات التي إستند إليها.

بداية، أحيي في الأستاذ أديب جرأته في طرح رأيه الشجاع في ظل هذه الأجواء الثورية، فالمهني الحق خاصة في مجال القانون (قضاء ونيابة ومحاماة)، هو الذي يمتلك الشجاعة التي تجعله يُفصِح عن رأيه الذي يتفق مع صحيح القانون دون إعتبار لما يجلبه عليه ذلك من لعنة وسخط الرأي العام، ففي تاريخ القضاء - ليس في السودان وحده – هناك قضاة خالفوا القانون وحكموا بما يُرضي الرأي العام ويشفي غليله، وهو ما عبّر عنه أسلافنا العرب بالعبارة التي تقول : "أن فلاناً قد ظلم حتى لا يُقال أنه لم يعدل".

خلاصة الرأي الذي إنتهى إليه الأستاذ أديب، ونتفق معه في ذلك، أنه يجب التمييز بين حالة إسترداد الأموال المُتحصّلة عن طريق الفساد والتي تكون مملوكة لكيانات مثل الهيئات والمؤسسات والجمعيات والنقابات، وهذه يتم إستردادها تلقائياً بمجرد صدور قرار لجنة إزالة التمكين بحل وتصفية تلك الكيانات دون الحاجة لصدور قرار بإسترداد الأموال المملوكة لها من اللجنة، لأن ملكية تلك الأموال تؤول تلقائياً في هذه الحالة للدولة مُمثلة في وزارة المالية أو غيرها من جهات الإختصاص، ويضيف أديب هذا الحكم أيضاً على الأموال المملوكة لهذه الكيانات ولكنها مُسجّلة في أسماء أفراد يتبعون لها لأي سبب كان.

أما الأموال التي يمتلكها الأشخاص العاديين، فالسبيل إلى إستردادها لا يكون إلا بموجب حكم قضائي، وذلك لا يمنع، بل يتوجّب، على سلطات الدولة أن تقوم بتوقيع الحجز على تلك الأموال لحين صدور الأحكام القضائية، والتي تتضمن علاوة على مصادرة تلك الأموال، إنزال العقوبات الجنائية على الفاسدين جزاءً لهم عن الجرائم التي إرتكبوها ونتج عنها حصولهم على تلك الأموال. علماً بأن نصوص القانون الذي يحكم أعمال لجنة إزالة التمكين ليس فيه ما يمنحها سلطة إسترداد أموال الفساد بهذه الكيفية، ومن هنا جاء إستطراد الأستاذ أديب في تفسير لجوء واضِعي القانون لإستخدام كلمة "إسترداد" وهي ليست ضمن المصطلحات القانونية المعروفة، حتى يتم تجنُّب إستخدام مفردتي "المصادرة والتأميم" لمعرفتهم إصطدام هذا الإستخدام مع نصوص الدستور.

يؤسِف المرء وهو يرى لجنة إزالة التمكين وهي مأخوذة في ذلك بما تحصل عليه من إطراء عبر منصات التواصل الإجتماعي قد تجاوزت السلطات التي منحها لها القانون، ودون إعتبار لما تسببه هذه الخروقات من ضرر بليغ بعملية إنفاذ العدالة المنشودة التي تقتضي ملاحقة الفاسدين بما تنتهي إليه محاكمتهم من إنزال العقوبات الجنائية التي يستحقونها فضلاً عن مصادرة الأموال التي حصلوا عليها نتيجة الفساد، عوضاً عن إفلاتهم بأجزاء كبيرة من الأموال التي نهبوها ولم تشملها قوائم الاسترداد وهي مرصودة ومعلومة.

فضلاً عن مظنة إستغلال هذه الثغرات في إستصدار أحكام قضائية ببطلان هذه القرارات بما يعيد تلك الأموال إلى أيدي المفسدين من جديد.

الخلاصة، نحن ننادي بإنزال عقوبات رادعة على الفاسدين ومصادرة الأموال التي حصلوا عليها بالفساد، ولحين حدوث ذلك، يتم التحفظ على جميع أموال الفساد.

ملحوظة: لم تُنشر تعديلات قانون إزالة التمكين ومحاربة الفساد وإسترداد الأموال التي صدرت أمس، والتي أتوقع أن تكون قد تضمنت ما من شأنه تصحيح القصور في القانون الحالي الذي نتج عنه هذه القرارات المعيبة.