د. النور حمد

سأحاول، في هذه الحلقة الخاتمة، تقديم تلخيصٍ موجزٍ لهذه الأطروحة التي أسميتها "في تشريح العقل الرعوي". وبطبيعة الحال، لم تستقص هذه الحلقات موضوعها كما يجب، وما كان ينبغي لها. فقد أحاطت بها قيود الكتابة الصحفية الأسبوعية الراتبة. ومع ذلك فقد رسمت، بصورة مطولة

كنت قد بدأت في الحلقة الماضية تقديم بعض الأمثلة من حياتنا، التي تعكس سيطرة بنية العقل الرعوي على مسلكنا. وسأمضي في هذه الحلقة لتقديم المزيد منها. والغرض من الأمثلة هو تسليط الضوء على بعض العلل المُقْعِدة، على مستوى المسلك الشخصي، 

تحدثت في الحلقة الماضية عن ظاهرة الإنكار المستشرية وسطنا، نحن السودانيين. وأبدأ بمثال يعكس بقية واقع الحال، رغم ما يتسم به من شطط، وهو انكار الإسلاميين، ومكابرتهم في الاعتراف بفشل تجربتهم التي بلغ عمرها الآن سبعة وعشرين عامًا،

لا تحتاج ظاهرة غلبة الثقافة الرعوية على بنيتي الوعي في السودان والصومال، في تقديري، إلى جهدٍ في إقامة الشواهد. فحال البلدين الآن، يحكي عن تجسيدهما لهذه الظاهرة، بأفضل مما يمكن أن يحكيه أي باحثٌ أو محللٌ، أو حتى مجرد واصف.

انطلق هذا الطرح من ملاحظة مركزية، لم أبدأ بها هذا الطرح، رغم أنها وقفت وراءه، وكانت مبتدأه. وآثرت أن أسبق عرضها بمراجعات لتاريخنا، ومحاولة تلمس جذور البدوية والرعوية في وعينا، التي لا تنفك تمسك بنا وتقعدنا عن اكتساب الحداثة، وتعيق قدرتنا على النهوض

سوف أعالج في هذه الحلقة بعض الجوانب التي سبق أن أشرت إليها في الحلقة السابقة. تتعلق هذه الجوانب بملاحظة مركزية، سبق أن أشرت إليها في الحلقة السابقة، وهي أن الأعراب الذين وفدوا إلى السودان لم يأتوا من مراكز الحضارة الإسلامية وحواضرها، وإنما أتوا من البرية. 

يسير وليامز آدمز على خطى ابن خلدون في تسبُّب الأعراب الوافدين في انهيار الممالك النوبية، خاصة ما كتبه بتفصيل عن سقوط المقرة المملكة النوبية، في الشمال السوداني في منطقة دنقلا. ذكر آدمز، أن وفدًا أتى إلى السلطان المملوكي، في عام 1365 من ملك نوبي