إضراب العاملين بالسلطة القضائية، مفهومي العدالة والحقوق .. بقلم: محمد بدوي


لابد من الإشارة إلى ان فقرات المقال من (1-7) كتبت فى التاسع من أبريل 2019 لكن لم تجد طريقها للنشر، عقب متابعتي لما حملته وسائل الإعلام منذ الأمس عن إضراب العاملين بالسلطة القضائية، وجدت المقال لا زال صالحا للنشر بعد أن اضفت الفقرة(8) الأخيرة .
(1)
التاريخ السياسي لما بعد إستقلال السودان حمل تجارب ثرة، رسخت لمبدأ استقلال القضاء،على ذات نسق تراجع التجربة الديمقراطية لعدة أسباب منها الانقلابات العسكرية ، تأثرت السلطة القضائية سلباً بالتدخل السياسي الأمر الذي قطع الطريق على تطور تجربة القضاء السوداني التي كان يمكن أن يجعل منها نموذجا يحتذى به على المستوى الإفريقي على الأقل ، الأحكام القضائية التي أصدرتها المحاكم المختلفة التي وثقت لها المجلات القضائية حوت علماً وفقهاً قانونيين رفيعين و علوم أخرى كالمنطق و الفلك و لغة رصينة شكلت أدبا قانونيا، مثلت محفز و دافع لتطور التجربة السودانية التي قطع عليها التمكين السياسي ما كان يمكن أن يشكل ضمانة لإستقرار سياسي
(2)
سجل إستهداف السلطة القضائية واستقلالها من الحكومات العسكرية المختلفة هدف إلى إخضاعها للسيطرة التنفيذية، بالنظر إلى فترة الرئيس الأسبق الفريق ابراهيم عبود ( 1954 إلى 1964) يمكن تعقب الفصل التعسفي للقضاة، أعقبتها فترة الرئيس الأسبق جعفر نميري والتي وثقت للتدخل المباشر فى شئون القضائية وعلى وجه التحديد الفترة التى اعلن فيها عن اعلان قوانيين الشريعة الإسلامية،حيث تحولت ساحات العدالة الى مسرح لتصفية الخصوم السياسيين مثل محاكمة الاستاذ محمود محمد طه زعيم الجمهوريين بتوظيف للقضاة الشرعيين، تمت محاكمته المرة الأولى في 1968 ببورتسودان،حيث قطع انقلاب مايو1989تطبيق الدستور الإسلامي الذي كان مطروحاً فى1968 ،اما فترة الاسلاميين السودانيين 1989 -2019 شهدت فى فترتها الأولى فصل 150 من القضاة غير الموالين للنظام الأمر الذي فتح المجال للموالين للصعود الى مقاعد المحكمة العليا وللقضاة الشرعيين للترقي رغم انحصار خبرتهم في القضاء الشرعي دون سواه ..
(3)
بادر الإسلاميين في 1991،1994 الى تعديلات لبعض القوانين مثل الجنائي و قانون الإثبات والأحوال الشخصية فجعلت المحاكم تطبق نصوص على تعارض مع المعايير الدولية،،الاثر الثاني هو التعيين للموالين سياسياً، الذي تراخت قبضته نتيجة انقسام 1999 مما أتاح فرصة للعلاقات الاجتماعية للدخول فى سياق معايير التعيين ،لابد من الإشارة إلى عضم الظهر وهي الفلسفة التي اعتمدتها السلطة في العداء لمواثيق حقوق الإنسان الاقليمية والدولية والتي تم الدفع بها الى السلطة القضائية لتبنيها في الممارسة ،ثم بروز التأثير السياسي فى الممارسة ولا سيما في القضايا المرتبطة بالمعارضة السياسية كطرف، و الأثر السالب لإتفاق السلام الشامل 2005 و انعكاسه على المحكمة الدستورية فى فكرة المحاصصة.
(4)
سياسة التمكين جعلت منصب رئيس القضاء على الدوام من نصيب حزب السلطة او المتحالفين معها ، فاحدثت التطابق بين ادارة السلطة وبين سياسة الحزب، تتعدد الأمثلة لكن ما أكثرها صدى ما حدث في مايو 2008 فيما عرف بتشكيل محاكم الإرهاب و اللائحة التي وضعت بواسطة رئيس القضاء بالتشاور مع وزير العدل،وهنا امتد الحال ليكشف عن تراجع المحكمة الدستورية التي أيدت ما صدر بالمخالفة للدستور انذاك ، الثاني حادث اقالة رئيس القضاء للمعاش العام 2014 ،إلى جانب استقالة رئيس المحكمة الدستورية بعد انتشار عن علاقتة بالتحكيم في قضية شركة الاقطان وما شابه ، في يناير 2018 ما أثار دهشة القانونيين إلى جانب الشارع كشف السلطة القضائية عن متحدث بإسمها، القضائية تصدر أحكاماً وتحتفظ باستقلاليتها بعيداً عن البيانات التى تحتمل الرد الإعلامي في سياق ممارسة حرية التعبير.
(5)

حال الممارسة القضائية في المجالات غير المرتبطة بالقضايا ذات التأثير السياسي والحريات أو المعارضة السياسية او ناشطي حقوق الإنسان يشير سجلها إلى ممارسة ظل الراجح فيها النزاهة ،وهذا لتأكيد بأن هنالك مهنيون محترفون لكن ظلت جهودهم تطبيق القانون على علاته لأن التحايل على دستور 2005 جعل غالب القوانيين ترزح تحت مرجعية دستور التوالي 1998الذي قصد به حماية بعض القوانيين التى صدرت منذ 1991 ولاحقا و التى شكلت امتدادا لنصوص وروح قوانين سبتمبر 1983 التي اتسعت في نطاق العقوبات السالبة للحرية و الجسدية .
(6)
قبل الخوض في مسألة محاكم الطوارئ التي شهدها العام 2019 لابد من الإشارة الى ان قوانين النظام العام التي شكلت أحد الروافع السياسية تحت مسمى القانون هدفت إلى إحداث حالة القهر في الشارع العام ، اعتمدت على المحاكمات الإيجازية لأفعال ظل بعضها غير محددة الماهية والنطاق،هو ما شجع إلى استسهال تطبيق تلك العقوبات والتوسع في العقوبات الجسدية ، ولعل ذلك ما يفسر لما ألحقت عقوبة الجلد بأوامر الطوارئ بأن هناك استعداد نفسي وعملي رسحته الممارسة لتنفيذ عقوبة الجلد لتأتي المفارقة بأن الهدر الإنساني لقانون النظام العام يبرز ليس في الموقع عليهم العقوبات فقط بل القضاة الذين جلسوا لأعوام في مقاعد الدراسة لينتهي بهم الأمر الى تنفيذ ايجازي للعقوبات الجسدية
(7)
تجربة محاكم الطوارئ في يناير 2019 اعادت الذاكرة الى رصيفاتها فى العام 1989 رغم ان الفارق 30 عاماً ، في 1989 الذي طبق على غير الموالين بالمقابل فإن جميع الذين خضعوا للمحاكمة فى 2019 ربط بينهم هو ترديد شعار تسقط بس ، ففي ظل أزمة اقتصادية شكلت شرارة الثورة والمطالبة بالتغيير من اجل حياة افضل للسودانيين برزت غرامات فاقت 2000جنيها سودانيا ، ليست لدي إجابة عن راتب ذات القاضي الشهري لكن سأمضي الى معادلة وضع قيمة الغرامة فى مقارنة ما المقابل الشهري ، لندفع بسؤال آخر مرتبط بتطبيق القانون باحترافية، و التطبيق بدوافع سياسية ؟
(8)
هاهى وسائل الإعلام تكشف عن قرار حمل الرقم 5/2022 من رئيس المحاكم بالسلطة القضائية،جاء فحواه بإنهاء إضراب العاملين الذى بدأ يوم الأحد، ومشيرا إلى المحاسبة الفورية لمخالفي قرار مزاولة العمل، على خلفية التوصل إلى إتفاق مع ممثلى المضربين فى اليوم السابق،بالنظر الى مطالب الإضراب فقد تمثلت فى تطبيق الهيكل الراتبي الجديد وصرف مستحقات مالية مستحقة ، لعل تقصى دوافع المطالب لا تنفصل عن علاقة الرواتب و التراجع الإقتصادي الذي حدث عقب إنقلاب 25 اكتوبر2021،و هنا اود الإشارة مرة أخرى الى تطبيق قانون النظام العام السابق و العقوبات الملحقة وعلى وجه الخصوص الغرامات التى كانت تستهدف شرائح لم تقدم الدولة لها خدمات او نظام أعانات او اي مساعدات فى واقع ظلت خيارات العمل فيه تجبر على انشطة تمكن من نفقات الحياة اليومية،ورغم ذلك اثقلت كواهلها بالغرامات وظهورها بالسياط، فالنركز النظر حول مطالب الإضراب المالية فكان الحال يعيد التذكير بالعلاقة بين العدالة الإجتماعية والعدالة في سياقهاالقانوني،و كلاهما يظل الطريق إليه مرتبطا بالإصلاح المؤسسي، لأن دون ذلك ستظل النتائج تلاحق الجميع دون استثناء.

badawi0050@gmail.com
//////////////////////////

//////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 1 شارك

تعليق واحد