ترجمة:- عبد الرحمن حسين دوسة
أرحب بهذه السانحة الكريمة التي أتيحت لي لمخاطبة مجلس الأمن الموقر للمرة الثانية بخصوص الأنشطة التي اضطلع بها مكتبي منذ عرض التقرير الأول في 29/6/2005.
تزامنت فترة التقرير الحالي مع المرحلة الأولى للتحقيق والتي افتتحتها في الأول من يونيو عام 2005. في هذه المرحلة الأولية أحرز المكتب تقدما ملحوظا في جمع معلومات ووقائع متعلقة بجرائم عدة قيل أنها وقعت بدارفور بالإضافة إلى تحديد المجموعات والأفراد المسئولين عن تلك الجرائم.
من أجل الأضطلاع بالتحقيقات والتحريات اللازمة فقد قام مكتبي بتوظيف فريق ذات تخصصات عدة إضافة إلى تطوير البنية الأساسية لإدارة وتحليل كميات هائلة من المعلومات والأدلة. الآن نواجه تحديا حقيقيا في إختيار وتدريب مترجمين أكفاء ومحايدين وذلك من خلال الأتصال بدول ومنظمات وبعثات للمساعدة في تأمين هؤلاء وتحديد الموارد البشرية الأخرى.
حسب سياسات واستراتيجيات المكتب، فإن التحقيق في المرحلة الثانية القادمة سيركز على عدد منتقاة من الحالات الجنائية وأولئك الذين يتحملون القسط الأوفر من المسئولية الجنائية عن تلك الجرائم.
لقد تمكن مكتبي من رسم صورة شاملة عن الجرائم التي أدعيت بأرتكابها في دارفور منذ يوليو 2002م، و من خلال هذه الصورة العامة تمكنا على نحو أخص من تحديد أحداث جسام إنطوت على قتل أعداد كبيرة واغتصابات جماعية وأشكال أخرى من العنف الجنسي البالغ الخطورة.
سوف نواصل في مراقبة ورصد العنف الجاري علما بأن الاعتداءات على عمال الإغاثة ومرافقهم وممتلكاتهم هو شكل العنف السائد والغالب حاليا ويشمل ذلك قتل أفرادا من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. أثر هذه الجرائم في توصيل المساعدات الإنسانية والجهود المبذولة لحفظ السلام والاستقرار بدارفور قد سبق وأن ألقى الضوء عليه في تقرير السكرتير العام للأمم المتحدة عن شهر نوفمبر الماضي. في بعض الأحوال فإن هذه الجرائم ربما تقع ضمن اختصاصات المحكمة، عليه فأنني أحث المنظمات الوطنية والدولية الذين قد يتعرضون لمثل هذه الهجمات اتخاذ خطوات لتوثيق وجمع هذه المعلومات والأدلة وتقديمها لنا.
سيدي الرئيس:
لقد أثيرت تكهنات عدة بشأن قائمة ال(51) أسما والتي أعدت من قبل اللجنة الدولية لتقصي الحقائق بدارفور. كما ذكرت من قبل فإن هذه القائمة-والتي ما زالت مشمعة ومختومة- تمثل فقط استنتاجات اللجنة الدولية وبالتالي فهي غير ملزمة للمدعي العام على أي نحو. إضافة يتعين التشديد والتأكيد على أن نشاطات وأهداف لجنة العقوبات وهيئة الخبراء المشكلة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1591 منفصلة تماماعن أعمال هذا المكتب.
سوف نجري تحقيقاتنا المستقلة بناء على قوانيننا ولوائحنا الداخلية. في الأشهر القادمة وعند انتهاء هذه المرحلة الأولية من التحقيق، فإن مكتبي سيحدد أولئك الذين ستوجه إليهم التهم بموجب المادة (53) الفقرة(2) من قانون روما الأساسي. أود أن أؤكد مجددا بأنه لم يتخذ قرار حتى اللحظة بشأن من توجه إليه التهم.
سيدي الرئيس:
مسألة حماية الشهود تشكل مصدر قلق عميق لهذه المحكمة. كما أشرت سابقا ومع استمرار العنف والهجمات فإن الوضع الأمني الحالي في دارفور سيظل متفجرا ومن ثم  فأن إنشاء نظام فعال لحماية الشهود يعتبر شرطا مسبقا لإجراء أية تحقيقات ذات معني بدارفور. إذن ولاعتبارات المناخ غير الآمن السائد حاليا وبسبب غياب نظام حماية فاعل فإن التحقيقات التي جرت حتى الآن تمت خارج دارفور.

رغم هذه المعوقات فإن قدرا كبيرا من التقدم في التحريات قد تحقق ويلزمني هنا أن أشكر الدول والمنظمات التي قدمت لنا هذه المعلومات وأشكالا أخرى من المساعدات. لقد حددنا شهودا في 17 دولة وحصرنا ما يقارب المائة شاهدا محتملا كما أخذنا إفادات رسمية عدة. نحن الآن بصدد التدقيق في المئات من الشهود المحتملين وذلك إما بشكل مباشر أو بمساعدة بعض الدول والمنظمات. ولتسهيل هذه العملية فقد سجل مكتبي حضورا شبه دائم بالمنطقة وهو ما يسهل سبل الانتقال والتحرك الآمن وتسهيلات أخرى أثناء عملية تحديد الشهود وإجراء مقابلات معهم.
وبما أن المحكمة الجنائية الدولية هي أداة تكميلية لاختصاصات المحاكم الوطنية والمحلية وذلك حسب منطوق المادة(53) الفقرة(2) من القانون فإن المعيار القانوني لتقييم المحاكمات الجارية الآن بالسودان  يقتصر فقط على القضايا التي اختيرت للمحاكمة لا الحالة المتعلقة بالنظام القضائي السوداني كل.
بناء عليه فإن مكتبي سيواصل في جمع وتحليل المعلومات الخاصة بمختلف الآليات التي أنشأتها السلطات السودانية للتعامل مع الجرائم المرتكبة في دارفور ويشمل ذلك المحكمة الخاصة بدارفور والمنشأة بموجب القرارين الصادرين في 7/6 ، 11/6/2005م.
في نوفمبر 2005 علمنا بصدور قرارا يقضي بإنشاء محكمتين بكل من الجنينه ونيالا، وأن قضاة ومدعين إضافيين قد تم  تعيينهم لهذه المحاكم كما علمنا أيضا أن صلاحيات هذه المحاكم قد جرى توسيعها للنظر في الادعاءات المتعلقة بانتهاك القوانين الإنسانية كما أن الحكومة السودانية جددت التزامها بالسماح لمراقبي الاتحاد الأفريقي والدولي بالدخول والخروج. فضلا عن ذلك فقد أنشأت عدة آليات ولجان للنظر في مختلف جوانب الجرائم المرتكبة بدارفور من بينها مركز منع الجرائم المرتكبة ضد النساء ومكتب الادعاء للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. شرعت الحكومة السودانية أيضا في معالجات لتشجيع المصالحات القبلية وإجراءات لعقد مؤتمر عام لأهل دارفور في ديسمبر 2005 وذلك ضمن جهود أخرى لإيجاد حل شامل للأزمة.
رغم ذلك فإن حالة انعدام الأمن السائدة لا تسمح بإقامة نظام فعال لحماية الضحايا والشهود. هذه الحالة أرغمت مكتبي لإجراء التحقيقات خارج السودان، كما وأنها تمثل معوقا خطيرا لإجراء أية تحقيقات ذات معني بدارفور من قبل المحاكم الوطنية والمحلية. حتى اللحظة فإن أعمال المحكمة الخاصة لا تعطي انطباعا بأن القضايا التي ربما تنظر أمام المحكمة الجنائية سوف لا تكون مقبولة أمامها حسب منطوق المادة(53) الفقرة(2) من القانون. سوف يراقب مكتبي عن كثب كافة الإجراءات الوطنية والمحلية ذات الصلة.
بجانب مبدأ المقبولية فأنني مطالب أيضا بموجب قانون روما الأساسي للبت عما إذا كانت المحاكمات قد لا تكون في مصلحة العدالة، ولتقرير هذا العنصر فإنني سأضع نصب عيني مختلف الجهود الوطنية والدولية التي تهدف لتحقيق السلام والأمن جنبا لجنب مع وجهات نظر الشهود والضحايا.
سيدي الرئيس:
قرار مجلس الأمن رقم 1593 طلب من الحكومة السودانية وكافة الأطراف الأخرى التعاون التام مع المحكمة والمدعي العام، كما دعا كافة الدول الأخرى والمنظمات خاصة الاتحاد الأفريقي لتعاون مماثل.
منذ تقريري الأول لمجلس الأمن فقد ظلت المحكمة تحث بإلحاح الاتحاد الأفريقي لتوقيع اتفاقية تعاون اكتملت صياغتها منذ مايو 2005م.
لقد اتصلت ببعثة الاتحاد الأفريقي للسودان وكتبت لرئاسة الاتحاد الأفريقي طالبا الاجتماع بالمسئولين المعنيين وذلك للبحث في آليات التعاون وانتهاز هذه الفرصة لاضطلاع مجلس السلم والأمن الأفريقي بالتطورات والمستجدات.
المرحلة الثانية من التحقيقات ستكون حاسمة ونجاحها يتطلب تعونا وثيقا من الاتحاد الأفريقي، عليه نأمل تحقيق تقدم سريع خلال هذه المرحلة بشأن العلاقة مع الاتحاد الأفريقي.

سيدي الرئيس:
خلال فترة هذا التقرير شهدنا خطوات نحو تنفيذ اتفاقية السلام الشامل حيث شكلت حكومة الوحدة الوطنية في 22/9/2005م. أثناء هذه الفترة التمهيدية والأنتقالية لم يتقدم مكتب المدعي العام بأي طلب مساعدة للحكومة السودانية غير أننا حافظنا على اتصالاتنا بالمسئولين السودانيين.
كما أشرنا من قبل فإن مكتبي قام بجمع معلومات وأدلة عديدة من خارج السودان ومن المهم جدا خلال مرحلة جمع الوقائع أن يتمكن المكتب من تكوين فهم عميق وتصور متكامل للوضع في دارفور والظروف التي ارتكبت فيها هذه الجرائم.
في السياق ذاته وتحديدا خلال الفترة 17-24 نوفمبر 2005 قام مندوبون عن مكتب الإدعاء والمسجل العام بزيارة الخرطوم لمناقشة قضايا تتعلق بجيش الرب والوضع في دارفور، وكجزء من عملية جمع الوقائع فقد تقدمنا خلال هذه الزيارة بطلب للسلطات السودانية للمساعدة في إجراء مقابلات عدة من شأنها أن توفر رؤية داخلية لأفعال كافة أطراف النزاع إضافة إلى إمكانية تقييم الإجراءات المحلية التي اتخذتها المحاكم الخاصة والجهات القضائية الأخرى.
في استجابة لهذا الطلب وافقت السلطات السودانية على ترتيب زيارة مكتب الأدعاء العام للسودان بحلول نهاية فبراير 2006 وذلك بهدف الالتقاء والأستماع للمحاكم الخاصة وتقيم الاجراءات المتخذة في شأن الجرائم المرتكبة. كما وافقت الحكومة السودانية على أن تقوم وزارة الدفاع بأعداد تقريرا ضافيا خلال مارس 2006 القادم عن مواضيع وأمور يحددها مسبقا المدعي العام. لحظة تقديم تقريري هذا لمجلس الأمن الموقر كنت لا أزال أترقب تأكيدا خطيا من الحكومة السودانية بخصوص هذه الترتيبات. الآن علمت بأن الحكومة السودانية قدمت هذا التأكيد الخطي.
هذا فقد سبق وأن اتصلنا بأطراف أخرى من ضمنها المجموعات الرئيسة للمتمردين غير أن انشقاقاتهم أثرت سلبا علي مساعينا لخلق قناة إتصال مع حركة وجيش تحرير السودان، ومهما يكن من أمر سنواصل جهودنا نحو فتح قنوات إتصال ومنح فرص متكافئة لكافة الفرقاء والمعنيين بالصراع لتشجيعهم علي تقديم ما قد يكون بحوزتهم من معلومات وأدلة وذلك خلال المرحلة الثانية من التحقيق.
رغم الجهود العديدة التي تبذل لتحقيق السلام، فمن الواضح أن التحقيقات بشان الوضع في دارفور تجري في ظل عنف متواصل ووضع سياسي انتقالي بالغ التعقيد. سيظل مكتبي مدركا ومستوعبا لهذه المتغيرات وسنسعي أيضا لتعزيز وتطوير العمل مع الأتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة، الحكومة السودانية ودول ومنظمات أخري. في ذات الوقت فأن مكتبي يعي جيدا حقيقة أن تحديد المسئولية عن الجرائم الخطيرة المرتكبة بدارفور يعتبر عنصرا أساسيا لأية عملية سلام مستدام.
وحيث قد شرعنا للتو في إتخاذ الخطوات الأولية نحو إقامة علاقة تعاون، فأننا نتطلع قدما - خلال المرحلة الثانية - لقدر أكبر من التعاون من جانب الحكومة السودانية في مجال جمع الوقائع والبينات.
سنحيط مجلسكم الموقر بالتطورات والتحديات التي قد تطرأ خلال المرحلة القادمة.
وشكرا
لويس مورينو أوكامبو
المدعي العام
نيويورك