المؤتمر الوطني جذور خبيثة ثمار تالفة !!

 


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
المؤتمر الوطني هو الحركة الاسلامية متعرية من ورقة الدين. بعد ان خاضت تجربة الحكم وقدمت اسوأ نموذج للحكم يمكن ان يتصوره اكثر المتشائمين (يفوق سوء الظن العريض حرفيا). لتتم ازاحتها من سدة السلطة عبر ثورة سلمية نموذجية، تكاد تكون شاملة من حيث الكم والكيف والامتداد، لتغطيتها كافة ارجاء القطر وتنوعاته، وكأنها علي موعد مع التاريخ لتصفية الحساب مع هذه الشرذمة المنبتة.
ولكنها كتنظيم شيطاني لا يتورع عن استخدام كافة الاسلحة والادوات للسيطرة علي السلطة، وكنزعة طفيلية لا تقوي علي الحياة خارج مؤسسات الدولة واستحلال مواردها. لجأت للمراوغة عبر استخدام كرت اللجنة الامنية، لفرملة عجلة الثورة، وللمحافظة علي مصالحها غير الشرعية.
وبعد انقلاب البرهان وبروز هذه الجماعة علي السطح، عقب استردادها لاموالها المنهوبة من قوت الشعب، باحكام قضائية تحاكي شهادة الزور في قوة عينها! ورجوعهم للتمكين في مؤسسات الدولة والسيطرة علي الاجهزة الامنية والقضائية والموارد الاقتصادية. يتاهبون الآن لتسيُّد كامل المشهد مجددا، عبر فرية الانتخابات التي يدقون طبولها ويرقص علي ايقاعها السيسي الصغير (البرهان).
وطالما هذه العودة تشكل هاجس للاسلامويين، ليظلوا علي صدارة المشهد، فلن يكفوا عن التربص بالثورة واجهاض آمال التحول الديمقراطي والدولة المدنية والنهوض بالدولة من حالة الفشل الملازمة لها لمدة ثلاثة عقود مرت كقطع الليل المظلم.
وما مخرجات اجتماع المؤتمر الوطني الاخير، إلا تبادل للادوار مع القوات المسلحة، وهو يتلبس غلالة التظاهر بوجود خلافات بين الطرفين! رغم ان الحقيقة الساطعة (لا تنقصها إلا طرفة المرحوم نقد مع الترابي في سجن كوبر بعد الانقلاب) تشير الي ان القوات المسلحة تحولت الي قوة حزبية مؤدلجة، بعد اعادة صياغتها اسلاميا! والمقصود باسلاميا اشراكها في الامتيازات علي حساب وظيفتها الاحترافية. لتخدم قادتها ومنظومة الاسلامويين، علي حساب حماية المواطنين ومصالح البلاد العليا. اما تبرير القسم والتحايل عليه، فحجم الامتيازات غير المستحقة كفيل بذلك واكثر منه، لمن يربط قيمته بما يناله من عطايا!
ويلخص اجتماع المؤتمر الوطني (العاجل!) دعم لمشروع البرهان الانقلابي، ليتقدم به غير حافل بشئ، لا دماء الشهداء ولا اعاقة المرحلة الانتقالية ولا التردي الامني ولا الضائقة الاقتصادية، ولا غيرها من آثار كارثية لانقلابه المشؤوم.
ولكن لماذا هكذا تنظيم اسلاموي علي هذه الدرجة من الانانية والتبلد والغرور والاجرام وانعدام الحساسية تجاه كل ما يربطه بالمجتمع والدولة؟ وكأن انصاره خلقوا لافساد البلاد واذلال اهلها بدم بارد او سادية لا يمكن تفسيرها ناهيك عن تبريرها!!
اعتقد ان لهذا الامر جذور ترجع لكبير الجماعة حسن الترابي. فالحركة الاسلامية وحين تكوينها، غالبا كانت نواياها حسنة وذات نزعة اصلاحية (شعاراتية). اي تعتقد ان الاصلاح يتم عبر رفع الشعارات البراقة والاماني الطيبة. وهي للحقيقة سمة وسمت كل حركات الاصلاح والتحرر الوطني ما قبل/بعد الاستقلال. وهي كانت اقرب لرد الفعل، او تعبير عن كراهة ليس المستعمر فحسب، وانما كل ما يتعلق به وبما في ذلك منظومة قيمه وتقاليد تنظيم شئون الحكم وادارة الدولة الراسخة لديه. وذلك اكثر من كونها مشاريع وبرامج واقعية تراعي مرحلة تطور الدولة وحالة الشعوب الخارجة ليس من حقبة الاستعمار بكل مآسيها، ولكنها ذات علاقة بطبيعة تاريخية، تركت اثرها العميق علي طريقة العيش واساليب الحياة وتصورات القيم، وقد اصبح معظمها لا يتماشي مع ما وصلت اليه الانسانية من تطور في كافة مناحي الحياة.
المهم، بدخول الترابي الحركة الاسلامية ل(حاجة في نفسه) وفرض سيطرته عليها، بذات الاساليب والادوات، التي ستصبح فيما بعد محور عمل الحركة الاسلامية، او مرجعيتها في كافة انشطتها وغاياتها. وهي البراغماتية معبر عنها بالمكر والخداع دون وازع. اي شئ اقرب لاخلاقيات السلطة عوض عن سلطة الاخلاق. لذلك ليس مستغرب ان تتحول السلطة الي تسلط، عبر فرض النزوات والشهوات بالعنف والاكراه.
وكل ذلك يعود الي ان الترابي كشخصية عالية الطموح، عديمة المبادئ، متمحورة حول ذاتها، جعلت غاية السلطة هي مبرر وجودها. وفي سبيل ذلك عمل الترابي علي توظيف قدراته المعرفية والاكاديمية ومواهبه التنظيمية والكارزمية، في بناء مشروع استمد مشروعيته من انتماءه للحركة الاسلامية. وذلك فقط للاستفادة من طاقات الدين وقدرته علي التحشيد واعفاءه من كل اعباء المشاريع الخدمية والتنموية وما تتطلبه من موضوعية وبرامج واقعية وادوات عمل وتقسيم ادوار، وتاليا صعوبة الاستفراد باتخاز القرار، اي بصورة مختصرة مسؤولية تجاه المجتمع ودفع استحقاقات القيادة.
والحال كذلك علاقة الترابي بالدين الاسلامين، هي الاستفادة من امكانات الدين لتمده بالنفوذ والسطوة والقدرة علي مقارعة الخصوم في الساحة السياسية، وتاليا امتلاك مساحة وتاثير اكبر من امكاناته وقدراته الحقيقية. اي شئ شبيه بنسخ المشروع وتزوير المشروعية.
اما براعة الترابي فجسدتها قدرته علي استقطاب نخب متعلمة بعد ان قدم لها قراءة دينية تتلاءم مع تطلعاتها كنخبة تستحق موقع الصدارة المجتمعية، وتقديم نموذج للحكم الرسالي يقطع مع اخطاء الطبقة السياسية! بل امتلك القدرة اقناع الشباب الغر علي تقديم نفسه فداء لمشروعه! وفي ذات الوقت مدد تاثيره ليكسب قطاعات من بسطاء الشعب، بعد ان صور لهم ان الدين في خطر، وهو ومشروعه مسؤلان عن حماية بيضة الدين!
ولكن السؤال، كيف امتلك الترابي كل هذه القدرة للتاثير في اتباعه، ومن ثمَّ وسم الحركة كلها بطابعه؟
الاجابة، ان الترابي كان شيطان رجيم في ثوب شيخ وقور. وهذا التجرد من القيم والاخلاق والمبادئ، وفر للترابي مساحة للحركة غير متاحة لغيره. اي بقدر تجرده من الضوابط، بقدر امتلاكه لمساحة حركة غير محدودة! وغالبا هذا الموقع هو ما جعل الحركة الاسلامية اقرب للحركة الهمجية البربرية! لان التحضر ليس اكثر من التزام الضوابط لغرض تهذيب السلوك وترقية المشاعر.
وعليه، الترابي كان واعٍ في اختياره للحركة الاسلامية كوجهة، وتبني الدين كمشروع سياسي. وبصورة اكثر وضوح، بما ان الغايات والوسائل التي يلتزمها الترابي غير شريفة، فكان لابد لها من غطاء شريف لتمريرها. اما في الجانب التنظيمي، فقد تمتع الترابي بقدرات استثنائية يندر وجودها، خاصة فيما يختص باختياره لنوعية المقربين وكيفية توظيف المتطلعين لاحكام سيطرته علي الحركة. اي اختيار وتقديم من لهم قابلية ان يتحولوا لترابيين (غير مبدئين) بوصفهم اكثر طاعة وتطويع، وتجرد من القيم والالتزامات، وتطلع لحيازة الامتيازات، والاستمتاع بمتع الحياة من غير حياء! لدرجة ان بعضهم، وبالذات من حذق اصول اللعبة، تفوق علي الترابي نفسه واقصاه من موقعه، علي طريقة يؤتي الحذر من مأمنه! ليتحول الترابي بقدرة قادر الي اكبر معارض لمشروعه الذي انفق عمره لتشييده وترسيخه علي انقاض الدولة السودانية!!
لذلك هذه الحركة الاسلامية كتكوين وتطلعات وممارسات وتلونات، لا تعي السلطة إلا كتسلط علي المجتمع، واستباحة لموارد البلاد. بوهم ان اتباعها صفوة الصفوة وسادة القوم. ومؤكد في مواجهة هكذا حركة عقائدية منحرفة وشائهة، لا مكان لاعتراض او رفض او مجرد نقد، لانها تُفسَر فورا كخروج علي الحاكم او بوادر فتنة تستوجب الاجتثاث. اما خروجهم من السلطة فهذا غير متصور لتماهيهم معها. اي هما وجهان لعملة واحدة، فكيف يتاح للآخر مجرد التفكير فيها، ناهيك عن اخذها سلما او عنفا؟ ومن هنا يمكن تفسير لماذا ظل هاجس الاسلاميين المحفاظة علي السلطة، لدرجة حلوله محل ممارسة السلطة؟! ليصبح المجتمع ليس في مواجهة حاجاته الاساسية او مطالبه السياسية، ولكن في مواجهة قوة حربية وامنية وشرطية ومليشياوية في كافة الاتجاهات وداخل مفاصل الدولة. وهذا ما جعل سمة حكم الاسلاميين المتسلط هو حكم اللاسلطة (توزع مراكز القوي وتضارب اتخاذ القرار) واللادولة (فوضي عدة دول داخل الدولة). وهو ما يعني ان التكريس للمزيد من السلطات داخل مركز سلطوي، هو فقدان هذا المركز لسلطته الفعلية، بسبب توزعها علي الجهات المكرسة للسلطة المركزية! اي يجب ان يستصحب القرار السلطوي توازن القوي بين هذه الجهات، وإلا حدث ما لا يحمد عقباه. وهذا ما يجعل هذا النوع من السلطات هو الاضعف سيطرة، رغم مظاهر القوة المحيطة به من كل الاتجاهات.
وبصورة عامة يكمن عطب الاسلامويين الذي تحول لكارثة اوردت الدولة موارد الهلاك، في تصديهم لمسؤولية السلطة وادارة الدولة، وهم سلفا لا يعلمون عنها شئ، ولا يدركون كنهها واصول الحصول عليها وتقاليد ممارستها! والاسوأ من ذلك ليس لديهم استعداد للتعلم او حتي الاستفادة من الاخطاء الكارثية التي تسببوا فيها، ناهيك عن امتلاك الشجاعة للاعتراف بها وتحمل النتائج ودفع الثمن. وبناء عليه، يصعب الوصول لتسوية او مشاركة او اي نوع من التواصل مع امثال هؤلاء السادرون في غيهم. والحال كذلك هم اقرب للوباء الذي ضرب البلاد واحالها الي قاع صفصفا. ومن ثمَّ ليس هنالك من حل سوي التخلص من هذا الوباء، لتتاح لجسد الدولة والمجتمع فرصة التماثل للشفاء. وهذا ما لن يتم دون محاسبة هؤلاء المجرمين علي جرائهم، وقبل ذلك تحريم قيام اي حزب او حركة او كيان سياسي علي اساس ديني او عقائدي، فالدين لله والوطن للجميع، فهذه مسلمة لن تتم وحدة وطنية او ننعم بحقوق مواطنة، دون التسليم بها والامتناع عن الالتفاف عليها باي صورة من الصور. ويكفي ما اريق من دماء وما وقعت من فتن وانتهاكات علي مذابح العقائد والاديان، التي يفترض الا تتعدي ضمير الانسان.
اما الوجه الآخر للترابي في ظرفنا الراهن، فتجسده شخصية حميدتي. واذا كان الترابي شخصية طموحة، جعل نشاطها مسرح كيان الدولة، بكل حساسيتها وخطورتها علي ساكنيها. وتوسل الوصول للسلطة كافة الوسائل، مستخدما ملكاته السالفة الذكر! وترتب علي وصوله السلطة وسيطرته علي الدولة، كل هذا البؤس المقيم والدولة الفاشلة الماثلة الآن. فان شخصية حميدتي تميزها السطحية والجهل والاندفاع، وعدم الاكتراث بالعواقب لفقدانه الانتماء للمجتمع، وليس له من وسيلة غير السلاح في يد المرتزقة، لفرض سيطرته علي السلطة واحكام سطوته علي البلاد. اما ما يعد به نموذج حميدتي، فهو البداية من حيث انتهي نموذج الترابي، من البؤس والفشل والخراب. اي الاجهاز علي ما تبقي من كيان الدولة الفاشلة وسلام المجتمع. وكأنا قدرنا بعد انقلاب الترابي البشير وصولا لانقلاب حميدتي البرهان، هو المراوحة ما بين فوضي النظام ونظام الفوضي.
وما يجعل دولة السودان حالة فريدة من الهشاشة، هو كيف تاتي لشخص فرد، لا يصدف انه منبع للشر والفتن كالترابي، ان يحول دولة واعدة، بكل هذه الثروات والفرص والامكانات، الي كومة خراب، بكل هذه السهولة؟ اما يجعل الحسرة تضاف للهشاشة وسوء الحظ ولعنة القدر، هو كيف يمكن لنموذج الترابي ان ينتج شبيهه نموذج حميدتي، وفي اوضاع ليس لها القدرة علي الاحتمال؟! وكأن حالة غياب الدولة التي صنعها الترابي بمشروعه العدمي، اخرجت لنا من مجاهل التاريخ مغامرات قطاع الطرق المقامرين.
وعليه، يبدو ان قدر الثورة والطبقة السياسية، ليس معالجة ميراث الترابي الكارثي فحسب، ولكن قطع الطريق علي كارثة حميدتي المحتملة. وهو ما يجعل المهمة مضاعفة ومخاطرها اعلي، ومن ثمَّ ليس في وسع فصيل وحيد او تحالف فصائل محددة، القدرة علي القيام بكل هذه الاعباء. والتي تمتد من اسقاط الانقلاب والتخلص من آثاره بصورة سلمية وباقل كلفة وفي اسرع زمن، الي بناء منظومة تستوعب كل تطلعات التغيير، بصورة متدرجة تقطع مع رفع سقف الطموحات واستسهال التحديات! لان عاقبة ذلك استعجال النتائج، ومن ثمَّ الشعور بالضجر من التاخير في علاج مشاكل بطبعها معقدة وتحتاج لزمن طويل. ومن بعدها يعم الاحباط وينتشر الياس، ويستثمر في ذلك المتآمرون، وهكذا تتهيأ البيئة للانقلابات، ويجد العسكر والمتطلعون للسلطة واحتكار الامتيازات ضالتهم، لتقع الواقعة الانقلابية! ومن ثمَّ يستمر مسلسل اختراع العجلة، وما يرافقه من تردٍ في كافة مرافق الحياة بعجلة تصاعدية، لحين الوصول لنقطة الانفجار الثورية، وهكذا دواليك اذا ما كنا محظوظين وتبقت لنا دولة، بسبب قانون التناقص والتدهور الملازم للانقلابات.
واخيرا
كل عام وانتم بخير ونسال الله ان تكون مناسبة عيد الاضحي بداية لنيل هذه البلاد حظها من الاستقرار، وشعبها نصيبه من الحياة الكريمة، ويحفظ حياة الثوار الابطال الغالية، ويتقبل شهداء الوطن ويعجل بشفاء الجرحي وعودة المعتقلين وسلامة المفقودين. ويظل اجمل ما في هذا الوطن الشقي هو نبل ثواره الاحرار. ودمتم في رعاية الله.

abdullahaliabdullah1424@gmail.com

 

آراء