الطائر .. الجريح …. بقلم: احلام إسماعيل حسن


(4)

دلفت إلى غرفتى أحمل معى كل هذه الآمال العراض …… ما زالت البسمة تعلو محياى ….. وجدت الغرفة وقد إمتلأت بالزهور والورود …. شعرت أننى وسط حديقة العشاق وأن هذه الزهور تلتف حول عنقى معانقة لى … منظر بديع وإحساس جميل …. كل زهرة …. كل وردة … لسان حالها يقول لى حمدا لله على سلامتك …. هذه الألوان تنقلنى إلى عالم العشق السماوى الذى أحلق فيه كلما ضاق بى الحال …. دخل أحد الأطباء الكنديين يحمل السماعة تتبعه ممرضتان … ظهرت الدهشة على وجه الطبيب عند رؤية هذه المجموعة من الزهور والورود ….. ماذا يا تـُرى قد حدث للطبيب ؟؟؟ إنها النفس البشرية … ربما صادفت هذه الزهور هوىً فى نفس الطبيب …. ربما كان يعيش حالة تستدعى أن يخرج من عالمه الطبى إلى عالم آخر يحلق بعيدا عن المرضى والعقاقير والموت الدماغى …. إبتسم إبتسامة عريضة وأقبل على كل زهرة يستنشق عبيرها …. جلس على الكرسى الموجود بجانب السرير وأخذ تنهيدة عميقة ثم سألنى : اين أنا الآن( أهلام )؟؟؟ هكذا نطق إسمى وهو ممسك بملفى الطبى المعلق على جانب السرير …. عرفت أن الطبيب قد دخل فى عالم رومانسى بعيدا عن مهنته فانتهزتها فرصة وأجبته أنت الآن فى قلب حديقة العشاق ….. إزداد الطبيب دهشة وخاطبنى بطريقة جادة …. ما هى حديقة العشاق وأين هى ؟؟؟؟ قلت له أن حديقة العشاق هى الثروة التى تركها لنا أبى إنها ميراث أبى الذى إنتقل للدار الآخرة ….. إستغرب الطبيب لإجابتى وأخذ أحد هذه الباقات المليئة بالزهور وصار يتفحصها ….. يقلب جوانبها … يستنشق أريجها …. ثم قرأ إسم صاحبتها التى أرسلتها لى …. إنها صديقتى الحبيبة نهى … كتبت فى رسالتها لا تتركينا يا حبيبتنا أحلام …. كلمات بسيطة معبرة …… أخذ الطبيب يأخذ باقة تلو أخرى ويقرأ العبارات المرفقة وأسماء مرسليها …. سعدية …. نجوى … أحمد محمود…. رجاء … عازة … أمانى ….نازك …. آخر باقة كانت تحمل وردة بيضاء وأخرى بلون البنفسج مزيلة بعبارة أحلام نحن بنحبك شديد … أريج …. قلت للطبيب وكذلك أنا أحب أريج وأحب كل هؤلاء الذين أتحفونى بهداياهم ودعواتهم …. بعد ذلك إستعاد الدكتور توازنه ورجع إلى واجبه المهنى ليكمل عملية الكشف … لكنى رايت فى عينيه ما يفيد أنه ما زال هنالك فى حديقة العشاق ….. هذا العشق الذى أحكى عنه هو الذى يجعل للحياة طعماً ….. هذا العشق وهذا الحب المتبادل بين الناس هو الذى يجعلك تتشبث بالحياة ….. هذا الحب خاصة الذى يجىء عند الشدائد له طعم متفرد ….. هكذا هى الحياة فرح وحزن إبتلاء تتفاوت أمامه مقدراتنا على إستيعابه ….. طريق طويل عندما نحسبه بالسنين …. نحمل بين جوانحنا أمل أن يكون الغد أجمل ….. ننظر لما مضى من أعمارنا نحسها كأنها لحظات أقصر من أن تحسب ….. بين ما مضى وبين ما هو آت يكون واقعنا الذى نعيشه فى هذه اللحظات ….خرج الطبيب وهو يتمتم ببعض كلمات لم أتبين معناها … تبعته الممرضتان … أغلقتا باب الغرفة بهدؤ …. شعرت أن باب الغرفة قد فــُتح ثانية وإذا بالطبيب يقف عند المدخل يخاطبنى : (أهلام) أرجو أن تسجلي إسمى ضمن أعضاء حديقة ال .. ال.. العشاق … نطقها بعد تعثر … ثم إبتسم وأغلق الباب خلفه … شعرت أن هذا الدواء الذى يسرى عبر وريدى مهدىء …بدأت تتراءى لى حديقة العشاق من جديد …. فجأة حط بجانبى طائر يبدو عليه رهق السفر ….. حاولت أن أتفحصه بدقة ….. كانت نظراته باهتة وأنفاسه تتلاحق عبر حنجرته قبل أنفه …. لاحظت أن هناك لونا أحمرا قاتما أسفل جناحه الأيمن …. بدأ مكان الإحمرار ينزف إلى أن بدأت بعض قطرات الدم تتساقط على السرير …… سألته : ما ذا بك ومن أين جئت وإلى أين وجهتك …. لم يجيبنى لكن نظراته كانت تقول الكثير …. رمقنى بعين يبدو عليها إنكسار القهر …. ما اصعب أن يشعر عزيز النفس بمرارة هزيمة تفرضها عليه ظروف أكبر من قدراته … إنها قصة مشوار طويل …… طريق شائك ….. تتناقض فيه الأفعال والمصادر لتكون نتائج مهزوزة ترتبك عندها إطار الصورة النهائية … تموت آمال وتحيا أخرى …… فى غفوتى تلك دار حديث طويل بينى وبين ذلك الطائر الجريح …… تتنازعنى الرغبة فى نشره …… إنه حديث الأرواح التى تتحد عندها اللغة …… عند نقطة إلتقاء الروح نستطيع أن نخاطب كافة مخلوقات الله بلغة لم نتعلمها أكاديميا لكننا حملناها فى دواخلنا لحين لحظة الإلتقاء المنتظرة …..متى تكون هذه اللحظة لا أحد يدرى متى تكون هى لكنها حتماً ستأتى يوماً ما ….

AHLAM HASSAN [ahlamhassan@live.ca]


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات