ذكريات الهروب العظيم والغربة المفتوحة .. بقلم: أحمد جبريل علي مرعي


(الحلقة 14)

gibriel47@hotmail.com

توطئة

الغربة ثقيلة على النفس إلا إذا كانت لفترة معلومة الأمد محفوفة بوعود وثمار قريب موعد قطفها. والغربة شرعا هي النفي من الأرض، ولكن في حالة معظم السودانيين كانت طوعا واختيارا. فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار.  ورغم كل شيء، فهي خطى كتبت علينا (ومن كتبت عليه خطى مشاها).

لقد اضطررنا للخروج من السودان تحت وطأة الضوائق المعيشية وسعيا لتحسين الأوضاع الحياتية التي تسبب في ترديها ساسة فاشلون وعسكر أغبياء وأساتذة جامعات حمقى ومرتزقة وضعاف نفوس شاركوا في كل الحكومات – الديمقراطية والعسكرية – يجيدون مسح جوخ العسكر وتقبيل أيدي السادة ويعتقدون بأنهم يستطيعون سياسة الناس كما يجيدون تحضير رسالاتهم العلمية.

وكانت المحصلة النهائية أن هذا الثلاثي البائس لم يحسن تدبير أمور البلاد وتصريف أمور العباد ولم يستطع خلال أكثر من نصف قرن من الزمان توفير العيش الكريم لأقل من أربعين (40) مليون نسمة في بلد تكفي موارده لأكثر من مائتي (200) مليون نسمه.

ولم نكن ندري أن الغربة ستتحول إلى ثقب أسود كبير يبتلع كل أعمارنا ويأخذنا إلى ما لا نهاية فتصبح غربتنا غربة مفتوحة على كل الاتجاهات والاحتمالات.

لقد خرجنا كغيرنا من السودانيين الذين ركبوا أمواج الغربة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي والذين ليست لديهم تجارب كبيرة في الغربة قبل ذلك، أو ربما كانوا هم الرواد من أسر لم تعرف ولم تألف الغربة قط.

ومنذ ذلك الحين توالت موجات الغربة واشتد زخمها وتكسرت على شواطئ ومرافئ كل بقاع المعمورة. وكنا كالهشيم الذي يحمله السيل الجارف لا يدري أين يلقى به!!! أو كالقصب في مهب الرياح العاتية المزمجرة التي تقصف بعضه وتترك بعضه (وما تدري نفس بأي أرض تموت).

وخلال هذه المسيرة الطويلة (التي تمطت بصلبها وأردفت أعجازا وناءت بكلكل)، ذاق السودانيون الذين يمموا دول الشرق الأوسط خاصة صنوفا من المعاناة لم يكونوا يتصورونها، وتعرضوا لاستهجان وازدراء من شعوب أقل منهم حضارة، وصبروا على آلام  وتجارب كالحنظل وتبينوا لاحقا أنهم كانوا في سابق أيامهم يعيشون في رغد من العيش الكريم ومحفوظة كرامتهم في وطنهم الكبير ،قبل أن تجتزئه الذئاب وتمزقه أشلاء.

وفي هذه المحاولة أردت أن ألقي الضوء على تجربة غربة بدأت بالهروب العظيم من السودان في أواخر حكومة مايو وامتدت لأكثر من ثلاثين (30) عاما، ولا تزال، ولا أحد يدري أين ستحط هذه الموجه رحالها !!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

استميحكم العذر مقدما إن وجدتم في هذه التجربة ما يعكر صفوكم، وهو أمر لم أقصده. وأسألكم التكرم بالنصح أو بحسب ما ترونه من أفكار وآراء نيرة إن راقت لكم التجربة، فهي تجربة وددت توثيقها ليس إلا. وأنا بانتظار السماع منكم.

المؤلف

الجالية السودانية

عند قدومنا أول مرة إلى مدينة الرياض، العاصمة السعودية،  وجدنا جالية كبيرة للسودانيين برئاسة عمنا عثمان إدريس، رحمه الله. تشكلت بدايات تلك الجالية من المجموعات النوبية الرائدة في أيام حكم الملك فيصل (1384هـ -1395هـ) الموافق (1964-1975)، عليه رحمة الله. واستمرت في أداء مهامها بكل فخر واقتدار.

انتظم معظم السودانيين في الجالية السودانية وأسسوا مقرا لها في وسط الرياض في منطقة الغرابي ولكن لاحقا بدأت المشاكل من الوافدين الجدد الذين يظنون أنهم أكثر خبرة وعلما من مؤسسي الجالية السابقين.

ونتيجة للنزاع بين الوافدين الجدد والمجموعات القديمة اضمحلت الجالية وضعف أداؤها ولم تعد لها قوة تذكر. وظل العم عثمان إدريس رئيسا لها في محله التجاري المشهور في منطقة الغرابي مواجها لمحلات زينة السيارات.

كونت السفارة السودانية في الرياض والمناطق الأخرى تنظيما للجالية السودانية خلال عهود انقلاب مايو (1969-1985) والديمقراطية الثالثة (1985-1989) وبداية انقلاب الإنقاذ (30 يونيو 1989). ولكن ما أن استقرت أمور (الإنقاذ) حتى قلبت السفارة ظهر المجن لتنظيم الجالية السودانية خاصة بعد حرب الخليج الثانية التي ساندت فيها صدام حسين وعادت المملكة العربية السعودية. فأسست سفارة الإنقاذ جالية خاصة بها وأسست مجموعة الأحزاب السودانية، بمساعدة السلطات السعودية، دارا للجالية في حي (أم الحمام).

ولاحقا  وفي بداية القرن الحادي والعشرين ظهر تنظيم  الملتقى الثقافي الاجتماعي الذي ترأسه  البروفسير عز الدين عمر موسى، الحائز على جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية، والذي يتكون من الأحزاب المعارضة وتنظيمات المجتمع المدني. ويعد هذا التنظيم مظلة لالتقاء الفعاليات الاجتماعية والرياضية والثقافية وحتى السياسية.

أحدث هذا التنظيم حراكا معتبرا في الجالية السودانية بالرياض وضم حوالي أربعة عشر (14) فريقا لكرة القدم من كل أنحاء السودان مثل فريق الصالحية، وود نوباوي، والجاسر، والأمل الخ. كما أنشئت دار الصالحية كمقر لهذه الفرق بالقرب من حي الحلة قرب مقابر العود الشهيرة (مثوى ملوك السعودية منذ المؤسس الملك عبد العزيز وحتى الملك فهد رحمهم الله) في وسط الرياض حيث تلعب هذه الفرق في ميدان الصالحية.

وفي حوالي 2010 خلف الأستاذ عثمان الحسن محمد نور البروفسير عز الدين عمر موسى على رئاسة الملتقى الثقافي الاجتماعي، في حين تفرع البروفسير عز الدين عمر موسى لهيئة دعم الوحدة السودانية عندما استعرت المنافسة بين جماهير الانفصاليين والوحدويين في شمال وجنوب السودان وأضحى السودان في مفترق  طرق.

انضوى السودانيون المحبون للتكافل والفعاليات الاجتماعية – وهي سمة حضارية – تحت جمعيات خيرية حسب القبائل، أو المدن، أو القرى، أو أماكن العمل، أو المهن، و لاحقا الأحزاب السياسية. لكن جمعيات النوبة (المحس، والسكوت، والحلفاويين، والكنوز، والدناقلة) كانت هي الجمعيات الرائدة ومضرب المثل في هذا المجال داخل وخارج السودان.

ونتيجة لذلك ظهرت جمعيات مثل جمعية الصحفيين السودانيين وجمعية المترجمين، وجمعية الزراعيين، وجمعية البياطرة، وجمعية المعلمين، وجمعية القانونيين الخ واتخذت كل منها موقعا إلكترونيا للتواصل مع أعضائها واستخدام الرسائل النصية القصيرة لإبلاغهم عن أحداثها.

وظهرت جمعيات خيرية في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين مثل جمعية الأبيض الخيرية، واتحاد أبناء المسيرية، وإتحاد أبناء الحوازمة، وأبناء حمر، ومروي، وبورتسودان، والعيلفون، والمعاليا، والبطاحين، وجمعية أبناء رفاعة، ورابطة أبناء مدينة كوستي الخ.

كما بدأت المجموعات السودانية المتجانسة تنظم رحلات في نهاية الأسبوع إلى مزارع النخيل المحيطة بالرياض، حيث لم تشيد الاستراحات آنذاك والتي انتشرت لاحقا في كل أنحاء الرياض.  فكان الشواء الحنيذ والأنس الجميل وتصيد أخبار السودان. لقد كانت معظم هذه المجموعات حديثة عهد بالغربة المبهمة أو أنها الرواد من أسر لم ترتاد الغربة مطلقا.

ست (6) صور رحلة جمعية الأبيض الخيرية في عام 1989في بستان بالدرعية

كانت ظاهرة التكافل الاجتماعي أبرز ما تكون في مطار الرياض (القاعدة الجوية الآن). ففي كل رحلة للخطوط الجوية السودانية يتجمهر السودانيون زرافات ووحدانا مودعين أو مستقبلين أو مرسلين أغراضا أو نقودا إلى السودان. كانت تلك الجمهرة تعيق – في مرات كثيرة – أداء الموظفين السعوديين في المطار الصغير وتفقدهم صوابهم.

ولا زال السودانيون يمارسون ظاهرة التجمهر في مطار الملك خالد الدولي رغم اتساعه وبعده عن مدينة الرياض.  ولا زالت ظاهرة الوزن “الزائد” هي الظاهرة الملازمة للسودانيين بين الجاليات الأجنبية الأخرى.

وموقع آخر  يبرز هذه الظاهرة أيضا. فعند زيارة المرضى في المستشفيات تشاهد جموع السودانيين غادية رائحة لعيادة مريضها، وتكتظ الممرات والغرف التي فيها المرضى السودانيون.  ويظل السعوديون وغيرهم من المجموعات البشرية الأخرى تنظر إلينا باستغراب وتتعجب ما سر تجمع السودانيين بهذه الكثرة!!!

وعند وفاة أحد السودانيين تتناقل الهواتف النبأ سريعا. وفي المسجد الذي يصلى فيه على المرحوم وفي المقبرة يشكل السودانيون دائما أغلبية كبيرة بجلابيبهم وعمائهم البيضاء. ونسمع أحيانا تعليق بعض السعوديين: (يا كثركم يا السودانيين!!)

الجدير بالذكر تواجد مجموعة من الشبان السعوديين الأتقياء الورعين في مداخل المقابر والذين يمدون يد العون لأهل الميت في عمليات الدفن و جلب الماء للشرب وغسل الأيادي بعد الدفن غيرها من جوانب المساعدة. وأحيانا يصلون عليه ثانية ابتغاء الأجر. جزاهم الله خيرا.

وفي تجربة شخصية عثرت على هذه المجموعة عند وفاة ابني محمد (رحمه الله) ودفنه في مقبرة حي النسيم الكبيرة بشرق الرياض. فقد توفي ابني داخل رحم أمه (أي سقط) بعد اكتمال مدة حمله نتيجة اختناقه بالحبل السري في مستشفى اليمامة وسوء فحص إحدى الطبيبات المصريات برغم علمها بضعف نبض قلبه عندما فحصت أمه. لكنها لم تعر المسألة كبير اهتمام،  وتركت زوجتي تمضي إلى البيت في حين كان الإجراء المطلوب في مثل هذه الحالة، حسب قول أحد الأطباء، أن تعجل بولادة المولود أو تبقيها (تنومها) في المستشفى كإجراء احترازي! ولكن قدر الله وما شاء فعل.

تولت مغسلة جامع الراجحي القيام غسله وتقديمه للصلاة عليه في جامع رجل البر والخير الراجحي جنوب مخرج 15 بالخط الدائري الشرقي، قبل إنشاء مسجد الراجحي الأكبر بعد الخط الدائري الشرقي. وهذه أحدى الجوانب المشرقة في المملكة العربية السعودية. فهناك الكثير من مغاسل الموتى الملحقة بالمساجد التي تتولى هذه الأعمال الخيرة  المجانبة من غسل وتكفين والصلاة على الموتى. كما اعتادت هذه المغاسل إجراء دورات لمن يودون تعلم غسل الجنائز.

في أوائل الثمانينات من القرن العشرين أغلقت يوما مجموعة من السودانيين، كانت تعمل عند أحد السعوديين، المحلات التجارية التي يملكها ذلك الشخص عند سماعها نبأ وفاة والده،  فاستقلوا سياراتهم إلى منزل رب عملهم (الكفيل) الذي انبرى لهم وأمرهم فورا بالرجوع وفتح المحلات التجارية. استغرب السودانيون بادئ الأمر هذه الفعلة واعتبروها ” شينة جدا”  ولكنهم اعتادوها مع تقادم الأيام.

كنا في الطرق السريعة إلى الحجاز أو غيرها نحرص كثيرا على مساعدة بعضنا البعض. وحتى داخل الرياض كان يصعب علينا تجاوز سوداني ينتظر المواصلات العامة، ما أوقعنا في كثير من المشاكل مع السلطات السعودية، بشبهة تقاضينا أجرا على نقل الأشخاص بسيارة خاصة أو مساعدة بعض المجرمين، من دون قصد، على التنقل والإفلات من العقاب.

كانت إشارتنا الكبرى المتعارف عليها -دون ترتيب وتنسيق مسبق – بجانب الشكل المميز للسوداني، هي العمامة السودانية. فمتى ما رأيت شخصا يعتمرها يستحيل تجاوزه وليس كما رأينا لاحقا عندما انحدر سيل الهروب العظيم من السودان بمجموعات أقل ما يقال عنها أنها لا تستحق الوقوف لها!!!

كانت هذه النخوة في الماضي ليست قصرا على السودانيين فقط، فقد كنا، بطريقتنا السودانية السمحة التي لا تخلو من سذاجة، نتوقف لأي شخص في الطريق. حتى وجدت أمراض المدنية  طريقها إلى نفوسنا فعزفنا عن هذا السلوك الكريم.

يقال بأن أحد الرعاة من الذين كانوا يعملون في بادية القصيم (شمال الرياض) أراد تحويل بعض المال لأهله في السودان. ولما لم يجد فرصة للذهاب إلى أقرب مدينة، رصد الطريق وهو واضعا العمامة السودانية بكل فخر. مرت به مجموعة في سيارة أجرة (تاكسي) من بينهم سودانيون. طلب السودانيون من السائق التوقف لحظة بجانب السوداني.

دهش السائق لما رأي الراعي يسلمهم بعض المال لتحويله إلى السودان على العنوان الذي أعطاهم إياه. لم يصدق أنهم لا يعرفون هذا الراعي وأنها المرة الأولى التي يقابلونه فيها!!!

وحتى ذلك الحين كان المودعون في مطار الرياض يسلمون مبالغ نقدية بدون كتابة وصل أمانة أو عنوان الشخص الذي استأمنوه المال. وكنت ستجد تهزئة وسبا وغلظة في القول ورفضا لاستلام مبلغك لو أقدمت على فعلة كهذه. وكان المستأمن (بفتح الميم) لا يهدأ له بال عند وصوله إلى الديار السودانية سالما حتى يقصد العناوين التي يكون قد كتبها في مفكرة ويؤدي الأمانات إلى أهلها!!!

يبدو أن تربية الزهد ومجاهدة النفس وكسر الأنا وثقافة عدم تزكية النفس وكراهية”الفشخرة” والأمثال الشعبية مثل:” شكار نفسه أبليس” و “الشكرك قدامك عيرك” و “البوبار وغز الأريل في بيت الإيجار” و “الله لا يجيب يوم شكرك” التي سادت السودان عبر حقب  زمنية، وغذتها مدارس الزهد والصوفية لاحقا هي السبب في التواضع الجم من السودانيين وأصالتهم في التعامل الراقي في معظم سلوكهم مقارنة بالمجموعات الأخرى من البشر الذين شاهدناهم  وتعالمنا معهم في الغربة.

عند مباغتة صدام للكويت وهروب معظم الكويتيين إلى السعودية والدول المجاورة، وصل أحد السودانيين بشاحنة صغيرة من الكويت من ضمن المجموعات الهاربة. كان السوداني يحمل معه مبلغا كبيرا من المال. فقام بنشر إعلان في الصحف يسأل عن عائلة كويتية كان يعمل عندها. وعثر على العائلة التي نوهت بأمانته وكشفت عن الأمانة التي كانت بحوزته.

في صباح عيد الفطر المبارك في أوائل الثمانينات من القرن الماضي كانت عائلة سعودية قادمة من القصيم إلى الرياض. تعطلت السيارة في الطريق فنزل رب الأسرة ووقف بجانب السيارة على أمل أن يتوقف أحدهم لمساعدته.

وقبل الظهر بقليل توقف بجانبه أحد السودانيين المتجهين أيضا إلى الرياض. وبوقوف السوداني توقفت أكثر من سبع سيارات فورا بجانبهم متجهة أيضا إلى الرياض. كانت بعض السيارات تقل أسرا سودانية، وسرعان ما نزل الرجال يباركون العيد لبعضهم البعض ودار الأولاد والبنات بالحلوى توزيعا بين المجموعة ومن بينها أسرة السعودي. وفجأة غمرت تلك البقعة أفراح وتهاني ومباركات بالعيد السعيد.

تطوع أحد السودانيين فورا بالنزول عن سيارته للعائلة السعودية مع الاعتذار لهم بأنها ليست قدر المقام ولكن تقضي الحاجة إن شاء الله، وأخبر السعودي بأنه سوف يتولى إصلاح سيارته وسيهاتفه عندما يصل الرياض. وتوزع بقية السودانيين عائلة السوداني المتطوع في  سياراتهم وانطلقوا إلى الرياض.

بعد ثلاثة أيام أصلح السوداني السيارة وهاتف راعيها (صاحبها) الذي أتى لاستلامها وهو لم يفق بعد من صدمة هذا السلوك العجيب وسرعة تداخل السودانيين مع بعضهم البعض وحل مشاكلهم فورا بتلك الطريقة السودانية العفوية الكريمة المذهلة.

لن يعرف قيمة هذه الخطوة والشهامة والتكافل الاجتماعي إلا من نظر إليها في حيز ذلك الزمان أي في بداية الثمانينات من القرن الماضي حيث لم تكن التسهيلات على الطرق السريعة متوفرة على النحو الحالي (فقد وفرت وزارة الداخلية السعودية أسطولا من السيارات المتحركة تعرف بأمن الطرق للتعامل مع مثل هذه الأحداث الطارئة على الطرق السريعة)  وحيث كان قطاع الطرق يكمنون للمسافرين إذا جن عليهم الليل في تلك البوادي.

لقد شهدنا في الغربة مجموعات من البشر تنفخ على (الفاضي والمليان) وتزكي أنفسها بلا خجل أمام الكل وتتكبر وتتمخطر في مشيتها وتتباهى قولا وفعلا وهي خواء في خواء أو كما قال المثل الإنجليزي(Much cry little wool) أي (كثيرة صياح وقليلة صوف) أو (Empty cans make greater noise)   أي (علب الصفيح الفارغة تصدر ضجيجا أكثر).

كان سلوك السودانيين الإنساني والمتواضع جدا في كل شيء وعدم الاهتمام بمظهرهم الخارجي، بدرجة مزرية، سببا كبيرا في عدم تقدير الآخرين لهم تقديرا يليق بهم وتقييمهم التقييم المناسب.  وكما روي عن المرحوم الكاتب السوداني العالمي الطيب صالح (1929-2009) بأنه قال: (بأننا نتواضع كثيرا حتى استهان بنا من لا يعرفنا).

وقديما قال الشاعر:
تري الرجل النحيف فتزدريه         وفي أثوابه أسد هصـــــــــــــــور
ويعجبك الطــــــــرير إذا تراه          ويخلف ظنك الرجل الطريـر
بغاث الطير أطولها رقــــــابا           وأصرمها اللواتي لا تزيـــــــــر

أخذت الحمية السودانية مجموعة من السودانيين فدخلوا في عراك مع مجموعة من السعوديين عندما رأوهم يعاركون سودانيا في دوار( صينية) في مدينة حائل. تبين السودانيون بعد لحظات أن ذلك السوداني لم يكن إلا فلسطينيا أسود حين بدأ يسب السعوديين. هنا أسقط في يد المجموعة وبدأت بالتراجع عن العراك رويدا رويدا واستقلوا سياراتهم وانطلقوا.

دهشت عندما وجدت عمامة سودانية دخل سيارة جاري، وهو من الجالية الفلسطينية كان يعمل مندوبا للمبيعات ويكثر سفره إلى المنطقة الغربية ( الطائف وجده ومكة المكرمة وخلافها). فسألته عن مالك العمامة. عجبت عندما علمت أنه يستخدم هذه الحيلة لإيقاف السودانيين في الطرق السريعة حيث من النادر التوقف لأحد في تلك الأيام!!!


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات