المجلس العسكري وانحياز الحركة الإسلامية السودانية .. بقلم: د. الطيب النقر


بسم الله الرحمن الرحيم
لا شك أن جملة ظروف قد ساهمت في تعميق هذه الأزمة التي يعيشها السودان الآن، والتي قادت لتعثر التحول الديمقراطي الذي يشرئب إليه الوجدان الشعبي في أرض النيلين، ومرد هذه الظروف والاختلالات هي هياكل حزبية واهية غارقة في الآثرة والفساد، وقوة عسكرية غاشمة اعتادت التمرد على سحق الديمقراطية، ومجتمع مدني ضعيف عرضة للتجاذبات والشحن، وصحافة هشة تجعل من الخلافات موضوعاً لنضالها اليومي، وأعداء باتوا هم من يرسموا الخارطة السياسية التي يلتزم بها المجلس العسكري و النخب السياسية من خلفه، فالنخب السياسية من دون استثناء تعاني أوضاعاً تتسم بالجدب السياسي، فهي فضلا عن ابتعاد آليات الديمقراطية عن نظمها التي تخلو من كل صيغة ديمقراطية، فقد فشلت في حشد خطاب يمحص أسباب هذه الأزمة، ويضع الحلول للتعافي من عقابيلها، فشعبها الذي لم تتحطم قناعاته على صخرة الواقع، لم يسعى أن يحوز عل قصب السبق في النضال بصفوفها، لأنها لا تعرف النضال إلا في النكوص والارتكاس عن مبادئها، ولا تجيد إلا التناحر الشديد بين أطيافها، ولا تتقن إلا التودد والتجانس مع من يقود دفتها، وإظهار الولاء لنهجه وشخصه مهما أمعن في الجور، وغرق في ثنايا التطرف.
وظاهرة الولاء الأعمى معروفة لدى كل من خبر الأحزاب التي تمارس أنماط الطاعة، ولا تستسيغ أن يعبر المنتمين إليها عن رفض بعض سياساتها المرسومة إذا لاح خطلها، كبعض الأحزاب الإسلامية التي تتوخى الطاعة العمياء في أديباتها، فهناك كما نعلم أحزاباً إسلامية يستغرق دمج هذا المبدأ في ذهن العضو المنتسب إليها حديثا وقتاً طويلاً، وهي لا تبغض شيئاً كما تبغض أن يناقشها هو في هذا الشأن، عليه أن يتشابك ويتفاعل مع هذا الطرح دون تفصيل، ونسيت هذه الأحزاب أو تناست أن مرونة الإسلام وقوته كانت تكمن في الخلاف وتعدد الآراء، لأجل ذلك أبصرنا محصلة التقوقع والانكفاء في مصر والسودان، فالتنظيمات المستقرة على الطاعة دون مناقشة حول مسارات الخطط والاستراتيجيات فيها، نجدها ضاربة بعرض الحائط بأهمية التعبير عن الرأي وجدواه، فهي تذعن للطاعة العمياء، وتجد أن الطاعة المفرطة أمراً لا مرد له ولا منصرف عنه، لأجل ذلك تكبدت في خاتمة المطاف خسائر فادحة لا يمكن تتداركها بين عشية وضحاها، كخسارة الإخوان في مصر، والمؤتمر الوطني في السودان، ولعل من خطايا المؤتمر الوطني خلاف أنه رضخ للمشير البشير الذي سلب إرادة الحركة الإسلامية، وطمس هويتها، أنه أيضاً لم يسعى لجمع شتات الحركة الإسلامية، ففي تلك الأيام الحالكة من تاريخ الحركة الإسلامية إذا تم عرض هذا الموضوع على الطاولة من قرومها الذين سعوا إلى تغليب الصلح على الشقاق، ثارت أمامهم لجاجة الناقمين على الشيخ الترابي رحمه الله ورهطه، وأطنبوا في سرد هذه المشكلات التي لم تحكم صنعتها، أو تثبت صحتها، إن الخلاف في وجهة نظرنا يتمحور في فئة أعرضت عن اللذة وأقبلت على الجد، وقيادات في المؤتمر الوطني تجانفت عن الحق، ومالت إلى الدنيا، هذه القيادات هي التي بسطت بغض الشيخ بسطاً، وفصلته تفصيلا، إن الشيء الذي يفهمه الناس جميعاً، كل الناس دون مشقة أو عسر، أن الخلاف الذي وقع بين قطب الحركة الإسلامية وعرابها وبين المشير البشير، قد تسبب في نفور العديد من أتباع الحركة، مما أضعف من شوكتها، والحركة التي اشتد نزيفها حينما أطنبت رموزها في التطرف والمغالاة، أطهرها بمظهر غير متجانس واضحت عبارة عن طبقات، كل طبقة من هذه الطبقات تنكر بعضها بعضا، ولم تستوعب مغبة هذا الخلاف إلاّ عندما انتزع اليسار الحكم من أنيابها.
والشيء المؤسف بعد كل هذا، أن الحركة الإسلامية لم تسعى أن تتخذ العبرة من تجربتها الطويلة في الحكم، وأن تتعود على إلقاء اللوم على نفسها، فهي عوضاً على أن تنكب على تجربتها وتسعى أن تعلل ما ورد فيها من خير أو شر، نجدها بأصولها وجوهرها قد ساهمت في السراب الديمقراطي الذي ننعم به الآن في السودان، فمجلسها العسكري يزداد قوة وتسلطاً كلما تقدمت الأيام، كما أن قبضتها على الاقتصاد ما زالت جذعة قوية، إن الواقع من الأمر على كل حال، أن المؤتمر الوطني ممثلاً في المجلس العسكري لم يحترم رغبة هذا الشعب في أن يعيش حياة جديدة يتحرر فيها من ملق الفاقة، وأوهاق المنية، وأغلال الذل، ورسف العبودية، حياة تشوبها الثقة والأمانة في حاكم ليست الغلظة والشدة في طبعه ولا سنخه، حياة لا تتحكم في تفاصيلها دولاً مجاورة أظهرت ضجرها من الخلق والعرف والدين، ورغم يقيني بأن الحركة الإسلامية لا تكلف بالبرهان كلفاً شديداً، ولا تطمئن إليه كل الاطمئنان، لأنه لم يعترف على نفسه بفضل الحركة عليه، ولأنه لم يحرر أقطاب حزبهم من سجونهم، إلاّ أنها تمنحه بعد كل هذا ما كانت تمنحه للبشير من دعم وأيد، فهي وكاتب هذه السطور يعلمان أن التجزئة تقبل مسرعة غير متمهلة، وأن السودان قد دنا من الموت، أو دنا الموت منه، وأنّ العاصم من موته من بعد الله سبحانه وتعالى، المؤسسة العسكرية التي يعتليها بكل أسف قائد هو أساساً للمأساة، ونائبه الذي فرضته الظروف وأنشأته الوقائع.
د. الطيب النقر

nagar_88@yahoo.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات