قضية الصحافة من المسكوت عليها إذ هو قطاع ملغوم بالأزمات يمشي عليها عدد من الزملاء وكثير من السودانيين؛ القارئون وغير القراء. أحيانا تبدو المسألة كأنما ثمة تواطؤ خفي يفرض حجابا كثيفا على تلك الأزمات الجوهرية. حتى حينما ينفجر لغم سطحي تذهب قوى لجهة تسكين آلام الإنفجار بدلاًعن تفكيك اللغم. إنتاج الميثاق الأخير أحد مظاهر تلك المحاولات.

الوطن يتوغل في مرحلة مثقلة بالأحمال الثقال من الضغوط الإقتصادية، الإرتباك السياسي والسيولة الفكرية. هذه أعباء تزيد من أهمية دور الصحافة في البحث عن مخارج آمنة من المأزق. للصحافة باع طويلة في ما جرى تعريفه بالهامش الديمقراطي. الدقة تتطلب اسناد هذا الشرف إلى صحافيين ليس إلى الصحافة. هناك فئة من الزملاء آثروا رفض الإكتفاء بصحافة الرواية. ثمة أقلام رفضت الترويض أو الترغيب. على درب تفكيك قبضة النظام لجهة التحول الديمقراطي ربما فاق جهد أولئك مساهمات شريحة عريضة من الساسة المحترفين والهواة ممن تفيئوا ظل ذلك الهامش الضيق.

على هذه الفئة خاصة يظل الرهان من أجل مكاشفة الواقع الحالي المأزوم من منطلق واجبها في المساهمة ليس فقط في تفكيك ألغام الساحة الصحافية، أو تخفيف أثقال المرحلة الوطنية بل في إنارة ممرالخروج من المحنة. أيما نظرة على المشهد الصحافي تبدي غابة تكتنفها عتمات كثيفة. العتمة الأولى تتجسد في وجود أكثر من تسع وعشرين صحيفة. هذا عدد يفوق بكثير طاقات الإنتاج والتوزيع والإسستهلاك. السوق السودانية لا تحتاج ولاتحتمل كل هذالعدد. في تعميم غير مخل يمكن القول ما من ناشر يملك حاليا مقومات إنتاج صحيفة تشبع نهم القارئ. كذلك لا يجافي الواقع الحديث عن هزال قدرات الكادر المنتشر في تلك الصحف.

في ظل الأزمة الإقتصادية المستحكمة فإن السوق الإعلانية - هذه عتمة ثانية - أكثر ضمورا من تلبية طموح الناشرين. بل هي عاجزة عن المساهمة في تغطية كلفة الإصدار. الأزمة نفسها تجعل إقتناء القارئ اكثر من صحيفة يوميا ضربا من الترف.عندما تكون حزمة الإعلان الأكبر بيد مصدر وحيد فإنه لا يستطيع بالطبع فقط فرض شروطه التجارية. بما أن هذا ليس بالكشف الجديد لكنما يثير الحيرة السكوت عليه مع وجود عقليات لا ينقصها الإدراك. بعض هؤلاء – إن لم يكن كلهم – يتعرض للإملاءات كل مساء. هذا العدد المهول من الصحف يتجاوز طاقات شبكات التوزيع الرثة.

مع الإعتراف المطلق بحق الجميع في العمل، الإختيار والطموح يبقى هناك دوما هامش للحوار. من حق قطاع الصحافة التفكير بغير توقف على طريق النمو والتطور. لو لا النكبات السياسية المتلاحقة وقد ألحقت بالقطاع أضرارا قاصمة لكانت الأيام – مثلاَ – مؤسسة صحافية متكاملة ولكانت كذلك جريدة عابرة للعالم العربي. من حقنا على الطموحين ألا يكتفوا بمستوى إصداراتهم الحالية. بعض بيئتها لا يلائم الحد الأدنى من شروط العمل المعافاة دع عنك مناخ الإبداع. هنا أحد أبرز محاور التواطؤ. إضعاف البنى التحتية يفضي حتما إلى منتج هزيل ليس في وسعه النهوض بتشكيل الرأي العام كما المأمول.
وجود لاعب سياسي وحيد مهيمن – عتمة ثالثة – يجعل محاولات اختراق السقف ضربا من ممارسة الإنتحار العبثية. مثل هذا اللاعب لايكتفي بالإستحواز على المنابر الصحافية بل يريدها لعبة بيديه. لكل ذلك تبدو صحافتنا رغم تعدد اسمائها نسخة مكرورة من حيث الشكل والمضمون. أي جهد فردي لكسر دوائر الإحتكار المطبقة هو عرضة للخيبة حتما.

نعم البعض تحمل أعباء من الجهد والعرق وكلفة من الوقت والورق لكنه ظل وفقا لقواعد لعبة لم يشارك في وضع أسسها يدور في الفلك نفسه .في منحنياتنا الديمقراطية شاهدنا كذلك نموا عشوائيا في قطاع الصحافة تحول إلى أعباء أرهقت تلك التجارب اكثر مما أغنتها. لعل التجارب المتباينة تحرض على تبني منهج مغاير يغلب مبدأ الكثرة تؤكد التعددية.

على عتبات العولمة لا مجال للكيانات الصغيرة. في العالم نفسه الإعلام يمثل جبهة الإشتباك المتقدمة حيث تدور المعارك بالكلمة والصورة. من مصلحة ذوي الطموحات العالية ورجال الدولة القوية إمتلاك مؤسسات صحافية مقتدرة ذات فعالية نافذة وتأثيرعريض. في مقاربة لا تعوزها أوجه التشابه إعتاش نظام نميري بصحيفتين؛ الأيام والصحافة أو صحف إبراهيم وموسى – إبراهيم عبد القيوم وموسى المبارك – توزيع أي منهما يفوق توزيع صحف الإنقاذ مجتمعة وأكثر جاذبية وتأثيراً. ربما على الدولة والعاملين في الحقل الصحافي التفكير في خلق كيانات أكثر قدرة على العطاء ومواكبة لعصر الصحافة الإلكترونية حيث تعايش الصحافة الورقية مرحلة التآكل في العديد من الأقطار بما في ذلك دول العالم الثالث.

موات الطبقة الوسطى في العديد من القطار العربية في ظروف متشابهة لم يؤد فقط إلى إنكماش قاعدة القراء بل جعل تلك البلاد مناطق طاردة. حقل الصحافة بين عدد من القطاعات المتأثرة بتداعيات موات الطبقة. فبالإضافة إلى إنحسار القوة الشرائية والهجرة وسط الكوادر المدربة لم يعد في وسع الأجيال الجديدة التتلمذ على أساتذة ذوي دراية. من ظل في الحقل من هؤلاء لم يعد لديه من الوقت متسع لنقل خبرته.

الصحافة الكويتية فقدت بريقها الشرق أوسطي بعدما أنكفأت داخل حدودها القطرية الضيقة. صحافة لبنان أصابتها أنيميا حادة عقب تراجع دوره ساحة لتصارع القوى الإقليمية ومرآته. الصحافة المصرية لم تعد ذات تأثير في المحيط العربي منذ تخلت عن روحها القومية. توزيع الصحافة في الخليج الورقية آخذ في الإنحسار أمام تصاعد مد الإعلام الرقمي والوسائط الذكية. مسألة التمويل تشكل عنصراً أساسيا في ذلك التحول .لعل صحفاتنا مطالبة بأخذ كل ذلك في الحسبان الآن وليس غداً.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.