207


رسالة مؤرخة 31 كانون الثاني/يناير 2005 موجهة من الأمين العام إلى رئيس مجلس الأمن
في رسالتي المؤرخة 8 تشرين الأول/أكتوبر 2004، أعلمتكم وأعضاء مجلس الأمن بقراري تعيين لجنة تحقيق مؤلفة من خمسة أعضاء للتحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في دارفور، بالسودان. وطلبتُ إلى اللجنة أن تضطلع بمهمتها خلال ثلاثة أشهر وأن تقدم لي تقريرا عن ذلك.
وأرفق لكم طيه التقرير الذي قدمته إليَّ اللجنة.
(توقيع) كوفي عنان

تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن دارفور المقدم إلى الأمين العام
        عملا بقرار مجلس الأمن 1564 (2004) المؤرخ 18 أيلول/ سبتمبر 2004

        موجز
    استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، اتخذ مجلس الأمن في 18 أيلول/ سبتمبر 2004 القرار 1564 (2004) وطلب فيه، ضمن أمور أخرى، أن يقوم الأمين العام على وجه السرعة بإنشاء لجنة تحقيق دولية تضطلع فورا بالتحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ترتكبها جميع الأطراف في دارفور، ولتحدد أيضا ما إذا كانت وقعت أعمال إبادة جماعية، وتحديد هوية مرتكبي تلك الانتهاكات لكفالة محاسبة المسؤولين عنها.
    وفي تشرين الأول/أكتوبر 2004، عين الأمين العام أنطونيو كاسيسيه (رئيسا) وهينا جيلاني وتيريزا ستريغنر - سكوت ودوميسا نتسيبيزا ومحمد فايق أعضاء في اللجنة وطلب إليهم تقديم تقرير عن نتائج تحقيقاتهم خلال ثلاثة أشهر. وساندت اللجنة في عملها أمانة ترأستها مديرة تنفيذية، هي منى رشماوي، فضلا عن فريق للبحث القانوني وفريق للتحقيق مؤلف من محققين وخبراء في الطب الشرعي، ومحللين عسكريين، ومحققين متخصصين في مجال العنف ضد المرأة، عينتهم جميعا مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. واجتمعت اللجنة في جنيف وبدأت عملها في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2004.
    ولكي تضطلع اللجنة بولايتها، عملت على أداء أربع مهام رئيسية، هي: (1) التحقيق في التقارير المتعلقة بالانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي وللقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ارتكبتها جميع الأطراف في دارفور؛ و (2) تحديد ما إذا كانت قد ارتكبت أعمال إبادة جماعية أم لا؛ و (3) تحديد مرتكبي  انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في دارفور؛ و (4) اقتراح الوسائل الكفيلة بمحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات. ولئن كانت اللجنة قد نظرت في جميع الأحداث ذات الصلة بالصراع الجاري في دارفور، فقد ركزت أعمالها بصفة خاصة على الأحداث التي وقعت في الفترة بين شباط/فبراير 2003 ومنتصف كانون الثاني/يناير 2005.
    ودخلت اللجنة في حوار منتظم مع حكومة السودان طوال فترة ولايتها، وخاصة من خلال الاجتماعات التي عقدت في جنيف والسودان، وكذا من خلال جهود فريق التحقيق التابع للجنة. وزارت اللجنة السودان في الفترة من 7 إلى 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2004 ومن 9 إلى 16 كانون الثاني/يناير 2005، بما في ذلك السفر إلى ولايات دارفور الثلاث. وظل فريق التحقيق يعمل في دارفور طوال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 2004 إلى كانون الثاني/يناير 2005. وعقدت اللجنة أثناء وجودها في السودان اجتماعات مطولة مع ممثلي الحكومة، وولاة ولايات دارفور، وغيرهم من كبار المسؤولين في العاصمة وعلى مستوى المحافظات والمستوى المحلي، ومع أفراد من القوات المسلحة والشرطة، وقادة قوات التمرد، وزعماء القبائل، والمشردين داخليا، وضحايا وشهود الانتهاكات، والمنظمات غير الحكومية، وممثلي الأمم المتحدة.
    وقدمت اللجنة تقريرا كاملا عن نتائج تحقيقاتها إلى الأمين العام في 25 كانون الثاني/يناير 2005. ويصف التقرير صلاحيات كل من اللجنة وفريق التحقيق التابع لها، وطرائق عملهما، ونهجهما، والأنشطة التي اضطلعا بها. ويتضمن التقرير أيضا لمحة عامة عن الخلفية التاريخية والاجتماعية للصراع في دارفور، ثم يعالج المهام الأربع المشار إليها أعلاه بشيء من التفصيل، فيورد الاستنتاجات التي توصلت إليها اللجنة فيما يتعلق بما يلي: (1) انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي ارتكبها جميع الأطراف؛ و (2) تحديد ما إذا كانت قد ارتكبت أعمال إبادة جماعية أم لا؛ و (3) تحديد هوية مرتكبي الانتهاكات؛ و (4) آليات المساءلة. ويرد فيما يلي سرد موجز لهذه التقسيمات الأربعة.

    أولا -    انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي
    نظرت اللجنة بعناية، وفقا لولايتها في التحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، في تقارير واردة من مصادر مختلفة ومن بينها حكومات، ومنظمات حكومية دولية، وهيئات وآليات تابعة للأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية.
    واتخذت اللجنة منطلقا لأعمالها حقيقتين لا يمكن دحضهما بشأن الحالة في دارفور. أولا، فوفقا لتقديرات الأمم المتحدة، هناك أشخاص مشردون داخليا في دارفور يبلغ عددهم 1.65 مليون شخص، ويوجد أكثر من 000 200 لاجئ من دارفور في تشاد المجاورة. ثانيا، حدث دمار واسع النطاق للقرى في جميع أرجاء ولايات دارفور الثلاث. وأجرت اللجنة تحقيقات مستقلة للوقوف على المزيد من الوقائع وجمعت قدرا كبيرا من المعلومات عن حالات انتهاكات متعددة ارتكبت في قرى ومدن ومواقع أخرى عبر ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وغرب دارفور. وتستند نتائج تحقيقات اللجنة إلى تقييم الوقائع التي تجمعت لديها أو استوثقت منها أثناء التحقيق.
    واستنادا إلى تحليل دقيق للمعلومات التي جمعت خلال تحقيقات اللجنة، تبينت للجنة مسؤولية حكومة السودان ومليشيات الجنجويد عن انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي تشكل جرائم بموجب القانون الدولي. وعلى وجه الخصوص، فقد تبين للجنة أن قوات الحكومة والمليشيات شنت هجمات عشوائية، شملت قتل المدنيين، والتعذيب، والاختفاءات القسرية، وتدمير القرى، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والنهب، والتشريد القسري، في جميع أرجاء دارفور. وقد نُفذت هذه الأعمال على نطاق واسع وبصورة منهجية، وهي بالتالي قد تشكل جرائم ضد الإنسانية. وأدت أعمال التدمير والتشريد واسعة النطاق إلى فقدان عدد لا يحصى من النساء والرجال والأطفال لأسباب المعيشة ووسائل البقاء. وبالإضافة إلى الهجمات واسعة النطاق، جرى اعتقال واحتجاز الكثيرين، وعزل الكثيرون في أماكن مجهولة لفترات طويلة وعُذبوا. وكانت الأغلبية الساحقة من ضحايا هذه الانتهاكات من قبائل الفور والزغاوة والمساليت والجبل والأرنجا وغيرها من القبائل المسماة بالقبائل "الأفريقية".
    وذكر مسؤولو حكومة السودان، في مناقشاتهم مع اللجنة، أن أي هجمات شنتها القوات المسلحة الحكومية في دارفور كانت لأغراض التصدي للتمرد واقتضتها حتميات عسكرية. ومع ذلك¡ فقد  اتضح من نتائج تحقيقات اللجنة أن أغلب الهجمات استهدفت المدنيين عمدا وبصورة عشوائية. وعلاوة على ذلك، فحتى لو كان المتمردون، أو من يدعمونهم، موجودين في بعض القرى، وهو الاحتمال الذي تعتبره اللجنة ممكنا في عدد ضئيل جدا من الحالات، فإن المهاجمين لم يتخذوا الاحتياطات اللازمة لتمكين المدنيين من مغادرة القرى أو لحمايتهم من الهجوم. وحتى في الحالات التي ربما كان المتمردون موجودين فيها في القرى، فإنه يتبين من أثر الهجمات التي شنت على المدنيين أن استخدام القوة العسكرية كان بلا شك غير متناسب مع أي خطر يمثله المتمردون.
    ومما يثير انزعاج اللجنة الشديد أن أعمال التهجم على القرى، وقتل المدنيين، والاغتصاب، والنهب، والتشريد القسري استمرت كلها خلال فترة ولاية اللجنة. وترى اللجنة أنه ينبغي اتخاذ إجراء عاجل لوقف هذه الانتهاكات.
    ولم يتبين للجنة وقوع هذه الانتهاكات وفق نمط منهجي أو منتشر ولكنها وجدت أدلة موثوقا بها على أن قوات التمرد، وجيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة مسؤولة هي أيضا عن وقوع انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي قد تشكل جرائم حرب. ومن بين هذه الانتهاكات، بوجه خاص، قتل المدنيين وأعمال النهب.
    ثانيا -    هل حدثت أعمال إبادة جماعية؟
    خلصت اللجنة إلى أن حكومة السودان لم تتبع سياسة الإبادة الجماعية. ويمكن القول هنا بتوافر ركنين من أركان الإبادة الجماعية استنادا إلى وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتكبتها القوات الحكومية والمليشيات الواقعة تحت سيطرتها. والركنان هما: أولا، الفعل الإجرامي، فعل القتل، أو إلحاق أذى جسدي أو معنوي جسيم، أو تعمد إخضاع آخرين لظروف معيشية تؤدي على الأرجح إلى الهلاك البدني؛ وثانيا، وهذا معيار ذاتي، وجود جماعة محمية يستهدفها مقترفو السلوك الإجرامي. ومع ذلك، يبدو أن العنصر الجوهري، عنصر عقد النية للإبادة الجماعية، غير موجود، على الأقل فيما يتعلق بالسلطات الحكومية المركزية. وعموما، فإن سياسة التهجم على أفراد بعض القبائل وقتلهم وتشريدهم قسريا لا تدل على وجود نية محددة للإبادة الكلية أو الجزئية لجماعة تميزها مقومات عرقية أو إثنية أو قومية أو دينية معينة. والأحرى أن من خططوا للهجمات على القرى ونظموها فعلوا ذلك، على ما يبدو، بنية طرد الضحايا من مساكنهم، لأغراض تتعلق أساسا بالحرب ضد التمرد.
    وتقر اللجنة بأنه ربما يكون هناك أفراد، ومن ضمنهم مسؤولون حكوميون، ارتكبوا أعمالا بنية الإبادة الجماعية. إلا أن البت في صحة ذلك أو عدم صحته في دارفور أمر لا يتسنى إلا لمحكمة مختصة وعلى أساس كل حالة على حدة.
    والاستنتاج القائل بأن السلطات الحكومية لم تتبع ولم تنفذ سياسة الإبادة الجماعية في دارفور، مباشرة أو عن طريق المليشيات الخاضعة لسيطرتها، لا ينبغي أن يفسر بأية طريقة تقلل من خطورة الجرائم التي ارتُكبت في تلك المنطقة. فالجرائم الدولية من قبيل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتُكبت في دارفور قد لا تقل خطورة وفظاعة عن جريمة الإبادة الجماعية.

    ثالثا -    تحديد هوية مرتكبي الانتهاكات
    جمعت اللجنة عناصر موثوقا بها ومتسقة تشير إلى مسؤولية بعض الأفراد عن ارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي، بما فيها جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، في دارفور. وبغية تحديد هوية مرتكبي هذه الانتهاكات، قررت اللجنة أنه لا بد من توافر مجموعة مواد موثوق بها تكون متسقة مع ظروف أخرى جرى التحقق منها وتنحو إلى إظهار جواز ومعقولية اتهام شخص بالضلوع في ارتكاب جريمة. ومن ثم، تجري اللجنة تقييما لمن يحتمل الاشتباه فيهم، دون إصدار حكم نهائي بإسناد الذنب الجنائي.
    وأولئك الذين أشير إليهم بوصفهم أشخاصا يحتمل أن يكونوا مسؤولين عن الانتهاكات الآنفة الذكر يتألفون من فاعلين أفراد، ومن ضمنهم مسؤولون في حكومة السودان، وأعضاء في قوات المليشيا، وأعضاء في الجماعات المتمردة، وبعض ضباط جيوش أجانب عملوا بصفتهم الشخصية. وسمي أيضا بعض المسؤولين الحكوميين، فضلا عن بعض أعضاء قوات المليشيا، باعتبار احتمال مسؤوليتهم عن المشاركة في توجه إجرامي مشترك لارتكاب جرائم دولية. وحُدد آخرون لإمكانية ضلوعهم في التخطيط لارتكاب جرائم دولية و/أو الأمر بها، أو المساعدة على ارتكابها والتحريض عليها. وكذلك أشارت اللجنة إلى عدد من كبار المسؤولين الحكوميين والقادة العسكريين ربما يكونون مسؤولين، بموجب مفهوم مسؤولية الرئيس (أو القائد)، عن عدم منع أو قمع ارتكاب جرائم رغم علمهم بها. وسُمي أعضاء من المجموعات المتمردة كمشتبه فيهم للاشتراك في توجه جنائي مشترك لارتكاب جرائم دولية وبصفتهم أشخاصا يحتمل أن يكونوا مسؤولين عن عدم منع أو قمع ارتكاب جرائم اقترفها المتمردون، رغم علمهم بها.
    وقررت اللجنة عدم الإفصاح عن أسماء هؤلاء الأشخاص. ويستند هذا القرار إلى ثلاثة أسس رئيسية هي: (1) أهمية مبدأي أصول المحاكمات واحترام حقوق المشتبه فيهم؛ و (2) عدم منح اللجنة سلطة التحقيق أو الادعاء القانوني؛ و (3) شدة الحاجة إلى كفالة حماية الشهود من احتمال التعرض للمضايقة أو التخويف. وعوضا عن ذلك، تعد اللجنة قائمة بالأسماء تضعها في ملف مغلق مختوم يودع لدى الأمين العام للأمم المتحدة. وتوصي اللجنة بتسليم هذا الملف إلى مدع عام مختص (هو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وفقا لتوصيات اللجنة) كي يستخدم هذه المواد على النحو الذي يراه مناسبا لما يجريه من تحقيقات. وسيسلم ملف مغلق مختوم منفصل ضخم جدا يتضمن جميع المواد الاستدلالية التي جمعتها اللجنة إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. وينبغي تسليم هذا الملف إلى مدع عام مختص.

    رابعا -    آليات المساءلة
    توصي اللجنة بشدة بأن يحيل مجلس الأمن الحالة في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية فورا، عملا بالمادة 13 (ب) من النظام الأساسي للمحكمة. وكما أعلن مجلس الأمن مرارا، تشكل الحالة تهديدا للسلم والأمن الدوليين. وعلاوة على ذلك، فكما أكدت اللجنة، تواصل جميع الأطراف ارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي. ومن شأن مقاضاة المحكمة الجنائية الدولية للأشخاص المدعى بمسؤوليتهم عن أخطر الجرائم في دارفور أن تسهم في استعادة السلام في المنطقة.
    والجرائم المدعى بارتكابها التي جرى توثيقها في دارفور تفي بمعايير نظام روما الأساسي حسبما تعرفها المواد 7 (1)، و 8 (1)، و 8 (و). فهناك صراع مسلح داخلي في دارفور بين السلطات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة. وتشير مجموعة من المعلومات الموثوقة إلى احتمال وقوع جرائم حرب على نطاق واسع، بل وأحيانا كجزء من خطة أو سياسة. وهناك أيضا قدر كبير من المواد الموثوقة يشير إلى أن أعمالا إجرامية ارتكبت في إطار هجمات واسعة النطاق أو منهجية ضد السكان المدنيين، مع توافر العلم بهذه الهجمات. ومن ثم، فمن رأي اللجنة أن هذه الأعمال قد تشكل جرائم ضد الإنسانية.
    ونظام العدالة السوداني غير قادر على معالجة الحالة في دارفور وغير راغب في ذلك. وقد أُضعف هذا النظام كثيرا خلال العقد الماضي. وكان من شأن القوانين المقيدة التي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة أن قوضت فعالية الهيئة القضائية. وكثير من القوانين السارية في السودان اليوم تخالف المعايير الأساسية لحقوق الإنسان. والقوانين الجنائية السودانية لا تحرّم بالقدر الكافي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، من قبيل الجرائم التي ترتكب في دارفور، وقانون الإجراءات الجنائية يتضمن أحكاما تحول دون المقاضاة الفعالة على هذه الأعمال. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أبلغ ضحايا كثيرون اللجنة بأنهم لا يثقون كثيرا في حياد نظام العدالة السوداني وقدرته على محاكمة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة المرتكبة في دارفور. وعلى أي حال، يخشى الكثيرون من التعرض لأعمال انتقامية في حالة لجوئهم إلى نظام العدالة الوطني.
    والتدابير التي اتخذتها الحكومة حتى الآن لمعالجة الأزمة يشوبها نقص كبير وغير فعالة إلى حد بعيد، الأمر الذي أسهم في إيجاد مناخ يسوده الإفلات التام من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور. وقليلون جدا هم الضحايا الذين يتقدمون بشكاوى رسمية بخصوص جرائم ارتكبت ضدهم أو ضد أسرهم، نتيجة لعدم الثقة في نظام العدالة. وفي الحالات القليلة التي قدمت فيها شكاوى، لم تحدث متابعة لغالبية الشكاوى. وعلاوة على ذلك، هناك عقبات إجرائية تحد من لجوء الضحايا إلى القضاء. ورغم ضخامة الأزمة وأثرها الكبير على المدنيين في دارفور، لم تبلغ الحكومة اللجنة إلا بحالات قليلة جدا حوكم فيها أفراد، أو حتى تعرضوا لإجراءات تأديبية، في سياق الأزمة الحالية.
    وترى اللجنة أن على مجلس الأمن اتخاذ إجراءات ليس ضد مرتكبي الجرائم وحسب، وإنما أيضا نيابة عن الضحايا. ومن ثم، توصي اللجنة بإنشاء لجنة تعويضات لتقديم تعويضات لضحايا الجرائم، سواء جرى تحديد مرتكبي الجرائم أم لا.
    وتوصي اللجنة كذلك بأن تتخذ حكومة السودان عددا من التدابير الجادة، خاصة ما يلي: (1) وضع حد للإفلات من العقاب على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في دارفور؛ و (2) تعزيز استقلال الهيئة القضائية وحيادها، وتمكين المحاكم من معالجة انتهاكات حقوق الإنسان؛ و (3) إتاحة وصول لجنة الصليب الأحمر الدولية ومراقبي حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة على نحو كامل وغير معاق إلى جميع المحتجزين فيما يتعلق بالحالة في دارفور؛ و (4) كفالة الحماية لجميع ضحايا وشهود انتهاكات حقوق الإنسان و (5) تعزيز قدرة الهيئة القضائية السودانية عن طريق تدريب القضاة، والمدعين العامين، والمحامين؛ و (6) احترام حقوق الأشخاص المشردين داخليا والتنفيذ الكامل للمبادئ التوجيهية المتعلقة بالتشرد الداخلي، خاصة فيما يتعلق بتيسير العودة الطوعية للمشردين داخليا في أمان وبكرامة؛ و (7) التعاون الكامل مع هيئات وآليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ذات الصلة؛ و (8) إنشاء لجنة للحقيقة والمصالحة، من خلال عملية تشاورية واسعة، فور استتباب السلام في دارفور.
    وتوصي اللجنة أيضا باتخاذ هيئات أخرى عددا من التدابير للمساعدة في كسر دائرة الإفلات من العقاب. ومن بين هذه التدابير ممارسة دول أخرى لمبدأ الولاية العالمية، وقيام لجنة حقوق الإنسان بإعادة إنشاء ولاية المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في السودان، وتقديم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان تقارير علنية ودورية عن حالة حقوق الإنسان في دارفور.
المحتويات
الصفحة
الفقرات

13
1-72
    مقدمة         
13
1-39
        ألف -    دور لجنة التحقيق     
13
1
            1 -    إنشاء اللجنة         
13
2-11
            2 -    صلاحيات اللجنة         
16
12-17
            3 -    طرائق العمل         
18
18-19
            4 -    الضغوط الرئيسية التي عملت اللجنة في ظلها         
19
20-25
            5 -    عرض مختصر لزيارات اللجنة إلى السودان         
20
26-39
            6 -    تعاون السلطات السودانية والمتمردين         
24
40-42
        بـــاء -    معلومات أساسية تاريخية واجتماعية     
24
40-50
            1 -    السودان         
28
51-60
            2 -    دارفور         
32
61-72
            3 -    الصراع الحالي في دارفور         
37
73-488
الجزء الأول
استنتاجات اللجنة عن انتهاكات الطرفين للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي     
37
73
    أولا -    مقدمة     
37
74-76
    ثانيا -    طبيعة النزاع في دارفور     
38
77-141
    ثالثا -    فئات الأشخاص أو المجموعات المشاركة في النزاع المسلح     
39
78-97
        ألف -    القوات المسلحة الحكومية     
44
98-126
        بـــاء -    المليشيات المدعومة من الحكومة و/أو الخاضعة لسلطتها: الجنجويد     
52
127-141
        جيم -    جماعات حركات المتمردين     
57
142-174
    رابعا -    الالتزامات القانونية الدولية التي تقع على حكومة السودان وعلى المتمردين     
58
143-171
        ألف -    قواعد القانون الدولي ذات الصلة الملزمة لحكومة السودان     
74
172-174
        بـــاء -    القواعد الملزمة للمتمردين     
74
175-181
    خامسا -    فئات الجرائم الدولية         
78
182-418
    سادسا -    انتهاكات القانـــون الدولي لحقـــوق الإنســـان والقانـــون الإنساني الدولي - النتائج الوقائعية والقانونية التي خلصت إليها اللجنة     
78
182-198
        ألف -    لمحـــة عامـــة عن انتهاكات القانـــون الدولي لحقــوق الإنســـان والقانون الإنساني الدولي التي قدمت الهيئات الأخرى تقارير بشأنها     
83
199-213
        بـــاء -    المعلومات المقدمة من حكومة السودان     
86
214-221
        جيم -    المعلومات المقدمة من جماعتي التمرد     
88
222-224
        دال -    مهمة اللجنة     
89
225-236
        هــاء -    الحقيقتــان اللتــان لا يمكن دحضهما: التشريد الجماعي والتدمير الواسع النطاق للقرى         
92
237-418
        واو -    الانتهاكات التي ارتكبها الأطراف     
157
419-487
    سابعا -    الإجراءات التي اتخذتها الهيئات السودانية لوقف الانتهاكات ومعالجتها    
157
421-427
        ألف -    الإجراءات التي اتخذتها الشرطة    
160
428-449
        بـــاء -    الإجراءات التي اتخذتها الهيئة القضائية    
165
450-455
        جيم -    القوانين السودانية ذات الصلة بالتحقيق الحالي    
167
456-487
        دال -    الإجراءات التي اتخذتها هيئات أخرى    
179
488
    ثامنا -    الإجراءات التي اتخذها المتمردون لعلاج الانتهاكات المرتكبة    
180
489-522
الجزء الثاني
    هل وقعت أعمال إبادة جماعية؟    
180
489-506
    أولا -    مفهوم الإبادة الجماعية    
188
507-522
    ثانيا -    هل تشكل الجرائم التي اقترفت في دارفور أعمالا للإبادة الجماعية؟    
195
523-564
الجزء الثالث
    تحديد هوية الفاعلين المحتملين للجرائم الدولية    
195
523-532
    أولا -    لمحة عامة    
198
533-557
    ثانيا -    أنماط المسؤولية الجنائية عن الجنايات الدولية    
198
533-537
        ألف -    ارتكاب الجرائم الدولية أو الاشتراك في ارتكابها    
200
538-546
        بــاء -    العمل الإجرامي المشترك لارتكاب جرائم دولية    
203
547-550
        جيم -    المساعدة على ارتكاب جرائم دولية والتحريض عليه    
205
551-554
        دال -    التخطيط لارتكاب الجرائم الدولية    
206
555-557
        هــاء -    توجيه الأمر بارتكاب جرائم دولية    
207
558-564
        واو -    عدم منع أو قمع ارتكاب الجرائم الدولية (مسؤولية الرؤساء)    
211
565-625
الجزء الرابع
    الآليات الممكنة لضمان المساءلة على الجرائم المرتكبة في دارفور    
211
565-570
    أولا -    أوجه القصور في نظام العدالة الجنائية بالسودان وما يترتب عليها من ضرورة اقتراح آليات جنائية أخرى    
212
571-603
    ثانيا -    التدابير التي يتعين أن يتخذها مجلس الأمن    
212
571-589
        ألف -    الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية    
219
590-603
        بـــاء -    إنشاء لجنة للتعويضات    
224
604-625
    ثالثا -    التدابير التي يمكن أن تتخذها الهيئات الأخرى    
224
605-616
        ألف -    الدور الذي يمكن أن تقوم به المحاكم الوطنية فيما عدا السودان من الدول    
227
617-621
        بـــاء -    لجنة تقصي الحقائق والمصالحة    
229
622-625
        جيم -    تعزيز نظام العدالة الجنائية في السودان    
231
626-653
الجزء الخامس
    الاستنتاجات والتوصيات    
231
630-639
    أولا -    النتائج فيما يتعلق بالوقائع والنتائج القانونية    
234
640-642
    ثانيا -    هل تشكل الجرائم المرتكبة في دار فور أعمال إبادة جماعية؟    
235
643-646
    ثالثا -    من هم الجناة؟    
237
647-653
    رابعا -    توصيات اللجنة فيما يتعلق بالتدابير التي تكفل محاسبة المسؤولين    
237
647-649
        ألف -    التدابير التي ينبغي أن يتخذها مجلس الأمن    
238
650
        بـــاء -    الإجراءات التي ينبغي أن تتخذها السلطات السودانية    
239
651-653
        جيم -    التدابير التي يمكن أن تتخذها هيئات أخرى    


المرفقات
240
    الأول -    السير الشخصية لأعضاء اللجنة    
243
    الثاني -    الاجتماعات الرسمية المعقودة مع حكومة السودان وحركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة    
246
    الثالث -    الأماكن التي تمت زيارتها    
248
    الرابع -    التقارير العامة التي أطلعت عليها اللجنة    
254
    الخامس -    لمحة عامة عن أنشطة أفرقة التحقيق التابعة للجنة    
        مقدمة

    ألف -    دور لجنة التحقيق
    1 -    إنشاء اللجنة
1 -    أنشئت لجنة التحقيق الدولية المعنية بدارفور عملا بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1564 (2004)، الذي اعتمد في 18 أيلول/سبتمبر 2004. وفي هذا القرار، الذي اتُخذ في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، طلب المجلس إلى الأمين العام أن يقوم على وجه السرعة بإنشاء اللجنة. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2004، عين الأمين العام هيئة من خمسة أعضاء تتكون من أنطونيو كاسيسيه (إيطاليا)؛ ومحمد فائق (مصر)؛ وهينا جيلاني (باكستان)؛ ودوميسا نتسيبيزا (جنوب أفريقيا)؛ وتيريزا سترنغر - سكوت (غانا) وعين السيد كاسيسيه رئيسا لها. وقرر الأمين العام أن تتولى توفير موظفي اللجنة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وعينت منى رشماوي مديرة تنفيذية للجنة ورئيسة لموظفيها. واجتمعت اللجنة في جنيف وبدأت عملها في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2004. وطلب الأمين العام إلى اللجنة أن ترفع إليه تقريرا في غضون ثلاثة أشهر، أي بحلول 25 كانون الثاني/يناير 2005.
    2 -    صلاحيات اللجنة
2 -    يرد في الفقرة 12 من القرار 1564 (2004) بيان مهام اللجنة وهي كالتالي: التحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ترتكبها جميع الأطراف في دارفور؛ وتحديد ما إذا كانت قد وقعت أعمال إبادة جماعية أم لا؛ وتحديد هوية مرتكبي الانتهاكات؛ من أجل كفالة محاسبة المسؤولين عنها. ويتعين بموجب القرار أن تنفذ تلك المهام فورا.
3 -    وتعني أولى المهام المشار إليها أعلاه ضمنيا أنه يجب على اللجنة، بدلا عن التحقيق في الانتهاكات المدعى بها، أن تحقق في "التقارير" المتعلقة بتلك الانتهاكات التي ترتكبها جميع الأطراف. ويعني ذلك أن اللجنة مفوضة بإثبات الوقائع المتصلة بما يمكن أن يكون قد ارتكب من انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي في دارفور. ويجب على اللجنة في هذا الصدد أن تعمل باعتبارها هيئة لتقصي الحقائق، وأن تبدأ بتقييم المعلومات الواردة في التقارير المختلفة التي تعدها هيئات أخرى، بما في ذلك الحكومات، وهيئات الأمم المتحدة، وأجهزة المنظمات الحكومية الدولية الأخرى، والمنظمات غير الحكومية.
4 -    وتُعنى اللجنة أيضا بتصنيف انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي قد تثبتها، من وجهة نظر القانون الجنائي الدولي. وهذا التصنيف القانوني مطلوب ضمنيا من أجل المهام الأخرى التي حددها للجنة مجلس الأمن، وهي (أ) أن تقرر ما إذا كانت تلك الانتهاكات ترقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية، و (ب) تحديد هوية مرتكبي تلك الانتهاكات. ومن الواضح أنه لن يتسنى للجنة أداء هذه المهام إن لم تكن قد حددت من قبل: (أ) ما إذا كانت الانتهاكات ترقى إلى مرتبة الجرائم الدولية، و، في حالة إثباتها ذلك، (ب) فئة الجرائم التي تندرج تحتها الانتهاكات (جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم إبادة جماعية، أو جرائم أخرى). ولا يعتبر هذا التصنيف ضروريا من أجل تحديد ما إذا كانت تلك الجرائم ترقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية فحسب، بل ومن أجل تحديد هوية مرتكبيها. إذ يجب كي يعلن اسم شخص ما باعتباره متهما بارتكاب جرائم أن تحدد الجرائم الدولية التي قد يكون مسؤولا عنها.
5 -    وتتمثل المهمة الثانية، التي كلف بها مجلس الأمن اللجنة، في التصنيف القانوني للانتهاكات المبلغ عنها بهدف التأكد مما إذا كانت ترقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية.
6 -    والمهمة الثالثة هي تحديد هوية مرتكبي الانتهاكات من أجل كفالة محاسبة المسؤولين عنها. ولا يستدعي هذا أن تحدد اللجنة هوية المرتكبين فقط، بل وأن تقترح الآليات التي يمكن استخدامها لمساءلتهم. وعليه يجب على اللجنة أن تجمع قدرا من المواد يمكن الاعتماد عليه في تحديد أي من الأفراد قد يكون مسؤولا عن الانتهاكات المرتكبة في دارفور، ومن يجب بالتالي تقديمه إلى المحاكمة بغية تحديد مدى مسؤوليته. ولم تفوض للجنة صلاحيات مناسبة تمكنها من أداء دور المدعي العام؛ وبخاصة أنه لا يجوز لها استدعاء الشهود، أو الأمر بإجراء عمليات تفتيش وقبض، كما لا يجوز لها أن تطلب إلى القضاة إصدار أوامر قبض بحق المشتبه فيهم. وهي تستطيع الاعتماد فقط على التزام حكومة السودان والمتمردين بالتعاون معها. وعليه يصبح مدى صلاحياتها رهنا بطريقة تنفيذ الحكومة والمتمردين لالتزاماتهم هذه.
7 -    وعلى اللجنة، تنفيذا لمهام ولايتها وفقا للقانون الدولي المطلوب إليها الالتزام به، أن تفسر عبارة "المرتكبين" بحيث تشمل منفذي الجرائم الدولية أو الآمرين الفعليين بتنفيذها، فضلا عمن يكونوا قد شاركوا في ارتكاب تلك الجرائم باعتبارهم شركاء في توجه جنائي، أو أمروا بارتكاب تلك الجرائم أو ساعدوا أو حرضوا على ارتكابها، أو شاركوا بأية طريقة أخرى في ارتكابها. وشملت اللجنة بتحقيقها من يمكن اعتبارهم مسؤولين عن جرائم دولية، في إطار مفهوم مسؤولية الرئيس، نظرا لعدم منعهم أو قمعهم لارتكاب تلك الجرائم، بالرغم من (أ) أنه كان لهم (أو كان يجب أن يكون لهم) علم بارتكابها، و (ب) أنه كانت لهم سلطة السيطرة على الأشخاص الذين ارتكبوها. ويعتبر هذا التفسير مبررا بموجب المبادئ الأساسية للقانون الجنائي الدولي، التي تنص على قيام المسؤولية الجنائية الفردية حال ارتكاب شخص ما بنفسه جريمة ما، وكذلك حال مشاركة الشخص في أية صور أو أشكال أخرى من السلوك الإجرامي.
8 -    وعلاوة على ذلك، توضح صيغة قرار مجلس الأمن أن طلب تحديد هوية المرتكبين يأتي بهدف كفالة محاسبة المسؤولين. وفي الفقرة 7 من القرار، يعيد المجلس تأكيد دعوة حكومة السودان إلى وضع حد لمناخ الإفلات من العقاب في دارفور وإلى أن تقدم إلى العدالة جميع المسؤولين ... بما في ذلك أفراد قوات الدفاع الشعبي ومليشيات الجنجويد، عن ارتكاب انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي (التشديد بالحروف المائلة مضاف). وبالإضافة إلى ذلك، تشمل واجبات اللجنة مهمة كفالة محاسبة المسؤولين. ومن ثم، أعلن مجلس الأمن رغبته الواضحة في أن تحدد اللجنة هوية جميع المسؤولين عن الجرائم الدولية المدعى بارتكابها في دارفور. ويؤيد ذلك تحليلنا لهدف مجلس الأمن: فإذا كانت هذه الهيئة تهدف إلى وضع حد للفظائع، لا يكون على اللجنة أن تقتصر على تحديد هوية المرتكبين الفعليين، ذلك أن من يقع على عاتقهم الجانب الأكبر من المسؤولية عادة هم الأشخاص الذين يتبوأون موقع القيادة، والذين يخططون للجرائم أو يأمرون بارتكابها، أو يتغاضون عن ارتكابها أو يسكتون عليه عن علم.
9 -    ويتفق هذا التفسير أيضا مع صياغة الفقرة نفسها باللغات الرسمية الأخرى. وصحيح أيضا أن الرؤساء لا يعتبرون مسؤولين عن جرائم مرؤوسيهم في حالات كثيرة، وعندها لا يُعتبرون مرتكبين لتلك الجرائم أو مسؤولين عن ارتكابها. وفي الحالات التي يكون فيها الفعل الإجرامي للمرؤوس حادثة منفصلة، يُعتبر الرئيس مسؤولا فقط إذا لم يرفع المسألة إلى السلطات المختصة من أجل التحقيق فيها وتقديمها إلى العدالة(1). وفي هذه الحالات، لا يجوز اعتبار الرئيس مسؤولا عن الجريمة التي يرتكبها المرؤوس. غير أنه، في حالات الجرائم التي تُرتكب بانتظام أو على نطاق واسع، كنمط من أنماط السلوك الإجرامي، تصبح مسؤولية الرئيس أكثر جدية. إذ يُعتبر الرئيس مشاركا في ارتكاب الجرائم إن لم يوقفها أو يعاقب مرتكبيها.

10 -    ومن ثم تصبح المهمة الرابعة التي كُلفت بها اللجنة مرتبطة بالمهمة الثالثة وتهدف إلى كفالة محاسبة المسؤولين. ولتحقيق ذلك، تعتزم اللجنة اقتراح تدابير لكفالة تقديم المسؤولين عن الجرائم الدولية في دارفور إلى العدالة.
11 -    وكما يتضح من قرار مجلس الأمن ذي الصلة، فإن اللجنة مكلفة بالنظر فقط في الوضع القائم في إقليم دارفور بالسودان. وفي ما يتعلق بالإطار الزمني، فولاية اللجنة مستمدة من القرار. ولئن كانت اللجنة قد نظرت في جميع الأحداث ذات الصلة بالصراع الدائر حاليا في دارفور، فإنها ركزت بشكل خاص على الوقائع التي جرت ابتداء من شباط/فبراير 2003، حين تفاقمت الأحداث بشكل واضح من حيث حجمها وكثافتها وتساوقها، وحتى منتصف كانون الثاني/يناير 2005، قبيل الموعد الذي تعين على اللجنة تقديم تقريرها فيه.
    3 -    طرائق العمل
12 -    كما ذُكر أعلاه، بدأت اللجنة عملها في جنيف، في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2004، وناقشت على الفور صلاحياتها وطرائق عملها واتفقت عليها. وفي 28 تشرين الأول/أكتوبر وجهت اللجنة مذكرة شفوية إلى الدول الأعضاء والمنظمات الحكومية الدولية، وفي 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، وجهت رسالة إلى المنظمات غير الحكومية، حيث قدمت معلومات عن ولايتها وسعت في طلب المعلومات ذات الصلة. ونشرت أيضا في موقع الإنترنت التابع لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (www.ohchr.org) معلومات عن ولايتها وتشكيلها وطريقة الاتصال بها.
13 -    واتفقت اللجنة منذ البدء على التزام السرية الكاملة في تصريف مهامها وعلى أن تقوم على وجه الخصوص بقصر اتصالاتها مع وسائط الإعلام على توفير المعلومات عن الحقائق المتعلقة بزياراتها إلى السودان. ووافقت اللجنة أيضا على أن تخطط طرائق عملها وفقا لكل واحدة من مهامها المختلفة.
14 -    وعليه قررت اللجنة، في ما يتعلق بمهمتيها الأولى والثانية، أن تفحص ما يوجد من تقارير عن انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في دارفور وأن تتحقق من صدق هذه التقارير من واقع استنتاجاتها هي، فضلا عن إثبات المزيد من الحقائق. وبالرغم مما يبدو بوضوح من أن اللجنة ليست هيئة قضائية، فقد اعتمدت، في تصنيف الحقائق وفقا للقانون الجنائي الدولي، نهجا يليق بهيئة قضائية. ومن ثم فقد جمعت كل المواد اللازمة لإجراء مثل هذا التحليل القانوني.
15 -    وشكلت المهمة الثالثة، المتعلقة بمسألة تحديد هوية المرتكبين، أكبر التحديات. فناقشت اللجنة قضية المستوى المعياري للأدلة، الذي ستطبقه في تحقيقاتها. ونظرا للقيود التي تلازم صلاحياتها، فقد قررت اللجنة أنها تستطيع الامتثال فقط إلى المعايير التي تعتمدها عادة المحاكم الجنائية (إثبات الحقائق بشكل لا يخامره شك معقول)(2) أو الامتثال إلى المعايير التي يستخدمها المدعون والقضاة الدوليون من أجل إثبات التهم (أي أن تكون الدعوى ظاهرة الوجاهة)(3). واستنتجت اللجنة أن المعيار الأنسب هو الذي يتطلب توافر مجموعة مواد تكون متسقة مع ظروف أخرى جرى التحقق منها وتنحو إلى إظهار جواز ومعقولية اتهام الشخص بالضلوع في ارتكاب جريمة(4). ومن البديهي أن اللجنة لن تصدر أحكاما نهائية فيما يتعلق بالذنب الجنائي؛ بل تقوم بإجراء تقييم للمشتبه فيهم المحتملين(5) يكون من شأنه تمهيد الطريق للمدعي العام لإجراء التحقيقات اللازمة مع احتمال توجيه اتهامات.
16 -    واتفقت اللجنة كذلك، لأغراض التحقق من هوية المرتكبين، على أن تجري مقابلات شخصية مع الشهود والمسؤولين والأشخاص الآخرين الذين يشغلون مناصب ذات نفوذ، فضلا عن الأشخاص المحتجزين لدى الشرطة أو المحبوسين في السجن؛ وأن تفحص الوثائق؛ وتزور الأماكن (وعلى وجه الخصوص القرى أو مخيمات الأشخاص المشردين داخليا، بالإضافة إلى المقابر الجماعية) حيث يدعى بوقوع جرائم.
17 -    ولأغراض تنفيذ المهمة الرابعة رأت اللجنة أنه من الضروري إجراء تقييم ابتدائي لتحديد إلى أي مدى كان نظام العدالة الجنائية السوداني قادرا على ومستعدا لملاحقة المسؤولين عن الجرائم الدولية المرتكبة في دارفور وتقديمهم إلى المحاكمة، ثم تنظر بعد ذلك فيما هو متاح من الآليات الدولية المختلفة. وفي ضوء هذه التقييمات أعدت اللجنة توصياتها بشأن التدابير الأكثر ملاءمة.

    4 -    الضغوط الرئيسية التي عملت اللجنة في ظلها
18 -    لا مراء في أنه بينما تعتبر المهام المختلفة الموكولة إلى اللجنة معقدة وفريدة في طبيعتها، فإن اللجنة دُعيت إلى تنفيذها في ظل ظروف صعبة. فقد عملت قبل كل شيء في ظل قيود زمنية مشددة. وكما أشير إليه أعلاه، ونظرا إلى أن مجلس الأمن كان قد قرر أن تتعجل اللجنة عملها، فقد طلب الأمين العام إلى اللجنة أن تقدم إليه تقريرها في غضون ثلاثة أشهر من تاريخ إنشائها. ولكي تؤدي مهامها المعقدة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق منها بالوقوف على الانتهاكات الخطيرة وتحديد هوية مرتكبيها، اضطرت اللجنة إلى العمل بكثافة في ظل ضغوط زمنية حادة.
19 -    وعلاوة على ذلك، كان يمكن للجنة أن تستفيد في أداء مهمتها المتعلقة بتقصي الحقائق وواجبها في تحديد هوية المرتكبين، من المساعدة التي كان يمكن أن يقدمها لها عدد أكبر من المحققين ورجال القانون والمحللين العسكريين وخبراء الطب الشرعي. فمدى وحجم الأحداث المتصلة بالصراع في دارفور يجعل إثبات الحقائق وجمع العناصر الثبوتية الموثوقة، من أجل تحديد هوية المرتكبين المشتبهين، مهام صعبة، لا يمكن أخذها على غير محمل الجد. ولم تكن ميزانية اللجنة تسمح بأكثر من ثلاثة عشر من هؤلاء الخبراء. ومع ذلك فقد تمكنت اللجنة من جمع مجموعة موثوقة متسقة من المواد فيما يتصل بكل من الانتهاكات التي وقعت والأشخاص الذين قد يشتبه في تحملهم المسؤولية الجنائية عن ارتكابها. وعليه، تعتبر اللجنة أنها قد تمكنت من أن تتخذ الخطوة الأولى تجاه المساءلة.

    5 -    عرض مختصر لزيارات اللجنة إلى السودان
20 -    زارت اللجنة السودان أول مرة خلال الفترة من 8 إلى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2004. واجتمعت مع عدد من المسؤولين رفيعي المستوى، بما في ذلك النائب الأول لرئيس الجمهورية، ووزير العدل، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية، ووزير الدفاع، ووزير الشؤون الاتحادية، ونائب رئيس القضاء، ورئيس المجلس الوطني، ونائب مدير عام جهاز الأمن الوطني والمخابرات، وأعضاء اللجان المعنية بالاغتصاب. وأجرت مقابلات مع ممثلي المنظمات غير الحكومية، والأحزاب السياسية، وممثلي الحكومات الأجنبية المهتمة في السودان. وبالإضافة إلى ذلك، عقدت اللجنة اجتماعات مع بعثة الأمم المتحدة المتقدمة في السودان وممثلي الأمم المتحدة الآخرين في البلد. وزارت اللجنة أيضا سجن كوبر (للاطلاع على قائمة كاملة بالاجتماعات انظر المرفق الثاني).
21 -    وخلال الفترة من 11 إلى 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، زارت اللجنة دارفور. وقسمت اللجنة نفسها إلى ثلاثة أفرقة ركز كل فريق منها على واحدة من ولايات دارفور. والتقى كل واحد من الأفرقة بالوالي وكبار المسؤولين، كما قام بزيارات لمعسكرات الأشخاص المشردين داخليا، وتحدث إلى الشهود وزعماء القبائل. وعلاوة على ذلك، زار الفريق المعني بغرب دارفور مخيمات اللاجئين الموجودة في تشاد، كما زار الفريق المعني بجنوب دارفور المعتقل التابع للأمن الوطني في نيالا.
22 -    ورأس فريق التحقيق التابع للجنة كبير محققين، وضم الفريق في عضويته أربعة محققين، ومحققتين مختصتين بالعنف ضد المرأة، وأربعة خبراء في الطب الشرعي، واثنين من المحللين العسكريين. وأجرى أعضاء فريق التحقيق مقابلات شخصية مع الشهود والمسؤولين في الخرطوم، ورافقوا أعضاء اللجنة في مهامهم الميدانية في ولايات دارفور الثلاث. ثم قُسم فريق التحقيق إلى ثلاثة أفرقة فرعية أرسلت إلى شمال وجنوب وغرب دارفور(6).
23 -    وزار أحد أعضاء اللجنة واثنان من موظفيها إريتريا، يومي 25 و 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، حيث اجتمعوا، باسم اللجنة مع ممثلين لمجموعتين من مجموعات التمرد: حركة/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة. والتقوا أيضا بمسؤولين سودانيين سابقين يقيمون حاليا في إريتريا. وسافر اثنان من أعضاء اللجنة بصحبة اثنين من الموظفين إلى أديس أبابا، خلال الفترة من 30 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 3 كانون الأول/ديسمبر 2004. وكان الهدف من ذلك هو الحصول على تقييم شامل من الاتحاد الأفريقي بشأن الوضع في دارفور والبعثة الأفريقية في السودان والمحادثات بين الأطراف السودانية في أبوجا؛ ومناقشة السبل والطرائق التي تعزز بها اللجنة التعاون في العمل مع قادة الاتحاد الأفريقي. والتقى الوفد بمسؤولين رفيعي المستوى من الاتحاد الأفريقي، ومن ضمنهم الممثل الخاص الذي عين حديثا للسودان. وأتيحت للوفد أيضا فرصة إجراء لقاءات مكثفة مع رئيس فرقة العمل المتكاملة المعنية بدارفور التابعة للاتحاد الأفريقي وبعض أعضائها البارزين.
24 -    وقامت اللجنة بزيارة ثانية إلى السودان خلال الفترة من 9 إلى 16 كانون الثاني/يناير 2004. وركزت اللجنة أثناء هذه الزيارة على إجراء مقابلات شخصية مع الشهود، وبخاصة في المعتقلات، والتقت أيضا ببعض المسؤولين، وأفراد المجتمع المدني، وموظفي الأمم المتحدة في الخرطوم.
25 -    وبمساعدة فريق مكون من خمسة باحثين قانونيين وموظف شؤون سياسية، ترأسهم المديرة التنفيذية، أجرت اللجنة تحليلا للمعلومات المقدمة إليها. واستعرضت وحللت التقارير العامة المنشورة عن دارفور، والتقارير الأخرى التي قدمت إليها استجابة لطلبها الحصول على معلومات، وأنواع أخرى من المواد. ولكي تعالج ما يزيد على 000 20 صفحة من المواد التي تلقتها، أعدت اللجنة قاعدة بيانات سجلت فيها تفاصيل سير ذاتية ومواد استدلالية. وسُجلت تحليلات الأحداث التي أجراها فريق الباحثين في قاعدة البيانات أيضا، كوسيلة لتسريع وصول أعضاء اللجنة والموظفين إلى المواد المرجعية ومصادر المعلومات.

    6 -    تعاون السلطات السودانية والمتمردين
26 -    اعتُمد قرار مجلس الأمن 1564 (2004) في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وكان مجلس الأمن قد قرر من قبل في الفقرة 21 من ديباجة القرار 1556 (2004) أن الوضع في السودان يمثل تهديدا للسلام والأمن الدوليين ولاستقرار المنطقة، بموجب المادة 39 من الميثاق.
27 -    وفي الفقرة 12 من القرار، التي يطلب فيها المجلس إلى الأمين العام إنشاء لجنة تحقيق دولية، يدعو المجلس أيضا جميع الأطراف إلى التعاون التام مع تلك اللجنة. وترى اللجنة أن طبيعتها وولايتها في حد ذاتهما تلزمان كلا من حكومة السودان والمتمردين على التعاون معها بحسن نية في إنجاز مهامها المختلفة. وعلى كل فقد قبلت كل من حكومة السودان ومجموعات التمرد التعاون مع اللجنة بمحض إرادتهم.

        معايير تقييم التعاون
28 -    حددت اللجنة المعايير التالية لتقييم درجة تعاون كل من حكومة السودان والمتمردين: (أ) حرية الحركة في جميع أرجاء السودان؛ و (ب) الوصول بدون معوقات إلى جميع الأماكن والمؤسسات، وحرية الالتقاء بممثلي السلطات الحكومية والمحلية، والسلطات العسكرية، وقادة المجتمعات المحلية، وممثلي المنظمات غير الحكومية وغيرها من المؤسسات الأخرى، وأي شخص تُعتبر إفادته ضرورية لإنجاز مهام ولاية اللجنة، وإجراء مقابلات شخصية معهم؛ و (ج) حرية الوصول إلى جميع مصادر المعلومات، بما في ذلك المواد الوثائقية والأدلة المادية؛ و (د) وضع التدابير الأمنية المناسبة لموظفي اللجنة ووثائقها؛ و (هـ) توفير الحماية للضحايا والشهود وجميع الأشخاص الذين يمثلون أمام اللجنة في ما يتصل بالتحقيق، وعلى وجه الخصوص كفالة عدم تعرض هؤلاء الأشخاص للمضايقة أو التهديد أو التخويف أو سوء المعاملة أو الانتقام، نتيجة مثولهم أمام اللجنة؛ و (و) توفير الامتيازات والحصانات والتسهيلات الضرورية لإجراء تحقيق مستقل. وقد وُجهت إلى حكومة السودان رسالة تتضمن الخطوط العريضة لهذه المعايير.

        تعاون الحكومة
29 -    دخلت اللجنة، كما ذكر أعلاه، في حوار متصل مع حكومة السودان من خلال اجتماعات عقدت في جنيف والسودان، ومن خلال عمل فريق التحقيق التابع لها.
30 -    وقد اتسم موقف السلطات الحكومية تجاه اللجنة بروح التعاون، بصفة عامة. وعينت السلطات مسؤول اتصال يتميز بالكفاءة في الخرطوم، هو عبد المنعم عثمان طه، الذي تولى تنظيم جميع الاجتماعات التي طلبت اللجنة عقدها مع كبار المسؤولين في الحكومة. وبالإضافة إلى ذلك، عين وزير الداخلية، بوصفه ممثل رئيس الجمهورية المعني بدارفور، لجنة يتولى رئاستها اللواء مجذوب، تتكون من ستة من كبار المسؤولين من وزارتي الدفاع والداخلية، فضلا عن جهاز الأمن الوطني والمخابرات. والتقت لجنة التحقيق مع هذه اللجنة وتسلمت وثائق ذات صلة بآراء الحكومة عن الصراع الدائر في دارفور.
31 -    وعلاوة على ذلك، أشار الأمين العام، في تقريره المؤرخ 3 كانون الأول/ديسمبر 2004 (S/2004/947)¡ إلى اجتماع آلية التنفيذ المشتركة، المعقود في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، الذي قدم فيه وزير العدل التأكيدات التالية بشأن عمل اللجنة: (أ) ستقبل الحكومة تقرير اللجنة مهما كانت النتائج التي ستتوصل إليها؛ و (ب) لن يتعرض الشهود على الوقائع لإساءة المعاملة؛ و (ج) بناء على تعليمات مشددة من الرئيس، لن يعرقل أي من المسؤولين السودانيين تحقيقات اللجنة.
32 -    وبالإضافة إلى ذلك، لم تعرقل الحكومة تصريف اللجنة لأعمالها في السودان. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2004، رفض ضابط برتبة متوسطة من ضباط جهاز الأمن الوطني والمخابرات السماح للجنة بالوصول إلى عدد من الأشخاص المعتقلين في نيالا (جنوب دارفور). وطلب رئيس اللجنة مساعدة ضابط الاتصال بالخرطوم، ومن ثم تمكنت اللجنة من إجراء مقابلات شخصية مع المعتقلين بدون معوقات. ومرت اللجنة بتجربة مماثلة في الخرطوم، في كانون الثاني/يناير 2005، أثناء زيارتها الثانية للسودان، حينما رفض بعض ذوي الرتب المتوسطة في السلطة السماح للجنة بالوصول إلى معتقل جهاز الأمن الوطني في الخرطوم، وطلب رئيس اللجنة التدخل الفوري من سلطات أعلى، فسمح للجنة في النهاية بالوصول إلى المعتقل.
33 -    إلا أنه يتعين أن تثار مسألة واحدة فيما يتعلق بمحاضر اجتماعات لجان الأمن على المستوى المحلي وعلى صعيد الولايات. فقد طلبت اللجنة، في اجتماع عقدته مع النائب الأول لرئيس الجمهورية، علي عثمان محمد طه، في الخرطوم، في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، أن تستعرض سجلات الوكالات الحكومية في دارفور، فيما يتعلق بالقرارات ذات الصلة باستخدام القوات المسلحة ضد المتمردين، وبالتدابير المتعلقة بالسكان المدنيين. ووعدت اللجنة بأن تُبقي مسألة فحص هذه السجلات طي الكتمان الكامل. وفي الاجتماع نفسه، أكد النائب الأول للرئيس للجنة أنها ستتمكن من الحصول على محاضر اجتماعات اللجان الأمنية وفحصها في ولايات دارفور الثلاث ومناطقها المحلية المختلفة. لكن عند طلب إبراز تلك المحاضر، أكد كل واحد من ولاة الولايات الثلاث عدم وجود محاضر كهذه، وقدموا بدلا عن ذلك قائمة انتقائية بقرارات نهائية متعلقة بمسائل عامة. وأفادت مصادر موثوقة أن اللجان الأمنية هي التي تعد، في واقع الأمر، محاضر وتقارير مثل هذه الاجتماعات، التي يتصل بعضها بالعمليات التي نفذت في دارفور من أجل مقاومة المتمردين ومعالجة مسألة المشردين. ولم تر اللجنة، رغم طلباتها، أي نسخ من هذه الوثائق.
34 -    وهناك حادثة تتعلق بمسألة التعاون، وهي ذات صلة بطلب آخر للجنة. ففي اجتماع عقد، في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، مع بكري حسن صالح، وزير الدفاع، وبعض كبار المسؤولين الآخرين في وزارة الدفاع، طلبت اللجنة الاطلاع على سجلات تتعلق بنشر طائرات ومروحيات عسكرية قاصفة في دارفور، منذ شباط/فبراير 2003. ومرة ثانية، تعهدت اللجنة بأن تعامل هذه السجلات بالسرية المطلوبة. ووافقت وزارة الدفاع على الطلب، ووعدت بأن تحصل اللجنة على السجلات من السلطات ذات الصلة في دارفور. وحينما لم تحصل اللجنة على نسخ من هذه السجلات في دارفور أعادت عرض طلبها في اجتماع مع اللجنة المعنية بدارفور، في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2004. ووعد رئيس اللجنة المعنية بدارفور بتقديم تلك السجلات، ثم قدم إلى لجنة التحقيق ملفاً غير مكتمل، ووعد بمدها بمعلومات إضافية أخرى. وبعد أن تقدمت اللجنة بالمزيد من الطلبات، قُدِّم لها عدد من السجلات ذات الصلة باستخدام الطائرات في دارفور، خلال الفترة من شباط/فبراير 2003 إلى كانون الثاني/يناير 2005. بيد أنها لم تتلق مطلقا المجموعة الكاملة من السجلات المطلوبة.
35 -    وترغب اللجنة أيضا في أن تؤكد حدوث وقائع تدل على أن بعض السلطات الإقليمية والمحلية مارست ضغوطا على بعض الشهود المحتملين، أو الشهود الذين أجرت معهم اللجنة مقابلات شخصية بالفعل. فعلى سبيل المثال، وفي الأسبوع الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2004، في مدينة الفاشر (شمالي دارفور)، قدم مسؤول حكومي، يقال إنه رئيس المكتب المحلي لجهاز الأمن الوطني والمخابرات نقودا لبعض الأشخاص المشردين داخليا وحثهم على عدم التحدث إلى اللجنة. وبلغ اللجنة أيضا أن السلطات السودانية سربت أفرادا متخفين في هيئة أشخاص مشردين إلى بعض المخيمات، كمخيم أبو شوك مثلا. وأبلغ شهود عيان مختلفون في المخيم نفسه بوقوع حادثة يمكن اعتبارها بمثابة تحرش بالشهود. ففي 19 كانون الثاني/يناير 2004، حوالي الساعة 12:30 بعد الظهر، مر زهاء ثلاث وعشرين مركبة من خلال المخيم؛ وتوقف سائقون في وسطه وهم يصيحون "لقد قتلنا 'الترابورا' [وهي لفظة شائعة تطلق على المتمردين]. لقد قتلنا آباءكم وإخوانكم. وعليكم أن تناموا إلى الأبد". فهربت النساء والأطفال المتواجدون في المكان، ولم يعودوا إلا بعد أن بارح الجنود المنطقة. وأصاب الناس في المخيم قلق شديد بشأن سلامة المخيم بأكمله.
36 -    وفي حالات أخرى رفضت السلطات المحلية السماح لفريق التحقيق التابع للجنة بدخول أحد المخيمات لإجراء مقابلات شخصية مع بعض الشهود. غير أن هذه الحالات جرت تسويتها في حينها، بعد التفاوض مع السلطات.

        تعاون المتمردين
37 -    أجرت اللجنة اتصالات مع حركتي التمرد الرئيسيتين، حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان، وهي ترى بشكل عام أن المجموعتين قد تعاونتا معها. والتقت اللجنة بممثلي وأعضاء المجموعتين في عدد من المناسبات في السودان وخارج السودان. كما التقت بقادة حركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في أسمرة، بمن فيهم الأمين العام والقادة العسكريون لحركة جيش تحرير السودان ميني أركاوي ميانوي وكبير المفاوضين لحركة جيش تحرير السودان في المحادثات التي يرعاها الاتحاد الأفريقي، شريف حرير، ورئيس حركة العدل والمساواة، خليل إبراهيم، إضافة إلى مسؤولين آخرين كبار في المجموعتين. وكانت المناقشات مفتوحة وصريحة وقدمت المنظمتان إجابات على الاستفسارات التي طرحتها اللجنة. وفي دارفور التقت اللجنة في عدة مناسبات مع مختلف ممثلي حركتي التمرد.
38 -    وتلقت اللجنة عددا من الوثائق من المجموعتين اشتملت على معلومات ذات طابع عام عن دارفور والسودان وكذلك على وثائق مفصلة تتعلق بوقائع محددة اشتملت على أسماء الضحايا الذين يُدعى بأنهم قُتلوا أثناء الهجمات. إلا أن اللجنة ترى أن المعلومات التوثيقية التي قدمها المتمردون كان يجب أن تتميز بالمزيد من التوسع والتفصيل عما تم الحصول عليه.
39 -    ولم يُرفض أي طلب للجنة بالوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها المتمردون كما استطاعت التحرك بحرية في جميع المناطق. ولم تتدخل مجموعتا المتمردين في التحقيقات التي أجرتها اللجنة في الوقائع التي ذُكر أن المتمردين قد شاركوا فيها.
//////////////////////////////////////////
    باء -    معلومات أساسية تاريخية واجتماعية
    1 -    السودان
40 -    من المهم لفهم الأزمة الحالية في دارفور وضع الحالة في دارفور في نطاق أوسع وبإيجاز. فالسودان هو أكبر بلد في أفريقيا تبلغ مساحته نحو 2.5 مليون كيلومتر مربع تجاوره مصر من الشمال والبحر الأحمر وإريتريا وإثيوبيا من الشرق وأوغندا وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية من الجنوب وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والجماهيرية العربية الليبية من الغرب. ويُقدر عدد سكان السودان بنحو 39 مليون نسمة. وتبلغ نسبة السكان الحضريين 32 في المائة ويمثل سكان الريف نسبة 68 في المائة وتبلغ نسبة البدو 7 في المائة. والإسلام هو الدين السائد لا سيما في الشمال وتسود المسيحية والأديان التقليدية الروحانية في الجنوب. والسودان جمهورية تتبع نظاما اتحاديا في الحكم. ويوجد عدد من المستويات الإدارية، فهناك 26 ولاية تنقسم بدورها إلى 120 محلية.
41 -    والعناصر التي تكون الهوية الوطنية للسودان عناصر معقدة. فيتكون سكان السودان من عدد من القبائل ويتحدث المواطنون أكثر من 130 لغة ولهجة. وبرزت ثقافة إسلامية عربية أفريقية على مدى السنين وأصبحت الثقافة السائدة في شمال البلد. واللغة العربية الآن هي لغة التخاطب في معظم أنحاء السودان وتعد "اللغة المشتركة" لمعظم السودانيين.
42 -    ويُعتبر السودان أحد البلدان الأقل نموا ويحتل المرتبة 139 على دليل التنمية البشرية(7) لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ولا توجد هناك شبكة وطنية ملائمة للطرق تربط البلد بعضه ببعض، وتعتمد أجزاء كبيرة من السودان على الاقتصاد الزراعي والاقتصاد الرعوي المعيشي. ومع ذلك فقد تطورت الزراعة التجارية والتنمية الصناعية كما جرى استغلال محدود للموارد الطبيعية في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد اكتشاف النفط في الجزء الأوسط والجنوبي من البلد. ومنذ عهد الاستعمار البريطاني وحتى اليوم تركز الاهتمام في الإقليم الأوسط حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض نظرا لتركز التنمية والبناء في الخرطوم على منطقة الجزيرة الخصبة حيث يُزرع القطن طويل التيلة بوصفه محصول البلد الرئيسي. وما عدا هاتين المنطقتين فقد ظلت بقية أقاليم السودان الواسعة بما فيها دارفور والمناطق الأخرى مثل كردفان وجبال النوبة وشرق السودان وجنوب السودان مهمشة ومهملة إلى حد بعيد وحتى الإقليم الشمالي الممتد بين الحدود مع مصر والخرطوم لا يزال منطقة صحراوية مقفرة.
43 -    وحصل السودان على استقلاله من الحكم البريطاني المصري في 1 كانون الثاني/يناير 1956. ومنذ حصول السودان على الاستقلال، ظل يتقلب بين النظم العسكرية والحكم الديمقراطي. وعلى مدى 49 عاما من الحكم الوطني شهد السودان عشر سنوات من الديمقراطية في الفترات من 1956 إلى 1958 ومن 1965 إلى 1969 ومن 1985 إلى 1989. وفي الفترة الزمنية المتبقية حكمت السودان نظم عسكرية أتت إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية.
44 -    وبعد سنتين من الحكم الديمقراطي الذي تلا الاستقلال عام 1956 اعتلى الجنرال عبود السلطة عن طريق انقلاب عسكري وقع في تشرين الثاني/نوفمبر 1958. وأيد عبود نشر اللغة العربية والإسلام وهو ما لقي مقاومة في الجنوب. وازدادت القلاقل في الجنوب عام 1962؛ وفي عام 1963 حدث تمرد عسكري. وازداد حجم القمع الحكومي على نطاق البلد. وفي عام 1964 أدت مظاهرات الطلاب في الخرطوم إلى حدوث عصيان مدني عام انتشر بعد ذلك بسرعة. واستقال عبود كرئيس للدولة وعُينت حكومة انتقالية للعمل بموجب الدستور المؤقت لعام 1956.
45 -    وأجرت الحكومة الانتقالية انتخابات في نيسان/أبريل وأيار/مايو 1965. وتشكلت حكومة ائتلافية في حزيران/يونيه 1965 برئاسة أحد السياسيين القياديين في حزب الأمة، محمد أحمد محجوب. إلا أن حكومة محجوب فشلت في الاتفاق على تنفيذ سياسات إصلاحية فعالة. وفي أيار/مايو 1969 استولت مجموعة من الضباط بقيادة العقيد جعفر محمد نميري على السلطة. واعتمد العسكريون إيديولوجية اشتراكية من حزب واحد تحولت في وقت لاحق إلى الإسلام السياسي. وفي شباط/فبراير 1972 وقّع نميري ما سُمي باتفاق أديس أبابا مع متمردين من الجنوب وفَّر نوعا من الحكم الذاتي للجنوب. وأتاح هذا الاتفاق تحقيق سلام على مدى الأحد عشر عاما التالية. إلا أن الجنرال نميري اتخذ في السنوات الأخيرة من حكمه عددا من الإجراءات لتشديد قبضته على السلطة. وبعد اكتشاف البترول في الجنوب نفذ نميري إجراءات لإدماج المناطق الجنوبية الغنية بالبترول في الشمال وألغى منحة الحكم الذاتي للجنوب. وفضلا عن ذلك وفي أيلول/سبتمبر 1983 وتحت تأثير حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية ومنظمة الإخوان المسلمين أدخل نميري حكم الشريعة. وأدت جميع هذه الخطوات إلى رد فعل قوي في الجنوب وفي النهاية إلى نشوب الحرب الثانية مع الجنوب في عام 1983. وكان ثمة تدابير رئيسية أخرى تتصل بالقوانين التي تحكم ملكية الأرض ونظم الإدارة المحلية والقبلية مثلما هو مذكور أدناه.
46 -    وأخيرا، ففي نيسان/أبريل 1985 وبعد 16 سنة من الحكم تم إسقاط حكومة نميري العسكرية عن طريق انقلاب عسكري نظمه ضباط الجيش وتشكل مجلس عسكري انتقالي بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الدهب. ونُظمت انتخابات في عام 1986 أدت إلى فوز الصادق المهدي رئيس حزب الأمة الذي أصبح رئيسا للوزراء. واستمرت حكومة المهدي أقل من أربع سنوات. وشرعت أثناء تلك الفترة في اتخاذ بعض التدابير المهمة ولكنها واجهت تحديات خطيرة شملت استمرار الحرب في الجنوب إضافة إلى أزمتي الجفاف والتصحر.
47 -    ووصل الرئيس الحالي للسودان الفريق عمر حسن البشير إلى السلطة في حزيران/يونيه 1989 بعد انقلاب عسكري نظمه هو بالتعاون مع الإخوان المسلمين. وتعرض كثير من السودانيين للسجن أو اضطروا إلى العيش في المنفى بعد الانقلاب. وتعرضت الممتلكات للمصادرة وحُظرت الأحزاب السياسية. وخضع البشير مثل نميري لتأثير قوي من زعيم الجبهة الإسلامية القومية حسن الترابي. وابتداء من عام 1989 تم تغيير النظم القانونية والقضائية بدرجة كبيرة لكي تناسب مفهوم الحزب للإسلام السياسي.
48 -    وأُدخل تعديل على القاعدة الإيديولوجية للحزب الحاكم في عام 1998 بصياغة دستور جديد وبدء سريانه في 1 تموز/يوليه 1998 وإجراء انتخابات في كانون الأول/ديسمبر من تلك السنة. ولا يزال دستور عام 1998 يمثل إيديولوجية صارمة، وينص على نظام اتحادي للحكم ويكفل بعض الحقوق الأساسية المهمة. وأدت الانتخابات التي جرت عام 1998 والتي قاطعتها جميع أحزاب المعارضة الرئيسية إلى انتخاب الرئيس البشير لفترة خمس سنوات أخرى وحصول حزب المؤتمر الوطني على 340 مقعدا برلمانيا من جملة 360 مقعدا. وأصبح الترابي رئيسا للمجلس الوطني (البرلمان). وواصل أعضاء الحزب تولي المناصب الرئيسية وممارسة نفوذهم القوي على الحكومة وعلى قوات الجيش والأمن والهيئة القضائية والمؤسسات الأكاديمية ووسائط الإعلام.
49 -    وفي عام 1999 حدث صراع على السلطة داخل المؤتمر الوطني أدى بالرئيس البشير إلى إعلان حالة الطوارئ وحل المجلس الوطني (البرلمان) وتعليق أحكام مهمة من الدستور، بما فيها تلك المتعلقة بهيكل الحكم المحلي في الولايات. وفي أيار/مايو 2000، قاد الترابي إنشقاقا من "المؤتمر الوطني" نتج عنه إنشاء حزب جديد سمي "المؤتمر الشعبي". وفُصل العديد من المسؤولين المرتبطين بالترابي من الحكومة. وفي أيار/مايو 2001، جرى التحفظ على الترابي نفسه في مقر إقامته، واتهم في وقت لاحق بتنظيم انقلاب عسكري. ثم احتجز ولا يزال قيد الاحتجاز حتى اليوم. وهناك 70 عضوا رئيسيا من أعضاء "المؤتمر الشعبي" لا يزالون محتجزين دون أن توجه إليهم تهم ودون تقديمهم للمحاكمة، وهرب عدد منهم للعيش في المنفى خارج السودان.
50 -    وكان لنشوب الصراع الداخلي بين الشمال والجنوب عام 1983، أثر كبير على السودان من عدة أوجه. فهو أطول صراع في أفريقيا تخللته انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتسبب في كوارث بشرية كبيرة. وقتل أثناء الصراع أكثر من مليوني شخص، وأجبر أكثر من 4.5 ملايين شخص على ترك منازلهم. إلا أنه وبعد عدد من سنوات الحرب ونتيجة لضغط دولي قوي، دخلت الحكومة وحركة التمرد الرئيسية في الجنوب، وهي الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان، في محادثات للسلام في عام 2002. وأحرزت عملية السلام في السودان برعاية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد)، والدعم الذي قدمته المجموعة الثلاثية (الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية والنرويج) تقدما مهما. وفي تموز/يوليه 2002، وقع الطرفان بروتوكول ميشاكوس، الذي توصلا فيه إلى اتفاق محدد بشأن إطار عام يضع مبادئ للحكم مع تحديد المقومات لعملية انتقالية وهياكل للحكم، إضافة إلى حق سكان الجنوب في تقرير المصير. كما اتفقا على مواصلة المحادثات بشأن القضايا العالقة فيما يتعلق بتقاسم السلطة والثروة ووقف إطلاق النار. وأحرزت عملية السلام التي رعتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) تقدما كبيرا بتوقيع مجموعة من البروتوكولات الإطارية في نيفاشا بكينيا، في 2003 و 2004. وفي 31 كانون الأول/ديسمبر 2004، وقع الطرفان بروتوكولين يتعلقان بطرق تنفيذ الوقف الدائم لإطلاق النار، مما أنهى المحادثات والمفاوضات في نيفاشا. وبلغت العملية أوجها في 9 كانون الثاني/يناير 2005، عندما وقَّع طه النائب الأول للرئيس وجون قرنغ رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان، في احتفال رسمي، اتفاق السلام الشامل الذي ضم جميع الوثائق الموقعة في السابق بما فيها البروتوكولان الموقعان في 31 كانون الأول/ديسمبر 2004. ويشكل اتفاق السلام الشامل نهاية لعقدين من الحرب الأهلية، وينص على فترة انتقالية مدتها 6 أشهر، تليها فترة انتقالية مدتها 6 سنوات، تنتهي بإجراء استفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان. وينص اتفاق السلام الشامل على الشروع في عملية فورية تفضي إلى صياغة دستور وطني مؤقت. وتؤلف لجنة من 7 أعضاء لكل طرف، مهمتها صياغة الدستور، ثم يطرح الدستور لمراجعة دستورية وطنية.

    2 -    دارفور
51 -    يقع إقليم دارفور في الجزء الغربي من السودان، وهو منطقة شاسعة جغرافيا تبلغ مساحتها نحو 000 250 كيلومتر مربع. ويقدر عدد سكان الإقليم بنحو 6 ملايين نسمة. ولدارفور حدود مع الجماهيرية العربية الليبية وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. ومنذ عام 1994، قسّم الإقليم إداريا إلى ثلاث ولايات هي ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وغرب دارفور. ومثل جميع الولايات الأخرى في السودان، تعين الحكومة المركزية في الخرطوم واليا لكل واحدة من الولايات الثلاث بدارفور تدعمه إدارة محلية. تشمل المراكز الحضرية الرئيسية عواصم الولايات الثلاث في دارفور وهي، نيالا في جنوب دارفور، والجنينة في غرب دارفور، والفاشر عاصمة شمالي دارفور، وهي أيضا العاصمة التاريخية للإقليم. وبالإضافة إلى ذلك تنتشر عدة مدن رئيسية في أرجاء الإقليم، تعد مراكز تجارية وإدارية محلية. وتسكن غالبية الســـكان في قرى ونواح صغـــيرة تتألف في الغالب من مئات قليلة من الأسر. ويقوم اقتصاد ولايات دارفور الثلاث أساســا على الزراعة المعيشــية والزراعة الصــناعية المحدودة إضــــافة إلى رعي المواشي.
52 -    ودارفور سلطنة برزت إلى الوجود عام 1650 في منطقة هضبة جبل مرة. وتجاوزت فترات اضطراب قليلة حتى سقطت في أيدي البريطانيين عام 1917 وضمت إلى السودان الحقيقي(8). ويسكن الإقليم مجموعات قبلية يمكن تصنيفها بطرق متعددة. بيد أن الفوارق بين هذه المجموعات ليست قاطعة، وتظهر علاماتها بصورة بارزة عند نشوب نزاعات. وبالرغم من ذلك، فإن الإنتماءات الفردية لا تزال تعتمد بشدة على التبعيات القبلية. ولا يزال الهيكل القبلي التاريخي الذي يعود إلى عدة قرون ساريا في دارفور، بالرغم من الضعف الذي تعرض له بعد إدخال نظام الحكم المحلي في عهد نميري. وبعض القبائل هي قبائل زراعية مقيمة تعيش أساسا على إنتاج المحاصيل أثناء وبعد موسم الأمطار الذي يمتد من تموز/يوليه إلى أيلول/سبتمبر. كما تمثل بعض القبائل المقيمة رعاة الأبقار. ومن بين القبائل الزراعية نجد الفور والبارني والتاما والجبل والأرانجا والمساليت. ومن بين القبائل المقيمة الرئيسية تشكل الرزيقات المجموعات الرئيسية في الجنوب إضافة إلى الزغاوة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن عددا من القبائل البدوية أو شبه البدوية توجد تقليديا في دارفور، وهي ترعى المواشي والإبل، ومن بينها التعايشة والحبانية والبني حلبه والمحاميد وغيرهم. وينبغي الإشارة إلى أن جميع القبائل في دارفور يؤمنون بنفس الدين (دين الإسلام). وفي حين تحتفظ بعض القبائل بلغاتها الأصلية، فإن العربية هي لغة التخاطب المعتادة.
53 -    وظلت قضية الأرض لزمن طويل تحتل مركز الصدارة على الساحة السياسية في دارفور. وكانت ملكية الأرض في دارفور في العادة ملكية مشاعة. فالتقسيم التقليدي للأرض إلى ديار، وهي أساسا مناطق يمكن أن يقال إن لفرادى القبائل حقوقا تاريخية فيها، يعتبر عنصرا حيويا من التصور الذاتي المحلي للسكان. وترجع نسبة الأرض إلى فرادى القبائل الموجودة حاليا إلى بداية القرن العشرين، عندما أصدر آخر سلاطين دارفور، وهو السلطان علي دينار، مرسوما بهذا التقسيم الذي قبلته جميع القبائل تقريبا. وبالرغم من أن هذا التقسيم التقليدي لم يحدد الديار جغرافيا بطريقة دقيقة، يمكن تقديم بعض الملاحظات العامة. فعلى سبيل المثال، تسود قبيلة الزغاوة الأجزاء الشمالية من ولاية غرب دارفور وبعض الأجزاء الغربية من ولاية شمال دارفور، ويشار إلى المنطقة ذاتها بأنها دار زغاوة. وفي المنطقة المحيطة بالجنينة وإلى الجنوب منها، وهي لا تزال في غرب دارفور، توجد دار قبيلة المساليت. وفي الوقت الذي يمكن أن يعني فيه اسم دارفور أن الأرض هي دار الفور، فإن المنطقة الفعلية التي توجد فيها دار هذه القبيلة تنتشر في وسط إقليم دارفور أي المنطقة المحيطة بجبل مرة. وتشمل المنطقة التي تتلاقى فيها حدود ولايات دارفور الثلاث، وتمتد أيضا إلى داخل الولايات الثلاث. وتوجد الرزيقات أساسا في الأجزاء الجنوبية من جنوب دارفور. ومثلمـــا لوحظ، فإن بعض القبائل ولا سيما معظم القبائل البدوية لا تملك أرضا، ولكنها تنتقل في العادة عبر الأراضي المملوكة للقبائل الأخرى(8). وبالرغم من أن هذا التوزيع التقليدي للأراضي إلى ديار لمختلف القبائل ظل موجودا لعدة سنوات، فقد كان من شأن التزاوج على نطاق واسع والتواصل الاجتماعي والاقتصادي بين القبائل أن جعل التمييز الواضح بين القبائل والديار أقل دقة. وبالرغم من ذلك فإن التصور الذاتي للسكان كأفراد من القبائل وأعضاء في شبكات اجتماعية تتصل بهياكل قبلية، يظل سمة أساسية من الوجهة الديموغرافية في دارفور.
54 -    ومن الناحية التاريخية، كانت الأرض ملكا مشاعا لأعضاء القبيلة، يحدد أوجه استخدامها زعيم القبيلة. وكان لزعماء القبائل سلطات واسعة في تخصيص أجزاء من الأرض لأفراد القبائل بغرض السكن والرعي والزراعة وأشكال الاستخدام الأخرى. وفي فترة السبعينات، تغيرت قوانين الأرض وأصبحت الملكية الفردية ممكنة. وبالرغم من نسبة ملكية الأرض حاليا إلى الدولة، فإن من يملك الأرض لمدة سنة على الأقل يمكنه ادعاء الحق القانوني بها. أما من لا يملكون أرضا، فقد أصبح لديهم حافز إضافي بإظهار ولائهم للحكومة من أجل الحصول على الأرض.
55 -    وكان للتحولات الإيكولوجية والديموغرافية في السنوات الأخيرة أثر على العلاقات فيما بين القبائل. فدارفور جزء من منطقة الصحراء الكبرى. وبالرغم من وجود مناطق زراعية في دارفور، لا سيما في هضبة جبل مرة، فإن معظم هذا الإقليم لا يزال أرضا صحراوية جرداء. وكان للجفاف والتصحر أثر كبير عليه في فترة السبعينات والثمانينات، وازدادت حدة القتال بسبب ندرة الموارد. وظهرت النزاعات بصفة خاصة بين المزارعين ورعاة الأبقار. وكثيرا ما كان رعاة الأبقار في بحثهم عن المرعى والماء يقومون بغزو حقول المزارعين، وأدى ذلك إلى صدامات دموية على النحو المبين أدناه. ولم تحترم المسارات التي تم الاتفاق عليها بين القبائل لتسهيل حركة المواشي لعدة سنوات. وأصبحت الأراضي الخصبة نادرة، وقل بالتالي تسامح السكان المقيمين تجاه الزوار الموسميين(9).
56 -    وكان للجفاف والتصحر آثارهما ليس فقط على دارفور وإنما أيضا على منطقة الصحراء بأكملها مما أدى إلى زيادة هجرة المجموعات البدوية من تشاد والجماهيرية العربية الليبية ودول أخرى إلى المناطق الأكثر خصوبة في دارفور. ولا خلاف بوجه عام على أنه في الوقت الذي يتم فيه استيعاب هذه الهجرة أساسا من قبل الجماعات الأصلية في دارفور فإن زيادة التدفق وما صحبه من قسوة الأوضاع المعيشية أثناء الجفاف أديا إلى حدوث مناوشات وظهور توترات بين القادمين الجدد والسكان المحليين(10)ٍ.
57 -    وكان من المتعارف عليه أن تقوم القبائل في دارفور بحل نزاعاتها بالطرق القانونية العرفية، خاصة وأن كثيرا من النزاعات التي تحدث بين القبائل البدوية والقبائل المقيمة في حالات القتل وحوادث سرقة المواشي يمكن أن تتطور إلى نزاعات بين القبائل. وكانت المنازعات بين أفراد القبائل تسوى سلميا على يد زعماء القبائل المعنيين الذين يجتمعون من أجل التوصل إلى حل يكون مقبولا من الجهتين. وكان ينظر إلى الدولة حينذاك بأنها وسيط محايد. ولكن الرئيس نميري أدخل هياكل جديدة للإدارة المحلية وألغى رسميا النظام القبلي. ومنح مديري التشكيلات الجديدة الذين تعينهم الحكومة المركزية سلطات تنفيذية وقضائية. وبالرغم من استمرار القبائل في الاحتكام إلى النظام القبلي بطرق غير رسمية فقد تعرض هذا النظام لإضعاف شديد. وكان الزعماء المحليون يختارون على أساس ولائهم السياسي للنظام لا على أساس مركزهم في المجتمع المحلي. وفي بعض الأحيان كانت تقدم لهم الأموال وتعزز مراكزهم لا سيما عن طريق جهاز الأمن في الدولة. وكان معنى ذلك أنه عندما تتدخل الدولة لحل صراع تقليدي ما، لم يكن ينظر إليها بوصفها حكما محايدا.
58 -    وضاعف من حدة الصراع بين القبائل تزايد فرص الحصول على الأسلحة عن طريق تشاد والجماهيرية العربية الليبية بصفة خاصة. وكانت الجماهيرية تتطلع إلى إقامة نظام صديق في تشاد. وأدت محاولات احتواء الطموحات الليبية في المنطقة بالعديد من الحكومات الأجنبية إلى إغراق المنطقة بالأسلحة. وبالإضافة إلى ذلك، انطلق العديد من عمليات التمرد المسلحة التشادية من دارفور. وكان للصراع في جنوب السودان أثره أيضا على المنطقة نتيجة تسهيل الحصول على الأسلحة. ومن ثم، بدأت كل قبيلة كبيرة وكذلك بعض القرى في تنظيم مليشيات ومجموعات للدفاع عن القرى، وهذه في جوهرها مجموعات من الرجال المسلحين المتأهبين للدفاع عن وتعزيز مصالح القبيلة أو القرية.
59 -    ووقعت مناوشات قبلية في الجزء الأخير من فترة الثمانينات بين القبائل المقيمة والقبائل البدوية أساسا، ولا سيما بين الفور وعدد من القبائل البدوية العربية التي نظمت نفسها في شكل تحالف اسمه "تجمع العرب"، في حين أنشأ بعض من أفراد قبيلة الفور مجموعة أطلقوا عليها "الحزام الأفريقي". وتوسطت الحكومة والزعماء القبليون المحليون لحل النزاع في عام 1990 ولكن التوترات استمرت على مدى السنوات اللاحقة. كما استمرت المناوشات بين هذه القبائل. وأدى ذلك أيضا إلى انتشار التذمر في أوساط سكان دارفور ضد حكومة البشير التي لم تكن فيما يبدو قادرة أو راغبة في التصدي الفعال للحالة المتدهورة في دارفور.
60 -    وفي سياق الصراع الحالي في دارفور وفي السنوات السابقة له برز موضوع التفريق بين القبائل الأفريقية والعربية وازدادت أهمية الهوية القبلية للأفراد. وجاء التفريق إلى حد كبير بفعل الآثار التراكمية للتهميش وتزاحم المصالح الاقتصادية، وجاء مؤخرا نتيجة الاستقطاب السياسي الذي عم المنطقة. وأصبح التفريق بين "العربي" و "الأفريقي" الذي كان عديم الأثر في السابق سببا في الوقوف على جانبين مختلفين من الصراع السياسي. وتلعب نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين دورا رئيسيا في هذا السياق.

    3 -    الصراع الحالي في دارفور
61 -    تتسم جذور الصراع الحالي في دارفور بالتعقيد. فبالإضافة إلى النزاعات القبلية الناجمة عن التصحر فإن توفر الأسلحة الحديثة والعوامل الأخرى المبينة أعلاه والشعور العميق فيما يتصل بالهوية والحكم وظهور حركات تمرد مسلحة تتمتع بتأييد شعبي في أوساط بعض القبائل، كل ذلك يلعب دورا رئيسيا في تشكيل الأزمة الحالية.
62 -    ويبدو من الواضح أن مجموعتي المتمردين في دارفور، حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، بدأتا تنظمان صفوفهما في الفترة 2001 و 2002 لمناوأة حكومة الخرطوم التي اعتبرت السبب الرئيسي في مشاكل دارفور. وفي الوقت الذي لا توجد فيه صلة وثيقة بين مجموعتي التمرد فقد ذكرتا أسبابا متماثلة بشأن التمرد، ومنها التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لدارفور ولشعبها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أفراد حركتي التمرد أتوا أساسا من مجموعات محلية للدفاع عن القرى ومن قبائل معينة، وشُكلت ردا على تزايد الهجمات من القبائل الأخرى. ولكل من حركتي التمرد برنامج سياسي واضح يشمل السودان بأسره ويطالب بمشاركة أكثر عدلا في الحكومة من قبل كافة المجموعات والمناطق في السودان. وكانت حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان في أثناء المرحلة التي كانت تلك الحركة تسمي نفسها جبهة تحرير دارفور قد ظهرت إلى الوجود ببرنامج يركز على حالة سكان دارفور وقامت في وقت لاحق فقط بتوسيع برنامجها ليشمل جميع السودان. وأقامت حركة العدل والمساواة برنامجها على نوع من المانيفيستو (الكتاب الأسود) الذي نشر في عام 2001 والذي يسعى أساسا إلى توضيح الفوارق في توزيع السلطة والثروة فيقول إن دارفور وسكانها وكذلك بعض سكان المناطق الأخرى ظلوا مهمشين باستمرار ولم يشركوا في الوظائف المؤثرة في الحكومة المركزية في الخرطوم. وجدير بالذكر أن الحركتين لا تعرضان هذه القضية من وجهة نظر قبلية ولكنهما تتكلمان باسم الدارفوريين كافة وتوجهان هجماتهما مباشرة إلى المنشآت الحكومية. ويبدو أيضا فيما يتعلق برسم السياسة أن سياسة "السودان الجديد" التي تتبعها الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان في الجنوب كان لها أثر على حركة جيش تحرير السودان في الوقت الذي يبدو فيه أن حركة العدل والمساواة قد تأثرت بشكل أكبر باتجاهات الإسلام السياسي. وفضلا عن ذلك، يجوز أن يكون التقدم السريع الذي أحرزته مفاوضات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان قد قدمت نموذجا يمكن أن تتبعه المجموعات الأخرى مادام الكفاح المسلح يؤدي إلى تفاوض مثمر مع الحكومة. كما تنبغي الإشارة إلى أنه بالرغم من هذه القاعدة السياسية الواسعة فإن غالبية أفراد الحركتين يأتون أساسا من ثلاث قبائل هي الفور والمساليت والزغاوة.
63 -    ومن المتفق عليه عموما أن حركتي التمرد بدأتا أنشطتهما العسكرية الأولى في أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003 بشنهما هجمات أساسا ضد ضباط الشرطة المحليين، حيث قام المتمردون بنهب ممتلكات وأسلحة حكومية. ويبدو أن الحكومة قد أُخذت على حين غرة في البداية بهذه الهجمات ولكنها لم تكن في وضع يتيح لها الانتقام كما يبدو أنها لم تر في التمرد مسألة عسكرية خطيرة في البداية. وفضلا عن ذلك، فقد جاء التمرد ضد الحكومة في وقت غير مناسب بصفة خاصة نظرا لأنها كانت بسبيل إجراء مفاوضات مكثفة للسلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان وكانت المفاوضات تتقدم بسرعة ملحوظة.
64 -    وهناك دلائل على أن الحكومة كانت قلقة في البداية من أن تكون تشاد مشتركة في الأزمة. وسافر الرئيس البشير إلى الفاشر عاصمة شمال دارفور في نيسان/أبريل 2003 للالتقاء برئيس تشاد إدريس دبي مع عدد من زعماء القبائل والقادة السياسيين المحليين في دارفور في سعيه لإيجاد حل للأزمة. وأكد الرئيس دبي للرئيس البشير أن حكومة تشاد لا علاقة لها بالصراع.
65 -    وفي آذار/مارس ونيسان/أبريل 2003، هاجم المتمردون المنشآت الحكومية في كُتم والطينة والفاشر، بما في ذلك القسم العسكري بمطار الفاشر حيث دمر المتمردون العديد من الطائرات العسكرية وهي جاثمة على الأرض وقتلوا كثيرا من الجنود. وفي وقت لاحق ألقى المتمردون القبض على أحد قادة سلاح الطيران واحتجزوه لمدة ثلاثة أشهر. وبالرغم من جهود الحكومة لم يُفرج عنه إلا بوساطة قبلية.
66 -    وتشير معظم التقارير إلى أن الحكومة أصابتها الدهشة بسبب كثافة الهجمات نظرا لأنها لم تكن على استعداد لمواجهة هذا الهجوم العسكري السريع. وفضلا عن ذلك، فإن نهب المتمردين لأسلحة الحكومة عزز من مركزهم. وكان ثمة مشكلة إضافية هي أن الحكومة لم يكن متوفرا لديها فيما يبدو موارد عسكرية كافية نظرا لأن كثيرا من قواتها كان لا يزال موجودا في الجنوب ومن وجد منهم في دارفور كان موزعا بالأساس على المراكز الحضرية الرئيسية. وبعد الهجمات الأولى هذه التي شنها المتمردون على مراكز الشرطة الريفية قررت الحكومة سحب معظم قواتها من الشرطة إلى المراكز الحضرية. وكان معنى ذلك أن الحكومة لا تملك سيطرة فعلية على المناطق الريفية، وهي المناطق التي يتمركز فيها المتمردون. وواجهت الحكومة تحديا إضافيا نظرا لأن جنود وضباط صف القوات المسلحة السودانية هم أساسا من أبناء دارفور، وهؤلاء على الأرجح لم يكونوا راضين عن قتال "مواطنيهم من سكان دارفور".
67 -    ويتضح من الأدلة المتاحة وعدد من المصادر بما فيها الحكومة ذاتها أن الحكومة وقد واجهها الخطر العسكري الذي كانت تمثله حركتا التمرد إضافة إلى العجز الخطير في قدراتها العسكرية على الأرض في دارفور دعت القبائل المحلية إلى مساعدتها في قتال المتمردين. وبهذه الطريقة استغلت الحكومة التوترات القائمة بين القبائل المختلفة.
68 -    واستجابت لنداء الحكومة قبائل البدو العربية التي لم تكن تملك ديارا تقليدية للإقامة بسبب تغول التصحر. وربما تكون هذه القبائل قد وجت في ذلك فرصة لمنحها بعض الأراضي. وأفضى أحد كبار المسؤولين الحكوميين الذين شاركوا في عملية التجنيد إلى اللجنة بأن زعماء القبائل كانوا يتلقون هبات وهدايا نظير جهودهم في التجنيد وبحسب عدد الأشخاص الذين يتمكنون من تجنيدهم. وبالإضافة إلى ذلك، دفعت الحكومة لبعض أفراد قوات الدفاع الشعبي مرتبات عن طريق زعماء القبائل واستخدمت ميزانيات الولاية لهذه الأغراض. ولم تقبل الحكومة مجندين من جميع القبائل. وأبلغ أحد زعماء المساليت اللجنة أن قبيلته كانت ترغب في تقديم نحو 000 1 شخص لقوات الدفاع الشعبي ولكن الحكومة، طبقا لهذا المصدر، لم تقبل ذلك، ربما افتراضا منها بأن المجندين سوف ينتهزونها فرصة لاقتناء الأسلحة والانقلاب على الحكومة فيما بعد. وتشير بعض التقارير أيضا إلى أن بعض الأجانب من تشاد والجماهيرية العربية الليبية ودول أخرى استجابوا للنداء وأن الحكومة كانت أكثر من راغبة في تجنيدهم.
69 -    وأصبح هؤلاء "المجندون" الجدد ممن يشير إليهم السكان المدنيون وغيرهم بـ "الجنجويد" وهو مصطلح دارفوري تقليدي يعني قاطع طريق مسلحا وخارجا على القانون يمتطي حصانا أو جملا. ويرد أدناه وصف أكثر دقة لهذه العناصر.
70 -    وبدأت الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي في وقت مبكر يعود إلى آب/أغسطس 2003 عندما عقد الرئيس دبي رئيس تشاد اجتماعا بين ممثلي الحكومة ومجموعتي المتمردين في أبشي. وأدت المحادثات التي رفضت حركة العدل والمساواة حضورها لما رأته من تحيز الوسيط التشادي، إلى توقيع اتفاق في 3 أيلول/سبتمبر 2003 نص على وقف الأعمال العدائية لمدة 45 يوما. وتبع ذلك إجراء جولات عديدة من المحادثات بوساطة تشادية. وفي 8 نيسان/أبريل 2004، وقعت الحكومة وحركة جيش تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة اتفاقا إنسانيا لوقف إطلاق النار. وفي 28 أيار/مايو وقعت الحكومة والحركتان اتفاقا في نجامينا لتحديد طريق تطبيق وقف إطلاق النار. وجرت محادثات لاحقة في كل من أديس أبابا وأبوجا بوساطة من الاتحاد الأفريقي. وفي 9 تشرين الثاني/نوفمبر وقعت الحكومة وحركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في أبوجا بروتوكولين يتعلق أحدهما بتحسين الحالة الإنسانية ويتعلق الثاني بتعزيز الحالة الأمنية في دارفور. وفي سياق مفاوضات أخرى، لم تستطع الأطراف التغلب على خلافاتها وإيجاد حل شامل للصراع.
71 -    وبجانب المفاوضات السياسية ظل الاتحاد الأفريقي هو الآخر يقوم بدور رائد من خلال البعثة الأفريقية في السودان لإيجاد حل للصراع ولرصد وقف إطلاق النار بإنشاء لجنة الاتحاد الأفريقي لوقف إطلاق النار في دارفور وشمل ذلك نشر مراقبين. وبالرغم من جميع هذه الجهود وتوقيع العديد من البروتوكولات لا تزال ترد تقارير في كانون الثاني/يناير 2005 عن استمرار القتال وعن انتهاكات وقف إطلاق النار بين المتمردين والحكومة والميليشيات التابعة لها.
72 -    وبصرف النظر عن القتال بين المتمردين من جهة والحكومة والجنجويد من جهة أخرى فإن أهم عنصر في الصراع هو الهجمات التي تعرض لها المدنيون وأدت إلى تدمير وحرق قرى بأكملها وتشريد مجموعات كبيرة من السكان المدنيين.

///////////////////////////



    الجزء الأول
        استنتاجات اللجنة عن انتهاكات الطرفين للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي

    أولا -    مقدمة
73 -    كان على اللجنة، في سعيها لإنجاز ولايتها، أن تتحقق من صحة وقوع ما تردد من انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي في دارفور. وبالإضافة إلى ذلك، كان على اللجنة أن تحدد ما إذا كانت قد وقعت انتهاكات أخرى مؤخرا. وقبل أن تضع اللجنة استنتاجات تقصيها للحقائق، لا بد لها من أن تتناول بعض القضايا العامة والأولية.

    ثانيا -    طبيعة النزاع في دارفور
74 -    تتعلق القضية الأولى بطبيعة النزاع المسلح المحتدم الآن في دارفور. وهذا التحديد مهم بصفة خاصة فيما يتعلق بمدى انطباق الأحكام ذات الصلة من القانون الإنساني الدولي. ويفرق هنا بين النزاع المسلح الدولي، والنزاع المسلح غير الدولي أو الداخلي، وأوضاع التوتر أو الاضطراب المحلية. وقد وضعت اتفاقيات جنيف إطارا محكما من القواعد التي تنطبق على النزاع المسلح الدولي أو على "جميع حالات الحرب المعلنة أو أي نزاع مسلح آخر ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامية المتعاقدة"(11). وتحدد المادة العامة 3 من اتفاقيات جنيف والبرتوكول الإضافي الثاني شروط أساسية للنزاع المسلح غير الدولي. ويستنتج من تعريف النزاع الدولي الوارد أعلاه أن النزاع غير الدولي نزاع لا يشمل دولتين. ولا يعرض القانون الإنساني الدولي الحديث لمفهوم النزاع المسلح من الناحية القانونية. ولا يعطي البرتوكول الإضافي الثاني سوى تعريف سلبي يبدو، إضافة إلى ذلك، أنه يضيق نطاق المادة العامة 3 من اتفاقيات جنيف(12). وقد أضاف فقه المحاكم الجنائية الدولية تفاصيل واضحة للمفهوم، حيث "يوجد نزاع مسلح حيثما يوجد لجوء إلى القوة المسلحة بين دول أو أعمال عنف مسلحة طويلة الأمد بين سلطات حكومية ومجموعات مسلحة منظمة أو فيما بين هذه المجموعات داخل الدولة الواحدة"(13). أما الاضطرابات والتوترات الداخلية "مثل أعمال الشغب وأعمال العنف المنفردة المتفرقة وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة" فلا تدخل عادة  ضمن مفهوم النزاع المسلح(14)
75 -    وفي النزاع القائم في دارفور، تواجه الحكومة مقاومة من مجموعتي تمرد منظمتين مسلحتين على الأقل، هما حركة/جيش تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة(15). وكما سلفت الإشارة، فقد حملت أول مجموعتي تمرد السلاح ضد السلطات المركزية في عام 2002 أو نحوه. بيد أن وتيرة هجمات المتمردين تصاعدت بشكل ملحوظ في شباط/فبراير 2003. ويسيطر المتمردون بالفعل على بعض مناطق دارفور. وبالتالي فإن النزاع لا يقتصر على مجرد وجود حالة اضطرابات وتوترات داخلية وأعمال شغب أو أعمال عنف منفردة ومتفرقة. والأحرى أن الشروط (أ) وجود مجموعات مسلحة منظمة تحارب السلطات المركزية، و (ب) سيطرة المتمردين على جزء من الإقليم، و (ج) والقتال الطويل الأمد، قد استوفيت لإمكان اعتبار هذا النزاع نزاعا مسلحا داخليا بموجب المادة العامة 3 من اتفاقيات جنيف.
76 -    وقد اعترفت جميع أطراف النزاع (الحكومة السودانية، وجيش تحرير السودان، وحركة العدالة والمساواة) بأن هذا النزاع نزاع مسلح داخلي. فحدث عام 2004، ضمن أمور أخرى، أن دخلت المجموعتان المتمردتان وحكومة السودان، فيما بينهم، في عدد من الاتفاقات الدولية، استشهدوا فيها باتفاقيات جنيف أو استندوا إليها.

    ثالثا -    فئات الأشخاص أو المجموعات المشاركة في النزاع المسلح
77 -    يتعرض هذا الجزء باختصار لمختلف المجموعات التي لها دور نشط في النزاع المسلح الدائر في دارفور. ففي جانب الحكومة، تقوم عناصر مختلفة من "قوات الشعب المسلحة السودانية" بدور رئيسي في النزاع المسلح، ولذا يرد وصفها أدناه. وبالإضافة إلى ذلك، فوفقا لاستنتاجات اللجنة، يقوم جهاز الأمن الوطني والمخابرات بدور رئيسي في وضع السياسات المرتبطة بالنزاع وتخطيطها وتنفيذها، وعليه، تقع هذه المسؤولية. وكثيرا ما يشار إلى هذا الجهاز بوصفه سلطة الدولة الفعلية ويمتد نفوذه فيما يبدو إلى أعلى المستويات. ويرد أدناه وصف لولايته وهيكله. كما يرد أدناه وصف لدور المليشيا المدعومة من الحكومة التي يشار إليها بالجنجويد. وأخيرا، يرد أدناه بمزيد من التفصيل وصف هيكل ودور مجموعات التمرد الرئيسية المشار اإليها أعلاه.

    ألف -    القوات المسلحة الحكومية
    1 -    الملامح العامة
78 -    القوات المسلحة السودانية قوات مسلحة تقليدية مهمتها حماية الأمن الداخلي والحفاظ عليه(16). وتؤدي ولايتها عن طريق الجيش، بما في ذلك مليشيات قوات الدفاع الشعبي، ومخابرات الحدود، إلى جانب القوات الجوية والبحرية. ووفقا لمعلومات تلقتها اللجنة، يبلغ قوام الجيش الآن نحو 000 200 فرد، على الرغم من أن قدرته اللوجستية موضوعة لجيش قوامه 000 60 فرد. ولذا فإن الدعم، وبخاصة الدعم الجوي، يذهب في المقام الأول إلى المناطق ذات الأولوية ولا يعاد توزيعه إلا بعد أن تستتب الأوضاع في تلك المناطق. ومن ثم، فلا بديل عن مركزية القيادة والسيطرة على عمليات القوات المسلحة.

    2 -    الهيكل
79 -    يتولى رئيس الجمهورية منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مع أنه لأغراض العمليات، يمارس سلطاته عن طريق وزير الدفاع. ويعين الوزير قائد القوات المسلحة ورئيس هيئة الأركان، الذي يشكل مع نواب رئيس الأركان الخمسة (بما في ذلك العمليات، والإمدادات، والإدارة، والتدريب، والتوجيه المعنوي) لجنة رؤساء هيئة الأركان المشتركة أو فريق القيادة.

    3 -    المخابرات العسكرية
80 -    كانت المخابرات العسكرية في السابق جزءا من فرع العمليات في إطار القوات المسلحة، ولكنها أصبحت اليوم فرعا مستقلا له إدارته وقيادته الخاصتان به. وللمخابرات العسكرية سلطة التوقيف والاحتجاز والاستجواب. وفيما يتعلق بالاتصالات والإبلاغ، ترسل المخابرات العسكرية المعلومات عن طريق تسلسل العمليات، وكذلك مباشرة إلى رئاسة الجمهورية، عن طريق رئيس فرع المخابرات العسكرية.
    4 -    قوات الدفاع الشعبي
81 -    ولأغراض العمليات، يمكن تدعيم القوات المسلحة السودانية بتعبئة المدنيين أو أفراد الاحتياط للخدمة في قوات الدفاع الشعبي. وتُستمد ولاية قوات الدفاع الشعبي من قانون قوات الدفاع الشعبي لسنة 1989، الذي يُعرّف قوات الدفاع الشعبي باعتبارها "قوات شبه عسكرية" تتألف من مواطنين سودانيين تتوافر فيهم معايير معينة. وتنص المادة 6 من القانون على أن مهام قوات الدفاع الشعبي هي "مساعدة قوات الشعب المسلحة والقوات النظامية الأخرى متى دعت الضرورة" و "المساهمة في الدفاع عن الأمة والمساعدة في معالجة الأزمات والكوارث العامة" والقيام "بأي مهام أخرى توكل إليها من القائد الأعلى نفسه أو بناء على توصية من المجلس". ووفقا للقانون، تتولى هيئة تُعرف باسم "مجلس قوات الدفاع الشعبي" تقديم المشورة إلى القائد الأعلى في المسائل التي تؤثر على قوات الدفاع الشعبي، بما في ذلك المناطق التي يجب أن تشكل فيها قوات الدفاع الشعبي، وتدريب هذه القوات عسكريا وتعليم أفرادها، وفي المسائل الأخرى المتعلقة بواجبات وأنشطة قوات الدفاع الشعبي.
82 -    ووفقا للمعلومات التي جمعتها اللجنة، تطلب القيادة العامة للجيش إلى مسؤولي الحكومات المحلية تعبئة وتجنيد قوات للدفاع الشعبي عن طريق زعماء القبائل وشيوخها. ووالي الولاية هو المسؤول عن التعبئة في ولايته إذ يتوقع منه أن يكون على معرفة لصيقة بزعماء القبائل المحليين. وكما شرح أحد زعماء القبائل للجنة، "فقد ناشدت الدولة في تموز/يوليه 2003 زعماء القبائل لمساعدتها. ودعونا أهلنا للانضمام إلى قوات الدفاع الشعبي. واستجابوا بالانضمام وبدأوا يتلقون تعليماتهم من الحكومة كجزء من جهاز الدولة العسكري".
83 -    وتقوم قوات الدفاع الشعبي بتوفير السلاح والزي الرسمي والتدريب للذين تجري تعبئتهم، ومن ثم يتم دمجهم في الجيش النظامي لأغراض العمليات. وعندئذ، يدرج المجندون تحت قيادة الجيش النظامي، وعادة ما يرتدون نفس الزي الرسمي للوحدة التي يقاتلون معها. وقد وصف أحد كبار القادة تجنيد أفراد قوات الدفاع الشعبي وتدريبهم على النحو التالي:
        يجري التدريب عن طريق الثكنات المركزية والثكنات المحلية في كل ولاية. يتقدم إلينا الشخص متطوعا، فنحدد أولا ما إذا كان يحتاج إلى تدريب أم لا. ثم نجري عليه فحصا أمنيا وفحصا طبيا. ونعد قائمة ونقدمها إلى الجيش. وهذا يجري على كلا المستويين، مستوى الخرطوم والولاية ومستوى المحليات. ونقوم بتوفير التدريب الأساسي (التدريب مثلا على استخدام السلاح، والانضباط،....) وهو ما قد يستغرق أسبوعين أو نحو ذلك، تبعا لاستعداد الفرد.
        قد يأتي الشخص ومعه حصان أو جمل، وقد نرسله إلى العمليات العسكرية على حصانه أو جمله. [...] ويزود المجندون بالسلاح ويجمع منهم السلاح بعد انتهاء التدريب.
84 -    وتبعا لما أورده قائد آخر من كبار القادة، يأتي معظم المجندين في قوات الدفاع الشعبي "وهم على معرفة جيدة بالأسلحة النارية ويتمتعون بالقوة واللياقة البدنية" ولكنهم "بحاجة إلى التدريب والانضباط". وأشار إلى أن المجندين لا يعيدون في كل الأحوال الزي الرسمي والأسلحة والذخائر عقب التسريح، وأن الأسلحة والذخائر توزع أحيانا عن طريق زعماء القبائل لضمان إرجاعها بعد التسريح مباشرة.

    5 -    مخابرات الحدود
85 -    يوجد بالقوات المسلحة أيضا وحدة عمليات تسمى مخابرات الحدود، يتمثل دورها الأساسي في جمع المعلومات. ويجند أفراد هذه الوحدة من السكان المحليين. ويجري نشرهم للعمل في مناطقهم الأصلية، تبعا لخبرتهم بالمنطقة، ومعرفتهم بالقبائل، وقدرتهم على التمييز بين الناس من ذوي الأصول القبلية والوطنية المختلفة بحكم معرفتهم بالظروف المحلية. ويقع حرس مخابرات الحدود تحت القيادة المباشرة لضباط المخابرات العسكرية في الفرقة التي يُطلب إليهم العمل فيها، وإلا فإنهم يخضعون للتسلسل العادي للقيادة في القوات المسلحة.
86 -    ومع أن ضباط مخابرات الحدود كانوا يجندون في البداية لمواجهة النزاع في جنوب السودان، فقد شرعت الحكومة أيضا في تجنيدهم خلال المراحل المبكرة من النزاع المسلح في دارفور في أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003. ويعتبر البعض أن ذلك كان بمثابة غطاء لتجنيد الجنجويد. وحسب ما أورده أحد كبار قادة القوات المسلحة، يجند جنود مخابرات الحدود في الجيش مباشرة بنفس طريقة تجنيد الجنود النظاميين. إذ يصدر إعلان عبر قنوات وسائط الإعلام لطلب متطوعين تتوافر فيهم معايير معينة، وخاصة معايير السن والمواطنة واللياقة البدنية. وقد تم تجنيد زهاء 000 3 جندي لمخابرات الحدود بهذه الطريقة، تم نشرهم في دارفور.

    6 -    تقديم التقارير وهيكل القيادة
87 -    تقوم لجنة القيادة المشتركة لرؤساء الأركان في الخرطوم بالتخطيط لجميع العمليات العسكرية. وتصدر الأوامر بالنسبة لأية عملية معينة من اللجنة إلى مدير العمليات، الذي يحيلها إلى قائد المنطقة. ثم يوجه قائد المنطقة الأوامر إلى قائد الفرقة، الذي ينقلها إلى قائد اللواء للتنفيذ.
88 -    وفيما يتعلق بالتقارير، تتدفق المعلومات من مستوى الكتيبة، إلى قائد اللواء، ثم إلى قائد الفرقة، ثم إلى قائد المنطقة، ثم إلى مدير العمليات، وأخيرا إلى نائب رئيس هيئة الأركان وفريق القيادة. ويقدم فريق القيادة تقاريره إلى رئيس هيئة الأركان، الذي يقدم تقاريره، إذا اقتضى الأمر، إلى وزير الدفاع، وأخيرا إلى رئاسة الجمهورية. وتتم عملية التبليغ وجميع الاتصالات الأخرى، داخل الجيش، صعودا ونزولا، حسب التسلسل القيادي كما هو الحال في معظم القوات المسلحة التقليدية.

    7 -    جهاز الأمن الوطني والمخابرات
89 -    قوات الأمن قوات نظامية قومية، مهمتها رعاية أمن السودان الداخلي والخارجي ورصد الوقائع المتعلقة بذلك، وتحليل مغازيها وخطرها، والتوصية بتدابير الوقاية منها(17). ووفقا للمعلومات التي تلقتها اللجنة، يعد جهاز الأمن الوطني والمخابرات أحد أقوى الأجهزة في السودان. وتستمد ولايته من قانون قوات الأمن الوطني لسنة 1999، على النحو المعدل في سنة 2001، الذي ينص على أن يشكل جهاز أمن داخلي مسؤول عن الأمن الداخلي، وجهاز أمن السودان ليكون مسؤولا عن الأمن الخارجي(18).
90 -    وتعمل قوات الأمن القومي تحت الإشراف العام لرئيس الجمهورية(19). ويتولى مدير عام(20)، يعينه رئيس الجمهورية(21)، المسؤولية المباشرة عن الجهاز. ويكون المدير العام مسؤولا أمام رئيس الجمهورية عن تنفيذ مهامه وعن الأداء الشامل للجهاز(22).
91 -    ووفقا للقانون، تنشأ هيئة تعرف باسم "مجلس الأمن الوطني" للإشراف على تنفيذ الخطة الأمنية للبلد؛ والإشراف على التقدم في العمل الأمني؛ والتنسيق بين الأجهزة الأمنية؛ ومتابعة تنفيذ السياسات والبرامج الأمنية؛ والموافقة على اللوائح المتصلة بتنظيم العمل؛ وتشكيل لجنة فنية من الأجهزة التي يتكون منها المجلس من أجل المساعدة في تقدم العمل(23). ويتألف مجلس الأمن الوطني من رئيس الجمهورية، ومستشار الرئيس للشؤون الأمنية، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية، ووزير العدل، ومدير جهاز الأمن الداخلي، ومدير جهاز مخابرات السودان(24).
92 -    وينص القانون أيضا على إنشاء "اللجنة الفنية العليا للأمن" التي تعهد إليها ولاية دراسة الخطط الأمنية المقدمة من الولايات والأجهزة المختصة، وتقديم تلك الخطط إلى المجلس للموافقة عليها، ومتابعة التنفيذ، وتلقي التقارير عن ذلك. وتقوم اللجنة بتنسيق أعمال اللجان الأمنية في مختلف الولايات، فيما يتعلق بالخطط الأمنية التي يضعها المجلس(25).
93 -    وأبلغ اللواء صلاح عبدا لله (المعروف أيضا بصلاح قوش) المدير العام لجهاز الأمن الوطني والمخابرات، اللجنة بأنه تم اتخاذ قرار بإنشاء إدارة واحدة موحدة، تضم المخابرات الداخلية والخارجية معا. وقد تم تشكيل هذا الجهاز في شباط/فبراير 2004 ويعرف باسم "جهاز الأمن الوطني والمخابرات". وأفاد المدير العام اللجنة بأنه يقدم تقاريره إلى رئيس الجمهورية و/أو النائب الأول لرئيس الجمهورية مرة كل يومين على الأقل. ويتعاون المدير العام مع الأجهزة الأخرى في الحكومة، ولكنه مسؤول أمام رئيس الجمهورية مباشرة.
94 -    وفيما يتعلق بأزمة دارفور، ذكر المدير العام أن جهاز الأمن الوطني والمخابرات يجمع المعلومات ويرفع تقريره إلى رئيس الجمهورية بشأن الحالة. ويقوم كذلك، تبعا لطبيعة المسألة، بتقديم تقارير إلى وزارة الدفاع، أو وزارة الداخلية، أو وزارة الخارجية، أو وزارة الشؤون الإنسانية. ويتولى رئيس الجمهورية، بناء على المعلومات الواردة إليه، توجيه مجلس الوزراء. وأضاف كذلك أن الرئيس، استجابة لهذه الأزمة، شكَّل لجنة تنسيق برئاسة وزير الشؤون الاتحادية، ضمت في عضويتها وزير الدفاع، ووزير الداخلية، ومدير المخابرات، ووزير الخارجية، ووزير الشؤون الإنسانية. بيد أنه، وحسب ما أورده المدير العام، لم تجتمع تلك اللجنة خلال الإثنى عشر شهرا الماضية. وبدلا عن ذلك، تناولت الوزارات أو الأجهزة المعنية المسألة بشكل منفرد أو ثنائي، كل في حدود اختصاصه.
95 -    وفيما يتعلق بالهيكل الهرمي لجهاز الأمن الوطني والمخابرات، أبلغ المدير العام اللجنة أن له نائبا يعمل معه لتسيير الأنشطة والمهام، فضلا عن أربعة مديرين. وللجهاز مكتب خاص لمتابعة الحالة في دارفور، يتلقى جميع المعلومات المتعلقة بالمنطقة، بما في ذلك المعلومات الخارجية العامة. وتتولى هذه الوحدة مسؤولية إعداد المعلومات الاستخباراتية وتحليلها. وتقدم كل وحدة تقاريرها بحسب التسلسل القيادي، ويوافى المدير العام في النهاية بتقارير عن كل عمل.
96 -    ولاحظت اللجنة أن قانون قوات الأمن الوطني، بصيغته المعدلة سنة 2001، يعطي قوات الأمن سلطات واسعة النطاق، بما في ذلك سلطة الاعتقال دون توجيه تهم أو دون الوصول إلى القضاء لمدة تصل إلى تسعة أشهر. وقد أجرت اللجنة، في الخرطوم، مقابلات مع محتجزين اعتقلتهم قوات الأمن في سجون انفرادية في "بيوت الأشباح" في ظل ظروف مقيتة. وفي بعض الحالات، كانت تستخدم أساليب التعذيب، والضرب، والتهديد أثناء الاستجوابات ومن أجل انتزاع اعترافات. وتعرَّض بعض المحتجزين للحبس لمدة 11 شهرا دون توجيه تهم إليهم ودون الاستعانة بمحام أو الاتصال بأسرهم.
97 -    وتجمع قوات الأمن معلومات عن جميع جوانب الحياة في ولايات دارفور الثلاث. وتنشر هذه المعلومات على الوزارات المعنية لاتخاذ الإجراءات المناسبة. وأكد المدير العام أن هذه المعلومات أو المعلومات الاستخباراتية قد تتصل بمسائل مثل وجود المتمردين في مكان ما، وما إذا كانوا مسلحين أم لا. ويمكن أن يستخدم الجيش هذه المعلومات في اتخاذ قرارات تتعلق بالعمليات. ومع أن جهاز الأمن الوطني والمخابرات لا يصدر أوامر للعسكريين، فإنه يزودهم بالمعلومات التي يستخدمونها كأساس لتخطيط عملياتهم.

    باء -    المليشيات المدعومة من الحكومة و/أو الخاضعة لسلطتها: الجنجويد
98 -    ثمة مسألة رئيسية تتعلق بمليشيات في دارفور، كثيرا ما يشار إليها بالجنجويد، أو الفرسان، أو المجاهدين. وقد استخدم مصطلح "جنجويد"، بالذات، على نطاق واسع، من قبل ضحايا الهجمات لوصف مهاجميهم. وبالتالي فقد استخدمت المصطلح أيضا منظمات دولية كثيرة ووسائط إعلام في تقاريرها عن الحالة في دارفور، واستخدمه مجلس الأمن في القرار 1564 (2004). وقد أوضح ضحايا الهجمات أن الجنجويد يعملون مع القوات الحكومية وبالنيابة عنها. وفي المقابل، فإن كبار مسؤولي السلطات الحكومية السودانية، في الخرطوم وفي ولايات دارفور الثلاث، أوضحوا للجنة أن أي انتهاكات يرتكبها الجنجويد لا صلة لها بالجهات الحكومية. ونظرا للدور الرئيسي المزعوم للجنجويد في الأعمال التي تحقق فيها اللجنة، ونظرا للاختلافات في فهم هوية الجنجويد وصلتهم المزعومة بالدولة، كان من الضروري للجنة أن توضح طبيعة ودور تلك العناصر التي يستعمل هذا المصطلح في وصفها.
99 -    ويوضح هذا الفرع مفهوم الجنجويد وآثار ذلك على تحديد المسؤولية الجنائية الدولية. وكما سيرد شرحه أدناه، فقد جمعت اللجنة مواد أساسية جدا ترى أنها توفر سندا لاستعمال مصطلح "الجنجويد" في الإطار المحدود لولاية اللجنة، بوصفه مصطلحا عاما لوصف المليشيات العربية العاملة تحت إمرة السلطات السودانية الحكومية، أو بدعم منها، أو التواطؤ معها أو التغاضي عنها، والتي تنتفع من الإفلات من العقاب عن أعمالها. ولهذا السبب اختارت اللجنة أن تستخدم مصطلح "الجنجويد" في التقرير بأكمله، واختارته لكونه أيضا المصطلح الذي استخدمه مجلس الأمن في مختلف القرارات المتعلقة بدارفور، والأهم من ذلك كله أنه المصطلح الذي يستخدمه الضحايا دائما.
    1 -    ظهور مصطلح جنجويد
100-    استُخدم مصطلح "جنجويد" في دارفور، في الماضي، لوصف اللصوص الذين يعتدون على سكان الأرياف بأشكال عديدة من بينها سرقة المواشي وقطع الطرق. وكلمة جنجويد كلمة عربية عامية من المنطقة، وتعني عامة "(إنسان مثل (جان) على جواد)". وقد استخدم المصطلح إبان النزاعات القبلية في التسعينات للإشارة بصفة محددة إلى مليشيات هي غالبا من قبائل عربية، كانت تهاجم وتدمر قرى القبائل غير الرحل.
101-    ووصْف الجنجويد بأنهم مليشيات عربية لا يعني أن جميع العرب يقاتلون في صف الجنجويد. وفي الحقيقة، فقد وجدت اللجنة أن كثيرا من العرب في دارفور يعارضون الجنجويد، وأن بعض العرب يقاتلون في صفوف المتمردين، مثل بعض القواد العرب ورجالهم من قبيلتي المسيرية والرزيقات(26). وفي نفس الوقت، هناك كثير من الأفراد من غير العرب يساندون الحكومة ويخدمون في جيشها. وبالتالي فإن مصطلح الجنجويد الذي يستعمله الضحايا في دارفور لا يعني قطعا العرب عامة، بل المليشيات العربية التي تهاجم قراهم وترتكب انتهاكات أخرى.
102-    وعلمت اللجنة أنه عند اندلاع التمرد الذي بدأته حركتان متمردتان، في دارفور، في أوائل عام 2003، طلبت الحكومة إلى عدد من القبائل العربية مساعدتها في القتال. وقام بعض زعماء القبائل الذين تربطهم علاقات بمسؤولي كل من الحكومات المحلية والحكومة المركزية، بدور رئيسي في تجنيد أعضاء المليشيات وتنظيمهم، والتنسيق مع المسؤولين الحكوميين. ووصف أحد كبار المسؤولين الحكوميين، على مستوى المحافظات، كيف أن الحكومة جندت أيضا، في المرحلة الأولى، محاربين من العرب الخارجين على القانون وجندت، بحسب تقارير أخرى، مجرمين صدرت عليهم أحكام. وتلقت اللجنة أيضا أدلة موثوقة على أن الجنجويد تضم في صفوفها محاربين من البلدان المجاورة، من تشاد والجماهيرية العربية الليبية بالدرجة الأولى.
    2 -    استخدام المصطلح في سياق الأحداث الراهنة في دارفور
103-    يشير ضحايا الهجمات دوما إلى مهاجميهم بالجنجويد، فهؤلاء غالبا ما يهاجمونهم بدعم من القوات الحكومية. وعندما يُطلب إلى الضحايا تقديم مزيد من التفاصيل، يذكرون أن المهاجمين الجنجويد هم من القبائل العربية، ويهاجمونهم، في أغلب الحالات، على ظهور الخيل والجمال، مسلحين بأنواع مختلفة من الأسلحة الآلية.
104-    وباستثناء هذين الوصفين، يتعذر على الأرجح تعريف مصطلح الجنجويد كما هو معروف في دارفور اليوم، ككيان متجانس. وعلى وجه التحديد، فإن الأفراد الذين تنطبق عليهم التسمية، يمكن أن يوصفوا عادة بمصطلحات أخرى. فعلى سبيل المثال، وجدت اللجنة أن مصطلح الجنجويد، يستعمل في مناسبات عديدة، بواسطة الضحايا وبواسطة أفراد السلطة، لوصف رجال معينين قيل إنهم قادوا الهجمات على القرى التي قتل فيها مدنيون وارتكبت فيها جرائم اغتصاب. وتمكنت اللجنة فيما بعد من أن تستوثق من أن أولئك الرجال هم، في الحقيقة, من أفراد قوات الدفاع الشعبي. وأُبلغت اللجنة، بصورة مستقلة، أن أحد كبار أفراد السلطات المحلية وصف أحد الرجال بأنه قائد جنجويد محلي. وبالمثل، فقد تعرَّف أحد الضحايا على ذلك الرجل قائلا إنه قائد جنجويد قاد هجمات قتل فيها مدنيون. وبعد ذلك، حصلت اللجنة على رسالة رسمية من الحكومة أشارت فيها سلطات المحافظة، في دارفور، إلى نفس الشخص قائلة إنه عضو في جماعة "الفرسان". وفي النهاية، قدم هذا الشخص نفسه إلى اللجنة الدليل على أنه عضو في قوات الدفاع الشعبي. وكمثال آخر، تثبتت اللجنة من أن أفراد قوات الدفاع الشعبي في إحدى الولايات يشنون هجماتهم على ظهور الخيل والجمال، في تشكيلة انتشار معينة، ويستخدمون أنواعا معينة من الأسلحة. وكثير من ضحايا الهجمات في نفس المنطقة الذين تعرفوا على مهاجميهم واصفين إياهم بأنهم جنجويد، أوضحوا للجنة أن المهاجمين يرتدون نفس الزي الرسمي لقوات الدفاع الشعبي المحلية، ويستخدمون نفس طريقة انتشارهم أثناء الهجوم ويستخدمون نفس الأسلحة التي يستخدمونها. وفي حالة أخرى، طلبت اللجنة من أحد الضحايا أن يميز بين أفراد الجنجويد والجيش والشرطة الذين قيل إنهم هاجموا قريته، فأجاب قائلا إنهم بالنسبة له ولغيره من الضحايا هم نفس الأفراد لا فرق بين واحد وآخر.
105-    هذه بضعة أمثلة، من بين شهادات وأدلة مادية متعددة، تؤكد للجنة، أن مصطلح الجنجويد يستخدم، في الاستعمال، كمرادف لمصطلحات أخرى تستعمل في وصف قوات المليشيات العاملة مع الحكومة. وحينما يصف الضحايا مهاجميهم بأنهم جنجويد، فقد يكون هؤلاء الأشخاص من المليشيات العربية القبلية، أو من قوات الدفاع الشعبي أو من أي كيان آخر على النحو المبين أدناه.

    3 -    تنظيم وهيكل الجنجويد
106 - لا تنتظم الجنجويد في هيكل متسق وحيد. وقد تبين للجنة وجود ثلاث فئات رئيسية للجنجويد، تتحدد كلها بحسب تصنيفات انتسابها لحكومة السودان. وتندرج تحت الفئة الأولى المليشيات التي تنتسب إلى الحكومة بصورة فضفاضة لا أكثر وتتلقى من الدولة أسلحة ولوازم أخرى. ويعتقد أن هذه المليشيات تعمل أساسا تحت عباءة التنظيم القبلي(27). ويعتقد أنها تشن هجمات بإيعاز من سلطات الدولة، إلا أن اللجنة تطرق إليها شك بأن هذه المليشيات تعمل أحيانا بوازع من نفسها فتقوم بعمليات نهب صغيرة لفائدتها هي.
107 -     وتندرج تحت الفئة الثانية مليشيات ذات أبنية تنظيمية شبه عسكرية تتوازي مع القوات النظامية، ومن ضمنها جماعات تعرف باسم "القوة الضاربة" والمجاهدين والفرسان. وقد تكون بعض هذه المليشيات تحت إمرة ضباط من الجيش النظامي ولكنها تخضع في الوقت نفسه لكبار زعماء القبائل. ويعتقد أن مليشيات هذه الفئة تعمل وفق تشكيل قيادي محدد ولكنها تفتقر تماما إلى الأسس القانونية.
108 -     ويندرج تحت الفئة الثالثة من المليشيات أفراد قوات الدفاع الشعبي(28) ومخابرات الحدود(29)، وكلتاهما لها أساس تشريعي من القانون السوداني. وتحارب قوات الدفاع الشعبي إلى جانب القوات المسلحة النظامية.
109 - وتوجد صلات بين هذه الفئات الثلاث جميعها. من ذلك مثلا أن اللجنة تلقت إفادات مستقلة مؤداها أن قوات الدفاع الشعبي تقدم الزي الرسمي والأسلحة والذخائر والمال إلى المليشيات القبلية العربية من الفئة الأولى. ويجتمع زعماء هذه القبائل بانتظام مع المنسق المدني لقوات الدفاع الشعبي، ويتولى المنسق نقل همومهم إلى لجنة الأمن في المنطقة المحلية.
110 - وتجمعت لدى اللجنة مواد أساسية تدل على اشتراك مليشيات من هذه الفئات الثلاث في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي. وفضلا عن ذلك، فقد خلصت اللجنة إلى أن ثمة ضحايا وشهودا آخرين تعرفوا على مهاجمين من الفئات الثلاث وقالوا إنهم من الجنجويد.

    4 -    الصلات بين المليشيات والدولة
111 -    ثبت للجنة وجود صلات واضحة بين الدولة والمليشيات من الفئات الثلاث جميعها. وتكشف العلاقة الوثيقة بين المليشيات وقوات الدفاع الشعبي، التي هي مؤسسة حكومية منشأة بقانون، عن وجود صلة قوية بين المليشيات والدولة في مجملها. وبالإضافة إلى ذلك، فالمليشيات بفئاتها الثلاث تتلقى أسلحة ولوازم اعتيادية من الذخائر، يقوم بتوزيعها عليها الجيش وكبار المسؤولين المدنيين على مستوى المحليات، ويحدث أحيانا أن تقوم قوات الدفاع الشعبي بتقديمها إلى المليشيات الأخرى.
112 -    وتتلقى قوات الدفاع الشعبي أوامرها من الجيش وتشن هجماتها على القرى تحت القيادة المباشرة لضابط من الجيش برتبة نقيب أو ملازم. وتكشف إفادات الضحايا دائما عن وجود تنسيق وثيق فيما يشن من الهجمات بين القوات المسلحة الحكومية وأفراد المليشيات، ويصف الضحايا هؤلاء الأفراد بأنهم من الجنجويد. وتوجد تحت يد اللجنة مواد أساسية جدا تدل على اشتراك المليشيات في جميع الفئات في شن هجمات على القرى بالتنسيق مع هجمات أو أعمال استطلاعية تقوم بها طائرات حربية سودانية. وأفادت مصادر متعددة باستعمال طائرات الحكومة السودانية لتزويد الجنجويد بالأسلحة.
113 -    ويتلقى أفراد قوات الدفاع الشعبي راتبا شهريا من الدولة يدفعه الجيش لهم. ولدى اللجنة تقارير تقول إن أفراد المليشيات القبلية، أو قادتهم، يحصلون على مدفوعات نظير هجماتهم . بل إن أحد كبار المسؤولين الحكوميين المعنيين بتجنيد أفراد المليشيات أبلغ اللجنة أن زعماء القبائل يتلقون مدفوعات في شكل منح وهدايا تبعا لنجاح جهودهم في تجنيد الأفراد. وفضلا عن ذلك، فلدى اللجنة إفادات كثيرة بأن هناك اتفاقا صامتا بين هذه الفئة من المليشيات وسلطات الدولة بأن ينهب أفرادها ما يجدونه من ممتلكات ويكون هذا مكافأة لهم على ما يشنونه من هجمات. وتتخذ الهجمات منحى ثابتا هو النهب المنتظم لممتلكات القرويين، بما في ذلك الأموال النقدية والأشياء الشخصية القيمة، وقبل هذا وذاك الماشية. والحقيقة أن كل هذه المليشيات تعمل تقريبا دون أدنى خوف من المعاقبة على هجماتها على القرى وما يتصل بذلك من انتهاكات حقوق الإنسان. مثال ذلك أن اللجنة تلقت إفادات كثيرة يتبين منها أن ضباط الشرطة في إحدى المحليات تلقوا أوامر بعدم تسجيل أية شكاوى يقدمها ضحايا الجنجويد أو التحقيق في تلك الشكاوى.
114 -    وفي تقرير مقدم من الأمين العام، مؤرخ 30 آب/أغسطس 2004 (S/2004/703)¡ ورد أن "الحكومة أقرت أيضا بأن المليشيات الخاضعة لنفوذها لا تقتصر على تلك التي كانت تدخل في السابق في عداد قوات الدفاع الشعبي، بل تشمل أيضا المليشيات الواقعة خارج إطار تلك القوات والتي ارتبطت لاحقا بها أو جندت للخدمة فيها. ويعني هذا أن الالتزام بنزع السلاح يشير في آن واحد إلى قوات الدفاع الشعبي وإلى المليشيات التي عملت بالارتباط بها".
115 -    ووضعت في متناول اللجنة وثائق سرية تؤيد أيضا ما جاء أعلاه من استنتاجات بشأن وجود صلات بين المليشيات والحكومة، وتشير إلى بعض أفراد من الجهاز الحكومي ممن لهم دور محتمل في تجنيد المليشيات.
116 -    ولا تتوافر للجنة أرقام دقيقة عن عدد أفراد الجنجويد الناشطين. ومع ذلك، فمعظم المصادر تقول بوجود ما لا يقل عن مجموعة كبيرة واحدة من الجنجويد وعدة مجموعات أصغر في كل ولاية من ولايات دارفور الثلاث. ووفق أحد التقارير، يوجد 16 مخيما على الأقل للجنجويد لا تزال ناشطة في كافة أنحاء دارفور تحمل أسماء بعض قادة الجنجويد. ووفقا لمعلومات حصلت عليها اللجنة، فميستيريا بشمال دار فور مخيم للجنجويد لايزال موجودا إلى الآن وبه مليشيا تعرف باسم "حرس الحدود". وقد أنشئ هذا المخيم كقاعدة لأفراد الجنجويد يتلقون منه التدريب والأسلحة والذخائر ويمكن في النهاية ضمهم لكيان قوات الدفاع الشعبي، أو الشرطة، أو الجيش. وتلقت اللجنة أدلة على تعرض مدنيين للخطف على أيدي قادة هذا المخيم و حجزهم بعدها داخل المخيم حيث يعذبون ويكلفون بأعمال شاقة. وجرى نقل هؤلاء المدنيين وإخفاؤهم أثناء ثلاث زيارات متابعة قامت بها قوات الاتحاد الأفريقي بعد إعداد مسبق لكل زيارة. وفي النصف الأول من عام 2004، كان عدد أفراد الجنجويد المقيمين بمخيم ميستيريا نحو 000 7 شخص. وفي أواخر 2004، سجل معظم هؤلاء الرجال باعتبارهم من قوات الدفاع الشعبي أو من قوات الشرطة أو من القوات النظامية للجيش. وقد كلف ضابط من رتبة عقيد بالجيش بالعمل في هذا المخيم طوال السنة وأسندت إليه مسؤوليات التدريب ومخازن الذخيرة ودفع مرتبات الجنجويد. وزارت المخيم مرة كل شهر تقريبا طائرتان عموديتان كانتا تنقلان إليه أسلحة وذخائر إضافية. وفي مناسبة واحدة على الأقل، زار المخيم ضابط من الجيش برتبة لواء.

    5 -    موقف الحكومة
117 -    من الملاحظ، وبخاصة بعد تنبه المجتمع الدولي إلى وقع أعمال الجنجويد، أن ردود فعل حكومة السودان إزاء استعمال هذا الاسم أخذت تتجه فيما يبدو إلى إنكار وجود أية صلات بين الدولة والجنجويد؛ واعتاد معظم المسؤولين على عزو أعمال الجنجويد إلى "قطاع طرق مسلحين" أو إلى "عناصر مارقة" أو حتى إلى جيش تحرير السودان أو حركة العدل والمساواة. ومع ذلك فلم يكن موقف الدولة متسقا مع نفسه، فكان بعض المسؤولين علي المستوى الوطني ومستوى دارفور كليهما يعطون تفسيرات متفاوتة لوضعية الجنجويد وصلاتها بالدولة.
118 -    ففي مؤتمر صحفي عقد في 28 كانون الثاني/يناير 2004، دعا وزير الدفاع وسائط الإعلام إلى التفريق بين المتمردين، والجنجويد، وقوات الدفاع الشعبي، ومليشيات القبائل أمثال مليشيات قبيلة الفور، وناهايين الزغاوة. وقال إن قوات الدفاع الشعبي هم متطوعون يعاونون القوات المسلحة ولكن الجنجويد "عصابات قطّاع طرق مسلحون" لا علاقة لهم مطلقا بالحكومة(30). وقصد الرئيس البشير بتعهده في 19 حزيران/يونية2004 فيما يخص نزع سلاح الجنجويد أن ينطبق فقط على قطاع الطرق، وليس على قوات الدفاع الشعبي أو شرطة الشعب أو رجال القبائل الآخرين الذين تسلحهم الدولة لمحاربة المتمردين(31).
119 -    وعلى عكس ما جاء أعلاه، تؤكد بعض البيانات الرسمية وجود علاقة بين الحكومة والمليشيات. ففي تعليق أذيع على نطاق واسع وجه إلى مواطني قرية كلبص التي فشل المتمردون في دخولها في كانون الأول/ديسمبر 2003، قال الرئيس "نضع في قمة أولوياتنا من الآن القضاء على التمرد، وسوف نتعقب كل خارج على القانون... وسنستخدم الجيش والشرطة والمجاهدين والفرسان للقضاء على التمرد"(32). وخاطب وزير العدل الوفد الخاص للجنة التنمية والتعاون التابعة للبرلمان الأوروبي أثناء الزيارة التي قام بها الوفد في شباط/فبراير 2004 فقال إنه "كانت للحكومة علاقة ما بالجنجويد. والآن فقد أساء الجنجويد إلى هذه العلاقة. وإني واثق من أن الحكومة تأسف كثيرا لوجود أي نوع كان من الالتزامات بين الجنجويد والحكومة. فنحن نعاملهم الآن باعتبارهم خارجين على القانون. فلا سبيل مطلقا إلى السماح بما ينزلونه من التخريب"(33). وفي 24 نيسان/أبريل 2004، أعلن وزير الخارجية أن "الحكومة ربما غضت الطرف عن المليشيات". "وهذا صحيح لأن المليشيات تواجه التمرد"(34). وقد طلبت اللجنة إلى الوزير رسميا في ثلاث مناسبات موافاتها بالبيان المذكور أو بأي بيان يتعلق بالمليشيات، ولكن لم يصلها شيء.
120 -    ورغم البيانات التي تعلن فيها الحكومة أسفها لأعمال الجنجويد، فقد تواصلت هجمات مختلف المليشيات على القرى في أثناء عام 2004، بدعم مستمر من الحكومة.

    6 -    موضوع المسؤولية القانونية عن أعمال الجنجويد
121 -    "الجنجويد" الذين يشير إليهم معظم الضحايا في الصراع القائم هم مليشيات عربية تغير على قرى هؤلاء الضحايا ممتطين الخيول أو الجمال، يقتلون وينهبون ويحرقون ويغتصبون. وهذه المليشيات كثيرا ما تعمل مع الحكومة وبتأييد منها، كما هو ثابت دائما من الإفادات التي يدلي بها شهود يصفون الدعم الذي تقدمه قوات الحكومة أثناء الهجمات، ومن الأنماط الواضحة لأنواع الهجمات التي جرت عبر دارفور على مدى عام، ومن المواد التي جمعتها اللجنة عن دور الحكومة في تجنيد وتسليح وتدريب المليشيات. وربما تقوم بعض المليشيات أحيانا، كما تزعم الحكومة، بالعمل وحدها مستقلة عن الحكومة فتستغل جو الفوضى العام الذي يسوده الإفلات من العقوبة وتعتدي وتنهب وتحرق وتدمر وتغتصب وتقتل.
122 -     ويثور سؤال قانونــي هـام يتعلق بالمليشيات المشار إليها أعــلاه: فمن (بالإضافة إلــى مرتكبي الجريمة أنفسهم) يتحمل المسؤولية الجنائية عن الجرائم المدعى أن الجنجويد يرتكبونها؟
123 -     عندما تشارك المليشيات القوات المسلحة في الهجوم، يمكن القول إنها تعمل تحت السيطرة الفعلية للحكومة، بما يتفق تماما مع مفهوم السيطرة (الذي نص عليه عام 1999 في قضية طاديتش (استئناف)، الفقرات 98-145. ومن ثم، فهذه المليشيات تتصرف في الواقع بوصفها من مسؤولي الدولة التابعين لحكومة السودان. وتبعا لذلك، فإذا ثبت توافر جميع أركان السيطرة الفعلية المطلوب توافرها في كل حالة على حدة، لا تقع المسؤولية عن الجرائم التي ترتكبها المليشيات على مرتكبي الجرائم وحدهم، وإنما تقع أيضا على المسؤولين ذوي الصلة في الجيش لكونهم أمروا بارتكاب هذه الجرائم أو خططوا لارتكابها أو تقاعسوا عن منعها أو قمعها، وذلك انطلاقا من مفهوم مسؤولية الرئيس.
124 - وعند دمج المليشيات في قوات الدفاع الشعبي واستعمال زيها الرسمي، تكتسب المليشيات، من منظور القانون الدولي، مركز أجهزة الدولة. ويمكن من الناحية القانونية عزو أعمالها وجرائمها إلى الحكومة. ومن ثم، وعلى غرار الفئة السابقة من الجرائم، فأي جريمة ترتكبها المليشيات لا تحرك فحسب المسؤولية الجنائية لمرتكب الجريمة وإنما تحرك أيضا مسؤولية السلطات الرئاسية لهذه المليشيات في السودان إذا كانت الأخيرة قد أمرت بارتكاب تلك الجرائم أو خططت لارتكابها أو تقاعست عن منعها أو قمعها (مفهوم مسؤولية الرئيس).
125 - واللجنة على ثقة، استنادا إلى تحقيقاتها، من أن الأكثرية الكبيرة للهجمات التي شنتها المليشيات على قرى قد جرت برضاء موظفي الدولة. وترى اللجنة أن المليشيات، في بعض حالات محدودة، أحيانا ما تصرفت خارج نطاق السيطرة المباشرة لحكومة السودان ودون أن تتلقى أوامر من موظفي الدولة للإتيان بهذه التصرفات. وفي هذه الظروف، لا يتحمل المسؤولية عن الجرائم سوى مرتكبي الجرائم وحدهم. ومع ذلك، فعندما يمكن إثبات تحريض الحكومة لهذه المليشيات من أجل الاعتداء على قبائل معينة، أو إثبات تزويد الحكومة لها بالأسلحة وبالدعم المالي واللوجيستي، يجوز القول: (أ) إن الحكومة تتحمل المسؤولية الدولية (إزاء سائر الدول الأعضاء في المجتمع الدولي) عن أي انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان ترتكبه المليشيات، وكذلك (ب) تجوز مساءلة موظفي الحكومة ذوي الصلة مساءلة جنائية، على ضوء الظروف المحددة لكل حالة، عن التحريض على انتهاكات القانون الإنساني التي ترتكبها المليشيات وعن المساعدة والحض على ارتكابها.
126 - تود اللجنة أن تؤكد أنه إذا ثبت أن الحكومة قد استخدمت المليشيات باعتبارها "تكتيكا حربيا"، حتى في الحالات التي تكون فيها الجنجويد قد تصرفت ولا يوجد دليل على تأييد الحكومة للتصرف، يجوز أن تقع على موظفي الحكومة المسؤولية الجنائية عن العمل الإجرامي المشترك لارتكاب هجمات عشوائية على المدنيين وقتل المدنيين. ورغم احتمال أنه كان في نية الحكومة قتل المتمردين وتدمير القرى لأغراض محاربة التمرد، يمكن تحريك المسؤولية الجنائية وذلك لما هو متوقع، وخاصة إزاء خلفية الصراعات بين القبائل والسجل الإجرامي للجنجويد، من أن إعطاء الجنجويد ترخيصا للاعتداء على أعدائها القدامى أو تشجيعها على هذا الاعتداء، وخلق جو يسوده الإفلات التام من العقاب، عوامل من شأنها أن تفضي إلى ارتكاب جرائم خطيرة. ولقد اتخذت حكومة السودان هذه المخاطرة بإرادتها.


///////////////////////////////////////////////



    جيم    جماعات حركات المتمردين
    1 -    حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان
127- حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان هي إحدى حركتي التمرد الرئيسيتين في دارفور. وبكل المقاييس، تعد هذه الحركة، فيما يبدو، الحركة الأكبر من حيث العضوية والنشاط الجغرافي. وهي تتألف أساسا من قبائل الزغاوة والفور والمساليت، فضلا عن بعض أفراد القبائل العربية. وكانت هذه الحركة/الجيش تسمي نفسها في البداية "حركة تحرير دارفور"، وكانت عندئذ تتبنى نهجا انفصاليا لدارفور. وفي بيان صدر في 14 آذار/ مارس2003، غيرت حركة تحرير دارفور اسمها لتصبح حركة تحرير السودان وجيش تحرير السودان، وطالبت بظهور "سودان ديموقراطي موحد" وبفصل الدين عن الدولة.
128- وتدعي الحركة/الجيش أن كل حكومات السودان التي جاءت عقب الاستقلال اتبعت سياسات قوامها التهميش والتمييز العنصري والاستبعاد والاستغلال وإثارة الفرقة، وهو ما أدى في دارفور إلى اضطراب جو التعايش السلمي بين الجماعتين العربية والأفريقية في المنطقة. وكما جاء في بيان صدر في آذار/مارس 2003 صاغت فيه الحركة سياستها، فإن "حركة/جيش تحرير السودان حركة وطنية تستهدف، هي والجماعات السياسية ذات الفكر المماثل، معالجة وحل المشاكل الأساسية التي يواجهها السودان في مجموعه. والهدف من الحركة/الجيش هو إيجاد سودان ديموقراطي موحد على أساس جديد من المساواة، وإعادة التشكيل الكامل لهيكل السلطة، ونقل السلطة، بل والتنمية، والتعددية الثقافية والسياسية والرفاهية المعنوية والمادية للسودانيين كافة"(35). ودعت القبائل ذات "الخلفية العربية" إلى الانضمام لكفاحها من أجل الديموقراطية. وأعلنت في مختلف المناسبات أنها تسعى لحصول دارفور على قسط عادل من توزيع الثروة والسلطة السياسية في السودان.
129- وتؤكد الحركة/الجيش أن لديها برنامجا وطنيا وهي لا تطرح قضيتها من منظور قبلي، وتؤكد أن خصومتها هي مع حكومة الخرطوم وليس مع القبائل العربية في دارفور: "فالقبائل والجماعات العربية جزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي لدارفور، يعاني كغيره من التهميش والحرمان من حقوقه في التنمية والمشاركة السياسية الحقيقية. والحركة/الجيش تعارض وتناهض بحزم سياسات حكومة الخرطوم لاستخدام بعض القبائل والتنظيمات العربية مثل "التحالف العربي" و"قوريش" لإعمال وسائلها في الهيمنة بما يضر بالعرب وغير العرب كليهما"(36).
130-     وبالإضافة إلى ذلك، فجدير بالذكر أيضا أن حركة/جيش تحرير السودان جزء من تشكيل مظلة المعارضة السودانية، التحالف الديموقراطي الوطني، الذي يشمل أيضا الحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، وحزب الأمة، وأحزاب المعارضة السودانية الأخرى.
131-     وحركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان، كما هو واضح من الاسم، قد تأثرت في منهجها وبنيتها بنظيرتها الجنوبية، الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان. وأثناء اجتماعات اللجنة مع قيادة حركة/جيش تحرير السودان في أسمرة، أوضح أن الجماعة تنقسم إلى ذراع سياسية، هي الحركة، وذراع عسكرية، هي الجيش. وفي بداية الصراع، كان تشكيل الحركة/الجيش غير واضح. وقيل إن الحركة/الجيش عقدت في تشرين الأول/أكتوبر 2003 مؤتمرا في ولاية شمال دارفور نوقشت أثناءه مسألة إدخال تغييرات على بنية الحركة/الجيش، واقترح تقسيم واضح للعمل بين الجناحين العسكري والسياسي. وفي هذه الأيام، وعلى ضوء المناقشات التي أجراها أعضاء اللجنة مع ممثلي الحركة/الجيش في إريتريا، يبدو أن رئيس الجناح غير العسكري للحركة هو عبد الواحد محمد النور وأن كبير القادة العسكريين والأمين العام للجماعة هو ميني أركاوي ميناوي. ويرأس وفد التفاوض في محادثات السلام مع الحكومة شريف حرير. ولا يعرف الكثير عن تفاصيل التشكيل ولا عن الحجم الفعلي للذراع العسكرية. ووفقا لمعلومات حصلت عليها اللجنة، فقد حصلت الحركة/الجيش على معظم أسلحتها عن طريق نهب المنشآت الحكومية، وبخاصة مراكز الشرطة وكذا ثكنات الجيش. وتقول مصادر أخرى إن الدعم الأجنبي يلعب دورا هاما في تكوين قوات الحركة/الجيش. ولم يكن بوسع اللجنة مع ذلك أن تتأكد من الأمر.
132- ولم يتجمع لدى اللجنة كثير من المعلومات عن المناطق التي تسيطر عليها الحركة/الجيش في دارفور. ولئن قيل إن الجماعة تسيطر على بعض المناطق الريفية، كونها تعمل بطريقة حرب العصابات المتنقلة، فإن هذه المناطق نفسها غير ثابتة. ففي بداية الصراع جرى معظم القتال على ما يبدو في شمال دارفور وشمال غرب دارفور، وتحرك تدريجيا في اتجاه الجنوب في ولاية جنوب دارفور، في الشهور الأخيرة من عام 2004.

    2 -    حركة العدل والمساواة
133- على غرار حركة التحرير الشعبي/جيش التحرير الشعبي، فإن حركة العدل والمساواة حركة تمرد ظهرت في دارفور عام 2001، وشكلت جزءا من التمرد المسلح الذي بدأ يعمل ضد الحكومة في أوائل عام 2003. ويصعب التمييز في الميدان بين حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان، ذلك أن التقارير التي تتردد عن أعمال التمرد لا تفرق في أغلب الحالات بين الاثنين. وقد أوردت التقارير أن أفراد حركة العدل والمساواة يلبسون عمائم صفراء. ويبدو أيضا أنه وإن كانت الحركة/الجيش هي أكبر الحركتين من الناحية العسكرية، فإن حركة العدل والمساواة حركة سياسية بدرجة أكبر وذات قدرات عسكرية محدودة، وخاصة بعد ما قيل عن انقسام الجماعة والظهور اللاحق للحركة الوطنية للإصلاح والتنمية (انظر الفقرة 139 أدناه).
134- ويقود حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم، وزير الدولة السابق الذي انحاز إلى جانب حسن الترابي عندما شكل الأخير المؤتمر الوطني الشعبي في عام 2000. وتقول مصادر متنوعة للمعلومات إن حركة العدل والمساواة تحظى بتأييد الترابي. ولئن كان دور الترابي وتأثيره فيما يتعلق بحركة العدل والمساواة لا يزالان غير واضحين، فقد قيل إن الترابي، عقب إطلاق سراحه مبدئيا في تشرين الأول/أكتوبر 2003 بعد أن أمضى سنتين في السجن، اعترف بوجود صلات بين حزبه والحركة. غير أن خليل إبراهيم أنكر، في لقاء له مع أعضاء اللجنة، وجود أي صلة مع الترابي، وذكر أن الترابي هو في الواقع السبب الرئيسي وراء فظائع دارفور.
135- ويبدو "الكتاب الأسود" وكأنه القاعدة الإيديولوجية الرئيسية لحركة العدل والمساواة. ويعمل هذا البيان، الذي ظهر عام 2001، على إثبات التهميش الكلي لدارفور ومناطق أخرى من السودان، من حيث التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل ومن حيث النفوذ السياسي. ويورد "الكتاب" وقائع للتدليل على "عدم توازن توزيع السلطة والثروة في السودان". ومقصود بهذا "الكتاب" أن يكون تشريحا للسودان يكشف الثغرات وأوجه التمييز بعكس الصورة الإيجابية التي تروج لها الحكومة. ويعمل "الكتاب الأسود" بشكل دقيق على تبيان حالة السودان بعد الاستقلال من حيث سيطرة ثلاث قبائل على حكوماتها، والقبائل الثلاث كلها هي من وادي النيل شمال الخرطوم، ولا تمثل سوى ما يقرب من 5 في المائة من سكان السودان بحسب التعداد الرسمي. وبرغم ذلك، يقول الكتاب إن هذه القبائل الثلاث تشغل ما بين 47 و 70 في المائة من المناصب الوزارية منذ عام 1956 وإلى الآن، وكذلك منصب الرئيس. ويرد أيضا أن الشماليين يشغلون الأغلبية العظمى من الوظائف القيادية العسكرية ووظائف الهيئة القضائية وإدارة المحافظات. وطبقا للكتاب الأسود، يسعى هؤلاء القادة إلى فرض ثقافة عربية وإسلامية موحدة على واحد من أكثر مجتمعات القارة تنوعا(37). ويقصد بالرسالة أن تروق السودانيين المهمشين كافة، سواء كانوا من العرب أو العرب الأفارقــة أو الأفارقــة، مسيحيين كانــوا أو مسلمين. وانطلاقا من هذه الأيديولوجية، لا تسعى حركة العدل والمساواة لمناهضة التهميش فحسب بل وتعمل أيضا على إحداث تغيير سياسي في البلد، ولديها برنامج وطني مناهض لحكومة السودان الحالية.

136- ولم تتحصّل اللجنة إلا على النزر اليسير من المعلومات عن حجم حركة العدل والمساواة وموقعها الجغرافي في دارفور. ويبدو أن معظم أفراد الحركة ينتمون إلى قبيلة الزغاوة، وتقول التقارير إن معظم نشاط الحركة يقع في الأجزاء الشمالية من غرب دارفور. وتحصّلت اللجنة على معلومات عن عدد من الأحداث شاركت فيها الحركة بشن هجمات على المدنيين. (انظر أدناه).
137- وفي أوائل أيار/مايو 2004، انقسمت حركة العدل والمساواة إلى فصيلين: أحدهما يقوده خليل إبراهيم والآخر يضم قادة الميدان العسكريين بزعامة العقيد جبريل. ويقال إن الانقسام حدث بعد أن دعا القادة العسكريون الميدانيون إلى عقد مؤتمر في كارو قرب الحدود التشادية في شمال دارفور، يوم 23 أيار/مايو 2004. وكان القادة العسكريون قد نظموا المؤتمر لكي يناقشوا القادة السياسيين مباشرة في موضوع مستقبل الحركة والاختلافات الأيديولوجية بين القادة.

    3 -    جماعات المتمردين الأخرى
138- ظهر عام 2004 عدد من جماعات التمرد الأخرى. ولم تتمكن اللجنة من الحصول على معلومات مفصلة عن أي من هذه الجماعات كما أنها لم تلتق بأي أشخاص ينتمون علنا إليها.
139- ومن بين هذه الجماعات الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية. وفي 6 حزيران/يونيه، أصدرت هذه الحركة بيانا تقول فيه إنها ليست طرفا في اتفاق وقف إطلاق النار المعقود في نيسان/أبريل بين الحكومة وحركة/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، وإنها ستحارب ضد الحكومة. ويأتي قادة وجنود هذه الحركة في معظمهم من قبيلة الزغاوة كوبيرا وهي قبيلة متميزة متفرعة من الزغاوة واجي، ولهؤلاء مكانهم البارز في صفوف حركة/جيش تحرير السودان. وتنشط الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية بشكل خاص في مدينة طينة على الحدود التشادية وفي منطقة جبل مون بولاية غرب دارفور.
140- وفي 14 كانون الأول/ديسمبر 2004، بدأت في نجامينا، بوساطة تشادية، محادثات بين حكومة السودان ووفد من الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية. وفي 17 كانون الأول/ ديسمبر، وقّع الطرفان بروتوكولين، أحدهما عن الوصول الإنساني والآخر عن قضايا الأمن


في المنطقة الحربية. وأكد البروتوكولان اتفاق نجامينا لوقف إطلاق النار المعقود في 8 نيسان/ أبريل واتفاق أديس أبابا المعقود في 28 أيار/مايو بشأن لجنة وقف إطلاق النار وبروتوكولات أبوجا المعقودة في 9 تشرين الثاني/نوفمبر. وبموجب البروتوكولين، يتعهد الطرفان بالالتـزام بالوقف الشامل لإطلاق النار في دارفور، وإطلاق سراح أسرى الحرب وتنظيم العودة الطوعية للأشخاص المشردين داخليا وللاجئين.
141- وبالإضافة إلى الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية، ظهر عدد صغير من الجماعات المسلحة الجديدة ولا يتوافر إلا النـزر اليسير جدا عن نهجها السياسي وعن تكوينها وأنشطتها. ومن بين هذه الجماعات جماعة "الكرباج" بالمعنى العربي للكلمة، ومن المفترض أنها تتألف من أفراد من القبائل العربية. وهناك جماعة أخرى اسمها "الشهامة" بالمعني العربي للكلمة وقد سُمع بها أول مرة في نهاية أيلول/سبتمبر 2004، ومن المفترض أنها توجد في ولاية غربي كردفان، المتاخمة لدارفور من جهة الشرق. وتطالب الجماعة بإتاحة فرص عادلة للتنمية في المنطقة، وإعادة النظر في اتفاق تقاسم السلطة والثروة الذي وقّعته الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، وتنقيح اتفاق الترتيبات الإدارية لجبال النوبة ومناطق النيل الأزرق الجنوبية. وظهرت جماعة ثالثة في كانون الأول/ديسمبر 2004 اسمها الحركة الوطنية السودانية للقضاء على التهميش، وذلك عندما أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم على غبيش غربي كردفان. وهذه جماعة غير معروفة، ولكن بعض التقارير تقول إنها جماعة منشقة عن حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان. ولم يكن أي من هذه الجماعات الثلاث طرفا في أي من الاتفاقات التي وقّعتها جماعات التمرد الأخرى مع الحكومة.

    رابعا -    الالتـزامات القانونيــة الدوليــة التــي تقـــع علــى حكومـــة السودان وعلى المتمردين
142- لتوصيف الوقائع من الوجهة القانونية، يتعين على اللجنة في البداية تحديد قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي على ضوئها يمكن تقييم هذه الوقائع. ومن ثم، فمن المهم عرض الالتـزامات الدولية ذات الصلة التي تقع على الحكومة وعلى المتمردين مسؤولية التقيد بها.

    ألف -    قواعد القانون الدولي ذات الصلة الملزمة لحكومة السودان
143 - ينطبق على السودان في الصراع في دارفور مجموعتان رئيسيتان من القوانين: القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وهذان القانونان متكاملان. فمثلا، كلاهما يهدف إلى حماية حياة الإنسان وكرامته، ويحظران التمييز بمختلف أشكاله، ويحميان ضد التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. وكلاهما يسعى إلى كفالة سبل الوقاية للأشخاص الذين يخضعون لإجراءات العدالة الجنائية، وإلى ضمان الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحقوق المتعلقة بالصحة والغذاء والسكن. وكلاهما يشتمل على أحكام لحماية المرأة والفئات الضعيفة، كالأطفال والمشردين. ويكمن الفرق في أنه بينما يتولى قانون حقوق الإنسان حماية الفرد في جميع الأوقات، فإن القانون الإنساني الدولي هو القانون الخاص الذي ينطبق فقط في حالات الصراع المسلح.
144 - إن الدول مسؤولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان عن كفالة حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحفظها في جميع الأوقات، في زمن الحرب وزمن السلم على السواء. والتزام الدولة بالامتناع عن أي سلوك ينتهك حقوق الإنسان، وكذلك واجبها في توفير الحماية لأولئك الذين يعيشون في نطاق سلطانها القضائي، متأصل في هذا المبدأ. أما البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف، فيدعو إلى حماية قانون حقوق الإنسان من أجل الفرد. وهذا في حد ذاته ينطبق أيضا على حالات الصراع المسلح من حيث أن من واجب الدولة توفير الحماية. لذلك، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي يعزز أحدهما الآخر ويتلاقيان في حالات الصراع المسلح.
145 - أما المساءلة بالنسبة للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي فيرد نص بشأنها في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وقد وقَّع السودان النظام الأساسي لكنه لم يصدق عليه بعد، لذلك فهو ملزم بالامتناع عن إتيان "أعمال من شأنها تعطيل موضوع وهدف"النظام الأساسي(38).
146 - وستتناول الفروع التالية الأحكام الخاصة التي تتجلى في هاتين المجموعتين من القوانين التي تنطبق على الصراع في دارفور.
    1 -    القانون الدولي لحقوق الإنسان
147 - يرتبط السودان بعدد من المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. ومن هذه المعاهدات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية حقوق الطفل. وقد وقع السودان، لكنه لم يصدق بعد، على البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في الصراعات المسلحة. وفي مقابل ذلك، لم يصدق السودان على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، أو اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وعلى المستوى الإقليمي، صدق السودان على ميثاق أفريقيا لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب. وبوصف السودان دولة طرفا في هذه المعاهدات المختلفة، فهو ملتزم قانونا باحترام حقوق الإنسان لمن يعيش في نطاق ولايته القضائية وحمايتها والوفاء بها.
148 - وهناك عدد من الأحكام في هذه المعاهدات ذو أهمية خاصة بالنسبة للصراع المسلح الجاري حاليا في دارفور. ومن هذه الأحكام ما يلي: (أ) الحق في الحياة وعدم "حرمان أحد من حياته تعسفا"(39)؛ (ب) الحق في عدم التعرض للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة(40)؛ (ج) الحق في عدم التعرض للتوقيف أو الاعتقال التعسفي(41)؛ (د) حق الأشخاص المحرومين من حريتهم في أن يُعاملوا معاملة إنسانية وفي أن تحترم كرامتهم الأصيلة (42)؛ (هـ) الحق في حرية التنقل، واختيار الشخص لمكان إقامته وبالتالي عدم تشريده تعسفا(43)؛ (و) الحق في الملكية(44)، وفي السكن المناسب وعدم التعرض للإجلاء القسري(45)؛ (ز) الحق في الصحة(46)؛ (ح) الحق في الغذاء الكافي(47) وفي الماء(48)؛ (ط) الحق في المحاكمة العادلة(49)؛ (ي) الحق في التظلم الفعال بالنسبة لأي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان(50)؛ (ك) الحق في الحصول على تعويض عن انتهاكات حقوق الإنسان(51)؛ و (ل) الالتزام بتقديم مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة(52).
149 -     وعندما يكون هنالك حالة طوارئ، يتضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان أحكاما خاصة تقضي بأن تتخذ الدول إجراءات. وعلى وجه الخصوص، تحدد المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الظروف التي قد تخل الدولة الطرف مؤقتا في ظلها بجزء من التزاماتها بموجب العهد. ويجب أن يتوافر شرطان للتذرع بهذه المادة: أولا، يجب أن توجد حالة تصل إلى حد الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة، وثانيا، يجب أن تعلن حالة الطوارئ رسميا وفقا للأحكام الدستورية والقانونية التي يخضع لها إعلانها وممارسة سلطات الطوارئ(53). كذلك يجب على الدولة أن تقوم فورا بإبلاغ الدول الأطراف الأخرى، عن طريق الأمين العام، بالأحكام التي خالفتها وأسباب تلك التدابير(54). وحتى خلال الصراع المسلح، لا يسمح بالتدابير التي تُعفي من العهد "إلا إذا شكلت الحالة خطرا على حياة الأمة"(55) وعلى أية حال، عليها أن تلتزم بالشروط المحددة بالعهد نفسه، ومنها أن تكون هذه التدابير مقصورة على المدى الذي تفرضه بشدة مقتضيات الحالة. وفضلا عن ذلك، يجب أن تكون منسجمة مع الالتزامات الأخرى في إطار القانون الدولي، وخصوصا قواعد القانون الإنساني الدولي وقواعد القانون الدولي الآمرة(56).
150 -     والمادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحدد بوضوح الأحكام التي لا يمكن تجاوزها والتي يجب احترامها في جميع الأوقات. ومن هذه الحقوق الحق في الحياة؛ وتحريم التعذيب أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة؛ ومنع العبودية، وتجارة الرقيق والاستعباد؛ وحرية الفكر والضمير والدين. وفوق ذلك، يجب ألا تنطوي التدابير التي تعفي من العهد على تمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو المنشأ الاجتماعي.
151 -     ومن بين "العناصر" الأخرى التي لا يمكن المساس بها وفقا للعهد، على النحو المعرف من قبل اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، حق جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم بأن يعاملوا بإنسانية واحترام للكرامة الأصيلة في الإنسان؛ ومنع أخذ الرهائن، أو الاختطاف، أو الاحتجاز غير المعترف به؛ وعناصر معينة من حقوق الأقليات في الحماية؛ ومنع التهجير أو النقل القسري للسكان؛ ومنع الدعاية للحرب وترويج الكراهية الوطنية أو العرقية أو الدينية التي تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف(57). أما الالتزام بتوفير سبل الانتصاف الفعالة لأي انتهاك لأحكام الفقرة 3 من المادة 2 من العهد فيجب أن يتم الالتزام بها على الدوام(58).
152 -     وإضافة إلى ذلك، فإن حماية الحقوق التي يعترف بأنها غير قابلة للتجاهل تتطلب بعض التدابير الوقائية الإجرائية، ومنها الضمانات القضائية. فالحق في رفع دعوى أمام محكمة لتمكين المحكمة من اتخاذ قرار بشأن مشروعية الاحتجاز، وسبل الانتصاف كأمر الإحضار أو تدبير الحماية المؤقتة، مثلا، يجب ألا تحدها حالات عدم التقيد بموجب المادة 4. وبعبارة أخرى، فإن "أحكام العهد التي تتعلق بتدابير الوقاية الإجرائية لا يجوز أبدا أن تخضع للتدابير التي تتهرب من حماية الحقوق التي لا يمكن إهمالها"(59).
153 -     وكان السودان يخضع لحالة طوارئ مستمرة منذ عام 1999، وفي كانون الأول/ديسمبر 2004 أعلنت الحكومة تجديد حالة الطوارئ لسنة أخرى. ووفقا للمعلومات المتاحة للجنة، لم تتخذ الحكومة خطوات قانونية للتخلي عن التزاماتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وعلى أية حال، فإن السودان، سواء استوفت الشروط اللازمة للتذرع بالمادة 4 أو لم تستوف، ملزمة كحد أدنى باحترام الأحكام التي لا يمكن المساس بها و "عناصر" العهد في جميع الأوقات.
    2 -    القانون الإنساني الدولي
154 -     فيما يتعلق بالقانون الإنساني الدولي، فإن السودان ملزم باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وكذلك معاهدة أوتاوا بشأن حظر استعمال وتكديس وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام، المؤرخة 18 أيلول/سبتمبر 1994(60)، في حين أنه غير ملتزم بالبروتوكولين الإضافيين لعام 1977، على الأقل بوصفهما معاهدتين. وكما ذكر أعلاه، وقع السودان، ولكنه لم يصدق بعد، على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وعلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في المنازعات المسلحة، فهو لذلك ملتزم بالإقلاع عن "الأعمال التي تخل بهدف ومقصد" ذلك النظام الأساسي والبروتوكول الاختياري.
155 - ووقع السودان كذلك على عدد من الاتفاقات الدولية الملزمة قانونا بصدد الصراع المسلح في دارفور، وكل هذه الاتفاقات أصبحت نافذة عند توقيعها. وقد أبرم ستة من هذه الاتفاقات مع جماعتي المتمردين، ودخل السودان في اتفاق واحد فقط مع الاتحاد الأفريقي، ودخل في اتفاقين فقط مع الأمم المتحدة(61). ومعظم هذه الاتفاقات تشتمل على أحكام بشأن القانون الإنساني الدولي، وخصوصا بشأن حماية المدنيين، على النحو المذكور أدناه.
156 -     وبالإضافة إلى المعاهدات الدولية، فإن السودان ملزم بالقواعد العرفية للقانون الإنساني الدولي. ومن تلك القواعد تلك التي تتعلق بالصراعات المسلحة الداخلية، التي نشأ كثير منها نتيجة لممارسة الدولة ومجموعة قرارات المحاكم الدولية والإقليمية والوطنية، وكذلك بيانات الدول، والمنظمات الدولية والجماعات المسلحة.
157 - والجزء الأساسي من هذه القواعد العرفية يرد في المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف. فهي تنطوي على معظم المبادئ الأساسية المتعلقة باحترام كرامة الإنسان التي لا بد من التقيد بها في الصراعات المسلحة الداخلية. وهكذا فإن هذه المبادئ والقواعد ملزمة لأي دولة، ولأي جماعات متمردة حققت شيئا من الهيكل المنظم والسيطرة الفعالة على جزء من الأرض. ووفقا لمحكمة العدل الدولية، فإن أحكام المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف "تشكل قياس الحد الأدنى" المطبق على أي صراع مسلح "وتعكس ما دعته المحكمة في عام 1949 [في قضية كورفو تشانيل] 'الاعتبارات الأولية للإنسانية'"(62).
158 - وتبلورت قواعد عرفية أخرى في أثناء المفاوضات الدبلوماسية لاعتماد البروتوكولين الإضافيين لعام 1977، لأن الأطراف المتفاوضة أصبحت مقتنعة بضرورة احترام بعض القواعد الأساسية، بغض النظر عما إذا كانت ستصدق فيما بعد على البروتوكول الثاني. ومع ذلك اعتمدت قواعد أخرى في المؤتمر الدبلوماسي للفترة 1974-1977 بوصفها أحكاما تعبر عن المبادئ العامة التي تقبل بها جميع الدول. واعتبرت الدول أن هذه الأحكام تقنن في جزء منها، وتشرح في جزء آخر، المبادئ العامة، وأنها لذلك ملزمة لجميع الدول أو للمتمردين بغض النظر عما إذا كانت الدول قد صدقت على البروتوكولين أو لم تصدق. والممارسة أو المواقف اللاحقة التي اتخذتها الأغلبية العظمى من الدول تدل على أنه بمرور الزمن اكتسبت أحكام أخرى من البروتوكول الإضافي الثاني المعنى والتطبيق عموما. ولذلك يمكن اعتبار هذه القواعد أيضا ملزمة للدول غير الأطراف وللمتمردين.
159 - وهذه المجموعة من القواعد العرفية التي تنظم الصراعات المسلحة الداخلية ظهرت في المجتمع الدولي وأيدتها عناصر مختلفة. فمثلا، أوردت بعض الدول في أدلتها العسكرية المخصصة لقواتها المسلحة بوضوح أن مجمل القانون الإنساني الدولي ينطبق أيضا على الصراعات الداخلية(63). واتخذت دول أخرى موقفا مماثلا فيما يتعلق بكثير من قواعد القانون الإنساني الدولي(64).
160 -    وفضلا عن ذلك، ففي عام 1995، اتخذ الأمين العام، عندما اقترح على مجلس الأمن اعتماد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، ما عرفه بأنه "نهج موسع" إزاء البروتوكول الإضافي الثاني، واقترح أن تقوم المحكمة الجديدة أيضا بالحكم على انتهاكات البروتوكول الإضافي الثاني الذي في مجمله "لم يلق حتى الآن اعترافا عالميا بوصفه جزءا من القانون الدولي العرفي"، وإضافة إلى ذلك، لأول مرة يعتبر بموجبه جريمة أي انتهاك للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع ٍS/1995/139)¡ المؤرخ 13 شباط/ فبراير 1975، الفقرة 12).  ومن الجدير بالذكر أنه لم يعترض أي عضو من أعضاء مجلس الأمن على مقترح الأمين العام، مما يدل على وجود توافق في الآراء بشأن الحاجة إلى المضي في التنظيم القانوني للصراع الداخلي وتجريم حالات الخروج عن القانون المطبق. وهكذا فإن النظام الأساسي للمحكمة، في المادة 4، يمنح المحكمة سلطة بشأن انتهاكات المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، فيعترف بذلك أن هذه الانتهاكات تشكل جرائم دولية.
161 -     وفضلا عن ذلك، ففي عام 1995، رأت دائرة الاستئناف للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في حكمها في قضية تاديتش (الطعن التمهيدي) أن المجموعة الرئيسية للقانون الإنساني الدولي تنطبق أيضا على الصراعات الداخلية بوصفها مسألة قانون عرفي، وفوق ذلك، تشكل الانتهاكات الجسيمة لهذه القواعد جرائم حرب(65).
162 -     ومما له أهمية مماثلة، أنه عندما وضع مشروع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في روما في عام 1998، أصرت بعض الدول صراحة على اعتبار انتهاكات القانون الإنساني الدولي أيضا بمثابة جرائم حرب(66). وأهم من ذلك، لم تعترض أي دولة اشتركت في المؤتمر الدبلوماسي على أن تدرج في النظام الأساسي مجموعة أحكام تمنح المحكمة سلطة قضائية بصدد انتهاكات القانون الإنساني في الصراع المسلح الداخلي التي اعتبر أنها تشكل جرائم حرب(67). وفي هذا ما يدل على موقف الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في المجتمع الدولي إزاء التنظيم القانوني الدولي للصراع المسلح الداخلي. كذلك فإن مما له مغزى أن النظام الأساسي وقعته  120 دولة، ومنها السودان. ورغم أن هذا التوقيع من وجهة نظر قانون المعاهدات له أثر محدود تم تأكيده، فإن له أهمية أيضا من وجهة نظر القانون الدولي العرفي(68): فهو يبرهن على أن الرأي القانوني العام الذي ظهر لدى الأغلبية الساحقة من المجتمع الدولي (بما فيها السودان) يعني ما يلي: (أ) أن الصراعات المسلحة الداخلية تحكمها مجموعة واسعة من قواعد القانون الإنساني الدولي العامة، و (ب) أن الانتهاكات الجسيمة لهذه القواعد قد تنطوي على مسؤولية جنائية فردية(69).
163 -     إن اعتماد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي جاء بعده النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون، يمكن اعتباره ذروة عملية لوضع القوانين أدت خلال سنوات قليلة إلى بلورة مجموعة من القواعد العرفية التي تحكم الصراع المسلح الداخلي وإلى تجريم الانتهاكات الجسيمة لهذه القواعد (بمعنى أنه قد تترتب على الانتهاكات الجسيمة لهذه القواعد مسؤولية جنائية فردية).
164 -     إن عملية سن القوانين هذه فيما يتعلق بالصراع المسلح الداخلي مبررة تماما. فنتيجة لكل من التوسع المتزايد لمبادئ حقوق الإنسان وتفاقم الحروب الأهلية، باتت الدول تقبل بفكرة أن من غير المقبول توفير الحماية فقط في الحروب الدولية للمدنيين وغيرهم من الأشخاص الذين لا يشاركون في أعمال القتال المسلح: فالمدنيون يعانون من العنف المسلح في أثناء الصراعات الداخلية بما لا يقل عن معاناتهم في الحروب الدولية. لذلك فمن غير المنطقي أن يترك المدنيون دون حماية في الحروب الأهلية في حين يحصلون على الحماية في الصراعات المسلحة الدولية. وبالمثل، ارتُئي أن اليسير من التنظيم القانوني لإدارة أعمال القتال، وخصوصا لاستعمال وسائــل الحـــرب وطرائقها، يلزم أيضا عندما تحدث المصادمات المسلحة لا بين دولتين بل بين دولة ومتمردين(70).
165 -    وهكذا، فإن القواعد الدولية العرفية المتعلقة بالصراع المسلح الداخلي تهدف في آن معا إلى حماية المدنيين والجرحى والمرضى من ويلات العنف المسلح وتنظيم سير أعمال القتال بين أطراف الصراع. وتقوم بالأساس بوضع وتحديد مبادئ حقوق الإنسان الأساسية المتعلقة بالصراعات المسلحة الداخلية، كما أشير إلى ذلك آنفا.
166 -    ولأغراض هذا التقرير، تكفي الإشارة هنا فقط إلى القواعد العرفية المتعلقة بالصراع المسلح الداخلي التي لها صلة بالصراع المسلح الدائر حاليا في دارفور والتي تنطبق عليه. وتشمل هذه القواعد العرفية ما يلي:
    (أ)    التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وحماية المدنيين من أعمال العنف، لا سيما الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل(71) (وقد أعيد تأكيد هذه القاعدة في بعض الاتفاقات التي أبرمتها حكومة السودان مع المتمردين(72)؛
    (ب)    حظر الهجمات المتعمدة على المدنيين(73)؛
    (ج)    حظر الهجمات العشوائية على المدنيين(74)،ولو كان من الممكن وجود عناصر مسلحة قليلة بينهم(75)؛
    (د)    حظر الهجمات الهادفة إلى إرهاب المدنيين(76)؛
    (هـ)    حظر شن الهجمات عمدا على موظفين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات تستخدم في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام وفقا لميثاق الأمم المتحدة، ما دامت تخضع للحماية الممنوحة للمدنيين أو الممتلكات المدنية بموجب القانون الدولي للصراع المسلح(77)؛
    (و)    حظر شن الهجمات على ممتلكات مدنية(78)؛
    (ز)    وجوب اتخاذ الاحتياطات للتقليل إلى أدنى حد من الخسائر والأضرار التي تطرأ نتيجة الهجمات(79)، ومن ذلك ضرورة قيام كل طرف بما بوسعه من أجل كفالة كون الأهداف أهدافا عسكرية(80) واختيار وسائل أو أساليب قتالية تقلل إلى أدنى حد الخسائر في أرواح المدنيين(81)؛

    (ح)    وجوب تلافي عدم التناسب بين الخسائر المدنية والمكاسب العسكرية المتوقعة لدى شن هجمات على أهداف عسكرية(82)؛
    (ط)    حظر أعمال التدمير والإتلاف التي لا تبررهما ضرورات عسكرية(83)؛
    (ي)    حظر تدمير أشياء ضرورية لبقاء السكان المدنيين(84)؛
    (ك)    حظر شن هجمات على أعمال ومنشآت تحتوي على قوى خطرة(85)؛
    (ل)    حماية الممتلكات الثقافية وأماكن العبادة(86)؛
    (م)    حظر النقل القسري للمدنيين(87)؛
    (ن)    حظر التعذيب وأي ضرب من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية(88)؛
    (س)    حظر الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالقدر، ومن ذلك الاغتصاب والعنف الجنسي(89)؛
    (ع)    حظر إعلان أنه لن يبقى أحد على قيد الحياة(90)؛
    (ف)    حظر إساءة معاملة المقاتلين الأعداء خارج نطاق القتال ووجوب معاملة المقاتلين الأعداء المحتجزين معاملة إنسانية(91)؛
    (ص)    حظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا وتكفل جميع الضمانات القضائية التي تعتبر لازمة في نظر المجتمع الدولي(92)؛
    (ق)    حظر العقوبات الجماعية(93)؛

    (ر)    حظر أخذ الرهائن(94)؛
    (ش)    حظر أعمال الإرهاب(95)؛
    (ت)    حظر النهــب(96)؛
    (ث)    وجوب حماية الجرحى والمرضى(97)؛
    (خ)    حظر استخدام الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما في أعمال القتال المسلح(98).
167 -    وينبغي التشديد على أن الاجتهادات والممارسات الدولية المذكورة أعلاه تشير إلى تجريم الانتهاكات الجسيمة لأي من تلك القواعد لما تنطوي عليه تلك الانتهاكات من مسؤولية جنائية فردية بموجب القانون الدولي.
168 -    وبعد دراسة القواعد ذات الصلة التي تنطبق على الصراع في دارفور، ينبغي التشديد على أن حكومة السودان مستعدة إلى حد كبير لاعتبار المبادئ والقواعد العامة المنصوص عليها في البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 ملزمة وللالتزام بها رغم أنها ليست من الناحية الرسمية طرفا في البروتوكولين. ويتجلى هذا على سبيل المثال في البروتوكول المتعلق بإنشاء آلية للمساعدة الإنسانية في دارفور الذي وقعته حكومة السودان مع جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في 8 نيسان/أبريل 2004 والذي ينص في المادة 10 (2) على أن الأطراف الثلاثة تتعهد باحترام مجموعة المبادئ التالية:
        "يكون تصور آلية المساعدة الإنسانية وتنفيذها في دارفور مطابقين ]هكذا[ للمبادئ الدولية بغية كفالة مصداقيتها وشفافيتها وشمولها، لا سيما: اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها لعام 1977؛ والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والاتفاقية الدولية ]هكذا[ للحقوق ]هكذا[ المدنية والعامة لعام 1966، واتفاقية جنيف بشأن اللاجئين لعام 1952]هكذا[، والمبادئ التوجيهية بشأن التشرد الداخلي (مبادئ دينغ) وأحكام قرار الجمعية العامة 46/182". (تأكيد مضاف)
169 -    وتلمح الإشارة إلى البروتوكولين بوضوح إلى أن أطراف الاتفاق لديهم النية في القبول على الأقل بالمبادئ العامة التي ينص عليها الصكان. ويمكن أن يستنتج إقرار ضمني مماثل بتلك المبادئ من الفقرة الثالثة من ديباجة البروتوكول المتعلق بتحسين الحالة الأمنية في دارفور وفقا لاتفاق نجامينا المؤرخ 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2004 الذي تدين بموجبه الأطراف الثلاثة "كافة أعمال العنف ضد المدنيين وجميع انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي". وثمة فقرة مماثلة ترد في ديباجة البروتوكول المتعلق بتحسين الحالة الإنسانية في دارفور المؤرخ أيضا 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، حيث تنص أيضا الفقرة العاشرة من الديباجة على أن الأطراف "تدرك الحاجة إلى الالتزام بالمبادئ الإنسانية المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة وغيره من الصكوك الدولية ذات الصلة".
170 -    ومما يتسم بالأهمية أن المادة 8 (أ) من اتفاق مركز البعثة بشأن إنشاء وإدارة لجنة وقف إطلاق النار في منطقة دارفور بالسودان المؤرخ 4 حزيران/يونيه 2004 والمبرم بين السودان والاتحاد الأفريقي تنص على أن "على الاتحاد الأفريقي أن يكفل اضطلاع اللجنة بعملياتها في السودان في احترام تام لمبادئ وقواعد الاتفاقيات الدولية التي تنطبق على سلوك الأفراد العسكريين والدبلوماسيين. وتشمل هذه الاتفاقيات الدولية اتفاقيات جنيف الأربعة المؤرخة 12 آب/أغسطس 1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها المؤرخين 8 حزيران/يونيه 1977 واتفاقية اليونسكو المتعلقة بحماية الملكية الثقافية في حالة نشوب صراع مسلح والمؤرخة 14 أيار/مايو 1954 واتفاقية فيينا المتعلقة بالعلاقات الدبلوماسية والمؤرخة 18 نيسان/أبريل 1961". (تأكيــد مضاف) وتـمـضـي المادة 9 لتـنـص على أن "على اللجنة والسودان أن يكفلا بناء عليه إلمام الأفراد العسكريين والمدنيين التابعين لكل منهما إلماما كاملا بمبادئ وقواعد الصكوك الدولية المشار إليها أعلاه". (تأكيد مضاف)
171 -    ويكشف النصان المذكوران أعلاه بوضوح، وإن يكن بطريقة ضمنية، رغبة الطرفين المتعاقدين في الالتزام بمختلف المعاهدات المتعلقة بالقانون الإنساني، بما في ذلك البروتوكولان الإضافيان، على الرغم من أن هذين البروتوكولين ليسا في حد ذاتهما معاهدتين ملزمتين للسودان.

    باء -    القواعد الملزمة للمتمردين
172 -    تمتلك حركة/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، شأنهما شأن كافة المتمردين الذين بلغوا درجة معينة من التنظيم والاستقرار والسيطرة الفعلية على الأرض، شخصية قانونية دولية، وبناء عليه، فهما ملزمتان بقواعد القانون الدولي العرفي ذات الصلة بالصراعات المسلحة الداخلية التي وردت الإشارة إليها أعلاه. وقد ينطبق هذا أيضا على الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية.
173 -    وعلاوة على ذلك، فمثلما استشف قبول حكومة السودان الضمنية بالمبادئ والقواعد الدولية العامة المتعلقة بالقانون الإنساني، يمكن أن يستنتج قبول جماعتي المتمردين بأحكام بعض من الاتفاقات المذكورة أعلاه.
174 -    وإضافة إلى ذلك، تحظى حركة/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة بموجب القانون الدولي العرفي بصلاحية إبرام اتفاقات دولية ملزمة (حق التعاقد) وأبرمت مع الحكومة عدة اتفاقات ملزمة دوليا. وتعهد المتمردون في هذه الاتفاقات، في جملة أمور، بالامتثال للقانون الإنساني. وأبرمت الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية مع حكومة السودان في 17 كانون الأول/ديسمبر 2004 اتفاقين أحدهما بشأن إيصال المساعدات الإنسانية وثانيهما بشأن مسائل الأمن في منطقة الحرب. وتعهد الطرفان في هذين الاتفاقين بالإفراج عن أسرى الحرب وتنظيم عملية الإعادة الطوعية للاجئين والمشردين داخليا.

    خامسا -    فئات الجرائم الدولية
175 -    قد تندرج الانتهاكات الجسيمة لقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني ضمن الجرائم الدولية رهنا بالمقتضيات التي حددتها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية تاديتش (الطعن التمهيدي) والتي دونت على نطاق واسع في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وبعبارة أخرى، قد تستتبع هذه الانتهاكات مسؤولية جنائية فردية يتحملها مرتكبها أو مرتكبوها. وقد تنطوي أيضا على مسؤولية دولية بالنسبة للدولة أو الكيان الدولي من غير الدول الذي يعتبر مرتكبو تلك الجرائم من موظفيه (أو الذي تصرفوا لصالحه باعتبارهم أجهزة بحكم الواقع) مع ما ينتج عن ذلك من أن الدولة أو الكيان من غير الدول قد يلزم عليه أن يدفع تعويضا لضحايا تلك الانتهاكات.
176 -    ومن الضروري الآن أن نشير بإيجاز إلى مختلف فئات الجرائم التي قد تندرج ضمن عملية التصنيف القانونية هذه.
177 -    جرائم الحرب - يندرج ضمن هذه الفئة من الجرائم الدولية أي انتهاك جسيم للقانون الإنساني الدولي يرتكب خلال صراع مسلح دولي أو داخلي (سواء ضد مدنيين أو مقاتلين أعداء) ويستتبع مسؤولية جنائية فردية يتحملها الشخص الذي انتهك ذلك القانون (انظر قضية تاديتش (الطعن التمهيدي)، الفقرة 94). وتشمل جرائم الحرب على سبيل المثال الهجمات العشوائية على المدنيين، وإساءة معاملة أسرى الحرب أو المعتقلين من المقاتلين الأعداء أو تعذيبهم، واغتصاب المدنيين، واستخدام الأساليب أو الوسائل الحربية غير المشروعة ... إلخ.
178 -    الجرائم ضد الإنسانية - هي جرائم شنيعة بوجه خاص، تشكل اعتداء جسيما على كرامة الإنسان أو إهانة جسيمة لإنسان أو أكثر من إنسان أو حطا من قدره أو من قدرهم (من قبيل القتل، والإبادة، والاسترقاق، والترحيل أو النقل القسري، والتعذيب، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والاضطهاد، والاختفاء القسري). وما يميز هذه الفئة من الجرائم عن جرائم الحرب أنها لا تعنى بانتهاكات منعزلة أو متــفـرقة بل تعنــى بانتهاكات (أ) قد تحدث وقت السلام أو وقــت الصــراع المسلــح و (ب) تندرج ضمن ممارسة فظائع (أو اعتداءات) على نطاق واسع أو بصورة منهجية ضد سكان مدنيين.
179 -    وفيما يتعلق بالعنصر الموضوعي أو المادي للجرائم التي هي ضـد الإنسانية، يجدر أولا الإشارة إلى أن "الاعتداء يجب أن يكون إما واسع النطاق أو منهجيا في طبيعته"(99). كما أن "الاعتداء وحده، وليس الأفعال الفردية للمتهمين، هو الذي يجب أن يكون "واسعا في نطاقه أو منهجيا في طبيعته"(100). أما فيما يتعلق بمدلول عبارة "واسع النطاق"، فقد اعتبرت دائرة ابتدائية تابعة للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في معرض نظرها في قضية كورديتش وسركيز أن "الجريمة تكون واسعة النطاق أو مرتكبة على نطاق واسع نتيجة أثر تراكمي لسلسلة من الأعمال اللاإنسانية أو أثر واحد ناجم عن عمل لا إنساني يتسم بخطورة غير عادية"(101). ويمكن أن يؤخذ في الاعتبار أيضا عدد الضحايا(102). أما فيما يتعلق بالشرط الذي يقتضي أن يكون الاعتداء "منهجيا"، فإنه "يتطلب اتسام الأعمال بطابع منظم وعدم احتمال وقوع تلك الأعمال بصورة عشوائية"(103). أما فيما يتصل بالأعمال التي ينبغي النظر فيها لدى تقييم مدى "سعة أو منهجية" العمل، فإن دائرة الاستئناف التابعة للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة تقول بأن على أي دائرة ابتدائية أن تحدد أولا السكان الذين هم محل الاعتداء وأن تقرر، في ضوء الوسائل والأساليب والموارد وعواقب الاعتداء على السكان، ما إذا كان الاعتداء واسعا في نطاقه أو منهجيا في طبيعته. ويمكن أن تؤخذ في الاعتبار عواقب الاعتداء على السكان المستهدفين، وعدد الضحايا، وطبيعة الأعمال، وإمكانية مشاركة موظفين أو سلطات، أو أي أنماط جرمية قابلة للتحديد، لتبيان ما إذا كان الاعتداء يستوفي أحد أو كلا الشرطين اللازمين ليكون الاعتداء "واسع النطاق" أو "منهجيا"(104). وليس من الضروري لكنه من المهـم ربما إثبات كون الاعتداء نتيجة وجود سياسة أو خطة(105).
180 - يتكون الركن غير الموضوعي أو القصد الجنائي الذي يُشترط توافره في هذه الفئة من الجرائم من شقين هما: (أ) وجود نية إجرامية أو لا مبالاة لثبوت الجريمة الأصلية (القتل، الإبادة، الاغتصاب، التعذيب وغيرها من الجرائم)؛ و (ب) العلم بأن الجريمة هي جزء من ممارسة منهجية أو واسعة النطاق. وثمة فئة فرعية من الجرائم ضد الإنسانية هي جريمة الاضطهاد على وجه التحديد، وهذه يُشترط لثبوتها كجريمة توفر شرط إضافي آخر هو الركن المعنوي: القصد أو النية على ممارسة الاضطهاد أو التمييز، وبخاصة إخضاع شخص أو جماعة للتمييز وإساءة المعاملة أو المضايقة لأسباب دينية أو عرقية أو سياسية أو إثنية أو قومية أو غير ذلك من الأفعال التي تتسبب في معاناة بالغة أو في أذى شديد لذلك الشخص أو المجموعة (انظر على وجه الخصوص الحكم الذي أصدرته الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا في قضية زوران كوبريكيتش وآخرون، الصفحات 616-627).
181 - الإبادة الجماعية: نظرا إلى أن مجلس الأمن في قراره 1564 (2004) قد خص هذه الفئة من الجرائم كي تجري اللجنة تحقيقا خاصا فيما إذا كان يمكن تصنيف الجرائم التي ارتُكبت في دارفور باعتبارها إبادة جماعية، فمن المناسب تكريس فرع خاص أدناه لهذه الجريمة. وفي هذه المرحلة، يكفي القول أن جريمة الإبادة الجماعية، سواء بمقتضى اتفاقية عام 1948 أو قواعد القانون العرفي المناظرة لها تشمل أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية¡ بصفتها هذه، إهلاكا كليا أو جزئيا؛ قتل أفراد الجماعة؛ إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة؛ إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليا أو جزئيا؛ فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة؛ نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

    سادسا -    انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي - النتائج الوقائعية والقانونية التي خلصت إليها اللجنة

    ألف -    لمحة عامة عن انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي قدمت الهيئات الأخرى تقارير بشأنها
182 - وفقا للولاية التي حددها مجلس الأمن للجنة والتي أوكل إليها بموجبها "التحقيق في التقارير التي تفيد بوقوع انتهاكات لقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي"، درست اللجنة بعناية التقارير التي وردتها من مختلف المصادر، بما فيها الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية ومختلف آليات وهيئات الأمم المتحدة، وكذلك من المنظمات غير الحكومية. وفي أعقاب إنشاء اللجنة مباشرة، أُرسلت مذكرة شفوية إلى الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والإقليمية في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2004 تطلب إليها فيها موافاة اللجنة بأي معلومات ذات صلة. وأُرسلت رسالة مماثلة إلى المنظمات غير الحكومية في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2004. وتلقت اللجنة فيما بعد عددا كبيرا من الوثائق والمواد الأخرى من مصادر متنوعة، بما فيها حكومة السودان. وقامت اللجنة بتحليل تلك المواد وأدخلت مضمونها في قاعدة بيانات. وفيما يلي عرض موجز لتلك التقارير يوضح إطار مهمة تقصي الحقائق والتحقيقات التي اضطلعت بها اللجنة. وفي الفروع التي تلي هذه اللمحة العامة، سيجري عرض فرادى الحوادث بحسب نوع الانتهاك أو الجريمة الدولية المحددة.
183 - وتستند المعلومات المقدمة في التقارير السابقة التي درستها اللجنة إلى إفادات الشهود أساسا التي جُمعت من خلال إجراء مقابلات مع المشردين داخليا واللاجئين. وتستند بعض التقارير التي تلتها إلى تحقيق أوسع نطاقا يستند إلى مصادر وطرائق أخرى لجمع المعلومات تشمل الصور المأخوذة بواسطة السواتل لتقصي حالات تدمير وإحراق القرى، فضلا عن القيام بزيارات ميدانية إلى دارفور ذاتها. واستندت تلك التقارير أيضا إلى النتائج التي خلص إليها الباحثون والمراقبون التابعون لمختلف المنظمات التي ترصد الحالة في دارفور.
184 - وتلاحظ غالبية التقارير وجود نمط من الهجمات العشوائية ضد المدنيين في القرى والمجتمعات المحلية في جميع ولايات دارفور الثلاث بدءا من مطلع عام 2003. كما شُنت هجمات في عامي 2001 و 2002(106) لكن حدة الهجمات وكثافتها وتواترها ازدادت بصورة ملحوظة في أوائل عام 2003. وثمة اتفاق عام على أن التصعيد يتزامن مع تكثيف حدة الصراع المسلح الداخلي بين الحكومة وحركتي التمرد: حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة. ويتعلق جزء كبير من المعلومات بأثر ذلك الصراع على السكان المدنيين، بما في ذلك إشارة إلى أساليب القتال التي استخدمتها الأطراف وسياسات مكافحة التمرد التي اتبعتها الحكومة.
185 - وثمة نتيجة مشتركة مفادها أن الحكومة، في إطار ردها على التمرد، ارتكبت أفعالا ضد السكان المدنيين إما بصورة مباشرة أو من خلال مجموعات مسلحة تقوم مقامها بهذه المهمة، وهي أفعال تصل إلى حد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني. ورغم وجود معلومات أقل نسبيا عن الانتهاكات التي ارتكبتها جماعتا التمرد، أفادت بعض المصادر عن وقوع انتهاكات من هذا القبيل. وهناك أيضا معلومات تشير إلى أنشطة اضطلعت بها عناصر مسلحة استغلت حالة الانهيار التام للقانون والنظام لتصفية خصوماتها السابقة في سياق النزاعات القبلية التقليدية أو لنهب وسرقة المواشي.
186 - وهناك إفادات متواترة عن نمط متكرر من الهجمات على القرى والمستوطنات اشتملت في بعض الأحيان على هجمات جوية بواسطة طائرات عمودية مسلحة أو طائرات ثابتة الجناحين (من طراز انطونوف وميغ)، بما في ذلك القصف بالقنابل والرشق بالأسلحة الأوتوماتيكية. غير أن غالبية الهجمات المبلّغ عنها عبارة عن هجمات أرضية شنتها القوات العسكرية ومليشيات الجنجويد أو عناصر مشتركة منهما. وأفادت التقارير عن وقوع مئات من الحوادث التي اشتملت على قتل المدنيين وارتكاب المذابح وعمليات الإعدام بدون محاكمة والاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي والتعذيب والاختطاف ونهب الممتلكات والمواشي، فضلا عن التدمير المتعمد للقرى وإحراقها. وأسفرت هذه الحوادث عن نزوح جماعي لشرائح كبيرة من السكان المدنيين داخل دارفور ذاتها وإلى تشاد المجاورة. وتشير التقارير إلى أن حدة الهجمات والفظائع التي ارتُكبت في أي قرية من القرى نشرت درجة من الخوف في صفوف سكان القرى المجاورة الذين نجوا من تلك الهجمات دفعهم إلى الفرار أيضا إلى مناطق يسود فيها أمن نسبي.
187 -     وباستثناء بضع حالات، ليس هناك أي مبررات عسكرية لها صلة بأي نشاط محدد من جانب قوات المتمردين للحوادث المبلغ عن وقوعها. وقد عزز هذا الأمر الانطباع السائد في أوساط المراقبين بأن السكان المدنيين قد استهدفوا عن علم وعمد بغية تحقيق أهداف ومصالح مشتركة أو محددة للحكومة ومليشيات الجنجويد.
188 -     ويذكر شهود العيان الذين رأوا العديد من تلك الحوادث المنشورة في تلك التقارير أن عناصر القوات المهاجمة كانوا يرتدون الزي الرسمي، غير أنهم لاحظوا وجود اختلاف بين الزي الذي يرتديه أفراد القوات النظامية والزي الذي ترتديه مليشيات الجنجويد. وقُدمت إيضاحات متباينة لهذا الاختلاف المشار إليه في التقارير، بما في ذلك الإيضاح القائل أن قوات الدفاع الشعبي التابعة للحكومة، وهي قوات تجند غالبية عناصرها من القبائل العربية، تندرج تحت مصطلح الجنجويد الشائع استخدامه في سياق هذا الصراع. ويزعم آخرون أن الحكومة تزود المليشيات بهذه الملابس الرسمية إضافة إلى الأسلحة، ويرون في ذلك تأكيدا لتبعية تلك المليشيات للحكومة وارتباطها بها.
189 -     وتتضمن بعض التقارير أيضا روايات عن وقوع اشتباكات عسكرية بين الحكومة وقوات المتمردين أسفرت عن انتهاكات خطيرة لحقوق السكان المدنيين وأظهرت عدم اكتراث الأطراف المتحاربة بالكامل بالتزاماتها حيال أمن المدنيين. وأفادت التقارير عن ارتكاب القوات التابعة للحكومة غالبا أفعال تدمير لا مبرر لها يتجاوز نطاقها أي ضرورة عسكرية. وظهر اسم مليشيات الجنجويد في بعض تلك الحوادث وهي تساهم في أعمال التدمير ولا سيما بإلحاق ضرر بالسكان المدنيين وممارسة النهب على نطاق واسع في أثناء المعارك أو في المرحلة التالية لها.
190 -     وبالرغم من قلة المعلومات المتوافرة عن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات المتمردين، هناك بعض التقارير التي تفيد قيامها بهجمات عشوائية أسفرت عن إزهاق أرواح المدنيين وإصابتهم بأذى وتدمير الممتلكات الخاصة. وهناك تقارير أخرى تبلغ عن قتل الجنود الجرحى أو الأسرى، وعن شن هجمات أو الشروع بها من مبان محمية مثل المستشفيات، وعن اختطاف المدنيين وعمال الإغاثة الإنسانية، وعن حالات اختفاء قسري للمسؤولين الحكوميين وسرقة المواشي والمركبات التجارية والسلع. وهناك أيضا مزاعم باستخدام المتمردين للأطفال الجنود. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن عدد الانتهاكات المبلغ عنها التي نُسبت لقوات الحكومة ومليشيات الجنجويد يتجاوز بكثير عدد الحالات المبلغ عنها التي ارتكبها المتمردون.
191 -     وفي حين تتفق غالبية التقارير في وصفها للأحداث والانتهاكات المرتكبة، فإن الجرائم المنسوبة إلى قوات الحكومة ومليشيات الجنجويد تتفاوت تبعا للاختلافات في تفسير الأحداث والسياق الذي حدثت فيه. ومع ذلك، فإن تحليلات غالبية المراقبين للوقائع تشير إلى أن أشد انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني جسامة ارتكبتها المليشيات المعروفة في الأوساط الشعبية باسم "الجنجويد" بإيعاز من الحكومة أو بالتواطؤ معها باعتبارها جندت تلك العناصر في إطار حملتها الرامية إلى مكافحة التمرد.
192 -     وهناك أدلة مقنعة، حسب ادعاءات وتقارير صحفية، مفادها أن مناطق بعينها قد استهدفت بسبب قربها من نشاط المتمردين أو اتخاذها موضعا لهذا النشاط، بل والأهم من ذلك بسبب التكوين العرقي للسكان المقيمين في تلك المناطق. فقد لاحظت غالبية الكيانات التي قدمت تقارير عن الحالة السائدة في دارفور أن السكان الذين تعرضوا للانتهاكات هم من الدارفوريين الذين يعتبرون أنفسهم أفارقة متميزين عن القبائل العربية في المنطقة التي تنتمي إليها، حسبما تفيد التقارير أيضا، غالبية أفراد الجنجويد.
193 -     وتفيد التقارير أيضا أن قبائل أفريقية معينة، هي على وجه التحديد، قبائل الزغاوة والفور والمساليت المتواجدة بكثرة سكانية ملحوظة في بعض المناطق، قد استُهدفت بذاتها دون غيرها من القبائل الأفريقية. ويعزى هذا بصفة عامة إلى انتماء جماعتي التمرد الرئيسيتين في دارفور، عرقيا، إلى الأصل الأفريقي وإلى جلبهم غالبا من تلك القبائل الثلاث. ولهذا السبب بالذات استنتج بعض المراقبين أن أحد الأهداف الرئيسية لتدمير المناطق المستهدفة وإخلائها من السكان هو القضاء على أي إمكانية لتقديم الدعم إلى المتمردين أو درئها.
194 -     وتأخذ بعض التقارير في الحسبان السياق التاريخي والعرقي للسياسات القبلية في دارفور والفوارق في طرق العيش وسبل كسب الرزق(107)، التي أدت إلى تزاحم المطالبات بحق السيطرة على الموارد الطبيعية والأراضي واستغلالهما. واستنادا إلى ذلك، توصلت بعض التقارير إلى نتيجة مفادها أن نمط التدمير والتشريد ينطوي على أركان الاضطهاد و "التطهير العرقي".
195 -     وقد أضافت قراءة المعلومات على هذا النحو من قبل بعض المصادر بعدا آخر للصراع. فقد رئي إيقاع التدمير المتعمد للسبل الفعلية لبقاء هؤلاء السكان بمثابة مخطط يراد به طردهم بصورة دائمة من أماكن إقامتهم. وأشار العديد من المصادر إلى أن أعمال القتل والتدمير والتشريد القسري، إذا نظر إليها ككل، تصل إلى حد الإبادة. ولمحت بعض التقارير، فيما أكد عدد قليل منها، أن أركان جريمة الإبادة الجماعية قائمة في أنماط وطبيعة الانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة والمليشيات التابعة لها.
196 -     واستنادا لما أفادت به بعض التقارير مؤخرا لم تتوقف أعمال العنف هناك لغاية الآن حتى بالرغم من تناقص عدد الهجمات العسكرية ومستوى تشرد السكان المدنيين على نطاق واسع في شمال وغرب دارفور في الشهور القليلة الماضية الذي يعزى على الأرجح إلى إخلاء أجزاء كبيرة من المناطق الريفية الخاضعة لسيطرة الحكومة من سكانها الريفيين. وفي المناطق الخاضعة للحكومة، لا يزال المدنيون المشردون تحت رحمة ميليشيات الجنجويد بصفة عامة. وقد أفاد المراقبون أن المدنيين المشردين الذين يعيشون تحت سيطرة الحكومة في تلك المناطق لا يزالون يعيشون فيها كسجناء فعليين - مقيدي الحركة داخل المخيمات والمستوطنات وليس لديهم ما يكفي من الغذاء أو المأوى أو المساعدة الإنسانية وهم عرضة دائما لمزيد من الهجمات والاغتصاب ولنهب ما تبقى في حوزتهم من ممتلكات. وحتى عندما يتم إبلاغ الشرطة أو مسؤولي الحكومة الآخرين بتلك الحوادث لا تتخذ السلطات أي إجراء يذكر لاعتقال مرتكبي تلك الجرائم. وأفادت التقارير أيضا عن قيام مليشيات الجنجويد المدعومة من قبل الحكومة بغزوات لمناطق جديدة في جنوب دارفور. ووردت أيضا تقارير عن "عمليات اقتحام قامت بها مليشيات" مجهولة الهوية على امتداد الحدود مع تشاد يتمثل هدفها غالبا، فيما يبدو، في الإغارة على قطعان الماشية وغيرها من المواشي.
197 -     وأُعرب عن شواغل إزاء عدم تحسن الحالة الأمنية بالرغم مما أعطته الحكومة من تأكيدات إلى المجتمع الدولي بهذا الصدد. إذ لا يزال يعتري غالبية السكان المشردين داخليا الخوف من العودة إلى مواطنهم الأصلية خشية تجدد الهجمات ضدهم وبسبب تفشي حالة الإفلات من العقاب على أفعال العنف المرتكبة ضد السكان المدنيين. وتشير بعض التقارير التي نشرت مؤخرا إلى أن السكان العرب بدأوا بالتوطن في بعض مناطق كان يشغلها من قبل السكان المشردون.
198 -     وأشار تقرير واحد إلى أن المنظمات الدولية ووسائط الإعلام الدولية تشوه الحقائق فيما يخص الحالة في دارفور. وطبقا لهذا المصدر، عمدت غالبية المراقبين إلى تضخيم الحالة إلى حد أكبر بكثير مما هي عليه. وينبغي أن يعزى سبب الصراع بالدرجة الأولى إلى المشاحنات القبلية في الوقت الذي ردت فيه الحكومة على التمرد ووفرت كذلك مساعدة إنسانية إلى السكان المشردين والمتضررين.

    باء -    المعلومات المقدمة من حكومة السودان
199 -     سبقت الإشارة إلى أن اللجنة اجتمعت مع العديد من المسؤولين الذين يمثلون مختلف القطاعات الحكومية، بمن فيهم مسؤولون في الرئاسة والشؤون الخارجية والعدل والدفاع والداخلية والحكومة المحلية والأمن القومي. وعُقدت الاجتماعات في الخرطوم وفي ولايات دارفور الثلاث. وعرض المسؤولون وجهة نظر الحكومة وسياساتها إزاء الصراع الدائر في دارفور. وعلى الرغم من وجود بعض التفاوتات في وجهات النظر المعروضة، هناك قاسم مشترك يتسم به الموقف الرسمي. وبالإضافة إلى ذلك، قدمت الحكومة إلى اللجنة كمية كبيرة من المواد، تشمل وثائق وأشرطة فيديو. كما قدمت إليها بعض المواد استجابة إلى أسئلة محددة أثارتها اللجنة.
200 -     وأفضل وجهة نظر متماسكة قدمتها الحكومة بشأن الصراع عرضتها لجنة أنشأها وزير الداخلية بصفته ممثل رئيس الجمهورية لشؤون دارفور. وتتكون اللجنة من ستة موظفين رفيعي المستوى من وزارة الدفاع ووزارة الداخلية ودائرة الأمن الوطني والمخابرات ويرأسها ضابط من الجيش برتبة لواء. وخلال الاجتماعات الثلاثة التي استغرقت ما يزيد على 6 ساعات، نقلت اللجنة إلى لجنة التحقيق وجهات نظر وإحصاءات ووثائق. وردد العديد من المسؤولين الآخرين رفيعي المستوى معظم وجهات النظر التي عرضتها هذه اللجنة. كما عرض مسؤولون آخرون الوثائق المبينة أدناه، لا سيما من يعمل منهم مع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ودائرة الأمن الوطني والمخابرات، ومع حكومات ولايات دارفور الثلاث.
201 -     وأكدت اللجنة، على غرار الكثير من أجهزة الحكومة الأخرى، الطابع القبلي للصراع. وأفادت أن منطقة دارفور لها تاريخ من التعايش بين مختلف القبائل فيها، ورغم ذلك لها أيضا تاريخ مشحون بالصراعات القبلية. وغالبا ما كانت تُحل الصراعات عن طريق مؤتمرات المصالحة التقليدية، وهو ما تحاول الحكومة التشجيع عليه الآن. وفيما يتعلق بهوية الجماعات المختلفة وما إذا كانت هذه الجماعة أو تلك عربية أو أفريقية، تمسكت اللجنة بموقفها القائل أنه لا يوجد تقسيم عربي أفريقي بالنظر إلى شيوع الزواج المختلط فيما بين أفراد مختلف القبائل. كما قالوا "إن السودانيين يعتبرون أفارقة من وجهة نظر العرب ويعتبرون عربا من وجهة نظر الأفارقة" ولهذا، لا يوجد بعد عرقي لهذا الصراع.
202 -     وأكدت اللجنة أيضا أن التمرد المسلح في دارفور ليس بالأمر الجديد. وذكرت عددا من جماعات المعارضة المسلحة في دارفور منذ عام 1956. وفي الواقع، ذكرت أسماء ثماني حركات مسلحة مختلفة ظهرت في دارفور منذ الاستقلال ولغاية اليوم.
203 -     وعزت اللجنة الصراع الدائر إلى سبعة عوامل. العامل الأول هو التنافس بين مختلف القبائل على الموارد الطبيعية الشحيحة نتيجة التصحر ، ولا سيما بين القبائل المستقرة والقبائل البدوية. والعامل الثاني يكمن في ضعف الإدارة المحلية عقب حلها من قبل الرئيس السابق نميري. وكانت هذه الإدارة قد أُنشئت على أساس الهياكل القبلية التقليدية وكانت قادرة في الماضي على احتواء الصراعات والتوسط في حلها. والعامل الثالث يكمن في الوجود الضعيف للشرطة. والعامل الرابع يكمن في تدخل الجهات الأجنبية في الحالة في دارفور. والعامل الخامس يكمن في توافر الأسلحة والملابس العسكرية الرسمية على نطاق واسع نتيجة الصراعات السابقة الأخرى في المنطقة, ولا سيما الحرب بين الجماهيرية العربية الليبية وتشاد والحرب في الجنوب. والعامل السادس يكمن في تسييس المسائل واستغلالها من قبل مختلف أحزاب المعارضة السياسية في السودان. والعامل السابع يكمن في ضآلة التنمية ونقص الهياكل الأساسية نسبيا في دارفور.
204 -     وعددت اللجنة أيضا جميع الصراعات القبلية وجميع اتفاقات السلام التي أبرمت بين القبائل خلال الفترة من عام 1932 إلى عام 2004. وأظهرت القائمة أن تلك الصراعات كانت دائرة، في بعض الأحيان، بين ما يسمى القبائل العربية والقبائل الأفريقية؛ وفي أحيان أخرى بين مختلف القبائل العربية، وفي بعض الأحيان بين مختلف القبائل الأفريقية. وقد جرى حلها جميعا بالطرق التقليدية على يد الوسطاء من الوجهاء "الأجاويد" الذين يجري انتقاؤهم من قبل القبائل المعنية للتوسط فيما بينها. والقاسم المشترك التي تتسم به تلك الصراعات هو أنها كانت تجري في أغلب الأحيان بين الجماعات المستقرة والجماعات البدوية.
205 -     وفيما يتعلق بالصراع الدائر حاليا، نحت اللجنة باللوم على المتمردين ولا سيما جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة لارتكابهم معظم الفظائع التي ارتكبت في دارفور. وترى اللجنة أن المتمردين هم الذين بدأوا الهجمات وأن الحكومة تصرفت من موقف الدفاع فحسب. وأكدت أن الحكومة منيت بخسائر جسيمة، وأبرزت بصورة خاصة الهجمات المتكررة التي شنت ضد أفراد الشرطة والإدارة المحلية وغيرهما من ضباط إنفاذ القانون. وذكرت اللجنة أنه تم توثيق 100 هجوم من تلك الهجمات وأنها تدل على وجود نمط معين. وأحرق المتمردون الوثائق الموجودة في مخافر الشرطة وأطلقوا سراح المجرمين. وادعت اللجنة أن هذه الأعمال أفضت إلى نشوء ظاهرة الجنجويد. وقالت اللجنة إن الحكومة عندما استولت على سلاح المتمردين خلال تلك الهجمات وجدت في عداد تلك الأسلحة أنواعا لا توجد عادة في السودان، وهذا يعني وجود رعاية أجنبية للتمرد.
206 -    وقدمت اللجنة أيضا إحصاءات تتعلق بالهجمات التي شنها المتمردون ضد المدنيين خلال الفترة من كانون الثاني/يناير 2003 ولغاية تشرين الثاني/نوفمبر 2004. وذكرت أنه وقع 67 هجوما في شمال دارفور، و 60 في جنوب دارفور، و 83 في غرب دارفور. وأكدت واقعة تعرض مدينة كلبص إلى 27 هجوما شنه المتمردون عليها. واتهمت المتمردين بأعمال القتل المستهدف وتقييد حرية التنقل وتحصيل الضرائب وإعاقة التعليم ونهب المستشفيات وشن هجمات على عمال الإغاثة الإنسانية.
207 -     وفيما يتعلق بالهجمات التي شنت ضد القوات المسلحة خلال الفترة ذاتها، ذكرت اللجنة أنه في الفترة من كانون الثاني/يناير 2003 ولغاية تشرين الثاني/نوفمبر 2004، وقع 19 هجوما في شمال دارفور؛ و 16 هجوما في جنوب دارفور؛ و 8 هجمات في غرب دارفور. وادعت اللجنة أن عددا غير معروف من الجنود و 13 مدنيا قد قتلوا على يد المتمردين داخل المستشفى في برام. وادعت أن غالبية الهجمات قد نفذت بصورة مشتركة من قبل جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة.
208 -     وقدمت اللجنة إلى لجنة التحقيق قائمة بعدد الإصابات المتكبدة وبعدد الأسلحة المسروقة خلال الفترة من كانون الثاني/يناير 2003 إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2004. وفيما يتعلق بالجيش، ادعت أن 937 فردا قُتلوا و 264 2 فردا أصيبوا بجروح و 629 فردا في عداد المفقودين، وأن 934 قطعة سلاح قد سرقت. وفيما يتعلق بالشرطة، ادعت اللجنة أن 685 شرطيا قتلوا و 500 شرطي أصيبوا بجروح و 62 شرطيا في عداد المفقودين، وأن 247 1 قطعة سلاح قد سرقت. وفيما يتعلق بجهاز الأمن والمخابرات، ادعت أن 64 عنصرا قتلوا وأصيب عنصر واحد بجروح و 26 عنصرا في عداد المفقودين، وأن 91 قطعة سلاح قد سرقت. وبالنسبة للمدنيين، ادعت اللجنة أن 990 1 مدنيا قتلوا و 112 مدنيا أصيبوا بحروح و 402 مدني في عداد المفقودين. ومن الملفت للنظر قول اللجنة إنه لم تُسرق أي أسلحة من المدنيين.
209 -     وفيما يتعلق بتشريد السكان، تمسكت اللجنة بالقول إن قوات المتمردين أجبرت السكان على مغادرة منازلهم فنشدوا الحماية إثر ذلك في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وذكرت اللجنة كذلك أن المتمردين منعوا المشردين داخليا من العودة إلى ديارهم. ولاحظ بعض المسؤولين الآخرين أن تدمير القرى يُعتبر نتيجة طبيعية للصراع حيث يحاصر المدنيين وسط التراشق بالنيران. حتى أن بعض المسؤولين اعترفوا أن الحكومة تتعقب المتمردين إلى القرى باعتبارها المكان الذي يختبئون فيه وأن التدمير حدث من جراء القتال الذي نشب إثر ذلك.
210 -     وفيما يتعلق بأعداد المشردين، قالت اللجنة أن الحكومة لا توجد لديها أرقام دقيقة لكنها تعتمد على الأرقام التي تقدمها المنظمات الدولية. وادعت أن المشردين لم يكونوا راغبين في التعاون بل تهجموا على المسؤولين الحكوميين، وأن بعض زعماء المشردين بالغوا في تضخيم الأرقام لأنهم ينتفعون من ذلك الوضع. وقالت اللجنة إن الحكومة تحاول حماية السكان المدنيين وأنها لم تشن أي عمليات عسكرية ضد المدنيين وإنما ضد أهداف تابعة للمتمردين فقط. وذكرت أن مخيمات المشردين داخليا تستخدم الآن كمواقع لشن هجمات على الحكومة.
211 -     وتمسكت اللجنة بموقفها القائل أن الحكومة اتخذت عدة مبادرات لحل الصراع بالوسائل السلمية، بما في ذلك عقد مؤتمر في الفاشر في عام 2001 لمعالجة الأسباب الجذرية للمشاكل السائدة، ولا سيما في منطقة جبل مُرة وما حولها فضلا عن قيام الرئيس بإنشاء لجنة للتوسط بين القبائل.
212 -     وفيما يتعلق بمليشيات الجنجويد، لم تقدم اللجنة ولا المسؤولون الآخرون وجهة نظر متسقة. ففي حين أكد البعض أن أفراد الجنجويد عبارة عن قطاع طرق من جميع القبائل، اعترف مسؤولون آخرون أن الحكومة تحاول مساعدة قبائل معينة وتعبئة أفرادها. وأقر بعض المتحاورين بوجه خاص أن الحكومة زودت القبائل غير المتمردة بالسلاح وأنه كان هناك تعاون مع بعض زعماء القبائل الذين يتلقون منحا مالية للمساعدة في القتال ضد المتمردين. واعترف بعضهم صراحة أنه كانت هناك عملية للتجنيد في قوات الدفاع الشعبي في سياق المعركة ضد المتمردين.
213 -     وأكدت الحكومة أيضا أنها اتخذت تدابير لتعويض الذين تعرضوا، بطريق الخطأ حسب تقديرها، إلى القصف المدفعي. وذكرت كذلك أنها أنشأت لجنة تحقيق وطنية مستقلة لدراسة التقارير المتعلقة بالانتهاكات. وسوف يجري بحث فعالية هذه الهيئات في سياق هذا التقرير.

    جيم -    المعلومات المقدمة من جماعتي التمرد
214 -     سبقت الإشارة إلى أن اللجنة اجتمعت مع قيادة حركتي التمرد الرئيسيتين وهما حركة/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في أسمرة، كما اجتمعت مع ممثلين آخرين في دارفور. وفيما يتعلق بالأسباب الأصلية للصراع والحوادث التي وقعت في أثناء الصراع، فإن مواقف الجماعتين إزاء تلك المسائل متشابهة إلى حد كبير.
215 -     وذكرت الجماعتان كلتاهما أن دارفور، منذ استقلال السودان في عام 1956، قد هُمشت وأُهملت من حيث التنمية. ولاحظت جماعة العدل والمساواة أن الحكومة المركزية خاضعة أساسا لسيطرة ثلاث قبائل عربية من شمال البلد، وقد عملت باستمرار على تهميش المناطق الرئيسية الأخرى (الجنوب والشرق وجبال النوبة وكردفان والنيل الأزرق ودارفور) وغالبية تلك المناطق أشهرت السلاح ضد الحكومة ردا منها على أعمال القمع والتهميش و "الاستعمار الداخلي" والإهمال. ويتضح هذا الخلل من حقيقة أن الشمال لا يمثل سوى 4 في المائة من السكان لكنه يمتلك إلى حد كبير أكبر قدر من النفوذ والسلطة في الحكومة المركزية. وطبقا لأقوال جماعتي التمرد، تتمثل الاستراتيجية الرئيسية التي تتبعها الحكومة المركزية في التمسك بزمام السلطة عن طريق إبقاء المناطق الأخرى متخلفة عن ركب التنمية ومجزأة وعديمة القوة. وما الحرب التي دارت في الجنوب وأزهقت أرواح ما يزيد على مليوني شخص سوى مثال واحد على القمع الذي تمارسه الحكومة.
216 -     ولاحظت حركة/جيش تحرير السودان، بصورة خاصة، نشوء تحالف في دارفور في منتصف الثمانينات بين القبائل العربية والتجمع العربي ضد القبائل الأفريقية، حظي أيضا بالدعم فيما بعد من حكومة "الإنقاذ" برئاسة البشير. وفي هذا السياق، كان ينظر إلى القبائل إما على أنها قبائل "موالية للإنقاذ" أو "مناوئة للإنقاذ"، وانبثقت عن ذلك خطة سياسية وعنصرية نوعا ما. ومن القضايا الهامة التي ظهرت آنذاك مسألة السيطرة على الأراضي. ونظرا إلى أن بعض القبائل لا تمتلك أرضا تقليدية مخصصة لها، ومع تنامي الصراع على الموارد الطبيعية، كانت هناك محاولة منهجية لإخلاء القبائل التي ينظر إليها كقبائل "غير إنقاذية" من أراضيها.
217 -     وفي هذا السياق، لاحظت حركتا التمرد كلتاهما أنهما بدأتا بأنشطتهما ردا على السياسات التمييزية والهدامة التي تمارسها الحكومة في الخرطوم. ولاحظت كلتا الجماعتين أن خططهما لم تكن قبلية ولم تكن موجهة ضد القبائل العربية. ولهذا السبب، وجه المتمردون هجماتهم ضد المنشآت الحكومية وتجنبوا عن عمد شن هجمات على القبائل العربية.
218 -     وأكدت حركة العدل والمساواة أن لوائحها الداخلية تحتوي التزامات قوية تتعهد فيها باحترام القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان وأكدت كذلك أنها لم ولن توجه هجماتها ضد أهداف مدنية. وأكدت الحركة كذلك أن جميع عتادها العسكري قد تم شراؤه بصورة مستقلة من خلال وسائلها الخاصة أو حازت عليه عن طريق السلب من الحكومة.
219 - وذكرت جماعتا التمرد كلتاهما أن الحكومة قامت، بدعم من المليشيات العربية والجنجويد بهجمات على المدنيين في سائر أرجاء دارفور. وقد أنشأت الحكومة الجنجويد عن طريق تدريبهم وتسليحهم. وذكرت مجموعتا التمرد كذلك أن أفراد الجنجويد قد جُندوا من القبائل التي ليس لها موطن تقليدي ومنها قبائل مُحاميد والعريقات (شمالي الرزيقات) والعطيفات وزبالات والمهاجرية وكذلك من قبائل خارج السودان من تشاد والكاميرون وموريتانيا والجزائر. والدليل الذي يثبت ارتباط الحكومة بالجنجويد قيامهما معا بشن الهجمات. والمكافأة الرئيسية التي وُعد الجنجويد بالحصول عليها هو تمليكهم أراض، الأمر الذي يوضح أيضا الترحيل القسري لأعداد ضخمة من السكان المدنيين.
220 - وطبقا لما أفادت به حركة العدل والمساواة، ارتكبت الحكومة و مليشيات الجنجويد جريمة الإبادة الجماعية باستهدافها على وجه التحديد الأشخاص المنتمين لقبائل أفريقية، ولا سيما قبائل الفور والمساليت والزغاوة والبرقد والأرنجا والجبل والتامة. ونسبت إلى القوات المسلحة التابعة للحكومة وقوات الدفاع الشعبي وعناصر دائرة الأمن الوطني والمخابرات، وأفراد الشرطة ومليشيات الجنجويد إقدامها، منذ بداية الحرب، على قتل ما يزيد على 000 70 شخص وحرق ما يزيد على 200 3 قرية وتشريد ما يزيد على مليوني شخص. وادعت حركة العدل والمساواة أن الحكومة أصدرت أمرا إلى الشرطة بعدم قبول أي شكاوى من القبائل الأفريقية أو التحقيق فيها.
221 - وطبقا لما أفادت به حركة العدل والمساواة، ارتكبت العناصر التابعة للحكومة ومليشيات الجنجويد أعمال اغتصاب واسعة النطاق اشتملت على عملية اغتصاب جماعية لـ 120 امرأة قيل إنها حدثت في تموز/يوليه 2003 في بلدة الطويلة. ولاحظت حركة العدل والمساواة أن عدم اغتصاب أي امرأة عربية وعدم تدمير أي قرية عربية يمثلان دليلا على أن الحكومة كانت تستهدف القبائل الأفريقية على وجه التحديد. وبالإضافة إلى ذلك، قام أفراد من الحكومة ومن مليشيات الجنجويد مرارا وتكرارا باختطاف النساء والأطفال وبنهب الممتلكات بصورة منهجية، بما في ذلك نهب المواشي والأموال النقدية والأواني.

    دال -    مهمة اللجنة

222 -    وأجرت اللجنة، آخذة هذه التقارير في الاعتبار، تحقيقات مستقلة من أجل إثبات الحقائق. وتستند استنتاجات اللجنة إلى تقييم للحقائق التي جمعت أو جرى التحقق منها من خلال التحقيقات. غير أن التقارير الواردة من مصادر أخرى إنما يستند إليها لأغراض التحليل عندما تكون الحقائق المبلغ عنها متساوقة مع النتائج التي توصلت إليها اللجنة عن طريق تحقيقاتها.
223 -    ولم يكن ممكنا للجنة أن تحقق في جميع المئات العديدة من الحوادث الموثقة كلا على حدة المبلَّغ عنها من مصادر أخرى. وبالتالي، فقد اختارت اللجنة الحوادث والمناطق التي هي أكثر تمثيلا للأفعال والاتجاهات والأنماط ذات الصلة، بتحديد انتهاكات حقوق الإنسان الدولية والقانون الإنساني الدولي، والتي تتوافر لها إمكانات أكبر لتقصي الحقائق على نحو فعال. وقد أولي في هذا الاختيار اعتبار رئيسي لجملة أمور منها إمكانية الوصول إلى مواقع الحوادث وحماية الشهود، وإمكان جمع الأدلة اللازمة.
224 -    وبالإضافة إلى المادة التي جمعتها اللجنة خلال زيارتها إلى دارفور، قام فريق المحققين الذين يعملون تحت إشرافها بالتحقيق في عدد كبير من الحوادث، شملت ولايات دارفور الثلاث جميعها (انظر المرفق 4 للاطلاع على التفاصيل).

    هاء -    الحقيقتان اللتان لا يمكن دحضهما: التشريد الجماعي والتدمير الواسع النطاق للقرى
225 -    يرد في الفروع التالية من التقرير عرض لنتائج تقصي الحقائق والتحقيقات، ويجري تحليلها على ضوء الإطار القانوني المنطبقة الذي ورد بيانه في الفرع السابق. غير أنه يجب، قبل المضي في ذلك، إبراز حقيقتين لا تقبلان الجدل.
226 -    ثمة حقيقتان لا يمكن دحضهما كانتا ظاهرتين على الفور فيما يتعلق بالحالة في دارفور وقت إنشاء اللجنة، ثم بعد ذلك لدى وصولها إلى السودان في تشرين الثاني/نوفمبر 2004. أولا، كان هناك أكثر من مليون من المشردين داخليا داخل دارفور (1.65 مليون شخص، وفقا لتقارير الأمم المتحدة)، وأكثر من 000 200 لاجئ من دارفور في المناطق المجاورة الممتدة من تشاد إلى شرق السودان. ثانيا، كانت هناك عدة مئات من القرى والقرى الصغيرة المدمرة والمحروقة في أنحاء ولايات دارفور الثلاث. وعلى الرغم من أن عدد المشردين وعدد القرى المدمرة لم يتحدد بعد على وجه الدقة، فإن التشريد الجماعي وتدمير القرى حقيقتان لا جدال فيهما. وجميع المراقبين والجهات الفاعلة متفقون في ذلك، كما أكده للجنة خلال مهمتها في تشرين الثاني/نوفمبر كل من تحدثت معهم، سواء كانت الحكومة في الخرطوم أو الإدارة المحلية في ولايات دارفور الثلاث، أو زعماء القبائل، أو المنظمات الدولية أو غير ذلك.
227 -    وقد استخدمت اللجنة هاتين الحقيقتين اللتين لا جدال فيهما كنقطة انطلاق، للاضطلاع بمهمتها في تحديد الأعمال التي أفضت إلى الحالة التي تجسدت في هاتين الحقيقتين غير القابلتين للإنكار، ولا سيما تحديد الجرائم الناشئة عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان التي ارتكبت خلال هذه الأحداث، فضلا عن تحديد المسؤولين عن ارتكابها.
228 -    وقبل المضي في عرض نتائج تقصي الحقائق الذي قامت به اللجنة، فضلا عن التقييم القانوني لهاتين الحقيقتين، يجدر تقديم بعض الحقائق عن كل من التشريد والدمار، بهدف إعطاء صورة واضحة عن حجم الحالة ونطاقها.

1 -    التشريد
229 -ذكر مكتب نائب الممثل الخاص للأمين العام المعني بالسودان، ومنسق الأمم المتحدة المقيم للشؤون الإنسانية في "موجز الاحتياجات الإنسانية لدارفور، العدد 8" لشهر تشرين الثاني/نوفمبر 2004 الصادر عنه أن ما يلي:
        "مجموع عدد السكان المتأثرين بالصراع في دارفور يقدر بـ 2.27 مليون نسمة، أي ثلث عدد السكان قبل الصراع، الذي كان يقدر بـ 6.3 ملايين نسمة. ويقدر العدد الكلي للمشردين داخليا في دارفور بـ 1.65 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد المقيمين المتأثرين الذين تستطيع أن تصل إليهم وكالات المساعدة الإنسانية حوالي 000 627 شخص. [...] وتوجد أكبر الأعداد في غرب دارفور، حيث يبلغ مجموع المتأثرين 036 833 شخصا، وهو نصف عدد سكان غرب دارفور قبل الصراع ويبلغ 1.6 مليون نسمة. ويشمل الرقم المتعلق بغرب دارفور 509 652 مشردين داخليا. أما جنوب دارفور فبها 030 761 من المتأثرين بالصراع، من بينهم 594 595 من المشردين داخليا. وفي شمال دارفور، التي سجلت أقل ولايات دارفور الثلاث عددا، فيقدر عدد السكان المتأثرين بالصراع بها 200 685 شخص منهم 000 403 مشرد".
    وذُكر أيضا أنه "بالإضافة إلى ذلك، [...] في عواصم الولايات الثلاث - نيالا والفاشر والجنينه - ليس مدرجا بفئة المتأثرين بالصراع أحد من السكان المقيمين، وذلك مرجعه جزئيا إلى أن عددهم كبير نسبيا بالمقارنة بالسكان المشردين الذين يستضيفونهم. ولم يتقرر بعد ما إذا كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وإمكان أن كثير منهم ربما يعانون من الضعف بشكل متزايد"(108).
    ولوحظ أن هناك 101 موقع، أغلبها مخيمات، في جميع أنحاء منطقة دارفور تأوي المشردين داخليا، منها 22 موقعا في شمال دارفور و 42 موقعا في جنوب دارفور، و 37 موقعا في غرب دارفور. وتأوي بعض المخيمات ما يصل إلى 000 70 شخص، في حين أن بعض المواقع الأخرى ذات حجم متواضع بدرجة أكبر، وتأوي بضعة آلاف فقط من المشردين.
230 -    وفي اجتماع مع المفوض العام لهيئة المعونة الإنسانية الحكومية، حسبو محمد عبد الرحمن، في 12 كانون الثاني/يناير 2005، أكدت حكومة السودان للجنة أن العدد الكلي للمشردين داخليا يبلغ 1.651 مليون نسمة، والعدد الكلي للمتأثرين بالصراع يبلغ 000 627 نسمة. وذكر المفوض العام أن الحكومة تتفق بوجه عام مع الأرقام المذكورة في "موجز الاحتياجات الإنسانية" الصادر عن الأمم المتحدة (المقتبس منه أعلاه). وذكر أن 1.65 مليون مشرد يقيمون في 81 مخيما ومنطقة آمنة، بينما يقيم في المخيمات الفعلية 000 300 مشرد. وأضاف المفوض العام أن مجموع عدد المشردين داخليا الذين عادوا إلى ديارهم يبلغ 000 400؛ وهو رقم لم تتمكن الأمم المتحدة من تأكيده.
231 -    وبالإضافة إلى ذلك، أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه اعتبارا من 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، يقيم 051 203 شخصا من منطقة دارفور في 11 مخيما ومواقع أخرى كلاجئين في شرق تشاد، على طول الحدود مع السودان(109).
232 -    والعـــدد التقـــديري للسكان المتــأثرين بالصراع في دارفور، مضافا إليه عدد اللاجـئين في تشاد (1.65 مليون مشرد و 000 627 شخص متأثر بالصراع بطرق أخرى، و 051 203 لاجئا) يصل إلى رقم مذهل إذ يبلغ حوالي 2.5 مليون شخص متأثر بطريقة أو أخرى - أغلبيتهم العظمى بالتشريد من ديارهم.

2 -    تدمير القرى
233 -    في حين أصبح التشريد الجماعي للسكان في دارفور هو المظهر الذي تتخذه الأزمة الإنسانية في المنطقة، يشكل التدمير الواسع النطاق للقرى حقيقة أخرى لا تقبل الجدل.
234 -    وقد تمكنت اللجنة خلال زيارتها لدارفور من التوصل إلى تقدير منظور لمدى الدمار الذي وقع خلال الصراع الدائر حاليا في جميع ولايات دارفور الثلاث. وشهدت اللجنة قرى مدمرة وقرى مدمرة جزئيا عن طريق الاستطلاع الجوي من فوق بعض المناطق المتأثرة مثل تلك المحيطة بمناطق مورني وهبيلا وغارسيلا في غرب دارفور، وأجزاء من هضبة جبل مرَّة في جنوب دارفور ومنطقة الطويلة وكتم في شمال دارفور. وكثير من هذه القرى كان مهجورا وكانت هناك مناطق تضم عدة قرى مدمرة تماما. وللتحقق من الوقائع، زارت اللجنة أيضا بعض القرى التي حصلت بشأنها على معلومات محددة عن وقوع هجمات أو تدمير، بما فيها القرى الواقعة في محليتي الشطبية ومستيري والتي دمرت وهجرت تماما.
235 -    وهناك عدد وافر من المواقع التي تقف برهانا على القرى المحروقة، سواء كليا أو جزئيا، التي لم يعد قائما منها إلا هياكل من الجدر الخارجية للمنازل الدائرية التقليدية. وقد دمرت طلمبات وآبار المياه وحُطمت أوعية تجهيز الطعام وحُرقت وقُطعت الأشجار والمحاصيل سواء في القرى أو في الوديان(110)، التي هي مصدر رئيسي للمياه بالنسبة للسكان الريفيين. وليست المناطق الريفية في دارفور هي مشاهد الدمار الوحيدة. فهناك عدة بلدات أيضا بها دلائل على الدمار الذي لحق بالمنازل والهياكل الأساسية الضرورية مثل المستشفيات والمدارس ومراكز الشرطة.
236 -    ولم يحص عدد القرى المحروقة والمدمرة على وجه الدقة، غير أن عدة مصادر قدرت مدى الدمار من خلال تقارير شفوية ومعاينات للمواقع وغيرها من الأدلة. ووفقا لبعض التقديرات، دمِّر كليا أو جزئيا أكثر من 700 قرية في جميع ولايات دارفور الثلاث(111)، وحصلت اللجنة أيضا على معلومات مفادها أن الشرطة قد وضعت تقديرا للدمار وسجلت عدد القرى المدمرة فبلغ أكثر من 000 2 قرية. ولم تقدم الحكومة أية أرقام رسمية على الرغم من الطلبات المتعددة في هذا الشأن من جانب اللجنة. وعلى الرغم من ذلك، فقد حصلت اللجنة على تقارير موثوقة وقامت بنفسها بزيارة بعض المواقع التي حرقت فيها مئات البيوت في منطقة واحدة.

    واو -    الانتهاكات التي ارتكبها الأطراف
237 -    يقدم كل فرع من الفروع التالية على حدة سردا للنتائج الوقائعية التي توصلت إليها اللجنة، مصنفة بحسب نوع الانتهاك والجريمة الدولية المرتكبة الناجمة عنه. ويرد في كل فرع بصفة مبدئية موجز وتحليل للنتائج المبلغة من مصادر أخرى. ويعقب ذلك سرد للنتائج التي توصلت إليها اللجنة والمعلومات التي جمعتها عن بعض الحوادث المنفردة. ويتناول كل فرع الجرائم المرتكبة من جانب فئات الجهات الفاعلة الثلاث المحددة، وهي الحكومة، وقوات الجنجويد والمتمردون. ويرد بعد ذلك تقييم قانوني للنتائج الوقائعية.



//////////////////////////////////////







1-    الهجمات العشوائية على المدنيين
(أ)    النتائج الوقائعية
238 -    استعرضت اللجنة تقارير عديدة عن الهجمات العشوائية على المدنيين. ويكشف تحليل جميع الروايات المقدمة من مصادر أخرى، عن وجود نمط للهجمات العشوائية على المدنيين في القرى والمجتمعات المحلية في جميع ولايات دارفور الثلاث، ابتداء من أوائل عام 2003. وأُبلغ أيضا عن وقوع هجمات في عامي 2001 و 2002. غير أن الهجمات قد ازدادت بشكل ملحوظ في حجمها وكثافتها وتواترها ابتداء من أوائل عام 2003، ولاسيما عقب الهجوم الذي شنته القوات المتمردة على مطار الفاشر في نيسان/أبريل 2003. وما زالت الهجمات على المدنيين مستمرة حتى وقت كتابة هذا التقرير.
239 -    والتقت اللجنة أيضا بشهود وحصلت من أفراد ومجموعات في أنحاء ولايات دارفور الثلاث، وكذلك في الخرطوم وفي مواقع اللاجئين في تشاد، على روايات عيان مباشرة عن الهجمات على المدنيين. وقد تم التحقق، حيثما كان ذلك ممكنا، من التقارير التي تلقتها اللجنة، وذلك من خلال عمل المحققين القضائيين وخبراء الطب الشرعي والمحللين العسكريين، الذين كلفوا بالعمل مع اللجنة. وحصلت اللجنة أيضا على معلومات عن حوادث إضافية عديدة، شملت هجمات على المدنيين وتحققت منها، وذلك استنادا إلى المعلومات والأدلة التي تلقتها في سياق عملها. ويرد وصف لهذه الحوادث من خلال عدة دراسات حالة إفرادية مجملة في الفروع التالية.
240 -    ومن جميع الروايات تخلص اللجنة إلى أن الغالبية العظمى من الهجمات على المدنيين في القرى إنما قامت بها القوات المسلحة التابعة للحكومة السودانية، والجنجويد، سواء على نحو مستقل أو مشترك. وعلى الرغم من وقوع هجمات من جانب قوات المتمردين أيضا، لم تجد اللجنة أي دليل على سعة انتشارها أو على أنها كانت تستهدف بشكل منتظم السكان المدنيين. وأغلب حوادث هجمات المتمردين إنما كان يوجه ضد أهداف عسكرية أو ضد قوات الشرطة أو قوات الأمن. غير أن هناك حوادث قليلة شُنت فيها الهجمات من جانب المتمردين على مدنيين ومنشآت مدنية، فضلا عن قوافل المساعدات الإنسانية. وتقدم الفروع التالية وصفا للنتائج الوقائعية التي توصلت إليها اللجنة، فيما يتعلق بأنماط الهجمات على المدنيين في ولايات دارفور الثلاث.


        '1'    هجمات القوات المسلحة التابعة للحكومة وقوات الجنجويد
241 -    تبين للجنة، استنادا إلى التحليل الذي أجرته للمصادر الأخرى وإلى أعمال التحقيق التي أجرتها بنفسها، وقوع هجمات على القرى في دارفور من جانب القوات المسلحة التابعة للحكومة السودانية والجنجويد طوال فترة الصراع، مع وجود فترات معينة بلغت فيها تلك الهجمات ذروتها من حيث الكثافة. وكانت الهجمات تبدأ في أغلب الأحيان في الصباح الباكر، أي قبيل شروق الشمس، بين الساعة 30/4 و 00/8، عندما يكون القرويون إما نائمين أو يؤدون الصلاة. وفي كثير من الحالات كانت الهجمات تستمر لعدة ساعات. وكانت بعض القرى تتعرض للهجمات بشكل متكرر خلال عدة أيام وشهور(112).
242 -    وفي حالات كثيرة كان الهجوم الأرضي يبدأ بجنود يستقلون عربات لاند كروزر ومركبات أخرى، تعقبهم مجموعة كبيرة من الجنجويد على ظهور الخيل والجمال، ويحمل جميعهم أسلحة من قبيل البنادق الآلية طراز AK47 و G3 وقاذفات الآر. بي. جي. وكان كثير من الهجمات يشتمل على قتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، وحرق المنازل، والمدارس وغيرها من المنشآت المدنية، فضلا عن تدمير الآبار والمستشفيات والمحال التجارية. وكان يعقب الهجمات بشكل ثابت عمليات نهب وسرقة الممتلكات المدنية، لا سيما الماشية، وفي كثير من الحالات كان المهاجمون يسرقون كل شيء من الممتلكات المنقولة أو يدمرونه. وفي أغلب الأحيان كان المدنيون يشردون قسرا نتيجة للهجوم.
243 -    ونفذت عدة هجمات على القرى بدعم من قوات حكومة السودان بما في ذلك سلاح الطيران واشتملت على عمليات قصف جوي، ورصد جوي منتظم. وقد حصلت اللجنة على أدلة موثوقة على استخدام طائرات الهليكوبتر من طراز Mi-8 و Mi-24 وطائرات طراز أنتونوف خلال الهجمات الجوية على القرى. وكان يسبق الهجمات الأرضية في أحيان كثيرة وجود طائرات قريبا من القرى أو فوقها مباشرة، ثم تقوم بقصف القرى أو المناطق


المحيطة بها، أو تحوم في سماء القرى ثم تكر عائدة(113). وفي بعض الحالات، كانت الطائرات تستخدم لأغراض الاستطلاع أو للسيطرة على القوات على الأرض وإعطائها المعلومات، بينما في حالات أخرى كان الدعم الجوي يستخدم لإمداد القوات الأرضية بالأسلحة والذخيرة الإضافية.(114) واشتملت عدة حوادث على قذف جوي للمناطق المحيطة بالقرى/أو إلقاء القنابل على المدنيين والمنشآت المدنية داخل القرى ذاتها. ويعتبر تلقي بعض الهجمات مساندة جوية دلالة واضحة على الصلة بين الجنجويد والحكومة السودانية.
244 -    وكان الأثر المطلوب للهجمات المتكررة على القرى والطريقة التي كانت تنفذ بها، بما في ذلك الرصد الجوي المنتظم عند الفجر، وتحليق طائرات الهيلكوبتر المسلحة والقصف المتكرر، هو إرهاب المدنيين وإرغامهم على الفرار من القرى. أما الذين تمكنوا من العثور على ملاذ في مخيمات المشردين أو المجتمعات المحلية المضيفة فغالبا ما كانوا يرفضون العودة إلى قراهم خوفا من وقوع هجمات أخرى.
245 -    وفي أغلبية الحالات، كان ضحايا الهجمات ينتمون إلى قبائل أفريقية، لا سيما قبائل الفور والمساليت والزغاوة. وعندما سئل بعض الشهود عن سبب الهجوم عليهم في اعتقادهم، قالوا "لأنهم يريدون أرضنا وماشيتنا" أو "لأنهم يبغون استئصالنا من المنطقة". وأشار شهود آخرون إلى عبارات قالها المعتدون عليهم أثناء بعض الهجمات، من قبيل "أنتم تورا بورا (أي متمردون) وجيش تحرير السودان هو راعيكم" أو "قبيلة الفور عبيد، ونحن سنقتلهم" أو "نحن هنا للقضاء على السود (النوبة) "أو "سنجعلكم فقراء" أو "هذه ليست أرضكم" أو "أنتم لستم من هذه المنطقة" وعندما سئل معظم الشهود عن وجود مجموعات مسلحة داخل القرى أنكروا وجود متمردين في قراهم عند مهاجمتها. وفي حالات قليلة قال الشهود أن القرويين كان لديهم أسلحة من أجل حماية ماشيتهم وأسرهم.
246 -    وعلى الرغم من أن الشهود في حالات كثيرة كانوا يحددون بوضوح هوية المهاجمين على أنهم من جنود الحكومة أو الجنجويد، كان من الصعب التحقق من الهوية الصحيحة للأفراد مرتكبي هذه الهجمات. ففي أغلب الحالات كان المهاجمون يرتدون أزياء رسمية شبيهة بالأزياء العسكرية ويضعون على رؤوسهم إما قبعات عسكرية أو عمائم ويمتطون ظهور الجمال أو الخيل. وفي حادثة واحدة على الأقل، كان الشهود يتعرفون على الجنجويد من علامة شبيهة بالحصان على أكتافهم (ذُكر أنها شعار قوات الدفاع الشعبي). وتمكن الضحايا في بعض الحالات من تحديد هوية المرتكبين الأفراد على أنهم إما من الجيران أو من الزعماء المعروفين لقبائل عربية بعينها. وثمة حالات قليلة، فيما يبدو، هي التي اشتركت فيها قوات للشرطة مع القوات المسلحة التابعة للحكومة الجنجويد(115). وأشارت إحدى الحالات التي أبلغت إلى اللجنة إشارة صريحة إلى اشتراك قوات الدفاع الشعبي في الهجمات إلى جانب القوات المسلحة النظامية التابعة للحكومة الجنجويد. غير أنه في أغلب الحالات، لم يفرق الضحايا بين القوات المسلحة الحكومية من ناحية والمليشيات والمجموعات الأخرى التي كانت تعمل، أو يعتقد أنها تعمل، بدعم من السلطات الحكومية، من ناحية أخرى. وعندما سئل أحد الضحايا عما إذا كان المرتكبون للهجمات من القوات المسلحة التابعة للحكومة أو من الجنجويد، قال إنه "بالنسبة لنا، هما شيء واحد"(116).
247 -    ومن الجدير بالذكر أيضا أن اللجنة لم تجد دليلا على أي تحذيرات كانت تصدر للمدنيين قبل وقوع الهجمات على القرى.
248 -    وقد أسفر كثير من الهجمات الأرضية والجوية على القرى عن القتل العشوائي للمدنيين. وفي أغلب حالات الهجمات الأرضية، كان الرجال هم المستهدفين مباشرة بالقتل، وفي بعض الحالات وُجدت أدلة على جهود بذلها مرتكبو الهجمات للإبقاء على حياة النساء. ومع ذلك فقد كان النساء والأطفال أيضا من بين ضحايا أعمال القتل في هجمات كثيرة. واشتملت عدة هجمات أيضا على العنف الجنسي، بما في ذلك اغتصاب النساء كجزء من الهجوم على المدنيين. وفي معظم الحالات، نسب الضحايا ارتكاب أعمال العنف الجنسي إلى الجنجويد؛ غير أنه في عدة حوادث، فيما زعم، اشترك جنود الحكومة مع الجنجويد في القيام بهذه الأعمال.
249 -    وفي هذا السياق، لاحظت اللجنة أيضا التعليقات التي أدلى بها مسؤولو الحكومة في لقاءاتهم مع اللجنة. فقد ذكر وزير الدفاع بوضوح أنه يعتبر وجود ولو متمرد واحد كافيا لجعل قرية بأكملها هدفا عسكريا مشروعا. وقال الوزير أنه متى تلقت الحكومة معلومات تفيد بوجود متمردين داخل قرية بعينها، فإنها "لا تصبح بعد محلية مدنية، بل تصبح هدفا عسكريا". وأضاف قائلا إنه في رأيه"القرية منطقة صغيرة، يصعب تقسيمها إلى أجزاء، ومن ثم تصبح القرية بأكملها هدفا عسكريا". ومن الجدير بالذكر أيضا أن وزير الشؤون الاجتماعية لغرب دارفور الذي هو أيضا نائب والي ولاية غرب دارفور اعتبر القرويين مسؤولين عن الدمار الذي أفضى إلى تشريدهم الجماعي، لأنهم سمحوا لأولادهم بالانضمام إلى صفوف المتمردين، وباستخدام قراهم في القيام بأنشطة تمرد.
250 -    ويرد في دراسات الحالة الإفرادية التالية توضيح للطابع العشوائي للهجمات التي كانت تشنها القوات المسلحة التابعة للحكومة وقوات الجنجويد على المدنيين والأهداف المدنية في القرى.

دراسة حالة إفرادية: قرية أنكا، شمال دارفور
251 -    عاينت اللجنة مكان هجوم وقع في قرية أنكا شمال دارفور وفيما حولها. وأثبتت الوقائع التالية من خلال مقابلات الشهود وفحوص الطب الشرعي:
    في حوالي الساعة 00/9 من يوم 17 أو يوم 18 شباط/فبراير 2004 تقريبا، تعرضت قرية باري، الواقعة على بعد نحو 5 كيلومترات من قرية أنكا، لهجوم شنته قوة مشتركة من جنود الحكومة وقوات الجنجويد. وقام أحد الشهود من قرية باري عندئذ بإخطار سكان قرية أنكا بالهجوم الوشيك المحتمل.
    وفي حوالي الساعة 00/17 من اليوم ذاته، شاهد شهود من قرية أنكا عددا يتراوح بين 300 و 400 من قوات الجنجويد، يسيرون على الأقدام، و 100 آخرين من الجنجويد، يمتطون الجمال وظهور الخيل، يتقدمون نحو قرية أنكا من جهة قرية باري. ووُصف المهاجمون بأنهم كانوا يرتدون نفس الزي الكاكي الذي يرتديه جنود الحكومة، وأنهم كانوا مسلحين ببنادق الكلاشينكوف G-3¡ وقاذفات الآر. بي. جى.
    وشاهد الشهود نحو 18 مركبة تقترب من وراء قوات الجنجويد، منها أربع شاحنات ثقيلة، و 18 سيارة بيك آب طراز تويوتا. وكانت بعض المركبات باللون الأخضر وغيرها باللون الأزرق الداكن. وكانت سيارات البيك آب مثبتا على ظهرها مدافع طراز Dshk (مدافع رشاشة عيار 12.7 مم مثبتة على منصب ثلاثي القوائم)، وكان على إحداها وحدة إطلاق قذائف طــــراز هاوند، استخدمت لإطلاق القذائف على القرية وعبرها. وكانت الشــــاحنات تقل قــوات مسلحة تابعة للحكومة واستخدمت فيما بعد لنقل الممتلكات المنهوبة من القرية.
    ووفقا لأقوال الشهود، فر القرويون من القرية متجهين شمالا نحو منطقة غابات تقع على بعد 5 كيلومترات من القرية.
    وقبل أن تدخل قوات الجنجويد القرية، قامت القوات المسلحة التابعة للحكومة بقصف المنطقة المحيطة بالقرية بطائرات من طراز أنتونوف. فكانت إحداها تحوم في سماء القرية، بينما تقوم أخرى بقصفها بالقنابل. وكانت الأولى بيضاء اللون سوداء من أسفل، في حين كانت الثانية بيضاء كلها. واستمر القصف بالقنابل نحو الساعتين، أُسقط خلالهما ما يتراوح بين 20 و 35 قنبلة حول أطراف القرية. وأصيب مبنى مستشفى أثناء القصف الجوي.
    وبعد القصف الجوي، دخل الجنجويد وجنود الحكومة القرية ونهبوها، بما في ذلك مواد الفراش والملابس والماشية. وبعد ذلك دمرت المباني المتبقية حرقا. وكانت قوات الجنجويد تطلق مقذوفات الآر. بي. جى على القرية من قمة التل المطل على قرية أنكا. وكان قصف المناطق المحيطة بالقرية يتم فيما يبدو بغرض تسهيل عملية نهب وتدمير القرية على أيدي الجنجويد والقوات المسلحة التابعة للحكومة العاملة على الأرض.
    ووفقا لأقوال الشهود، كان حوالي 30 من أفراد حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان، موجودين في القرية وقت الهجوم، وذلك، فيما يبدو، للدفاع عن القرية عقب الإعلان عن الهجوم الوشيك.
    وقتل 15 مدنيا في أنكا من جراء إصاباتهم بالشظايا خلال الهجوم وبعده. وأصيب 8 آخرين بجراح. وفي حين استرد بعضهم عافيته، أفادت التقارير بإصابة الآخرين بالعجز نتيجة ما تعرضوا له من إصابات. والقرية الآن مهجورة كلية.

دراسة حالة إفرادية: شـــوبه وكبكابيه
252 -    حصلت اللجنة على معلومات موثوقة من شهود، بشأن ثلاث عمليات هجوم على المدنيين في القرى الواقعة في منطقة شوبه وفي كبكابيه شمال دارفور(117).
    بدأ الهجوم الأول في الساعة 30/8 من يوم 2 نيسان/أبريل 2001، وهو يوم السوق. وقد ذكرت الروايات أن المليشيا العربية قامت بالهجوم على غرب شوبه، وشوبه كاريكا، بقصد نهب الحيوانات. ومع ذلك فقد قتل 15 شخصا وجرح 9 نتيجة لذلك الهجوم. وقام حوالي 55 من المليشيا العربية يرتدون أزياء خضراء اللون مموهة، مسلحين ببنادق طراز AK-47 و G-3 وقاذفات الآر. بي. جي، بالهجوم على القريتين وهم على ظهور الجياد والجمال. وكان الضحايا يعرفون قائد الهجوم وهوية عدد من المهاجمين الآخرين، وأبلغوا ذلك لقسم الشرطة المجاور. وقامت الشرطة بالتحقيق في الحادث وألقت القبض على أربعة ممن اشتبه في ارتكابهم للهجوم كانوا لا يزالون في القرية في ذلك الوقت. ووفقا لما ذكره الشهود، لم يكن أحد من المتمردين موجودا في القرية سواء وقت الهجوم أو في أي وقت آخر.
    وفي حادثة ثانية وقعت في 28 نيسان/أبريل 2002، قام حوالي 100 من المليشيا العربية بالهجوم على غرب شوبه وشوبه كاريكا من الشمال،. وكانت أوصاف مرتكبي الهجوم الثاني شبيهة بأوصاف المسؤولين عن الهجوم الأول، وكانوا هذه المرة بقيادة اثنين من كبار قادة المليشيا العربية. وقتل أثناء الهجوم 24 شخصا، وجرح 23 شخصا آخر. وحرق 338 منزلا، ودمر شمال وشرق القرية تدميرا كاملا. ونهبت ممتلكات لسكان القرية، بما فيها جميع الماشية والأغذية والأدوية. ووفقا لما ذكره الشهود، وقع الهجوم من الساعة 15/4 حتى حوالي الساعة 30/9 حين وصلت قوات الحكومة. وتعرف سكان القرية على مرتكبي الهجوم، الذين كانوا على مسافة 500 متر من القرية ومعهم الأشياء التي نهبوها. غير أن قوات الحكومة، وفقا لما ذكرته الروايات، أبت أن تتعقبهم، وقال ضابط لأحد الشهود إن التعليمات الصادرة إليه هي ألا يتعقب المهاجمين. وقامت القوات المسلحة التابعة للحكومة فيما بعد بمصادرة أسلحة سكان القرية. وعقب الهجوم بفترة، قام وزير الداخلية بزيارة المنطقة، يرافقه ولاة ولايات دارفور الثلاث، لتقييم الحالة، ثم قاموا فيما بعد بإرسال الأغذية والدعم لإعادة بناء القرية.
    ووقع هجوم ثالث من الساعة 00/5 إلى الساعة 00/18 من يوم 25 تموز/يوليه 2003، واستهدف هذه المرة شرق شوبه وغرب شوبه. وذكرت الروايات أن الهجوم كان بقيادة اثنين من كبار قادة الجنجويد، واشترك فيه نحو 400 من قوات الجنجويد والقوات المسلحة الحكومية مستخدمين الجمال والخيل وعربات لاند كروزر المسلحة بالرشاشات عيار 12.7 مم. وقد دمرت القريتان تماما أثناء الهجوم. وقتل 42 شخصا وجرح 10 ونهب كل شيء من المنقولات في القريتين.
حالة دراسة إفرادية: عدوة
253 -    حققت اللجنـــة في تقـــارير تفيــد بوقوع هجــوم في الآونة الأخيرة، قامت به القوات المســـلحة التابعة للحكومة والجنجويد، على قرية عدوة في جنوب دارفور، وذلك على النحو التالي:
    وفقا لأقوال الشهود، شنت القوات المسلحة التابعة للحكومة السودانية هجوما على قرية عدوة، في الساعة 00/6 من يوم 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2004 متواطئة مع الجنجويد. وذكرت التقارير أن قوات المتمردين كانت تسيطر على قاعدة على قمة الجبال الواقعة بالقرب من عدوة، وتبع ذلك وقوع معركة بين جنود الحكومة وقوات المتمردين. واستخدم في الهجوم طائرتا هليكوبتر مسلحتان وطائرة من طراز أنتونوف، ربما لأغراض الاستطلاع. واستخدمت القوات الأرضية مختلف الأسلحة بما فيها البنادق الهجومية طراز AK-47 و G-3 و G-4 وقاذفات الآر. بي. جي. والرشاشات والمدافع الرشاشة طراز Dshk عيار 12.7 مم المركبة على عربات. ووفقا لروايات الشهود، استهدف المدنيون بمن فيهم النساء والأطفال والمسنون أثناء الهجوم. واضطر كثير منهم للفرار إلى جبل قريب، حيث بقوا عدة أيام. وهناك تقارير تفيد بأن القوات المسلحة التابعة للحكومة والجنجويد، أصدرت تعليمات إلى النساء بعدم الفرار وأخبرنهن بأنهن غير مستهدفات بالهجوم. ومع ذلك، فقد قام المهاجمون بالقبض على بعض النساء واحتجزوا عددا منهن لمدة يومين. أما الرجال فكانوا يقتلون على الفور، كما كان يقتل كل من يحاول الفرار. وكان المهاجمون يقتادون الفتيات إلى موقع آخر وكثيرات منهن أغتصبن في حضور نساء أخريات. وقام المهاجمون بنهب القرية. وأفادت التقارير أن جنود الحكومة والجنجويد قد قتلت عددا من الضحايا بإطلاق النار عليهم عندما كانوا في الجبال. وقُتل كثيرون وأصيب أكثر من 100 شخص بجراح. وعقب الهجوم، قام ممثلو إحدى المنظمات الدولية بتفتيش القرية، وعثروا على عدد من النساء والأطفال الجرحى، قاموا بنقلهم إلى المستشفي. كما عثروا على جثث عدد يتراوح بين 20 و 30 مدنيا، منهم النساء والأطفال، كانوا قد قتـــلوا أثناء الهجوم، وأفادت التقارير أن جميع الضحايا كانوا من قرية عدوة، وينتمون إلى قبيلة ألفور. كما زعم أن الكثيرين لم يتم العثور عليهم بعد في الجبال.
        '2'    هجمات قوات المتمردين
254 -    ثبت للجنة أيضا أن قوات المتمردين، كانت مسؤولة عن شن هجمات كانت في أغلب الحالات موجهة ضد أهداف عسكرية أو ضد قوات الشرطة أو الأمن. ففي غرب دارفور على سبيل المثال، هاجمت قوات المتمردين مركزا للشرطة في تنغافوكا، في تشرين الأول/أكتوبر 2003. وذكر الشهود أنه في جنوب دارفور هاجم المتمردون ونهبوا مركزا للشرطة ومكاتب حكومية في ياسين، في كانون الثاني/يناير 2004. وفي شمال دارفور هاجمت قوات المتمردين مركزا للشرطة في الطويلة، فقتلت 28 من رجال الشرطة. ووفقا لروايات الشهود، كان أغلب الهجمات التي قامت بها قوات المتمردين ضد أهداف عسكرية، تتم بتوجيه من حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان، سواء بصورة مستقلة أو بالاشتراك مع قوات المتمردين التابعة لحركة العدل والمساواة.
255 -    وحصلت اللجنة أيضا على معلومات من شهود عدد من الهجمات التي قامت بها قوات المتمردين على القرى وعلى المدنيين الأفراد. ففي ثلاث حوادث منفصلة وقعت في غرب دارفور، قام أفراد من حركة العدل والمساواة، بالهجوم على بلدة كلبص. وخلال الهجوم الأول وصل أفراد حركة العدل والمساواة حوالي الساعة 00/15 من يوم 4 تشرين الأول/أكتوبر 2003، يستقلون 35 عربة لاند كروزر، فباغتوا القوات المسلحة الحكومية في البلدة. وكان بعضهم يرتدي الزي العسكري المموه بلون الصحراء، بينما كان آخرون يرتدون ملابس مدنية ويمتطون ظهور الخيل والجمال، ويحملون أسلحة مثل قاذفات الآر. بي. جى وبنادق الغرانوف والكلاشينكوف والبنادق طراز GM-4، والقاذفات طراز كاتيوشا ومدافع الهاون عيار 106، والهاون عيار 120 والرشاشات. وقتل 42 جنديا و 17 مدنيا كلهم من الذكور إلى جانب طفل واحد، كما جرح خمسون مدنيا. وفي يومي 25 و 26 كانون الأول/ديسمبر 2003، قام أكثر من 40 مركبة محملة بالجنود التابعين لحركة العدل والمساواة بالهجوم مرة أخرى على بلدة كلبص. غير أن القوات المسلحة الحكومية أعاقت تقدم المهاجمين، فلم يستطيعوا الدخول إلى البلدة. وقتل 28 من جنود الحكومة إلى جانب أربعة ذكور من المدنيين.
256 -    وأفادت التقارير أن قوات المتمردين مسؤولة أيضا عن الهجمات التي ذكرت أنها كانت تشن على قوافل المدنيين، بما فيها المركبات التي تقل الإمدادات الإنسانية. وحصلت اللجنة على معلومات عن هجمات المتمردين على المركبات التجارية وعلى الشاحنات التي كانت تنقل الإمدادات الإنسانية أو على قطارات البضائع أو حافلات الركاب ونهبهم لها. غير أن اللجنة لم تتمكن من التحقق من هذه الروايات عن طريق ما أجرته من تحقيقات. وقد قدمت حكومة السودان إلى اللجنة وثيقة تتضمن قائمة بالهجمات التي شنت على القوافل الإنسانية.

        دراسة حالة إفرادية: برم
257 -     وفي سلسلة حوادث خطيرة للغاية، شنت قوات المتمردين هجمات في برم، بجنوب دار فور، في ثلاث مناسبات متفرقة، على النحو التالي:
        في أثناء الهجوم الأول، الذي وقع في الساعة السادسة من صباح 13 آذار/مارس 2004، وصل المتمردون إلى برم من الشمال مستقلين ثماني سيارات لاند كروزر، كل منها تقل 9 أو 10 جنود. وكان المهاجمون يرتدون أزياء عسكرية مختلفة. وهاجموا المكتب المحلي للأمن الوطني وجهاز المخابرات وأشعلوا فيه النيران ثم شرعوا في إطلاق الرصاص على مكتب هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية السودانية. ثم هاجموا مركز الشرطة، فقتلوا شرطيين ونقلوا منه الأسلحة والذخائر. ومن هناك، ذهبوا إلى مكاتب الإدارة المحلية، حيث سرقوا خزانتين ودمروا وثائق رسمية. ثم ذهبوا إلى مكتب الزكاة، حيث دمروا وثائق وسرقوا خزانة وشاحنة نصف نقل من طراز ميتسوبيشي.ثم توجهوا إلى المصرف، حيث أزالوا خزانتين وأشعلوا النيران في المبنى. كما سرقوا شاحنة مملوكة لأحد المدنيين. وكان هناك حشد من الناس شهد الحادث وتابع المهاجمين. ومن الواضح أن هذا الحشد لم يكن خائفا لأن المتمردين كانوا قد أعلنوا أنهم لا يودون إيذاء أحد بخلاف المستهدفين، ومن بينهم بعض المسؤولين. وذهب المتمردون إلى مسكن مدير الأمن الذي أفادت التقارير بأنه كان قد فر مع أسرته، وأشعلوا النيران في المسكن وسرقوا سيارة مدير الأمن. وفي الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي غادر المتمردون البلدة باتجاه شراب. وفي وادي هجام سرقوا أسلحة من الشرطة. وفي حفرة النحاس هاجموا قوة عسكرية وقتلوا 17 جنديا حكوميا.
        ووقع هجوم ثان بعد ذلك بأسبوع، وأفادت التقارير بأن من قاموا بالهجوم هم نفس الجناة الذي استقلوا نفس السيارات التي استعملت في الهجوم الأول. وبعد وصول المهاجمين إلى القرية في الساعة الثانية بعد الظهر، ذهبوا إلى السجن وأطلقوا سراح السجناء كافة. ودعا المتمردون السجناء إلى الانضمام إليهم، وهذا ما فعله البعض. وأشعل المهاجمون النيران في السجن، وقتلوا أحد حراس السجن وضربوا حارسا آخر. ثم غادروا القرية، وأخذوا معهم السجناء الذين انضموا إليهم. وبعد الهجوم، صرح المتمردون علانية بأنهم كانوا قد أتوا ليحرروا الناس بالقوة وأنهم يريدون التأييد من الشعب.
        وبعد ذلك، خاض المتمردون معركة مع القوات العسكرية الحكومية في مكان قريب. وفي تلك المعركة، نقل الجنود الذين أصيبوا إلى برم لتلقي الرعاية الطبية. وأطلق المتمردون النيران على مباني المستشفى، فقتلوا جنودا ومدنيين. ولم تستطع اللجنة أن تؤكد ادعاء الحكومة أن جنودا ومدنيين مصابين قد قتلوا داخل مبنى المستشفى.


        (ب)    التقييم القانوني
258 -     حسب ما جاء أعلاه، فإن أحكاما مختلفة تتعلق بحقوق الإنسان وتندرج في القانون الإنساني الدولي تتصل بحماية المدنيين أثناء الصراع المسلح. ويحظر القانون الدولي أي هجوم يوجه عمدا إلى المدنيين، أي إلى أشخاص لا يشتركون اشتراكا مباشرا في أعمال القتال المسلحة. كما يحظر القانون الدولي الهجمات العشوائية على المدنيين، بمعنى أي هجوم على مناطق أو أماكن قد يوجد فيها مدنيون ومحاربون على السواء، ولا يكون موجها إلى هدف عسكري معين، أو هجوم تستخدم فيه أساليب أو وسائل قتال لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري معين. ولذلك، ينبغي على أطراف الصراع أن يميزوا في كل الأوقات بين المدنيين وبين من يؤدون دورا مباشرا في أعمال القتال، فضلا عن التمييز بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية. والهجمات المتعمدة على الأهداف المدنية محرمة. ويشمل معنى "الأهداف المدنية" جميع الأهداف (البيوت، والمساكن الخاصة، والبساتين، والمدارس، والمآوى، والمستشفيات، والكنائس، والمساجد، ومعابد اليهود، والمتاحف، والأعمال الفنية، وما إلى ذلك) التي لا تخدم أي غرض عسكري أو تستخدم لمثل هذا الغرض.
259 -     ولكي لا تعرض الهجمات الموجهة إلى أماكن أو مناطق قد يوجد بها مدنيون ومحاربون على السواء مدنيين للخطر على نحو مخالف للقانون، يفرض القانون الدولي التزامين أساسيين، ينطبقان في كل من الصراعات المسلحة الدولية والصراعات المسلحة الداخلية. والالتزام الأول هو اتخاذ الإجراءات الاحتياطية لتفادي الإضرار بالمدنيين والأهداف المدنية قدر الإمكان. والإجراءات الاحتياطية التي من هذا القبيل مبينة في القانون الدولي العرفي، وهي كما يلي: ينبغي على المحارب (أ) عمل كل ما هو ممكن للتحقق من أن الأهداف التي ستهاجم ليست مدنية الطابع؛ (ب) اتخاذ جميع الإجراءات الاحتياطية الممكنة عند اختيار وسائل القتال وأساليبه لتفادي الإصابة العارضة للمدنيين أو للأهداف المدنية، أو على الأقل لتقليلها إلى أدنى حد ممكن؛ (ج) الامتناع عن شن هجمات قد يتوقع أن تتسبب في فقدان أرواح المدنيين بشكل عارض أو إصابتهم بشكل عارض أو إصابة أهداف مدنية بشكل عارض، بحيث يكون ذلك مفرطا بالنسبة للفائدة العسكرية المحددة المباشرة المتوقعة؛ (د) توجيه تحذير مسبق فعال بخصوص الهجمات التي قد تؤثر على السكان المدنيين، باستثناء ما يحدث في حالات الهجوم، على النحو المنصوص عليه في المادة 26 من أنظمة لاهاي لسنة 1907، أو على النحو المنصوص عليه في المادة 57 (2) (ج) ونصها 'ما لم تسمح الظروف بذلك' أي عندما يرى المحارب أن الهجوم المباغت لا غنى عنه. ومثل هذه التحذيرات قد تكون في شكل إسقاط منشورات من الطائرات أو إعلان بالراديو عن اعتزام شن هجوم. ووفقا للتعليق على البروتوكولات الإضافية الملحقة باتفاقيات جنيف المبرمة (ICRC,Y.Sandoz and others eds; 1987, at § 2224)، يمكن أيضا توجيه تحذير بإرسال طائرات تحلق على ارتفاع شديد الانخفاض فوق المنطقة التي ستهاجم، وذلك لإعطاء المدنيين الوقت اللازم للجلاء عن المنطقة.
260 -     والالتزام الأساسي الثاني الواقع على عاتق المحاربين (أو بمعنى أعم، على عاتق أي طرف في صراع مسلح دولي أو محلي) هو احترام مبدأ التناسب عند شن هجمات على أهداف عسكرية قد تنطوي على خسائر مدنية. وبموجب هذا المبدأ، ينبغي للمحارب، عندما يهاجم هدفا عسكريا، ألا يتسبب في إصابة عارضة لمدنيين بشكل لا يتناسب مع الفائدة العسكرية المحددة المباشرة المتوقعة. وفي منطقة عمليات القتال يظل مبدأ التناسب معيارا ذاتيا إلى حد بعيد، يستند إلى توازن بين التوقع وانتظار كسب عسكري وبين الخسارة الفعلية لأرواح المدنيين أو تدمير أهداف مدنية. ورغم ذلك، فإنه يؤدي دورا هاما، أولا وفي المقام الأول لأنه يجب أن يطبق بحسن نية، وثانيا لأن تطبيقه قد ينطوي على الأقل على حظر إصابة المدنيين إصابات غير متناسبة بشكل صارخ. وبذلك، يمكن للمرء أن يقدر بيانات من قبيل بيان القاضية ر. هيغينز، الوارد في رأيها المخالف الذي ذُيلت به فتوى محكمة العدل الدولية بشأن مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها. إذ أشارت إلى أن "مبدأ التناسب ... ينعكس في العديد من أحكام البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949. ولذلك لا يجوز الهجوم حتى على هدف مشروع إذا كانت الخسائر في الأرواح والإصابات التي تحدث بين المدنيين كنتيجة غير مباشرة له لا تتناسب مع المكسب الحربي المحدد الذي يحققه الهجوم." (الفقرة 20، الصفحة 587).
261 -     والهجمات الموجهة عمدا ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه، أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية، يعد انتهاكا خطيرا للقانون الإنساني الدولي ويرقى إلى مرتبة جرائم الحرب(118). وأركان جريمة الحرب هذه هي نفسها سواء ارتكبت الأعمال في أثناء صراع مسلح دولي أو صراع مسلح غير دولي(119).
262 -     وينبغي تحليل النتائج الوقائعية التي توصلت إليها اللجنة فيما يتصل بالهجمات التي شنت على المدنيين في دار فور من منظور تحريم الهجمات العشوائية على المدنيين. وفي هذا الصدد، يلزم النظر في: (أ) ما إذا كانت الإجراءات الاحتياطية قد اتخذت لضمان حماية المدنيين والأهداف المدنية، (ب) ما إذا كانت الهجمات متناسبة مع الأهداف العسكرية.
263 -     وكما لوحظ أعلاه، فإن أحد المبررات المقدمة لتسويغ هجمات القوات المسلحة للحكومة السودانية والجنجويد على القرى هو أن المتمردين كانوا موجودين في ذلك الوقت واتخذوا من القرى قاعدة يشنون منها الهجمات - أو أن القرويـيـن، على أقل تقدير، كانوا يقدمون الدعـم إلى المتمردين في أنشطتهم التمرديـة. ولذلك، يرى المسؤولون الحكوميون أن القرويـيـن قد فقدوا مركزهم القانوني كأشخاص مشمولين بالحماية.
264 -     وقد رأت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن التعريف الواسع لمصطلح السكان المدنيـيـن لـه ما يبـرره، في سياق الجرائم المرتكبة بحـق الإنسانية، وأن وجود أولئك المشاركين بنشاط في الصراع ينبغي ألا يحـول دون توصيـف السكان بأنهم مدنيون(120). وفي قضية أخرى، اعتبـرت تلك المحكمة مرة أخرى العناصر المختلفة لهجوم موجـه ضد السكان المدنييـن جزءا من تعريف الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية. ووفقـا لما رأته دائرة ابتدائية تابعة لتلك المحكمة، يجب على الأقـل أن يكون الجاني على علم بأن ضحية جريمتـه إنسان مدنـي أو يكون قد فكر في هذا الاحتمال. وأكـدت أنـه في حالة عدم التيقـن مما إذا كان الشخص مدنيا أم لا يجب اعتباره مدنيـا(121). وبالمثل، رأت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا أنـه متـى كان هناك أفراد معينـون في صفوف السكان المدنييـن لا ينطبق عليهم تعريف المدنيـيـن، فإن هذا لا يحرم السكان من طابعهم المدنـى(122). واستنادا إلى هذا التفسير المنطقـي، يتضح أن مجرد وجود فرد أو أفراد من قوات متمـردة داخل قرية من القرى لا يحرم بقية سكان القرية من صفتهم كمدنيـيـن.
265 -     وفضلا عن ذلك، وكما أُشيـر أعلاه، وخلافا لما أكده للجنة مسؤولون حكوميون مختلفون، يبـدو من الروايات المتسقــة التي أدلـى بها شهود عيان موثوق بهـم أنـه لم يحدث أبدا أن اتـُّـخذت إجراءات احتياطية من قـِـبل السلطات العسكرية لتجنيب المدنيـين الخطـر عند شــن الهجمات المسلحة على القـرى. ولم يـُـفـِـد أي من شهود العيان بتوزيع منشورات أو بتوجيـه تحذيرات بالإذاعـة أو بواسطة شيوخ القبائل، أو بتحليق الطائرات على ارتفاعات منخفضة فوق القرى لتحذير المدنيين من هجوم وشيك. وفضلا عن ذلك، فإن طريقة ونمـط عمليات التحليق الجوي السابقة للهجمات لم يكن ممكنـا بأي حال تأويلهما بأنهما إشـارات تحذير، إذ أن تلك العمليات كانت، وبوضوح، جزءا من الهجوم. بل إن الحكومة نفسهـا لم تستخدم هذا على سبيل الدفاع عن موقفها بشأن الهجمات الجوية أو مساندة القوات البريـة أثنـاء الهجمات.
266 -     ومن الواضح أن مسألة التناسـب لم تـُـثـَـر حينما لم تكن هناك جماعات مسلحة في القرية، حيث استهدف الهجـوم المدنييـن وحدهـم. إلا أنـه متى كان محتملا وجود أيـة عناصر مسلحة في القرية يكون الهجوم غير متناسب، لأنه في معظم الحالات كانت القرية بأكملها تدمـَّـر أو تـُـحـرَق وكان المدنيون يرغمـون على الفـرار من القرية تجنبــا للمزيـد من الضرر، هذا إن لم يكونوا قد قـُـتلـوا أو أصيـبـوا. ولذلك فإن الخسائر المدنيـة الناجمة عن العمل العسكري تكون في العادة مفرطـة بالنسبة للفائدة العسكرية المتوقعـة من قتل المتمردين أو إخراجهم من ساحة القتال.
267 -     ملاحظـات ختاميــة: يتضح من النتائج الوقائعيـة التي خلصت إليها اللجنة أن القوات الحكومية والميليشيات الخاضعة لسيطرتها قد هاجمـت المدنيين في عديد من الحالات ودمـرت القرى وأحرقتها في دارفـور على نحو يخالف مبـادئ القانون الإنساني الدولي وقواعده ذات الصلة. وحتى إذا افترضنا أنه كان هناك متمردون في جميع القرى التي هوجمت أو كان هناك على الأقل بعض المتمردين المختبئين هناك، أو أن بعض الأشخاص كانوا يساندون المتمردين - وهذا قول لم تدعمه المواد أو المعلومات التي جمعتها اللجنة - فإن المهاجمين لم يتخذوا الإجراءات الاحتياطية اللازمة لتمكين المدنيين من مغادرة القرى أو الاحتماء من الهجمات بطريقة أخرى(123). ويبين تأثير الهجمات أن القوة العسكرية المستخدمة كانت بشكل واضح غير متناسبة مع أي تهديد يمثله المتمردون. والواقع أن الهجمات كانت في الغالب الأعم توجه عمدا ضد المدنيين وضد الأهداف المدنية. وعلاوة على ذلك، فإن الطريقة التي شنت بها هجمات كثيرة (في الفجر، ويسبقها تحليق مفاجئ لطائرات الهليكوبتر المسلحة وقصف جوي في غالب الأحيان) تبين أن مثل هذه الهجمات كان مقصودا بها أيضا نشر الرعب في صفوف المدنيين لإرغامهم على الفرار من القرى. وفي غالبية الحالات، كان ضحايا الهجمات ينتمون إلى القبائل الأفريقية، لا سيما قبائل الفور والمساليت والزغاوة. ومن وجهة نظر القانون الجنائي الدولي، فإن هذه الانتهاكات للقانون الإنساني الدولي تشكل دون شك جرائم حرب واسعة النطاق.
268 -    ويتضح من استنتاجات اللجنة أن المتمردين مسؤولون عن هجمات شنت على المدنيين، تشكل جرائم حرب. وبوجه عام، لم تجد اللجنة دليلا على أن هجمات المتمردين على المدنيين كانت واسعة النطاق، أو أن هجمات المتمردين كانت تستهدف السكان المدنيين بشكل منتظم.

        2 -    قتل المدنيين
        (أ)    النتائج الوقائعية
        '1'    القتل على أيدي القوات الحكومية أو الميليشيات أو كلتيهما
269 -     اطلعت اللجنة على عدد ضخم من التقارير الآتية من مصادر مختلفة، وهي توثق عمليات قتل المدنيين على نطاق واسع في شتى أنحاء دار فور، ابتداء من عام 2003 وحتى وقت نشر هذا التقرير. وتشير هذه التقارير إلى أن الغالبية الكبرى من أعمال القتل قد ارتكبها ناس وصفهم الشهود بأنهم من الجنجويد، وكانوا في معظم الأحيان يرتدون أزياء رسمية ويمتطون ظهور الخيل أو الإبل. وأفادت التقارير بأن عمليات القتل كانت ترتكب بصفة عامة أثناء الهجمات التي تشن على القرى والقرى الصغيرة. كما تلاحظ التقارير أن عمليات القتل غالبا ما تكون نتيجة لإطلاق نيران البنادق. وتصف شهادات الشهود الواردة في هذه التقارير المهاجمين بأنهم كانوا يحملون بنادق الكلاشينكوف وغيرها من الأسلحة الآلية التي يطلقونها إما بصورة عشوائية أو مستهدفين أُناسا معينين، غالبا ما يكونون رجالا في سن الخدمة العسكرية. كما لوحظ استخدام أسلحة أخرى، من قبيل السيوف، وإن كان ذلك أقل حدوثا. وأفادت التقارير أنه في بعض هذه الحالات وقعت عمليات قتل على نطاق واسع، حيث قتل المئات من المدنيين خلال إحدى الهجمات. كما أفادت التقارير بوقوع حوادث احتجز فيها سكان مدنيون، واقترن ذلك بعمليات إعدام تعسفي، فضلا عن وفاة مدنيين نتيجة للهجمات الجوية العشوائية التي شنتها القوات الحكومية. وتلاحظ التقارير أن عمليات القتل قد استمرت خلال التشريد في المخيمات، على أيدي الميليشيات المحاصرة لتلك المخيمات، وأن بعض الأشخاص المشردين داخليا كانوا هم الآخرين ضحايا لإطلاق الرصاص العشوائي من قِبل الشرطة داخل المخيمات، ردا على وجود مزعوم للتمردين.
270 -     ويتطابق وصف عمليات القتل الوارد في هذه التقاريــــر مع النتائـــج التي توصلت إليها اللجنة خلال بعثاتها في السودان، وذلك على الرغــم من شهادات الشهــــود الموثوقة ومن التحقيقات. ويستحيل في هذا التقرير وصف جميع حوادث القتل التي وثقتها اللجنة. ومع ذلك يرد هنا عرض لبعض الحالات التي يتسم بها نمط عمليات القتل الذي لاحظته اللجنة.
271 -     وقد وجدت اللجنة أنه بينما ارتكبت جميع الأطراف المشاركة في الصراع جرائم بحق السكان المدنيين، تتحمل حكومة السودان والجنجويد مسؤولية الغالبية الساحقة مما ارتكب من عمليات قتل المدنيين المتعمدة(124) خلال الصراع في دار فور. وعلاوة على ذلك، فإن معظم المدنيين المقتولين على أيدي قوات الحكومة أو المليشيات ينتمون، دائما وبشكل ملفت للنظر إلى حد بعيد، إلى نفس القبائل، أي قبائل الفور والمساليت والزغاوى، وينتمون بدرجات أقل إلى قبائل أفريقية أخرى، لا سيما الجِبل وآرانغا في غرب دارفور.

    أ -    القتل في هجمات مشتركة شنتها القوات الحكومية والجنجويد
272 -     هناك مثال وثقته اللجنة يحكي الكثير عن حالة من حالات قتل المدنيين بأعداد كبيرة، هي حالة الهجوم في كانون الثاني/ يناير عام 2004 على قرية سُرة التي يربو عدد سكانها على 700 1 شخص، والواقعة إلى الشرق من زالينغي بجنوب دارفور. وقد قدم الشهود، المستجوبون في جماعات منفصلة، رواية متسقة ومفصلة وقابلة للتصديق إلى حد بعيد فيما يختص بالهجوم، الذي قُتل خلاله أكثر من 250 شخصا، من بينهم نساء وعدد كبير من الأطفال. وهناك ثلاثون شخصا آخر في عداد المفقودين. وقد هاجم الجنجويد والقوات الحكومية معا القرية في ساعات الصباح الأولى. وأطلق الجيش قذائف الهاون على المدنيين العزل. وكان الجنجويد يرتدون أزياء عسكرية مموهة ويطلقون نيران البنادق والرشاشات. ودخلوا المنازل وقتلوا الرجال. ثم جمعوا النساء في المسجد. وكان هناك نحو 10 رجال مختبئين مع النساء. وقد وجد الجنجويد هؤلاء الرجال وقتلوهم داخل المسجد. ثم أرغموا النساء على خلع المكسي (هو ثوب سابغ يغطي أجسادهن بأكملها) فإذا وجدوهن يخفين أولادهن الصغار تحت تلك الثياب قاموا بقتل الصبية. وفرت الناجيات بجلودهن من القرية، ولم يدفن قتلاهن.
273 -     واستطاعت اللجنة أن تجد عناصر مختلفة تثبت روايات الشهود وتؤكد حدوث عمليات القتل الجماعي للمدنيين على أيدي القوات الحكومية والميليشيات. وعلى سبيل المثال، زارت اللجنة قرية كايلك في جنوب دارفور، التي يسكنها أساسا أناس ينتمون إلى قبيلة الفور، وتأكدت مما قاله شهود العيان للجنة. وهذه الحالة لا تصور فحسب حدوث عمليات قتل المدنيين بأعداد كبيرة، بل تصور أيضا عمليات الاحتجاز المخالف للقانون والمصحوبة بعمليات الإعدام العاجلة والاغتصاب وغير ذلك من التجاوزات. وخلال الهجوم الأول المبين في الفرع السابق، دمرت تسع قرى حول بلدة شاتايا المجاورة، وقتل 85 شخصا، من بينهم خمس نساء وثلاثة أطفال. وبعد الهجوم، توجه سكان المنطقة بأكملهم إلى كايلك. وكان الجنجويد لا يزالون موجودين في القرى المحيطة، وكل من حاول العودة إلى هذه القرى تعرض للهجوم، وقتل البعض منهم. وعثرت اللجنة على عناصر تؤكد صحة التقارير القائلة بأن 28 رجلا أعزلا حاولوا الاستسلام في مركز شرطة كايلك قد قتلوا بإطلاق الرصاص عليهم جميعا - ولم ينج منهم سوى رجل واحد. وبالإضافة إلى ذلك، قُتل 17 شرطيا في هذا الهجوم، وكلهم ينتمون إلى قبائل أفريقية.
274 -     ووقع هجوم ثان في آذار/مارس عام 2004. فقد شنت القوات الحكومية والجنجويد هجوما حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، تساندها الطائرات والمركبات العسكرية. ومرة أخرى، فر القرويون غربا إلى الجبال. وبدأ الجنجويد، الذين يمتطون الخيول والإبل، في مطاردة القرويين، بينما ظلت القوات العسكرية عند سفح الجبل. وقد قصفت أجزاء من الجبال بالهاونات، كما أطلقت نيران الرشاشات على الناس. وأطلقت النيران على الناس عندما اضطروا، وقد عانوا من العطش، إلى مغادرة مخابئهم للذهاب إلى نقاط المياه. وهناك تقارير متسقة تفيد بأن بعض الذين ألقي القبض عليهم وبعض الذين استسلموا للجنجويد قد أطلق عليهم الرصاص فورا وقتلوا. وزعمت امرأة أنها فقدت 17 شخصا من أفراد أسرتها في الجبل. وقد أطلق الجنجويد نيرانهم على شقيقتها وطفلها من مسافة قريبة. أما من استسلموا أو عادوا إلى كايلك فقد احتجزوا في ساحة صغيرة مكشوفة رغم إرادتهم لفترة طويلة (ربما لأكثر من خمسين يوما). وتعرض كثيرون لأفظع صور المعاملة، وأُعدم الكثيرون منهم بصورة عاجلة. فنودي على الرجال الذين احتجزوا في كايلك وأطلق الرصاص عليهم أمام أعين الجميع أو نقلوا بعيدا حيث أطلق الرصاص عليهم. وقد لقي هذا المصير قادة المجتمع المحلي على وجه التحديد. وهناك تقاريــر تفيد بأن أناسا قد ألقي بهم في النار ليموتوا حرقا. وهناك تقارير تفيد بأن أناسا قد سُلخت جلودهم سلخا جزئيا، أو أُحدثت بهم إصابات بطرق أخرى وتركوا ليموتوا.
275 -     وحالة كايلك ليست حالة منفردة. فهي مماثلة لحوادث أخرى تحدثت التقارير عن استعمال أنماط مماثلة فيها. فعلى سبيل المثال، تجمع أشخاص عديدون في دِليج بعد أن فروا من قراهم، عقب هجمات متواصلة على قرى المنطقة لمدة شهور. وفي آذار/مارس 2004، حاصر أفراد الجنجويد والقوات الحكومية بلدة دِليج هذه، ثم ذهبوا من بيت إلى بيت يبحثون عن أفراد معينين. وقبضوا على العديد من الرجال وأخذوهم إلى مركز الشرطة. وقُسم هؤلاء إلى مجموعات مختلفة، ونقل البعض منهم في شاحنة، قيل إنها توجهت بهم إلى منطقة غارسيلا. وكانت الشاحنة تعود فارغة، ثم تذهب مرة أخرى محملة بمجموعة جديدة من الرجال. وكان يُعدم معظم أولئك الذين أخذوا بعيدا. ووفقا لما ذكره شهود عيان موثوق بهم أشد الثقة، قُتل أكثر من 120 رجلا (تفيد التقارير بأنهم أساسا مثقفون أو قادة). وهذه حالة أخرى من حالات الهجوم المشترك المخطط والمنظم من قِبل القوات الحكومية والجنجويد، التي ارتكبت خلالها عمليات قتل جماعي وعمليات إعدام عاجلة. وآخر حادثة من هذا القبيل وقعت، رغم صغرها نسبيا، في عدوة في تشرين الثاني/نوفمبر 2004. ولا ترى اللجنة أنه من قبيل المصادفة أن معظم عمليات القتل الوحشية هذه قد ارتكب بحق أبناء قبيلة الفور.
276 -     وترى اللجنة أن الهجمات التي شنتها الجنجويد والقوات الحكومية في دارفور، والتي تعد بالمئات،  قد انطوت كلها تقريبا على قتل للمدنيين.

    ب -    القتل في هجمات شنتها الجنجويد
277 -     ارتكب الجنجويد خلال الهجمات عمليات قتل متعددة. وقد تحققت اللجنة من حوادث عديدة من هذا النوع. فقد أدى هجوم وقع في موللي بغرب دارفور في نيسان/ أبريل 2003 إلى وفاة 64 شخصا، من بينهم طفلة في السابعة من عمرها. وقد دُفن الموتى في ثماني مقابر جماعية بمنطقة سوق القرية. ولاحظت اللجنة أمرا هاما، هو أن الحادث قد أُبلغ إلى الشرطة وأن سبعة أشخاص قد اعتقلوا واحتجزوا ثم أطلق سراحهم بعد ذلك بثلاثة أشهر. وهاجم الجنجويد والقوات الحكومية في كانون الأول/ديسمبر 2003 قرية نوري القريبة من بلدة مورني بغرب دارفور. وهذا الهجوم سانده غطاء بطائرات الهليكوبتر. وقد قُتل 67 مدنيا عندما أطلق المهاجمون النيران عليهم عمدا وبصورة عشوائية. وقد أحرقت جميع دور القرية. ودفنت جثث الضحايا في مقابر جماعية بالقرب من القرية. وفي حالة أخرى، هاجم الجنجويد قرية مالاغا في تشرين الأول/أكتوبر 2004. وقد قُتل 18 رجلا، وأصيب أربعة رجال وامرأتان. وتحققت اللجنة من وجود موقعين لمقابر في القرية - واحد قيل إنه يضم جثمانين لرجلين والآخر قيل إنه يضم جثث سبعة رجال، وكلهم ماتوا أثناء الهجوم. وفي الجنينة، زار الفريق أيضا إحدى المناطق المستعملة كمقبرة عامة، حيث دُفن - حسب قول الشهود - تسعة من ضحايا الهجوم على ملاغا في مقبرة جماعية، وذلك بعد أن نقل القرويون الجثث إلى مستشفى البلدة.
278 -     وتلاحظ اللجنة أيضا أن الجنجويد استهدفوا وقتلوا بوجه خاص، في عدد من المناسبات، أطفالا، بما في ذلك الأطفال الذين قُتلوا في كايلك وسره المشار إليهم أعلاه. وتلقت اللجنة تقارير عديدة عن قتل الأطفال بصورة عشوائية أو مقصودة أو بهما معا، وحدث ذلك أحيانا في ظروف فظيعة بوسائل شملت الحرق أو بتر الأطراف.
279 -     وقد تحققت اللجنة من حوادث عديدة من هذا النوع. وإجمالا، فقد جمعت اللجنة مواد وشهادات جوهرية للغاية تميل إلى تأكيد قتل الآلاف من المدنيين، وذلك في سياق الهجمات على القرى.

    ج -    القتل نتيجة للقذف الجوي
280 -     هناك حالات قتل أخرى تعزى بصفة مباشرة إلى القوات المسلحة التابعة للحكومة السودانية، لا سيما عمليات القتل الناجمة عن الهجمات الجوية العشوائية. وعلى سبيل المثال، فإن قرية أميكا سارا بجنوب دارفور، قد أفادت التقارير بقصفها بطائرات الهليكوبتر المسلحة، وذلك في هجوم لقي مساندة من طائرات الأنتونوف ومساندة برية من الجنجويد، وذلك في تشرين الأول/أكتوبر 2004. وقد زارت اللجنة ذلك الموقع في ثلاث مناسبات. وكانت الأدلة التي عثرت عليها اللجنة متسقة مع شهادة الشهود، الذين أفادوا بأن 17 مدنيا قد قُتلوا. وقد أمكن بسهولة تمييز آثار القذائف المطلقة من طائرات الهليكوبتر. ويوحي تحليل الحفر الناتجة عن القصف بأن هجمات الهليكوبتر انطوت إما على طلعات متعددة أو قامت بها طائرات متعددة، أو على الأسلوبين معا. وقد تحققت اللجنة من وجود قبور حديثة في المنطقة.
281 -     وثمة مثال آخر على هجمات عديدة من هذا النوع وثقتها اللجنة، هو الهجوم الواقع على بلدة هابيلة غرب دارفور في آب/أغسطس 2003 عندما أسقطت ست قنابل من طائرة أنتونوف على البلدة والسوق، مما أدى إلى قتل ثلاثين مدنيا. وتحقق محققو اللجنة من شهادات الشهود، وعاينوا المواقع التي تبين أدلة على القصف وشاهدوا القبور التي دُفن فيها 27 ضحية من الضحايا الثلاثين. وهبيلة تقطنها أساسا قبيلة المساليت. ولم تجد اللجنة دليلا على وجود أي نشاط للمتمردين أو أية هياكل تابعة لهم في المنطقة كان يمكن أن تكون هدفا لهذا الهجوم. وقد أقرت الحكومة بالهجوم وعرضت تعويض للضحايا.
282-    وفي حالة أخرى حققت فيها اللجنة وأشارت إليها في الفرع السابق، تعرضت قرية أنكا والمناطق المحيطة بها في شباط/فبراير 2004 إلى قصف بطائرات أنتونوف. وفي أعقاب القصف، شن أفراد الجنجويد هجوما قاموا فيه بتدمير المنازل ونهب الممتلكات. وأودى هذا الهجوم بحياة خمسة عشر شخصا أصابتهم الشظايا، بينما جرح آخرون، وأحرقت المنازل وضاعت الممتلكات. ويعاني الآن بعض من ظلوا على قيد الحياة من إعاقات بدنية نجمت عن إصاباتهم.
283-    وبناء على التحقيقات التي أجرتها اللجنة، واستنادا إلى نمط الهجمات الجوية الذي أثبتته، ترى اللجنة أن القوات العسكرية تتحمل المسؤولية عن عدد كبير للغاية من الهجمات الجوية العشوائية التي أودت بحياة العديد من المدنيين.

    (د)    القتل في أعقاب التشريد
284-    كان المدنيون يقتلون بعد وصولهم إلى مواقع المشردين داخليا في أعقاب تشريدهم. وفي بعض الحالات، جرى قتلهم عند مغامرتهم بالخروج من المخيم، إما للعودة إلى قريتهم أو لأي سبب آخر. فعلى سبيل المثال، ذكر شهود مختلفون للجنة أن ثلاثة أشخاص قد قتلوا مؤخرا عندما غادروا مخيم المشردين داخليا في كاس للذهاب لرؤية قريتهم القريبة من المخيم, وعلى الرغم من عدم تحديد هوية الجناة، فقد ذكر الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات أنهم "يحتمل أن يكونوا من الجنجويد". وأفادوا بأن المليشيات ظلت موجودة حول المخيمات والقرية تحسبا لإقدام أي شخص على محاولة العودة. وفي واقعة أخرى، أفيد بمقتل وإصابة عدد من المشردين داخليا في مخيم كلمة بجنوب دارفور في تشرين الثاني/نوفمبر 2004، عندما كانت اللجنة في نيالا، وذلك عندما أطلقت الشرطة النار داخل المخيم، في ما زعم أنه رد على هجمات شنها متمردون يختبئون بالمخيم.

    2 -    القتل على أيدي جماعات المتمردين
    (أ)    قتل المدنيين
285-    وجدت اللجنة أيضا أن المتمردين قاموا بقتل المدنيين، إلا أن عدد الحوادث والوفيات كان قليلا.
286-    وقامت اللجنة بتوثيق بعض الهجمات التي شنها المتمردون وتحققت من إفادات الشهود عن طريق تحقيقات مستفيضة أجرتها في الميدان. فعلى سبيل المثال، قامت اللجنة بالتحقيق في هجوم شنته حركة العدل والمساواة على بلدة كلبص بغرب دارفور، في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2003، وفي 25 و 26 كانون الأول/ديسمبر 2003. وقد قتل في أثناء الهجوم الأول الذي وقع في كلبص 42 جنديا و 17 مدنيا من الذكور، من بينهم طفل واحد. واستطاع خبراء الطب الشرعي التابعون للجنة أن يتحققوا من دفن بعض أفراد القوات العسكرية في الخنادق المحيطة بالمخيم العسكري، أما المدنيون فقد دفنوا جميعا في مقابر متعددة بمدافن البلدة. وفي هجوم آخر وقع يومي 25 و 26 كانون الأول/ديسمبر، قتل 28 من الجنود التابعين للحكومة، وأربعة من المدنيين الذكور. ويمكن القول بأن بلدة كلبص كانت هدفا عسكريا، كما يشهد بذلك المعسكر الموجود هناك. ويحتاج الأمر إلى المزيد من التحقيقات لتحديد ما إذا كان المدنيون قد وقعوا على سبيل المصادفة في مرمى النيران، أم أنهم قد تعرضوا للهجوم بصورة عشوائية أو مفرطة، أو أنهم قد قتلوا عمدا.
287-    وقد سبق هذه الهجمات هجوم وصفه بعض شهود العيان للجنة، فذكروا أن أفرادا من قبيلة الرزيقات قد هوجموا في منطقة كلبص من جانب أفراد جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة. وقام المهاجمون بقتل ثمانية وأربعين شخصا، من بينهم نساء وأطفال، وسرقة الممتلكات والماشية من السوق ثم تدميره. وتم دفن الضحايا بعد عدة أيام من الهجوم في المناطق المحيطة بكلبص.
288-    وتعذر على اللجنة التأكد من التقارير التي تلقتها، وبخاصة من الحكومة، بشأن ارتكاب المتمردين لعمليات خطف، وأعمال قتل تستهدف أشخاصا معينين، وحالات إعدام للمدنيين يعزى السبب الأساسي فيها إلى اشتباه المتمردين في أن هؤلاء الأفراد يعملون جواسيس للحكومة. وبالرغم من أن اللجنة لا تستبعد إمكانية أن يكون هذا قد حدث، فإنها لم تتمكن من التحقق من وقوعه فعلا.

    (ب)    قتل العاملين في مجال المساعدة الإنسانية
289-    قدم للجنة عدد من التقارير عن حوادث وقع فيها العاملون في مجال المساعدة الإنسانية ضحايا للهجمات. ورغم أن اللجنة لم يمكنها في أثناء تأديتها لعملها، أن تتحقق بنفسها من هوية الجناة، فقد نسبت مصادر لها مصداقيتها معظم هذه الحوادث لمختلف جماعات المتمردين. فعلى سبيل المثال، تتهم حركة المتمردين الجديدة، وهي الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية، بأنها كانت وراء حادث وقع في تشرين الأول/أكتوبر 2004 في أومبارو، بشمال دارفور، وقتل فيه اثنان من العاملين الدوليين في واقعة بسبب الألغام.
290-    وفي واقعة أخرى تتعلق بالمنظمة الإنسانية الدولية نفسها، قتل بصورة وحشية اثنان من موظفي تلك المنظمة كانا يعملان في مستوصف صحي متنقل، أثناء سفرهما ضمن قافلة إنسانية تحمل علامة واضحة تبين هويتها على الطريق الرئيسي بين مرشينغ ودومة في جنوب دارفور. وما زالت ملابسات عمليات القتل تلك غير واضحة.
    (ب)    التقييم القانوني
291-    حسب ما ذكر آنفا، يتعارض القتل مع أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وأحكام الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، التي تنص على حماية الحق في الحياة وفي "عدم الحرمان من الحياة تعسفا"(125). أما فيما يتعلق بالقانون الإنساني الدولي، فهو يحظر قتل المدنيين الذين لا يشاركون فعليا في أعمال القتال التي تدور في إطار الصراعات المسلحة الداخلية، وذلك بموجب كل من المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف لعام 1949، والمادة التي تقابلها في القانون الدولي العرفي، حسبما هو مدون في المادة 4 (2) (أ) من البروتوكول الإضافي الثاني. كما يجرم هذا العمل إما بوصفه جريمة من جرائم الحرب أو، تبعا للظروف المحيطة به، بوصفه جريمة ضد الإنسانية، حسب ما يدل عليه قانون السوابق القضائية والنظم الأساسية لمختلف المحاكم الدولية. ومن الضروري التشديد مرة أخرى في هذا الصدد على أنه عند النظر في ما إذا كان قتل المدنيين يشكل جريمة من جرائم الحرب أم جريمة ضد الإنسانية، فإن وجود أفراد من غير مدنيين لا ينزع عن السكان صفتهم المدنية(126). ومن ثم، فحتى إذا ثبت وجود متمردين في قرية تعرضت للهجوم، أو ثبت أنهم قد استخدموا السكان المدنيين عموما "كدروع واقية"، فليس هناك ما يبرر قتل المدنيين الذين لم يشاركوا في أعمال القتال.
292-    ويتسم الصراع في دارفور بسمة خاصة ينبغي التشديد عليها. فعلى الرغم من أن ضحايا الهجمات في بعض الحالات قد اعترفوا طوعا بأنهم مسلحون، فمن المهم الإشارة إلى أن معظم القبائل في دارفور تمتلك أسلحة للدفاع عن أراضيها ومواشيها، وكثيرا ما تكون تلك الأسلحة مرخصة على النحو الواجب. وحتى لو كان المدنيون الذين تعرضوا للهجوم يمتلكون أسلحة، فإن هذا ليس بالضرورة دلالة على أنهم من المتمردين، وبالتالي أهداف مشروعة للهجمات، أو على أنهم يشتركون فعليا في أعمال القتال. وبالإضافة إلى ذلك، فمن الجدير بالإشارة أن حكومة السودان لم تدع أنها قد عثرت على أسلحة في القرى التي هوجمت. وفضلا عن ذلك، فإن كثيرا من الهجمات قد وقعت في أثناء نوم المدنيين أو أدائهم للصلاة، وهم في وضع لا يسمح لهم "بأداء دور مباشر في أعمال القتال". فمجرد وجود أسلحة في القرية لا يكفي لحرمان المدنيين من وضع الحماية الواجب لهم بحكم صفتهم المدنية.
293-    وفي ضوء النتائج الوقائعية المذكورة آنفا، ترى اللجنة أن هناك مجموعة من المواد المتسقة والموثوق بها التي يغلب عليها الدلالة على إقدام كل من حكومة السودان والجنجويد على قتل العديد من المدنيين الذين لم يشاركوا في أعمال القتال. ولا سبيل إلى إنكار وقوع أعمال قتل جماعي في دارفور، أو أن أعمال القتل تلك قد اقترفتها قوات الحكومة والجنجويد في مناخ يتم فيه الإفلات تماما من أي عقاب، بل ويتم فيه التشجيع على ارتكاب جرائم خطيرة ضد قطاع بعينه من السكان المدنيين. ومن العوامل التي تؤدي باللجنة إلى استنتاج أن أعمال القتل قد ارتكبت بصورة واسعة النطاق ومنهجية في نفس الوقت كثرة عدد تلك الأعمال ونمطها الظاهر الوارد وصفه أعلاه، بما في ذلك استهداف المنتمين إلى قبائل أفريقية ومشاركة المسؤولين أو السلطات في ذلك. ومن ثم، فمن المحتمل أن القتل الجماعي للمدنيين في دارفور يبلغ مبلغ جريمة ضد الإنسانية.
294-    وقد تعذر على اللجنة، بالنظر إلى حدود المهام المحددة لها، أن تؤكد بصورة يقينية عدد الضحايا المدنيين في دارفور. وتترك اللجنة إلى المحكمة المختصة التي ستفصل في أمر تلك الجرائم المدعى ارتكابها مسألة تحديد ما إذا كانت أعمال القتل الجماعي تلك يمكن أن تبلغ مبلغ أعمال إبادة تندرج ضمن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية(127).
295-    وبالإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى طابع التمييز القائم على أسباب سياسية الذي يتسم به قتل المدنيين بشكل منهجي وعلى نطاق واسع، يجوز للغاية أن تشكل تلك الأعمال جريمة الاضطهاد التي تندرج ضمن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. ففي قضية: زوران وكوبريشكتش وآخرون، تعرّف الدائرة الابتدائية بالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة الاضطهاد بوصفه "الحرمان الجسيم أو الصارخ، لأسباب تمييزية، من أحد الحقوق الأساسية المقررة في القانون العرفي الدولي أو قانون المعاهدات، إلى حد يصل إلى نفس المستوى من الخطورة التي تتسم به الأعمال الأخرى المحظورة في المادة 5"(128). وفي المادة 7 (2) (ز) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يعرّف الاضطهاد بوصفه "الحرمان المتعمد والشديد من الحقوق الأساسية، بما يخالف للقانون الدولي، بسبب هوية الجماعة أو المجموع". والأمر الجدير بالإشارة في هذا الصدد هو أن الاضطهاد يمكن أن ينطوي على انتهاك لعدد من الحقوق الأساسية وأنه لا بد وأن يكون قد ارتكب على أساس تمييزي. وبالنظر إلى أن أعمال القتل التي ارتكبتها الحكومة والجنجويد قد استهدفت فيما يبدو بشكل منهجي قبائل الفور والمساليت والزغاوة وغيرها من القبائل الأفريقية لأسباب سياسية، فإن هذا يدل على اتسام أعمال القتل هذه بطابع تمييزي، ومن ثم، يمكن لهذه الأعمال أن تشكل اضطهادا يندرج ضمن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.
296-    أما فيما يتعلق بقتل المتمردين للمدنيين، فلا بد من النظر في كل انتهاك من الانتهاكات بوصفه جريمة خطيرة للغاية من جرائم الحرب. بيد أنه ليس في وسع اللجنة أن تخلص إلى أن تلك الأعمال تشكل جزءا من هجوم "منهجي" أو "واسع النطاق" ضد السكان المدنيين.

    '3'    قتل المحتجزين من جنود العدو
    (أ)    النتائج الوقائعية
297-    أبلغت جميع الأطراف اللجنة بوقوع بعض حالات الوفاة أثناء الاحتجاز، رغم أنه لا يعتقد أن تلك الحوادث قد وقعت على نطاق واسع. وقد لاحظت اللجنة نفسها، في جملة أمور، الأحداث التي وقعت في كاليك وديليغ، حيث قامت قوات الحكومة وأفراد المليشيات باحتجاز أشخاص يزعم أنهم متمردون مختبئون بين صفوف المدنيين. وبناء على ما لدى اللجنة من كم كبير من المعلومات المتعلقة بالأحداث التي شهدها هذان الموقعان، تشير اللجنة أولا إلى أن المتمردين إن وجدوا، كان عددهم قليلا للغاية من بين الآلاف الذين احتجزوا في كاليك وديليغ. ثانيا، حتى لو كان الشبان الذين قتلوا أعضاء بالفعل في جماعات المتمردين، كما تدعي الحكومة، فإن قتلهم بإجراءات موجزة يتعارض مع القانون الدولي، وينبغي تحميل الجناة المسؤولية عن ارتكاب جرائم حرب. أما فيما يتعلق بقتل المتمردين للجنود المحتجزين، فقد تلقت اللجنة تقارير، وبخاصة من الحكومة، بشأن قيام المتمردين بإعدام الجنود المحتجزين. وتشكل حالات الإعدام تلك جرائم حرب، بيد أن اللجنة لم تتلق معلومات مستقلة تدعم ما وصلها من تقارير.

    (ب)    التقييم القانوني
298-    يحظر القانون الإنساني الدولي إساءة معاملة المحتجزين من مقاتلي العدو، لا سيما استخدام العنف الذي يضر بحياة الفرد أو شخصه، بما في ذلك القتل بجميع أنواعه (انظر المادة 3 (1) (أ) المشتركة بين اتفاقيات جنيف). كما أنه يحظر على وجه التحديد إصدار الأحكام بالإعدام وتنفيذها دون أن تصدر مسبقا في هذا الشأن أحكام من محكمة مشكلة على النحو المعتاد، تمنح جميع الضمانات القضائية التي تسلم الشعوب المتحضرة بأنها ضمانات لا غنى عنها (انظر المادة 3 (1) (د) من اتفاقيات جنيف). أما القتل المتعمد للمقاتلين المحتجزين فيشكل جريمة حرب.

    '4'    قتل الجرحى من جنود العدو
    (أ)    النتائج الوقائعية
299-    رغم وجود ادعاءات بقتل الجرحى من الجنود، فلم تبلغ اللجنة في الواقع إلا بحالات قليلة للغاية، ولم تتمكن من التحقق من تلك التقارير.

    (ب)    التقييم القانوني
300-    يحظر القانون الإنساني الدولي (انظر المادة 23 (ب) و (ج) من قواعد لاهاي والمادة المشتركة 3 (1) (أ) بين اتفاقيات جنيف) حظرا تاما القتل العمد للجرحى من الجنود. ويشكل ذلك جريمة من جرائم الحرب.

    '5'    التدمير الغاشم للقرى أو التخريب الذي لا تبرره ضرورة عسكرية
    (أ)    النتائج الوقائعية
    1 -    التدمير المرتكب من جانب القوات المسلحة والجنجويد
301-    تلقت اللجنة عددا كبيرا من التقارير التي توثق التدمير المنهجي والواسع النطاق في نفس الوقت لقرى وقرى صغيرة بأكملها في ولايات دارفور الثلاث وقامت اللجنة بفحص تلك التقارير. وقدم عدد من التقارير صورا ساتلية توثق بوضوح هذا التدمير الواسع النطاق. وتقدر بعض التقارير عدد القرى والقرى الصغيرة التي دمرت تماما بما يزيد على 600 قرية وقرية صغيرة، بينما تعرض ما يتراوح بين 100 و 200 قرية أخرى لتدمير جزئي. وتشير مصادر أخرى، استنادا إلى تقارير الشرطة السودانية، إلى أن ما يزيد عن 000 2 قرية قد دمرت. وحسبما أشير إليه آنفا، فإن التدمير الذي تعرضت له القرى قد ثبت على نحو لا يقبل الجدل، وهو ما اعترفت به حكومة السودان بوضوح.
302-    وفحصت اللجنة تقارير تفصيلية تتعلق بتدمير نحو 140 قرية في ولايات دارفور الثلاث. وفي حين أن بعض التقارير قد أشارت إلى ارتكاب جماعات المتمردين لبضع حوادث من حوادث تدمير القرى والممتلكات الخاصة، فإن معظم التقارير تشتمل على أقوال للشهود تبين أن أغلبية القرى قد دمرت أثناء الهجمات التي شنها الجنجويد، وهو ما كان يجري في كثير من الأحيان بتوجيه من القوات المسلحة التابعة للحكومة السودانية وبمشاركة ودعم منها.
303-    وأفيد بوقوع كثير من الحوادث التي يقال إن القوات الحكومية قد قامت فيها بتطويق القرى وتولي مهمة الحراسة أثناء ارتكاب الجنجويد لأعمال الحرق والنهب وغيرها من الفظائع ضد السكان. ويقال إن الكثير من القرى قد تعرضت للهجوم أكثر من مرة حتى دمرت تماما.
304-    كما تشير تقارير كثيرة إلى أن بعض القرى تم حرقها حتى بعد أن هجرها سكانها الذين فروا إلى مخيمات المشردين داخليا في المراكز الحضرية الأكبر في دارفور، أو إلى تشاد المجاورة. وهذا ما أفضى إلى خشية كثير من المراقبين من أن يكون هذا جزءا من سياسة تنفذ عن طريق الجنجويد لطرد السكان من المناطق المستهدفة ومنع عودة السكان على الفور أو ربما حتى في الأجل الطويل. ويعزى السبب فيما أعرب عنه من قلق إلى أن القرى التي أفيد بأنها تعرضت للحرق والتدمير على هذا النحو لا تسكنها تقريبا إلا قبائل أفريقية، هي في أغلبها قبائل الفور والمساليت والزغاوة.
305-    وأفيد بأن كثيرا من القرى قد دمر بشكل كامل عن طريق الهدم المتعمد لهياكلها، وفي الغالب عن طريق حرق القرية بأكملها. فقد أضرمت النيران في الأسقف المصنوعة من القش التي تعلو المنازل الدائرية التقليدية، وكذلك في جميع المواد الأخرى القابلة للاشتعال، ودمرت جميع النباتات داخل القرية والمناطق المتاخمة لها عن طريق إحراقها. وكان بعض تلك القرى يضم مئات المنازل التي أضرمت فيها النيران وأحرقت بالكامل. وأفيد بأن الجنجويد قاموا في أثناء تلك الهجمات بإتلاف أوعية الطعام ومعدات تجهيز الطعام وأوعية المياه وغير ذلك من الأدوات المنـزلية الضرورية لبقاء السكان. وأفيد بأن الآبار تم تسميمها عن طريق إلقاء جثث الماشية فيها. وبالإضافة إلى ذلك وحسبما يشار إليه أدناه، فقد اقترن هذا التدمير فيما يبدو بشكل مستمر بنهب الممتلكات الشخصية الثمينة، ونهب النقدية، والأهم من ذلك كله، الماشية.
306-    وقد شهدت اللجنة مباشرة مدى استشراء التدمير، وبالتالي قامت بتقصي الحقائق على نحو تفصيلي في عدة مواقع في جميع ولايات دارفور الثلاث، لأغراض التحقق وإثبات الأفعال التي أدت إلى التدمير، والوسائل المستخدمة، والقوات المسؤولة، والأنماط التي تدل على القصد من وراء تلك الأعمال.
307-    ووجدت اللجنة أن إفادات الشهود التي وصلتها من قبل تتماشى مع ما اكتشف بناء على الاستفسارات والتحقيقات التي قامت بها اللجنة. ويمكن التأكيد بأن معظم أعمال التدمير قد تسببت فيها الجنجويد بدعم من الحكومة السودانية.
308-    وتمثل حالة غرب دارفور الاتجاهات والأنماط السائدة أفضل تمثيل، إذ يتجلى فيها بأوضح صورة ما تم من تدمير واسع النطاق. ووجدت اللجنة 35 قرية تم تدميرها فيما لا يزيد على أربعة مواقع (هي الجنينة، وهبيلا، وكلبص، ووادي صالح). وليس هذا سوى عدد بسيط من عشرات القرى التي أفيد بأنها قد دمرت في نفس المنطقة، وهو يضاف إلى أعداد القرى التي لحقت بها أضرار من جراء الهجمات الجوية التي شنتها قوات الحكومة والتي تحققت منها اللجنة.
309-    ومن بين تلك القرى دمرت 13 قرية في غارات شنتها الجنجويد و 18 قرية في هجمات اشتركت فيها قوات الحكومة وأفراد من الجنجويد، كانوا يرتدون زيا رسميا مشابها لزي العسكريين. وقد سارت الطريقة التي اتبعت في تدمير معظم القرى فيما يبدو على نمط منهجي واضح. فقد ارتكب الجنجويد معظم أعمال التدمير، بإشعال النيران في قرى بأكملها وتدمير أي ممتلكات خاصة لم يجر نهبها. وفي أحيان كثيرة كانت القوات المسلحة التابعة للحكومة السودانية موجودة، إما في طائرات أو في مركبات خارج القرية، إلا أنها، باستثناء حالات قليلة، لم تشارك في أعمال التدمير الفعلية، إلا في الحالات التي نجم فيها التدمير عن القصف الجوي.
310-    ويتضح من المواد التي تم جمعها أن غالبية القرى التي تعرضت للتدمير أو الضرر تنتمي إما لقبائل المساليت أو الزغاوة أو الفور، أو غيرها من القبائل الأفريقية. ففي غرب دارفور على سبيل المثال، ومن بين القرى التي دمرت بشكل كامل أو جزئي وعددها 35 قرية والتي حققت اللجنة في أمرها، تنتمي 31 قرية إلى قبائل أفريقية كان من الواضح أنها قد استهدفت بشكل منهجي، بينما تنتمي القرى الأربع المتبقية إلى قبيلتين عربيتين تعرضتا للهجوم إما من جانب حركة العدل والمساواة أو من جانب جيش تحرير السودان. ومن الحقائق التي تبين ذلك أيضا أن معظم القبائل الأخرى لم تستهدف على هذا النحو، إن كانت قد استهدفت على الإطلاق. ولاحظت اللجنة على سبيل المثال أنه في مساحة قدرها 50 كيلومترا تقع بين الجنينة ومستيري وتسكنها في الغالب قبائل عربية، لم تسجل أي دلائل على التدمير. ولوحظت أنماط مشابهة في شمال وجنوب دارفور في المناطق التي يتركز فيها السكان من قبيلتي الزغاوة والفور، اللتين استهدفت قراهما.
311-    واستمعت اللجنة إلى روايات لها مصداقيتها تبين أن أعمال التدمير كانت أعمالا غاشمة ومتعمدة، وأنه بالإضافة إلى المنازل، تم أيضا تدمير جميع الهياكل الأساسية والأدوات اللازمة لبقاء السكان. فقد وجد في المواقع التي فتشها فريق اللجنة أن معاصر الزيوت، وطواحين الدقيق، ومصادر المياه من قبيل الآبار والمضخات، والمحاصيل والنباتات، وتقريبا جميع الأدوات المنـزلية، قد أضرمت فيها النيران أو تم تدميرها. كما لاحظت اللجنة أن المدارس والمراكز الصحية والأسواق وغير ذلك من الأهداف المدنية قد دمرت.
312-    ولا يمكن تفسير هذا النمط من أنماط التدمير إلا على أنه يهدف إلى طرد السكان عن طريق العنف ومنعهم من العودة بتدمير جميع وسائل البقاء وكسب العيش. كما تحققت اللجنة من أن عددا من القرى التي كانت فيما سبق تسكنها قبيلة الفور في جنوب دارفور والمساليت في غرب دارفور، أصبحت الآن تسكنها قبائل عربية.
313-    ولم تجد اللجنة أية أدلة على وجود نشاط عسكري من جانب المتمردين في المناطق الرئيسية التي تعرضت للتدمير يمكن بأي شكل من الوجهة العسكرية أن يبرر الهجمات التي شنت عليها.
314-    وفي بعض الحالات، كما هو الوضع في المناطق المحيطة بكورنوي وتيني في الأجزاء الشمالية من غرب دارفور وفي بعض أجزاء شمال دارفور، يرتبط التدمير بصورة أساسية بالقصف الجوي، إلا أنه اقتصر على بعض الأجزاء، ولم تدمر إلا هياكل قليلة.
315-    وفي الختام، يتبين للجنة أن هناك تدميرا واسع النطاق تعرضت له القرى في جميع ولايات دارفور الثلاث. وقد حدث هذا التدمير بشكل عمدي على وجه العموم، على أيدي قوات الجنجويد في أثناء هجمات شنها أفراد منهم، إما بصورة مستقلة أو بالاشتراك مع قوات الحكومة. وعلى الرغم من أن قوات الحكومة في معظم الحوادث قد لا تكون شاركت في التدمير، فإن تواطؤها في الهجمات التي تم فيها ذلك التدمير، ووجودها في موقع حدوثه يكفيان لجعلها شريكة في المسؤولية. وقد استهدف التدمير المناطق التي تسكنها قبائل أفريقية، ولا سيما الفور والزغاوة والمساليت. ولم تكن هناك أي ضرورة عسكرية لذلك التدمير والتخريب اللذين نجما عن الأعمال المشتركة للجنجويد وقوات الحكومة. واقتصرت أهداف التدمير خلال الهجمات الجاري مناقشتها على أهداف مدنية؛ وتم بشكل متعمد وغاشم تدمير الأدوات التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين.

    2 -    التدمير على أيدي المتمردين
316-    وبالإضافة إلى ما تقدم، سجلت اللجنة حوادث في شمال دارفور أفيد فيها بأن جيش تحرير السودان قام بإحراق منازل ومركز للشرطة في أثناء الهجمات التي شنها على بلدتي الطويلة وكورما.
317-    ولم تجد اللجنة أي معلومات أو أدلة يمكن أن تبين أن جماعات المتمردين مسؤولة عن إحداث تدمير واسع النطاق. بيد أن هناك بضع حوادث قامت فيها تلك الجماعات بتدمير منازل ومبان في بعض البلدات والقرى، ويلاحظ هذا بصفة خاصة في الهجمات التي شنتها حركة العدل والمساواة على بلدة كلبص في غرب دارفور، وعلى القرى الواقعة في هذه المحلية في الفترة ما بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر 2003. واستمعت اللجنة إلى إفادات لها مصداقيتها تصف التدمير الذي تعرضت له أجزاء من إحدى المدارس والمستشفى والسوق، بشكل متعمد من جانب جماعة المتمردين في أثناء الهجوم الذي وقع على البلدة. وهناك أيضا روايات موثوق بها عن تدمير قرية واحدة على الأقل في تلك المحلية.

    (ب)    التقييم القانوني
318-    تنص المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في جملة أمور، على ما يلي: "تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى [...] كاف [...] يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى،"(129). وفضلا عن ذلك، يحظر القانون الدولي العرفي ويجرم تدمير ممتلكات الطرف المعادي على يد أحد المتحاربين في أثناء صراع مسلح دولي أو داخلي، دون أن تبرر ذلك ضرورة عسكرية.
319-    من الواضح أنه لم تكن هناك ضرورة عسكرية تبرر قيام قوات الحكومة والجنجويد بهذا التدمير الشامل للقرى. فتلك القرى كان يسكنها مدنيون، وحتى إذا كان بعض المتمردين يعيشون هناك أو يحتمون ببعض المنازل، فإن ذلك لم يكن مبررا لتدمير القرية بأكملها بإشعال النار فيها. ومن ثم، فإن تدمير هذا العدد الكبير من القرى المدنية يشكل جريمة حرب خطيرة جدا.
320-    أما تدمير الممتلكات، فضلا عن أنه يشكل جريمة حرب(130)، فإنه، إذا كان جزءا من هجوم منهجي أو واسع النطاق على السكان المدنيين، قد يشكل جريمة اضطهاد تندرج ضمن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، إذا كان قائما على التمييز. بيد أنه ليس كل تدمير للممتلكات في حد ذاته يشكل اضطهادا. فلا بد أيضا من إثبات أن تدمير الممتلكات سيكون له أثر ضار على حرية من يعيشون في تلك المنطقة وسبل كسبهم للعيش. وحسب ما حكمت به دائرة ابتدائية تابعة للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في قضية: زوران وكوبريشكتش وآخرون(131)، فإن هذا الدمار يماثل "في عواقبه نفس العواقب غير الإنسانية المترتبة على النقل بالإكراه أو الترحيل". وقضت دائرة ابتدائية أخرى في نفس المحكمة، في قضية بلاسكتش، بأن "تدمير الممتلكات لا بد وأن يفسر على أنه يعني تدمير البلدات والقرى والممتلكات الأخرى العامة أو الخاصة، الذي لا تبرره الضرورة العسكرية، والذي يتم بصورة غير مشروعة، وعلى نحو غاشم يتسم بالتمييز"(132).
321-    ومن الواضح أن تدمير الممتلكات الذي حدث في دارفور كان جزءا من هجوم منهجي واسع النطاق على السكان المدنيين؛ ومن الواضح أنه كان له أثر ضار على حرية أولئك الأشخاص وسبل كسب عيشهم، إذ حرموا من جميع ضروريات الحياة في القرى المعنية؛ كما انطوى ذلك التدمير في جميع الحالات تقريبا على تشريد الأشخاص بالإكراه. ومن الواضح أن التدمير قد تم "بصورة غير مشروعة وعلى نحو غاشم"، كما أن انتماء الأغلبية الواسعة من القرى المدمرة إلى قبائل أفريقية من شأنه أن يدل أيضا على أن التدمير قد تم "على نحو يتسم بالتمييز". وعلى ضوء هذه الحقائق تميل اللجنة إلى استنتاج أنه من الممكن تماما أن يشكل هذا التدمير جريمة اضطهاد تندرج ضمن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.

    6 -    نقل السكان المدنيين قسرا
    (أ)    النتائج الوقائعية
322 -    كما ذكر أعلاه، فإن تشريد جزء كبير جدا من سكان دارفور هو حقيقة لا نزاع فيها. ويتفق جميع ما فحصته اللجنة من تقارير على حقيقة مفادها أن التشريد كان قسريا وواسع النطاق، تضرر به ما يزيد على 1.85 مليون شخص (1.65 مليون من المشردين داخليا في دارفور، وما يزيد على 000 200 لاجئ في تشاد)(133). وما زال من الصعب تحديد حجم ما أُحدث من تشريد في بداية الأزمة، حيث لم تجر عمليا أية تقييمات أو تقديرات، لأنه لم تكن هناك منظمات إنسانية كائنة في دارفور لإجراء تقديرات من هذا القبيل، ولم تقدم الحكومة أية أرقام. وأعيقت أيضا بشكل خطير إمكانية وصول الإمدادات الإنسانية حتى منتصف عام 2004 عندما وافقت الحكومة في نهاية المطاف على إجراء أكثر مرونة وأسرع لإتاحة إمكانية وصول العاملين في المجال الإنساني. وتشير معظم التقارير إلى أن التشريد كان إحدى السمات الرئيسية، بل كان فيما يبدو هدفا لبعض الأطراف الفاعلة خلال الصراع.
323 -    وتشير معظم تقارير الأمم المتحدة الرسمية إلى أن عدد المشردين قد زاد بشكل هائل على مدار فترة قصيرة نسبيا. فعلى سبيل المثال، كما ذكر أعلاه، أشار مكتب نائب الممثل الخاص للأمين العام المعني بالسودان ومنسق الأمم المتحدة المقيم للشؤون الإنسانية، في "موجز الاحتياجات الإنسانية" الذي أصدره المكتب في تشرين الثاني/نوفمبر 2004، إلى أن مجموع عدد المشردين داخليا تجاوز 1.65 مليون شخص. بيد أنه عندما بدأت الأمم المتحدة في بداية الأمر تقدير عدد المشردين في أيلول/سبتمبر 2003، كان العدد يقل عن 000 300 شخص(134).
324 -    واطلعت اللجنة والفريق التابع لها على أدلة مسهبة على التشريد، وأجرت عددا كبيرا من المقابلات مع المشردين داخليا في دارفور واللاجئين في تشاد. وفي جنوب دارفور، زارت الأفرقة المشردين داخليا في مخيم كالما، والمواقع في أوتاش وزالنجي وكاس ومواقع أخرى. وفي شمال دارفور، أجرت الأفرقة مقابلات مع المشردين داخليا في أبى شوك وزمزم ومخيم فاتوبو رنو قرب الفاشر، فضلا عن المشردين داخليا في كتم. وأجرى فريق غرب دارفور مقابلات مع اللاجئين عبر الحدود في تشاد، بما في ذلك مخيمات بريدجينج، وتكلم أيضا مع المشردين داخليا في مورني وماستيري.
325 -    وكما ذكر في الفروع أعلاه المتعلقة بالهجمات وأعمال القتل والتدمير، تبين للجنة أن معظم التشريد الداخلي فضلا عن التشريد إلى تشاد قد وقع كنتيجة مباشرة للهجمات التي شنها الجنجويد أو القوات الحكومية أو كلاهما. وقرر القرويون، عقب تدمير قراهم وأيضا نتيجة للتهديدات المباشرة من المهاجمين وما ارتكبوه من أعمال عنف، ترك منازلهم طلبا للأمن في المنطقة الحضرية الكبيرة داخل دارفور، أو عبر الحدود في تشاد. وفرّ آخرون خوفا من الهجمات، نظرا لأنهم تلقوا معلومات عن الأعمال الوحشية التي وقعت في الأماكن المجاورة. وفي الواقع العملي لم يتمكن جميع المشردين من العودة إلى قراهم بسبب استمرار انعدام الأمن نتيجة للتهديدات الموجهة من الجنجويد أو بسبب تواجدهم. وتسنى للجنة تأكيد أن معظم القرى الواقعة بين كلبص وتينا قد هجرت، وفرّ السكان الأصليون إلى تشاد أو إلى مناطق أخرى داخل البلد. وليس هناك سوى عدد ضئيل من المستوطنات ما زال مسكونا، ولكن يسكنه الرعاة البدو الذين لوحظ أنهم يقيمون حول القرى أو داخلها. ولاحظت اللجنة أيضا وجود هؤلاء الرعاة حول القرى الأخرى المهجورة الواقعة حول سربه وأبي سروج غرب دارفور. وتكلمت اللجنة مع بعض المشردين داخليا الذين حاولوا العودة ولكن ووجهوا مرة أخرى بالهجمات.
326 -    وجاء وصف دقيق للتشريد وعدم القدرة على العودة بسبب استمرار تهديدات الجنجويد في المقابلة التالية التي أجريت مع أحد اللاجئين، من قبيلة المساليت، في تشاد، وهو أصلا من قرية تقع في منطقة ماستيري:
        هاجم جنود الحكومة والجنجويد القرية في تشرين الأول/أكتوبر 2003، وكان ذلك يوم الأربعاء الخامس أو السادس من شهر رمضان. وكانت النساء قد ذهبن لإحضار المياه، وفي حوالي السابعة صباحا رأيت أناسا يقتربون من القرية، كانوا من جنود الحكومة والعرب القادمين على الجياد أو بالسيارات. وكانت هناك طائرة خلف هؤلاء الأشخاص. وكان هناك حوالي 200 شخص يحملون البنادق ويصيحون "هذه ليست أرضكم"، وكانوا يضربون الأطفال بالسياط. فأسرعت إلى بقرتي وفككت قيدها. وقد رآني أحد المهاجمين، الذي كان يرتدي ملابس كاكية اللون، من الربوة التي كان يقف عليها وأطلق النيران علي. ولقد أصبت في المنطقة الواقعة بين الفخذين وأسرعت واختبأت في حظيرة البقر. ولم أخرج من مكاني إلا عقب مغادرتهم بعد مرور حوالي 15 إلى 20 دقيقة. وكان أصحاب القرية يفرون منها. وحملني بعض منهم معهم إلى ماستيري، حيث عولجت في المستشفى من إصابتي. وأُبلغت بعدئذ أن أبي وأخي الأصغر قد قتلا. وقتل أيضا أربعة أشخاص آخرين. وأُبلغت أيضا أن الجنود والجنجويد قد استولوا على جميع الماشية والدواجن. وبعد مرور 15 يوما عاد البعض إلى القرية، ولكن العرب كانوا لا يزالون يحومون حول القرية، وإذا رأوا أحدا جلدوا النساء بالسياط وقتلوا الرجال. ولقد أقمنا في بداية الأمر قرب مخيم للمشردين داخليا في ماستيري، وبعد ثلاثة أشهر عبرت الحدود إلى تشاد. وكان هناك أشخاص من 20 قرية في المكان الذي أقمت به قبل قدومي إلى السودان.
327 -    وتبين للجنة أيضا، أن المشردين داخليا الذين بقوا داخل دارفور بعد التشريد ظلوا يواجهون عددا من التهديدات، وانحصرت إقامتهم إلى حد كبير داخل المخيمات أو المناطق الحضرية، نظرا إلى أن المخاطرة بالخروج منها تعني مواجهة خطر الهجمات أو أعمال العنف الأخرى، ولا سيما الاغتصاب، حسب المبين أدناه.
328 -    وفيما يتعلق بالأنماط المحددة في التشريد، تلاحظ اللجنة أن أحد أهداف التشريد يتصل فيما يبدو بسياسة مواجهة التمرد التي اتبعتها الحكومة، أي إزالة قاعدة الدعم الفعلية أو المحتملة للمتمردين. وينتمي السكان المشردون في الأغلب الأعم إلى ثلاثة قبائل عُرف عنها أنها تشكل أغلبية حركتي التمرد، وهي قبائل المساليت والزغاوة والغور، التي يبدو أن أفرادها قد استُهدفوا بصورة منهجية وأُرغموا على ترك أراضيهم. والمناطق الأصلية التي ينتمي إليها المشردون هي المواطن التقليدية للقبائل الثلاث، في حين أنه من الواضح أيضا أن هناك قبائل أخرى لم تتضرر على الإطلاق تقريبا.
329 -    وفي الوقت ذاته، يبدو من المحتمل أن الجنجويد، المؤلفين من قبائل مناوئة بشكل تقليدي للقبائل الثلاث التي ينتمي إليها المشردون، قد استفادوا أيضا من هذا التشريد حيث ستتاح أمامهم إمكانية الحصول على الأراضي. وعثرت اللجنة على دليل يشير إلى أن القبائل العربية قد بدأت التوطن في المناطق التي كان يسكنها في السابق المشردون، ومن ثم يحولون بذلك أيضا دون عودة المشردين في نهاية الأمر.

    (ب)    التقييم القانوني
330 -    بموجب المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لكل فرد يقيم على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حريقة التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته. ويوفر هذا الحكم حماية لحرية التنقل وحق عدم النقل العشوائي. وقد بينت بوضوح اللجنة المعنية بحقوق الإنسان هذا الحق في تعليقها العام 27(135) وذكرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عدة مناسبات أن أعمال الطرد الإجباري لا تتفق مبدئيا مع اشتراطات العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(136).
331 -    ويحظر القانون العرفي الدولي نقل السكان المدنيين قسرا سواء في وقت السلم أو وقت الحرب. وحسب المبين في المادة 7 (2) (د) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يمكن الاستعانة به في تحديد القانون الدولي العرفي المتعلق بالمسألة، فإن المقصود بذلك الحظر إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان ونقل الأشخاص المعنيين قسرا من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة، بالطرد أو بأي فعل قسري آخر، دون مبررات يسمح بها القانون الدولي. ويقع في نطاق الحظر محل البحث الإبعاد القسري للمدنيين من المنطقة التي يعيشون فيها بصفة تقليدية ومشروعة نتيجة الهجمات العشوائية غير المشروعة على أماكن إقامتهم وإشعال النيران في قراهم.
332 -    وبالنظر إلى السمة المنهجية والواسعة النطاق التي اتسم بها التشريد القسري للأشخاص في دارفور، ترى اللجنة أن مثل هذا الإجراء قد يرقى إلى حد بعيد إلى جريمة ضد الإنسانية. فالعنصر الموضوعي المشترك (العلم بالطبيعة المنهجية للتشريد القسري) يكمن في الحقيقة التي مفادها أن التشريد يرقى بوضوح إلى سياسة حكومية دأبت السلطات الحكومية ذات الصلة والجنجويد على اتباعها. وعلاوة على ذلك، فبالنظر إلى السمة التمييزية للتشريد، ترقى هذه الأعمال إلى جريمة الاضطهاد التي هي جريمة ضد الإنسانية.

    7 -    الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى
    (أ)    النتائج الوقائعية
333 -    أفادت مصادر شتى بوقوع أعمال اغتصاب واسعة النطاق وأشكال أخرى من العنف المرتكب ضد النساء والفتيات في جميع ولايات دارفور الثلاث. وحسب ما ذكرته هذه المصادر، فإن اغتصاب كل ضحية على حدة كان في أغلب الأحوال متعددا، أي قام به أكثر من رجل واحد، وكان مصحوبا بأشكال عنف شديدة أخرى، منها الضرب والجلد. وذكرت التقارير أنه في بعض الحالات، تعرض النساء للاغتصاب علنا، وفي بعض الحوادث، تعرضت النساء كذلك للتعنيف القاسي ووصفن بأنهن "إماء" أو تورا بورا.
334 -    وقد ذُكرت الأنماط التالية: أولا، حدثت خلال الهجمات على القرى اعتداءات متعمدة ضد النساء والفتيات، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي. ثانيا، اختطفت النساء والفتيات، وحبسن لعدة أيام تعرضن خلالها للاغتصاب المتكرر. ثالثا، استمر الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي خلال الفرار وكذلك التشريد، بما في ذلك عندما كان النساء يخرجن من البلدات ومواقع المشردين داخليا لجمع الحطب أو إحضار المياه. وفي مناطق محددة، وقعت عمليات اغتصاب أيضا داخل البلدات. وأصبحت بعض النساء والفتيات حوامل نتيجة للاغتصاب.
335 -    وفي معظم الحالات، أبلغ عن ضلوع الجنجويد. وفي حالات كثيرة، زُعم أيضا ضلوع الجنود. وأبلغ عن وجود حالات قليلة من ارتكاب المتمردين لأعمال الاغتصاب والعنف الجنسي.
336 -    وعموما، تؤكد النتائج التي توصلت إليها اللجنة الأنماط المذكورة آنفا. بيد أن اللجنة تعتبر أن من المحتمل وجود حالات كثيرة لم يُبلَّغ عنها بسبب حساسية القضية والعار المرتبط بالاغتصاب. ولم تقم السلطات، من جانبها، بشكل وافٍ وفعال بتناول الادعاءات بوقوع الاغتصاب.

    '1'    الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي المرتكبة على أيدي الجنجويد أو الجنود الحكوميين أو كليهما
    (أ)    الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي خلال الهجمات على القرى
337 -    حسب المعلومات التي أفادت بها شتى المنظمات، وقعت حالات اغتصاب وعنف جنسي خلال الهجمات التي تعرضت لها القرى. ففي جنوب دارفور، خلال فترة الشهرين الممتدة من آب/أغسطس إلى أيلول/سبتمبر 2004، كان من بين حالات الضحايا البالغ عددهن 120 ضحية، اللاتي تعرضن للاغتصاب وعولجن على أيدي الأخصائيين الطبيين، 100 حالة على الأقل وقعت خلال الهجمات على قرى الضحايا. وفي استقصاء أُجري في مخيم مورني غرب دارفور، عالجت الأفرقة الطبية حوالي 20 ضحية من ضحايا العنف الجنسي في الفترة من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيه 2004. وذُكر أن معظم الحالات وقعت خلال الهجمات التي تعرضت لها القرى. وأبلغ أيضا عن وقوع حالات أخرى من الاغتصاب خلال هجمات القوات الحكومية والجنجويد على الطويلة والقرى المحيطة بها خلال النصف الأول من عام 2004. وذُكر أن ما يزيد على 20 امرأة وفتاة صغيرة تعرضن للاغتصاب خلال الهجمات التي شنتها القوات الحكومية والجنجويد في آذار/مارس 2004 على كورما، شمال دارفور. وأبلغ عن وقوع أعمال اغتصاب أخرى للنساء خلال الهجمات حول ميسكي وديسا وأم بارو شمال دارفور؛ وأزرني وكورنوي ونيرتيت وموكجار غرب دارفور. وذُكر أيضا أن 18 امرأة تعرضن للاغتصاب خلال الهجوم على عدوه جنوب دارفور في بداية كانون الأول/ديسمبر 2004. وهناك تقارير تفيد بأن النساء والفتيات ما زلن يتعرضن للعنف الجنسي خلال الهجمات على قراهن، بما في ذلك تقرير عن هجوم أخير على الحمادة في 13 كانون الثاني/يناير 2005 اغتُصبت خلاله النساء.
338 -    وتؤكد النتائج التي توصلت إليها اللجنة ارتكاب الاغتصاب والاعتداء الجنسي خلال الهجمات التي شنها الجنجويد والجنود. ويشمل ذلك الهجمات المشتركة التي شنها الجنود الحكوميون و الجنجويد على دوبو، شمال دارفور، حوالي آذار/مارس 2004؛ وبادي، شمال دارفور، حوالي شباط/فبراير 2004؛ وعدوه، جنوب دارفور، في كانون الأول/ديسمبر 2004. وشمل ذلك أيضا هجمات شنها الجنود على قرية كالوكيتنج، جنوب دارفور، وعلى قرى تقع في منطقة وادي صالح، غرب دارفور، حوالي آب/أغسطس 2004، فضلا عن هجمات شنها الجنجويد على مونجي، شمال دارفور، حوالي آب/أغسطس 2004؛ وجوكور، غرب دارفور نهاية عام 2004؛ وكولونجا، غرب دارفور، حوالي آذار/مارس 2004؛ وغوز بادين، غرب دارفور، حوالي آب/أغسطس 2003، وأم نعيمة، غرب دارفور، في تموز/يوليه 2003؛ وناباجاي، جنوب دارفور، حوالي آذار/مارس 2004. وأجرت اللجنة مقابلات مع عدد من الضحايا وشهود العيان الذين أكدوا أن الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي التي ارتكبها الجنجويد كانت متفشية خلال الهجمات على الطويلة والقرى المحيطة بها شمال دارفور، في شباط/فبراير وآذار/مارس 2004. وتكلمت اللجنة مع عدد من الضحايا وشهود العيان، وأجرت فحوصا بالمواقع المعنية أكدت أن الجنجويد قد اغتصبوا فتيات كثيرات خلال الهجوم على مدرسة الطويلة الداخلية. وتبين للجنة أيضا أن النساء تعرضن للاغتصاب علانية في أعقاب الهجوم المشترك الذي شنه الجنود الحكوميون والجنجويد على قرية كانجي، غرب دارفور، في كانون الثاني/يناير 2004. وفي حالة أخرى، تبين للجنة أن الجنجويد اغتصبوا خمس فتيات علانية خلال الهجوم على عبديكا، غرب دارفور، في تشرين الأول/أكتوبر 2003.

دراسة حالة إفرادية: الهجوم على مدرسة في الطويلة، شمال دارفور
339-    أبلغت واحدة من الضحايا اللاتي اغتصبن خلال الهجوم على مدرسة داخلية في شباط/فبراير 2004، وهي فتاة صغيرة، اللجنة بأنه:
        حوالي الساعة السادسة صباحا، هاجم عدد كبير من الجنجويد المدرسة. ولقد أدركت الضحية أنهم من الجنجويد بسبب "بشرتهم الحمراء"، وهو الوصف الذي يطلق على العرب. وكانوا يرتدون الأزياء الحكومية المموهة. وقد وصلوا على متن سيارات بيك آب بنفس لون الأزياء التي كانوا يرتدونها. وفي اليوم السابق لاحظت أن الجنود الحكوميين قد تحركوا إلى موقع يحيطون فيه بالمدرسة. وعندما هاجموا مبنى الإقامة الداخلية صوبوا بنادقهم على الفتيات وأرغموهن على خلع ملابسهن تماما. وسلبوا ما لديهن من نقود وأشياء ثمينة وكذلك جميع مفروشات نومهن. وكان عدد الفتيات حوالي 110 فتيات بالمدرسة الداخلية. وحدثت جميع الوقائع في أجنحة النوم بالمدرسة.
        وقد أُخذت الضحية من بين المجموعة، معصوبة العينين، ثم دفعت على الأرض على ظهرها واغتصبت. وتم الإمساك بذراعيها ورجليها. وبوعد بين رجليها واغتصبت مرتين. وأكدت حدوث إيلاج. واستمرت عملية الاغتصاب نحو الساعة. ولم يقل المغتصبان شيئا أثناء الاغتصاب. وقد سمعت أصوات استغاثة من فتيات أخريات وتعتقد أنهن أيضا كن يغتصبن. وبعد عملية الاغتصاب، بدأ الجنجويد أعمال الحرق والسلب. (وقد أكدت وجود القوات العسكرية بالمنطقة، حيث شاهدت في ذات اليوم طائرات هليكوبتر من التي يستعملها الجيش).
        وحملت الضحية نتيجة لهذا الاغتصاب ووضعت طفلا فيما بعد.
دراسة حالة إفرادية: الهجوم على ترغا، غرب دارفور
340 -    أجرت اللجنة مقابلة مع ضحية أخرى قدمت معلومات عن عمليات اغتصاب متعددة تعرضت لها النساء خلال الهجوم على ترغا، غرب دارفور. وفيما يلي الوصف الذي قدمته للهجوم وما تلاه:
        تعرضت قرية ترغا للهجوم في كانون الثاني/يناير 2003، إذ قامت إحدى الطائرات بقصف القرية، وبعدئذ وصل نحو 40 سيارة ورجال يمتطون الجياد. وقاموا بتمشيط كامل المنطقة المحيطة بترغا. وقام المهاجمون من على ظهر السيارات والجياد بإطلاق النيران على أهل القرية. وكانت القوات العسكرية هي التي شنت الهجوم أساسا، بينما قام العرب بأعمال السلب. وارتكب الجنود أيضا عمليات اغتصاب جنبا إلى جنب مع الجنجويد.
        ولدى وقوع الهجوم، فرت النساء إلى الوادي، حيث أحاط بهن رجال الجيش. وصرحت الضحية بأنها تعرف 19 من النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب ولكن كان هناك أخريات كثيرات. وهي تعتقد أن مجموعهن كان 50 ضحية. واغتُصبت أولا الفتيات الصغيرات، واغتصب الضحية تسعة رجال. وتعرضت نساء أخريات أيضا للاغتصاب من عدد كبير من الرجال. وجرى التحفظ على النساء لمدة ستة أيام في الوادي.

    (ب)    أعمال الاختطاف والاسترقاق الجنسي
341 -    أفادت مصادر أخرى أن النساء والفتيات تعرضن للاختطاف، وجرى حبسهن لعدة أيام واغتصابهن بشكل متكرر على يد الجنجويد والجنود بالقرى التي تعرضت للهجوم، وبالمعسكرات، والمخابئ. وعلاوة على ذلك، ذُكر أن التعذيب قد استعمل لمنع النساء من الفرار. وفي آذار/مارس 2004، أبلغ عن قيام الجنجويد و 150 من الجنود باختطاف واغتصاب 16 فتاة صغيرة في كتم، شمال دارفور. وخلال الهجمات على الطويلة والقرى المحيطة بها شمال دارفور في شباط/فبراير 2004 زُعم أن 35 طالبة تعرضن للاختطاف والاغتصاب على يد الجنجويد. وأُبلغ أيضا عن وقوع أعمال اختطاف أخرى للنساء في المنطقة المحيطة بالجنينة، غرب دارفور. ووردت تقارير مثيرة للانزعاج عن وقوع أعمال اغتصاب جماعي وعنف جنسي ضد النساء والفتيات اللاتي حُبسن في موكجار، غرب دارفور؛ وكايلك، جنوب دارفور. وجرى الإبلاغ أيضا عن وقوع عمليات اختطاف واغتصاب إضافية للنساء، إلى جانب أعمال أخرى، في المناطق المحيطة بديسا وسيليا، غرب دارفور.
342 -    وأكدت النتائج التي توصلت إليها اللجنة النمط المذكور أعلاه. فعلى سبيل المثال، تبين للجنة أن النساء اللاتي ذهبن إلى السوق أو بحثا عن المياه في تارني، شمال دارفور، قد اختطفن، وحبسن لمدة يومين أو ثلاثة أيام واغتصبن على يد أفراد من القوات العسكرية حوالي آذار/مارس 2003. ومن الملحوظ، أن حكومة السودان قد أنشأت معسكرا كبيرا في المنطقة المجاورة. وخلال هجوم الجنجويد على قرية مباراسا¡ غرب دارفور، في تشرين الثاني/نوفمبر 2003، اختطفت 20 فتاة وجرى اقتيادهن إلى معسكر عمار. وتبين للجنة كذلك أن 21 امرأة قد اختطفن خلال الهجوم المشترك الذي شنته القوات العسكرية الحكومية والجنجويد على كانجي، غرب دارفور، في كانون الثاني/يناير 2004. وقام الجنجويد باحتجاز النساء لفترة ثلاثة أشهر وأصبح بعضهن حوامل نتيجة للاغتصاب خلال فترة الاحتجاز. وخلال الهجوم على قرية ملجا، غرب دارفور، في تشرين الأول/أكتوبر 2004، اختطف الجنجويد أربع فتيات، لم يتعد عمر إحداهن 12 سنة. واحتجزت الفتيات لمدة ثلاثة أيام واغتصبن ثم أطلق سراحهن. واختطفت أيضا النساء واغتصبن في ثلاثة مخيمات تابعة للجنجويد عقب الهجوم على كورما، شمال دارفور، في آذار/مارس 2003. وتأكد للجنة أيضا أنه عقب الهجوم على الطويلة في شباط/فبراير 2004 تعرضت مجموعة من حوالي 30 طالبة للاختطاف على يد الجنجويد واحتجزن في معسكر أيواء حيث تعرضن للاغتصاب المتكرر. وجلب الجنجويد أيضا إلى هذا المعسكر عددا آخر من النساء من القرى المحيطة بالطويلة إثر اختطافهن عقب الهجمات التي تعرضت لها قراهن.

دراسة حالة إفرادية: كايلك، جنوب دارفور
343 -    أجرت اللجنة مقابلات مع عدد من شهود العيان الذين أكدوا أنه عقب الهجمات المشتركة التي شنها الجنود الحكوميون والجنجويد في المنطقة، احتجز زهاء 000 30 شخص في كايلك، جنوب دارفور، لفترة حوالي 50 يوما. وعزلت النساء والفتيات الصغار عن الرجال، واحتجزن في منطقة حول المسجد، وبعدئذ اقتادهن المحتجزون لاغتصابهن. وقد تعرضن للاغتصاب الجماعي الذي استمر لفترات طويلة من الزمن. وتعرضت فتيات لا يتجاوز عمرهن 10 سنوات للاغتصاب.
344-    ووصفت إحدى شاهدات العيان هول الاحتجاز في المنطقة التي حددها المحتجزون للنساء وصغار الفتيات في كايلك على النحو التالي:
        "مكثنا في مكان واحد، ولم يسمح لنا بالانتقال من مكان لآخر. وسمح للعجائز من النساء بالذهاب لإحضار المياه، والذهاب لإحضار الطعام. وأرغمنا على التبول أمام الجميع. وكنا نخشى من استعمال المرحاض في المساء لأن المهاجمين كانوا يحيطون بنا، حيث كانوا يترصدون النساء لاغتصابهن".
        وبعد تعرض النساء للاغتصاب، لم يجر إعادة ملابس بعض النساء إليهن وأرغمن على البقاء عرايا. وأبلغ مصدر مستقل، شهد الحالة في كايلك، اللجنة بأنه: "كان هناك ما يزيد على 80 حالة من حالات الاغتصاب التي أبلغت إلينا عن طريق النساء وصغار الفتيات اللاتي احتجزن في المنطقة المسورة. وعثرنا أيضا على أربع نساء مجردات من الثياب. وكن يسترن أنفسهن بحصير ويستجدوننا عدم رفعها عن أجسادهن. وذكرن أنه لدى حاجتهن إلى المياه أو الطعام، كان يتعين على إحداهن استعارة ملابس من النساء الأخريات للذهاب وإحضار المياه أو الطعام".
        وكان كل من يحاول مساعدة الضحايا يتعرض إما للضرب أو القتل. وفي إحدى الوقائع، حاول زوج مساعدة زوجته، فتعرض للضرب المبرح وأصبح الآن مقعدا بشكل دائم ويرقد في مستشفى الخرطوم. وقد أيدت المجموعة الكاملة من المواد التي جمعتها اللجنة أقوال الشهود هذه تأييدا تاما، ومن هذه المواد معلومات حُصل عليها من خلال مراقبين مستقلين شاهدوا حالة النساء في كايلك.

دراسة حالة إفرادية: وادي تينا، شمال دارفور
345 -    أجرت اللجنة مقابلة مع إحدى الضحايا التي وصفت الكيفية التي تعرضت بها هي وشقيقاتها الست للاختطاف الاحتجاز في مخيم تابع للجنجويد في وادي تينا، بعد الهجوم على الطويلة والقرى المحيطة بها. وقدمت الضحية، التي تعرضت للاغتصاب 14 مرة على مدار فترة أسبوع واحد، المعلومات التالية:
        "في حوالي الساعة السادسة صباحا من يوم 7 كانون الثاني/يناير 2003، كانت داخل منزلها في قرية تارنا. وهاجم القرية حوالي 000 3 من الجنجويد على ظهور الجياد. وكان بعضهم في المركبات. كما كان يرتدي بعضهم الأزياء الكاكية بينما ارتدى البعض الآخر ملابس مدنية وعباءات على رؤوسهم. وكان هناك زهاء 50 مركبة لاند كروزر وبيك آب. وكان جميع المركبات مثبتا على ظهرها المدافع. وكان الرجال على ظهر المركبات يرتدون أزياء الجيش، وكانوا يرتدون نفس الأزياء الرسمية التي كان يرتديها الجنجويد. وكانوا من جنود الجيش السوداني.
        "وشاهدت الضحية نساء يجري اقتيادهن، وأشخاص يقتلون، وماشية تسرق، وأغذية تحرق. وقدمت كذلك الوصف التالي: "حضر عشرة من الجنجويد إلى منزلي. واقتادوني وأخواتي الست اللاتي كانت أعمارهن 15 و 16 و 17 و 19 و 20 و 24 سنة. وقالوا: لماذا تقيمون هنا، أنتم عبيد. ولم نرد على ذلك. فقد كان جميعهم مسلحين وكانوا جميعا يصوبون فوهات بنادقهم تجاهنا. وعندما دخلوا منزلنا، أطلقوا النيران على أخوي الاثنين. واقتادونا إلى الخارج وضربونا بالزمامات الجلدية التي يستعملونها في كبح جماح جمالهم. واستمر الضرب لفترة 20 دقيقة.
        "وبعد ضربنا، اقتادونا إلى وادي تينا. وتركونا نمشي بينما كانوا يركبون على ظهور جمالهم. واستغرقنا ثلاث ساعات حتى وصلنا إلى هناك، وخلال ذلك الوقت ضربونا وهددونا بالقتل. وعندما وصلنا وادي تينا، رأيت 95 امرأة على الأقل هناك. وتركنا في الوادي مع مجموعة كبيرة من النساء وكان يحرسنا ما لا يقل عن 100 من الجنجويد المسلحين. وكانت جميع النساء عرايا. وبعد وصولنا بقليل أرغمنا تحت تهديد السلاح على خلع ملابسنا.
        "وفي حوالي الساعة الثامنة صباحا من اليوم التالي بالوادي، اغتصبت للمرة الأولى. ووصل عدد كبير جدا من الجنجويد إلى الوادي. واختار كل منهم امرأة واغتصبها. وعلى مدار فترة أسبوع، اغتصبت 14 مرة من جانب أفراد مختلفين من الجنجويد. وطلبت منهم التوقف عن ذلك. فقالوا لي أنت امرأة تورا بورا ولن نتوقف عن ذلك. وأُطلق علينا وصف العبيد وتعرضنا للضرب المتكرر بالزمامات الجلدية، وكيل إلينا اللكمات والصفعات. وكنت أخشى على حياتي إذا رفضت الجماع معهم. وقد أُهنا أمام نساء أخريات وأُرغمن على الجماع أمامهن. ووقف عدد آخر من الجنجويد يشاهدون ما يجري.
        "وبعد مرور أسبوع، أُطلق سراحها مع أربع فتيات أخريات عدن إلى قرية تارنا، ومنذئذ لم تر أخواتها. وهي لا تعلم هوية أي واحدة من النساء الأخريات في الوادي ولكنها ذكرت أن ثلاثا منهن توفين نتيجة التعرض للاغتصاب. ولا تعلم الضحية هوية الجناة".

    (ج)    الاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي خلال الفرار والتشريد المتواصل
346 -    وردت تقارير مفصلة عن استمرار وقوع الاغتصاب وغيره من أشكال الاعتداء الجنسي خلال الفرار والتشريد المتواصل، بما في ذلك خارج شتى مواقع المشردين داخليا وداخلها. وقد زادت حدة تأثير العنف المرتكب خارج مواقع المشردين داخليا بسبب اعتماد النساء وأسرهن على جمع الحطب كمصدر للكسب والبقاء على قيد الحياة. وفي معظم الحالات، كانت النساء والفتيات هن اللائي يذهبن خارج المخيمات بحثا عن الحطب والمياه، لأنه كانت لديهن فرصة للنجاة من الهجمات أفضل من الرجال والصبية الذين يتعرضون للقتل. وحسب ما جاء في أحد التقارير، هجرت أسرة من ماجارسا، غرب دارفور، منزلها في شباط/فبراير 2004 بسبب الصراع. وذكر رب الأسرة أنهم التقوا، خلال محاولة الفرار من منزلهم، بستة من الرجال العرب الذين اغتصبوا ابنته البالغة من العمر 25 سنة، أمام عينيه وأعين زوجته وأطفاله الصغار. ولم يتسن له الدفاع عن ابنته لأن الرجال كانوا يهددونه بالسلاح. وحسب ما جاء في تقرير آخر، تعرضت امرأتان للاغتصاب المتكرر في مخيم للمشردين داخليا يقع في كساب، شمال دارفور، في حزيران/يونيه 2004. وأفادت التقارير أنه في نيسان/أبريل 2004، ذهبت مجموعة من 40 امرأة من المشردين داخليا لجمع الحطب خارج موكجار، غرب دارفور، فتعرضن لاعتداء على يد ستة من الجنجويد المسلحين. وتعرض عدد من النساء للضرب المبرح بينما اغتصبت واحدة على الأقل من جانب أربعة من الجنجويد. وخلال الأسبوع الأول من شهر تموز/يوليه 2004، قدم فريق طبي في موكجار العلاج إلى 15 امرأة من إصابات خطيرة تعرضن لها في ثماني حوادث منفصلة. وفي اثنتين من تلك الحوادث، استُتبع الضرب بالاغتصاب. وروت تقارير أنه في 22 تموز/يوليه 2004، تعرض حوالي 13 امرأة للاغتصاب من جانب الجنجويد لدى بحثهن عن الحطب حول مخيم للمشردين داخليا قرب كاس، جنوب دارفور. وذكر أنه في تموز/يوليه 2004، تعرض حوالي 20 امرأة للاغتصاب من جانب الجنجويد لدى بحثهن عن الحطب حول مخيم سيسي، غرب دارفور. كما أُبلغ عن عمليات اغتصاب أخرى تعرضت لها النساء اللاتي كن يخاطرن بالخروج من مواقع المشردين داخليا، مثل أبي شوك شمال دارفور، وأرداماتا، وأزارني وبارسيلا ومورني وكريندينج والرياض غرب دارفور، والجير ودريج وكالما وكاس وأوتاش جنوب دارفور.
347 -    وأكدت النتائج التي توصلت إليها اللجنة أن ارتكاب أعمال الاغتصاب والعنف الجنسي ضد النساء والفتيات قد استمر خلال الفرار وفي مناطق التشريد. وقد وقعت حالات اغتصاب من جانب الجنجويد والجنود الحكوميين حول مواقع المشردين داخليا بأعداد كبيرة لبث الذعر من وقوع هذه الحوادث لدى النساء والفتيات، وأفضى إلى انحباسن فعليا داخل هذه المواقع. وأجرت اللجنة مقابلات مع الضحايا اللاتي تعرضن للاغتصاب والإيذاء الجنسي خارج مخيمى أبي شوك وزمزم شمال دارفور، ومخيمات هبيله وكريندينج وماستيري ومورني وسيسي غرب دارفور، ومخيمى كالما ودريج جنوب دارفور.
348 -    وفي إحدى الحالات، أجرت اللجنة مقابلة مع فتاتين صغيرتين عمرهما 12 و 14 سنة، ذهبتا لجمع الحطب مع خمسة أطفال آخرين خلال تشرين الثاني/نوفمبر 2004 خارج مخيم أبي شوك وقد اغتصب الجنود الفتاتين، ووصفوا الأطفال بأنهم أبناء وبنات تورا بورا، وضربوا أطفالا آخرين وهددوهم بالقتل. وعقب الواقعة، ذهب الأطفال للشكوى إلى معسكر قريب وقدموا وصفا للجناة. وذهبت الفتاتان إلى مستشفى الفاشر كى يتم فحصهما طبيا، وقُدمت شكوى رسمية إلى الشرطة المحلية. ولم تكن الاستجابة الأولية من الشرطة المحلية كافية. ولدى الإصرار من اللجنة، قامت الشرطة المحلية بالتحقيق في الواقعة وأُبلغت اللجنة أن تسعة من المشتبه فيهم قد احتجزوا وأن القضية الآن أمام النائب العام. وعلاوة على ذلك، تبين للجنة أن هناك شعورا سائدا بعدم الأمان بين المشردين داخليا في كابكابية، شمال دارفور. وبوجه خاص، كانت النساء والفتيات اللاتي يجمعن الحطب يخشين ترك كابكابية حيث كن يتعرضن للاغتصاب والعنف الجنسي من جانب الجنجويد. وحتى في حالة إبلاغ الوقائع إلى الشرطة، كان الجناة يتمتعون فيما يبدو بالإفلات من العقاب وتستمر الهجمات ضد النساء. وأجرت اللجنة أيضا مقابلة مع أربع شابات سردن واقعتين وقعتا في حزيران/يونيه 2004 احتُجزن خلالهما بالطريق لدى عودتهن من سوق كتم، شمال دارفور، متجهات إلى قراهن. وفي كل من الواقعتين، أرغمت الشابات على خلع ملابسهن تحت التهديد بالسلاح، واغتصبن من جانب الجنجويد وتركن بعدئذ عاريات بالطريق. وتبين من ملابسات الجريمة أن تلك الجرائم ارتكبها نفس الجناة.