وثائق امريكية عن نميري (27):
مظاهرات ضد العطا
النور: نميري اراد الانفراد بالحكم
السفير الامريكي:"حمد الله انتهازي خبير"
واشنطن: محمد علي صالح
وردت في الحلقة السابقة من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن سنوات الرئيس المشير جعفر نميري(سنة 1971) وثائق الانقلاب الفاشل الذي قاده هاشم العطا الذي كان نميري، في السنة السابقة، عزله من مجلس قيادة الثورة، مع فاروق حمد الله وبابكر النور.   وجاء الآتي في وثيقة بتاريخ  20-7-1971
"وصفت اذاعة امدرمان هاشم العطا بانه الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة.  ونقلت خطابه الذي شن فيه هجوما عنيفا على نميري.
قال العطا ان نميري خان ثورة 24 اكتوبر (الديمقراطية، سنة 1964)، وثورة 25 مايو (العسكرية، سنة 1969).  وانه سبب انتشار المحسوبية والفساد والمشاكل الاقتصادية.  وان "انقلاب 16 نوفمبر (سنة 1970) اليميني سبب اذى كبيرا للبلاد." ويقصد اليوم الذي عزل فيه نميري الثلاثة من مجلس قيادة الثورة: العطا، وحمد الله، والنور).  وقال العطا ان ما حدث كان "حركة تصحيحية لاعادة السودان الى الجبهة العالمية التي تشمل دول العالم الثالث والدول الاشتراكية الصديقة بقيادة الاتحاد السوفيتي ..."
راينا:
اولا: هذا نظام اكثر يسارية، وربما راديكالي.
ثانيا: لاحظنا ارتياحا شعبيا لنهاية نظام نميري، رغم عطف شخصي عليه.
ثالثا: لاحظنا، طول ليل امس، دبلوماسيين من، ومتعاونيين مع، سفارات الدول الشيوعية يتحركون تحركات كثيفة.  وعلمنا ان عبد الخالق محجوب، امين الحزب الشيوعي الذي كان هرب من السجن، لجأ الى سفارة بلغاريا ... "
وهذه وثائق عن بداية فشل انقلاب العطا:
مظاهرات تؤيد نميري:
التاريخ:20-7-1971
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: مظاهرات تؤيد نميري
"صباح اليوم، تغير الوضع في شوارع الخرطوم من تجمعات متفرقة الى مظاهرات كبيرة تؤيد الرئيس المعزول نميري.  وعلمنا ان هذه المظاهرات تصادمت مع مظاهرة مؤيد لنميري، لكننا لم نعرف اذا قتل او جرح اي شخص ... 
وفي الظهر، خلت الشوارع من الجانبين بعد ان تدخلت قوات الامن.  واذاع راديو امدرمان الوطني حظر التجول، وحذر بان المعارضين للنظام سيعدمون او يقتلون.  تحرس قوات النظام الجديد الكباري والمؤسسات الرئيسية ...
ونحن طلبنا من  المواطنين الامريكيين الا يخرجوا من منازلهم.
راينا:
اولا: لاحظنا ان قائمة القيادات العسكرية التي قال راديو امدرمان انها ايدت النظام الجديد لم تكن فيها قيادة مطار وادي سيدنا العسكرية.
ثانيا: ليس عندنا دليل بأن انقلابا مضادا سيحدث قريبا.  لكن، على الاقل بسبب المظاهرات المؤيدة لنميري، وهي مظاهرات تحدي لنظام عسكري متشدد، نعتقد ان ذلك ممكن.
ثالثا: تأكدنا بأن هناك عناصر شيوعية كثيرة في قيادة النظام الجديد.  ويذكرنا هذا بالوجود الشيوعي في نظام نميري عندما تولى الحكم في 25-5-1969.  وايضا، يذكرنا بالوجود الشيوعي في حكومة ثورة اكتوبر سنة 1964.
رابعا: اذا استمر النظام الجديد، نتوقع ان تكون علاقته مع الروس قوية جدا، اقوى مما كانت عليه في اي وقت في الماضي.
خامسا: لاحظنا ان وجود المؤيدين لمصر في النظام الجديد اقل منه في نظام نميري، مما يجعلنا نتوقع معارضة مصرية للنظام الجديد ... "
"تطهير الثورة":
التاريخ: 21-7-1971
من: قسم الاستخبارات والبحوث، وزارة الخارجية
الى: الوزير
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: "السودان: تطهير الثورة":
(مقتطفات من  تقرير طويل):
"ليس الخلاف جديدا بين نميري، القائد المعزول، في جانب، والثلاثي هاشم العطا وفاروق حمد الله وبابكر النور، القادة الجدد، في الجانب الآخر. 
حسب معلوماتنا، قبل عشر سنوات تقريبا، في بداية الستينات، كان الاربعة اعضاء في الحزب الشيوعي السوداني.  لكننا لا نعرف مدى التزام كل واحد منهم بالعقيدة الشيوعية.
وسط الاربعة، كان حمد الله اكثر من تعاونا معه، وعرفنا انه "كونسيوميت اوبورتيونيست" (انتهازي خبير)، وان له علاقات مع محافظين وتقليديين ...
الأن، دخل الثلاثة في مجلس قيادة الثورة الجديد.  وايضا، دخل محمد محجوب عثمان، عضو  الحزب الشيوعي، وشقيق عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب.
اعاد النظام الجديد المنظمات التي يسيطر عليه الشيوعيون، مثل منظمات النساء، والشباب، والطلاب، والعمال، والاطباء.  واطلق سراح عدد كبير من الشيوعيين الذين كان اعتقلهم نميري ... 
لكن:
اولا: لم يرفع الحظر على الحزب الشيوعي.
ثانيا: لم يشر الى دور الحزب  في النظام.
ثالثا: ركز على ان النظام "وطني اشتراكي".
سيسيطر على النظام الجديد الثلاثي: العطا، حمد الله، النور. 
لكن، نتوقع ان تبدا مشاكل، ليس فقط بينهم، ولكن، ايضا، بينهم والقوات المسلحة لسببين:
اولا: لأن الوقت مبكر للتأكد بأن النظام الجديد يتمتع بتأييد قوي، ومستمر، داخل القوات المسلحة. 
ثانيا: لأن القوات المسلحة، عادة، لا تتحمس للشيوعيين كثيرا.
لهذا، ربما لن يمر وقت طويل قبل انقلاب عسكري مضاد، يعتمد على تأييد من مصر وليبيا.  وليس سرا ان الحكومة في كل من هاتين الدولتين لا تتحمس للشيوعيين ...
بالنسبة للروس، لن يخسروا بقدرما سيكسبوا.  خلال فترة نميري، دخلوا السودان، ووسعوا نشاطاتهم، وزادوا مساعداتهم.  ربما كانوا يريدون قاعدة عسكرية على البحر الاحمر، تكون نقطة مرور في طريق اسطولهم نحو المحيط الهندي.  وربما وجدوا ان نميري لن يوافق على ذلك. 
لهذا، لابد انهم صاروا يتفائلون الآن، بعد وصول من هم اكثر يسارية من نميري.
لكن، لن يريد الروس الاعتماد على السودان اعتمادا كاملا،  الا اذا اعلن النظام انه شيوعي، وتأكد انه يسيطر على البلاد.  ونعتقد ان الروس لا يتوقعون الاثنين: الاعلان، والسيطرة.  لهذا، يصير مثل هذا النقاش نظريا ..."
اليوم الثالث:
التاريخ: 21-7-1971
من: السفير، الخرطوم
الى: الوزير
الموضوع: انقلاب السودان
"في اليوم الثالث للنظام الجديد، ساد هدوء شوارع الخرطوم بعد نزول دبابات موالية للنظام.  ويستمر مطار الخرطوم مغلقا، ونتوقع ان يفتح غدا لاستقبال طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي تحمل بابكر النور وفاروق حمد الله ...
امس، اتفق معنا دبلوماسيون في السفارة البريطانية على الآتي:
اولا: يسيطر النظام الجديد على الوضع، حتى الآن.
ثانيا: هذا اكبر عدد من الشيوعيين يصل الى الحكم.
ثانيا: سيكون النفوذ الروسي اقوى في السودان عنه في مصر.
حسب معلوماتنا، غدا، بعد وصول النور وحمد الله، ستعلن اسماء الوزراء الجدد.  وكان النظام الجديد وضع وزراء نميري تحت حراسة منزلية، ما عدا معاوية ابراهيم، وزير العمل، الذي سجن.  وغدا، نتوقع مظاهرة ضخمة لاتحاد نقابات العمال تؤيد النظام الجديد.  وتوجد اشاعات ان انصار نميري سيسيرون مظاهرة مضادة.
بالنسبة لنا، لم يصدر النظام الجديد شيئا سلبيا.  ولم تتوجه مظاهرات معادية نحو المركز الثقافي (المكتبة الامريكية) ... "
معلومات شخصية:
التاريخ: 21-7-1971
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: سير شخصية
"اولا: محمد احمد الريح: ولد في المتمة سنة 1939.  درس في ثانوية الاحفاد في امدرمان.  عمل في الاشارات.  متزوج وله ثلاثة اطفال.
ثانيا: محمد محجوب عثمان: ولد في امدرمان سنة 1936.  درس في ثانوية امدرمان، ثم دخل الكلية العسكرية.  في سنة 1959، كان عضوا في منظمة الضباط الاحرار بقيادة على حامد، الذي قاد انقلابا فاشلا ، ثم اعدمه الرئيس الفريق ابراهيم عبود، مع خمسة آخرين، وارسل عثمان الى السجن المؤبد.  بعد ثورة اكتوبر سنة 1964.   اطلق سراحه.  وسافر الى تشيكوسلوفاكيا لدراسة الاقتصاد السياسي.  ثم اعيد الى القوات المسلحة سنة 1969، سنة انقلاب نميري.  لكن، عزله نميري بعد بداية خلافاته مع الشيوعيين، في نوفمبر 1970.  متزوج وله طفل واحد.
ثالثا: محمد احمد الزين: ولد سنة 1939.  درس الثانوية في خور طقت في مديرية كردفان، ثم التحق بالكلية العسكرية وتخرج سنة 1962.  وعمل في القيادتين الغربية والجنوبية.  زار  الولايات المتحدة سنة 1966، وتشيكوسلوفاكيا سنة 1970 في بعثة تدريبية.  واشترك في تمرد الضباط العسكريين في جوبا.  وكان انضم الى تنظيم الضباط الاحرار بعد ان تخرج من الكلية العسكرية.  متزوج وله طفل واحد.
رابعا: معاوية عبد الحي.  ولد في مدني سنة 1942.  وهناك درس المتوسطة والثانوية.  ثم تخرج من الكلية العسكرية سنة 1965.  درس العسكرية في مصر.  واشترك في تمرد الضباط في جوبا.  وكان انضم الى تنظيم الضباط الاحرار بعد ان تخرج من الكلية العسكرية ..."
تصريحات النور:
التاريخ: 22-7-1971
من: السفير، لندن
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: مقابلة صحافية مع رئيس انقلاب السودان
"نشرت جريدة "مورننغ ستار" اليسارية مقابلة مع بابكر النور، رئيس الانقلاب العسكري في السودان.  مرفقة للاطلاع على وجهات نظره ...
(مقتطفات):
"كنا، هاشم العطا وفاروق حمد الله وانا، مع نميري، اعضاء في تنظيم الضباط الاحرار.  كنا كلنا اشتراكيين، ومعادين للامبريالية.  لكن، مباشرة بعد ثورة 25 مايو، بدا نميري يفكر في حل التنظيم.  وصار يريد التحول عن مبادئ الثورة.  لهذا، بدأنا نخطط لحركة مضادة له.   وزاد تصميمنا بعد ان عزلنا نميري في نوفمبر الماضي (سنة 1970) ...
الأن، تجوب مدن السودان مظاهرات التاييد لنا.  ليس هذا انقلاب رجل واحد.  وانا كنت هنا في لندن منذ اسبوع.  هذه حركة جماهيرية ديمقراطية شاملة.  وعاد ظهور المنظمات الديمقراطية التي كان اعلن نميري حلها: اتحاد نقابات العمال، اتحاد المزارعين، وغيرهما ...
بعد عودتي الى السودان، وخلال الايام القليلة القادمة، سنؤسس الجبهة الوطنية الديمقراطية، وستتكون من ممثلين من الحركات الديمقراطية ...
عكس نميري، الذي اختار نفسه ثم اختار الوزراء الذين يعملون معه، ستختار الجبهة الديمقراطية الوزراء، وستراقبهم ...
ستقود الجبهة الديمقراطية الحملة ضد الرجعية والرجعيين ... "
-------------------------------------    
الحلقة القادمة: فشل انقلاب العطا، وعودة نميري
-----------------------------------
CLICK HERE TO VISIT MY WEBSITE!