أقرب إلى القلب :

 

 

(1)

           لماذا يرتبط أدب الرسائل عندنا في العالم العربي بالفضائحية ، أوينظر اليه  وكأنه نوعٌ من أدب الاعترافات الشخصية . .؟   

         من الطبيعي أن يجري التركيز في هذا النوع من الأدب على الموضوعات التي تضمنها ، وما فيها من محفزات للتفكير ، لا أن تنصرف أذهان الناس- كما درجنا في الشرق- إلى  الجوانب الشخصية : عمن كتب ،ولمن كتب ، وفي أيّ ظرف كتب ، خاصة إذا جرى تبادل الرسائل بين رجل مبدع وامرأة مبدعــة  . وليس بمدعاة للعجب إن وجدنا رجلا يرتاح في الحوار مع امرأة مبدعة ، أو تنفتح  بواطنه  وتنقشع سحب الضباب ويسترسل في "فضفضة" دواخله وهو يحادث أنثى . تلك فطرة الذكر وفطرة الأنثى ، يزيدها بهار الابداع الذي هو موضوع رسائلهما ، رونقاً ومذاقا  . وما أعمق الحوار وأذكاه غن صدر عن محبة وتوادد ثم مصارحة . على أن الشرق  شرق والغرب غرب ولن يلتقيا  على سبيل أدب الرسائل ، ذلك برغم ما أحدثت ثورات الاتصالات والتواصل والمعلوماتية من تجديد ، يكاد أن يفضي بنا إلى عالم تنعدم فيه  تباينات الرؤية المكانية والزمانية . وبرغم ذلك  فلن تكون رسائل كنفاني لغادة ، ولا رسائل المعداوي لفدوى ، ولا رسائل المجذوب لديزي ، مثل رسائل واعترافات جان جاك روسو .. ! لن نحتاج لأن نشبك الأيدي على الصدر خوفاً ، بل علينا أن نقبل على هذا الابداع وننهل من أقلام كبارنا وهي تنساب على فطرتها  بلا قيود ..

 

 

 

(2)

         قرأت قبل سنوات كتاباً جمع الرسائل الحميمة التي جرتت بين الكاتبة والأديبة غادة السمان  والأديب  الفلسطيني المناضل غسان كنفاني ، الذي رحل مقتولا قبل سنوات بعيدة على سبيل النضال الطويل  . أثار نشر هذه الرسائل نقاشا ما زال محتدما حتى اليوم . كان الأديب الراحل وهو المتزوج بامرأة وبقضية ،  قد أسر في رسائله  للكاتبة المبدعة  بحقيقة مشاعره المحبة لها . وظني أن الرجل ، وهو في ذمة الله ، لم يكن يتصور أن يأتي يوم ترى فيه رسائله النور ويطلع عليها قراء لا يعرفهم وإن كان بعضهم يعرفه .  المريب في نشر الرسائل أنها تضمنت رسائل الرجل وأغفلت رسائل المرأة . لربما يصعب تصديق أن المرأة وقد بعثت برسائلها للرجل العاشق كونها لم تحتفظ بنسخ مما كتبت . بل كان المنطق يقول كان عليها  أن تذيل كل رسالة وصلتها من الرجل ، بتعليق  تختصر فيه ما قد تتذكر من رسائلها رداً  على رسائله . لم تفعل ، ربما عن قصد وربما عن تصرف بريء.  ولكن ذلك مما أثار حفيظة الكثيرين ، خاصة من أهل الكاتب الراحل غسان كنفاني ومعجبي أدبه الكثيرين  . ولا يقلل ذلك من القيمة الأدبية العالية لما خطه قلم كنفاني من صادق المشاعر  وحميمها .   

          من حسن حظ أديبنا الكبير الراحل عباس محمود العقاد ، أن  الكاتبة اللبنانية مي زيادة – وقد كثر عشاقها – لم تجنح لفعل الشيء الذي فعلته غادة السمان مع كنفاني ، وإلا كنا سمعنا عجبا . لقد انتهى الأمر بالكاتبة "مي زيادة" التي عشقها أدباء ذلك الزمان من جبران خليل جبران إلى عباس العقاد ، إلى مصير محزن في احدى المصحات العقلية.  في المقابل كتب العقاد القصة من جانبه هو ، وسماها "سارة ". . وبرغم ما يشهد به كثير من النقاد أن الرواية لم تكن بمقاييس الفن الروائي ، أو هي من أعمال العقاد الكبيرة واللافتة ، غير أنها عكست  شيئا مما كان يعتمل في نفس العقاد ولم يكن  يراه البعض : رقته وهو "الجبار" ، صراحته وهو الكبير، أنفةً  وكبرياء ، صادق في عشقه وهو "العملاق" الراسخ كشجرة بلوط .

 

 

 

(3)

          بين المبدع والمبدع - أو المبدعة لأغراض الحديث -  آصرة لا نجد لها تفسيراً حاضــرا . لا أتصور أن وقوع كنفاني على غادة ، يماثل وقوع ذكر يلاحق أنثـى ، ســـــــــــفاداً محــضا . كلا ! هذا مبدع يقع على مبدعة ، ولا أكاد أرى شبقا أو جنسا في الذي عكفا عليه ،أو في أيٍّ من الرسائل التي تبادلاها . لا أتصور أن كنفاني  قد مارس نوعا من الخيانة الزوجية ، وهو يراسل غادة . على ما يعتري مثل هذه العلاقة من  توتر قد تكون تجلياته الحسية أوضح من  تجلياته  الروحية ، فإني أرى لحمة هذه العلاقة وسداها إبداعا في ابداع . هي مغامرة من مغامرات الروح ، يخوضها الطرفان لالتماس الموحيات على طريق الابداع . نتاج هذه "المواقعة" الروحانية ، قصيدة أو رواية ، وليس ابن زنا !

(4)

        من هي ديزي الأمير التي تعرف إليها شاعرنا الكبير الراحل محمد المهدي المجذوب  في سنوات الستينيات من القرن العشرين ؟ المجذوب هو ذلك الشاعر الشامخ الذي يقول عنه صديقه الكبير علي ابو سن في كتابه عنه ((..ان محمد المهدي مجذوب هو واحد من أقدر اربعة شعراء في تاريخ الشعر الغربي اللصيق بالحياة- أعني الشعر غير المسرف في التهويمات التي يستعصي الامساك بها!- هم ابو الطيب المتنبي وأحمد شوقي ونزار قباني والمجذوب ، واذا كان الادباء والشعراء السودانيون أقل حظا من غيرهم في الحصول على اعتراف المتأدبين العرب بقدراتهم ومكانتهم – الا ما فرضه الطيب صالح عنوة وقسرا على الدوائر الأدبية المعاصرة – فإن المجذوب كان الضحية الكبرى لهذا  الاهمال العربي الذي ما يزال شديد الوطأة على الأدب السوداني .))  المجذوب والذكريات ، ج 1 ، القاهرة -1997.

        أما عن القاصة العراقية ديزي الأمير فقد نظرتُ في موقع القصة السورية الالكتروني ، ووجدت نبذة مختصرة عنها. هي من مواليد عام 1935 ، أي أنها حين التقت شاعرنا المجذوب عام 1964 ، كانت في شرخ شبابها . تنحدر ديزي من أصول عراقية ولبنانية . أمها من ضهور الشوير بلبنان ، وقد كانت معلمة امتهنت التدريس ثم نشرت أولى مجموعاتها القصصية عام 1964 . وحين التقت المجذوب في بيروت ، كانت هي نجمة المنتديات الأدبية  فيها ، ونجمة مشعة يتحلق حولها أدباء ومبدعون . ولسبب ما لم تكن ديزي سعيدة في حياتها العملية . جمعتها مع الشاعر اللبناني د.خليل حاوي علاقة كادت أن تفضي إلى زواج ، غير أن ظروف الحرب الأهلية في لبنان طغت بميسم ثقيل على هذه العلاقة . دخل  الشاعر حاوي في أزمته الشخصية الطاحنة ، وهو كما نعلم شاعر وضع بصمته المميزة على حركة الشعر الحديث ، وأستاذ جامعي لامع يدرس الأدب في الجامعة الأمريكية في بيروت . عشية الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، انكفأ على نفسه وأفرغ رصاص بندقيته في رأسه  منتحرا  . كتب حاوي في إحدى قصائده :

(( عمّق الحفرةَ يا حفّار

عمّقها لقاعٍ لا قرارْ

يرتمي خلفَ مدارِ الشّمسِ

ليلاً من رَمادٍ  وبقايا نجمةٍ  مدفونةً خلفَ المدارْ

لا صديً يرشح مِن دوّامةِ الحُمّى

وَمِن دوْلابِ  نار ْ.. ))

        هذا الذي لم يحتمل عشق أنثى ، كيف يحتمل عشق بيروت ، وقد داست جسدها البضّ أحذية الاسرائيلي الثقيلة ، المثقلة بكل ثقافات القتل والترهيب والنهب والاغتصاب ..؟ انتهت قصتها مع خليل حاوي بانتحاره وبقي الجرح يؤرقها سنينا. اضطربت حياة ديزي بعد ذلك وتزوجت رجلا  لم تسعد معه .. وعانت كثيراً إلى أن رحلت ، ولم نعرف لمه ذهبت رسائل المجذوب اليها ، إلى خزانة الراحل رجاء النقاش ، أو ربما هي التي سلمتها له ، ثم رحل هو الأخر  في أغسطس من عام 2008،   وضاع كل شيء . .

 

(5)

        وافاني صديقي يوسف إدريس الموظف الكبير بالجامعة العربية بصورة مقال نشرته ديزي الأمير في مجلة "الناقد" عدد78 كانون الأول /ديسمبر1994 وهي المجلة التي توقفت منذ سنوات وكان يصدرها في لندن الأستاذ رياض الريس . حكت ديزي الأمير عن مجيء  المجذوب عابرا إلى بيروت في أواسط سنوات الستينات ، وقد جمعته الصدفة المحضة هناك  مع نخبة من أدباء بيروت في صالون الملحق الثقافي بسفارة السودان  في ذلك الزمان ، الأستاذ ضرار صالح ضرار . وسنوات الستينيات تلك ، كانت سنوات عزّ بيروت وألقها الصخّاب . كتبت الأستاذة ديزي الأمير في مقالها آنف الذكر  ما يلي عن لقائها بالمجذوب :

  (( لم أكن أعرف  الاستاذ  محمد المهدي المجذوب ، ولم أكن أدري أنه الأمين العام  لاتحاد الأدباء في السودان . في تلك الجلسة  عرفت هذا عنه وكان في غاية اللطف مع كل الحاضرين  ومتحدثا لبقا واسع الثقافة .

         مكث المجذوب ، سأذكر إسمه نسبة لعائلته  لأن اسمه الطويل يتطلب تكرارا للألفاظ نفسها ، مع أن  كلمة المجذوب  بمعناها الخاص ، لا تمثل عقلية وذوق ورهافة الشاعر . فليعذرني  الشاعر الكبير  رحمه الله إذ  أذكر اسمه على هذه الشاكلة  وأنا أحمل له  في نفسي كل التقدير والاحترام . مكث المجذوب  في بيروت فترة ورأيت أن أرد  الدعوة للملحق الثقافي الأستاذ ضرار والسيدة قرينته ، فدعوت من جملة من دعوت من الأدباء الشاعر المجذوب . ثم انتهت الدعوة وانتهى اللقاء وسافر الشاعر إلى بلاده . .))

       وجاء مقال الأستاذة ديزي  تحت عنوان :

"السيرة الضائعة :رجاء النقاش يخفي رسائل الشاعر محمد المهدي المجذوب إلى ديزي الأمير"

         وبدأت مقالها في مجلة "الناقد" بسؤال:

         (( ماذا حلّ برسائل الشاعر محمد المهدي  المجذوب ؟    سؤال يبدو غريبا أن أطرحه على القراء ؟ فكيف لهم أن يعرفوا مصير تلك الرسائل ؟؟ تعرفت بالشاعر المجذوب  حينما كان عائدا من بغداد عام 1964 بعد اشتراكه في مؤتمر الأدباء العرب..))

        يبدو السؤال غريبا بالفعل  حول رسائل يفترض أن يكون السائل صاحبها ، لا الباحث عنها ! برغم اقرارها بالسانحة العابرة التي جمعتها بالشاعر المجذوب ، وهو زائر عابر  في طريقه إلى الخرطوم بعد أن شارك في مؤتمر الأدباء العرب في بغداد . فالسؤال عن رسائل  تبادلتها مع المجذوب بعد صمت سنوات طويلة نسبياً لأمر يثير الريبة ، حول نواياها وحول خلفية الملابسات التي أسرت بالرسائل إلى خزانة النقاش  . يحق لنا أن نسأل عما دفعها لتسليم الرسائل التي كتبها لها الراحل المجذوب في الستينيات  لرجاء النقاش ، وكأن لرجاء النقاش اختصاص فريد بجمع رسائل الأدباء أو اصطياد رسائلهم الحميمة ليعمل على نشرها  في الوقت الذي يريد  . .  لفت انتباهي لاحقاً  ما كتبه الأستاذ السوداني نزار باشري في موقع سودانيزأونلاين  بتاريخ 12/4/2005 ، معلقاً على احتفاظ الأستاذ الراحل رجاء النقاش برسائل المجذوب لديزي الأمير ، لسنوات طالت  دون أن يعالجها على أي نحو ، أو يعمل على نشرها ، فيما نلاحظ أنه اختار أن ينشر بعد ذلك ، رسائل الأديب المصري انور المعداوي للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان ، وهي رسائل لا تقل إثارة في ظني  عن رسائل المجذوب المخفية. وأبدى الأستاذ نزار ابراهيم  امتعاضا لأسلوب رجاء النقاش في عرض رسائل المعداوي لفدوى طوقان والرسائل الشبيهة ، باعتبارها نوعا من أدب الاعتراف .

 

(6)

         لقد نظرت معجباً  في الرسائل العديدة التي خطها يراع المجذوب بلغة انجليزية سلسة في كتاب أبي سن بعنوان  "المجذوب والذكريات " الذي صدر في القاهرة عام 1998 ،وهي رسائل معنونة لآنسة بريطانية تعرف عليها الشاعر بالتراسل وعبر صديقه الراحل أبي سن ، وقت أن كان الأخير ملحقا بسفارة السودان في لندن في سنوات الستينيات الأولى من القرن الماضي . تكاد تتزامن هذه الرسائل مع رسائل الشاعر المجذوب للأديبة العراقية ديزي الأمير . وإني لأحسّ أن لهذه الرسائل قيمتها الأدبية السامية ، سواءاً تلك التي كتبها الشاعر للعراقية أو للبريطانية ، أو لثالثة أخرى لا نعرفها ، ربما تكون "كلثوم" الشاعرة اللبنانية التي أشار إليها في إحدى رسائله لأبي سن ، ووردت في كتاب المجذوب والذكريات كذلك . ولعلي على يقين أنه ، لم يُعرف عن شاعرنا الراحل رحمه الله أنه كان "زير نساء" ، أو هو ممن شغلت ملاحقة النساء جلّ وقته ولونت علاقاته . لا .. بل هو شاعر مرهف ، تأخذه روحه الشفيفة إلى أبعد مما نتصور أو نرى في دنيا الحسّ والمادة . ووصلاً لما أشرت في بداية مقالي هذا ، فالظن أن  للمبدع روحاً تواقة ترحل به إلى دنياوات تحفل  بنساء جميلات رائعات موحيات بكل جميل .  وأن الضيق "بالاناخة والمقام" ثم نشدان العواصف والهجير، لهو من محفزات الابداع ومن الموحيات به، ويدعم قولنا ما جاء من المتنبي ، فاسمعه يقول :

فما حاولت في أرضٍ  مقاما         

 ولا أزمَعتُ فـي أرضٍ زوالا

على  قلقٍ كأنّ الـرّيـح  تحتي      

   أوجهّــهـــَا  جنوْباً  أوْ  شَمَالا

وليس القلق هو البعير الذي يستقله الشاعر على زعم الشرّاح ، بل هو قلق الشاعر واضطرابه وتمرده على حال الدعة والمقام المستقر . كما هو الذي يقول في قصيدته بمصر عن الحمى :

ذرانـي والفـلاةُ  بلا  دليــلٍ

ووَجْهي في الهَجيْرِ بلا  لِثام ِ

فإني أستريــح بذِي وهـَــذا

واتعَـبُ  بالإناخـةِ  والمُقــام ِ

          فما أدعانا ، إذاً  لأن نجدّ حثيثاً لنجمع هذا الإرث البديع لشاعرنا الراحل المجذوب ، فليس في الأمر نبش في سيرته الشخصية ، أو تقصي لاعترافات فضائحية ، بل هو حرص على جميل ابداعه ، والنضير من كتاباته التي تنزلت من فطرة قلمه ، منسابة بلا تكلف ولا احتراز ولا تقية ..!

 

 

 

     الخرطوم -11سبتمبر2009