غياب دَرَاويشُ النيل عن مخيلة نخب حواضر السودان

 


 

 

زهير عثمان حمد

إن نضال النخب السودانية متجذر بعمق في المشهد الاجتماعي والسياسي المعقد في البلاد. غالباً ما ينبع الصراع بين النخب من الصراع على الموارد والسلطة والسيطرة على مؤسسات الدولة. ويتفاقم هذا الصراع بسبب التنوع العرقي في البلاد والتحدي المتمثل في خلق هوية وطنية متماسكة
ويمكننا استعراض تاريخ التطورات السياسية في السودان. منذ استقلاله في عام 1956، شهد السودان العديد من التحولات السياسية المهمة:1953 - 1989 تميزت هذه الفترة بالتطورات السياسية والتحديات المتعلقة بقضايا الهوية والحكم. ما بعد 1989: شهد السودان تغيرات في المشهد السياسي، بما في ذلك الانتفاضات والانقلابات العسكرية.تعتبر الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية من أبرز ملامح التاريخ السياسي للسودان، حيث أدت إلى فترات من عدم الاستقرار والتحديات الاقتصادية والاجتماعية و كما أثرت السياسات الاستعمارية والحكومات الوطنية المتعاقبة بشكل كبير على الهوية السودانية والوفاق الوطني
تتميز الأمة السودانية بفسيفساء غنية من المجموعات العرقية، ولكل منها لغتها وثقافتها وخلفيتها التاريخية. إن التنوع مصدر قوة ولكنه يطرح أيضًا تحديات فيما يتعلق بالحكم والوحدة الوطنية. ويجب على النخب أن تتغلب على هذه التعقيدات لتعزيز الولاء الوطني ومعالجة القضايا الاجتماعية
يتطلب خلق الولاء الوطني في مثل هذا السياق المتنوع فهمًا عميقًا للأنسجة الاجتماعية المختلفة التي تشكل الأمة السودانية. وهو يتضمن الاعتراف بالمساهمات الفريدة لكل مجموعة عرقية وضمان سماع جميع الأصوات وتمثيلها في العملية السياسية. تواجه النخب التحدي المتمثل في تجاوز مصالحها للعمل نحو هدف مشترك يفيد الأمة بأكملها
والواقع أن المشكلة السودانية لها بعد اجتماعي كبير. تعتبر قضايا مثل التوزيع العادل للموارد، والحصول على التعليم، والرعاية الصحية، والفرص الاقتصادية حاسمة. إن معالجة هذه التحديات الاجتماعية أمر ضروري للسلام والاستقرار. يجب على النخب إعطاء الأولوية لرفاهية جميع المواطنين والعمل من أجل مجتمع أكثر شمولاً وإنصافًا
باختصار، تم تكليف النخب السودانية بمسؤولية معقدة تتمثل في فهم التنوع العرقي المعقد في البلاد وتعزيز الولاء الوطني. وينطوي ذلك على معالجة التحديات الاجتماعية التي تكمن وراء جزء كبير من الصراع والعمل من أجل سودان موحد ومزدهر. إن الطريق إلى الأمام يمر عبر الحكم الشامل، والتنمية العادلة، واحترام الثراء الثقافي الذي يميز الأمة السودانية.
يمكن أن يعزى فشل النخب السودانية في بناء الولاء الوطني إلى عدة عوامل، بما في ذلك عدم القدرة على خلق أيديولوجية شاملة يتردد صداها مع الضمير السوداني المتنوع. تاريخياً، هيمنت على الدولة السودانية نخبة ضيقة سعت في كثير من الأحيان إلى فرض نسختها من الهوية العربية الإسلامية على البلاد، مما أدى إلى نفور غير العرب وغير المسلمين وأدى إلى الصراع. ولم يفشل فرض الهوية هذا في توحيد الأمة فحسب، بل أدى أيضًا إلى تفاقم الانقسامات وإضعاف ارتباط المجموعات المختلفة بالدولة
علاوة على ذلك، فإن سياسة التعريب ما بعد الاستعمار، التي تهدف إلى نشر اللغة العربية بسرعة في جميع أنحاء منطقة متعددة اللغات، أثارت العداء والمقاومة، مما أدى إلى تقويض الوحدة الوطنية. وقد شحذت هذه السياسة الهويات غير العربية، وفي بعض الحالات، عززت هوية "إفريقية" واعية بذاتها، والتي تنطوي على مجتمع تعددي ثقافيًا. وقد كان هذا واضحاً بشكل خاص في مناطق مثل دارفور، حيث رافقت سياسة التعريب نمو أيديولوجية التفوق الثقافي والعنصري العربي
إن التحدي الذي يواجه النخب السودانية هو تطوير أيديولوجية تعكس بصدق الضمير السوداني - ضمير متنوع ومتعدد الأوجه. ستحتاج مثل هذه الأيديولوجية إلى احتضان التعددية العرقية والثقافية في البلاد وتعزيز الشعور بالمصير المشترك والهدف المشترك بين جميع أفراد الشعب السوداني. وسوف يتطلب الأمر الابتعاد عن ممارسات الإقصاء والتهميش السابقة والتحرك نحو الحكم الشامل الذي يحترم ويحتفل بالنسيج الثقافي الغني للبلاد
في الجوهر، يتطلب بناء الولاء الوطني في السودان فهمًا عميقًا للنسيج الاجتماعي المعقد للأمة والالتزام بأيديولوجية تعزز الوحدة في التنوع، بدلاً من الانقسام والخلاف
اتسم الوضع في السودان بفرض هوية محددة، وهو ما كان عاملاً مهماً في الصراع الدائر. وقد أدت هيمنة ثقافة مجموعة عرقية معينة ورؤيتها السياسية إلى تهميش الهويات الأخرى وساهمت في الصراع على السلطة والموارد. وقد أدى هذا الفرض إلى تفاقم التوترات وأجج الحرب، لأنه يتجاهل التنوع العرقي الغني في البلاد والحاجة إلى هوية وطنية شاملة تعكس كافة شرائح السكان
تم وصف الصراعات في السودان، وخاصة في مناطق مثل دارفور، بأنها ناشئة عن سياسات الحكومة المركزية التي تفضل هوية واحدة على غيرها، مما يؤدي إلى مقاومة المجموعات المهمشة¹. تظهر المناقشات حول الهويات السودانية أن الحدود بين الهويات المختلفة مائعة، وأن الهويات المتنوعة للبلاد تأثرت بالعولمة والهجرة والروابط الاجتماعية بين المجموعات العرقية
وقد واجهت الجهود الرامية إلى إنشاء هوية وطنية متماسكة في السودان تحديات بسبب هذه الديناميكيات. إن الحاجة إلى أيديولوجية تشمل الضمير السوداني وتتيح للجميع أن يجدوا أنفسهم فيها أمر بالغ الأهمية لبناء الولاء والسلام الوطني. لقد تم اقتراح التعددية الثقافية كنموذج يمكن أن يساعد في استيعاب الهويات المتنوعة للبلاد وتعزيز الاستقرار باختصار، كان فرض هوية محددة على جميع سكان السودان مصدرًا للصراع ويظل تحديًا يجب معالجته من خلال سياسات شاملة تعترف بالتنوع العرقي في البلاد وتحتفي به

في السودان، تُعتبر الأحزاب السياسية جزءًا أساسيًا من النسيج السياسي، لكنها تواجه تحديات عديدة تتعلق بالتنظيم والهيكلية. الحزب الوطني الأمة، على سبيل المثال، كان تحت قيادة الصادق المهدي منذ الستينيات وحتى وفاته، وقد شهد الحزب تحولات في القيادة والانشقاقات. ومن ناحية أخرى، تواجه الأحزاب الجديدة تحديات متعلقة بالتنظيم والبنية، مما يؤثر على قدرتها على التحول إلى كيانات سياسية فعالة
المثقفون في السودان، كما في أي مجتمع آخر، يلعبون دورًا مهمًا في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي. ومع ذلك، قد يُنظر إلى بعض المثقفين على أنهم انغمسوا في الصراعات السياسية والأيديولوجية دون الاهتمام الكافي بقضايا التنمية المستدامة والرفاه الإنساني
وفقًا لبعض الدراسات، هناك تحديات كبيرة تواجه تطبيق مؤشرات التنمية المستدامة في السودان، بما في ذلك ضعف البنية التحتية، نقص الموارد، والحاجة إلى سياسات فعالة لتحقيق التنمية المستدامة وتشير الأبحاث إلى ضرورة الاهتمام بتطبيق هذه المؤشرات لتحقيق التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة
من المهم أن يساهم المثقفون في تعزيز الوعي بأهمية التنمية المستدامة وأن يكونوا جزءًا من الحل، من خلال المشاركة في الحوارات الوطنية ودعم السياسات التي تعزز الاستدامة والتنمية الشاملة
التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية في السودان تشمل التغيرات الديموغرافية، تراجع القوى التقليدية، تجزئة القوى السياسية، ظهور فاعلين جدد، وفقدان الاهتمام بالأحزاب السياسية3. هذه العوامل تسهم في تشكيل مشهد سياسي معقد يتطلب من الأحزاب السياسية التكيف وإعادة النظر في استراتيجياتها لتعزيز دورها في العملية الديمقراطية. لتحقيق ذلك، من الضروري أن تعمل الأحزاب على بناء هياكل تنظيمية قوية وشفافة، وتطوير برامج سياسية تعبر عن تطلعات الشعب السوداني، وتشجيع المشاركة السياسية الواسعة لضمان تمثيل جميع شرائح المجتمع. كما يجب على الأحزاب الجديدة التركيز على تعزيز قدراتها التنظيمية والتواصل مع قواعدها الشعبية لتصبح أكثر فعالية وتأثيرًا في الساحة السياسية
إصلاح التجربة السياسية للنخب في السودان هو أمر ممكن وضروري لتحقيق دولة تواكب العصر وتعبر عن جميع مكونات المجتمع السوداني. الدراسات والتحليلات تشير إلى أن هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في المناهج والأساليب الموروثة لدى النخبة السياسية والتخلص من جميع أشكال الخلل يتطلب ذلك تبني مقاربات جديدة تشمل الحوار والتوافق وتعزيز مساحات الحرية والديمقراطية وتحقيق المصالحة الوطنية. إصلاح القطاع الأمني: تحديد دور العناصر الأمنية في الاقتصاد والسياسة. التمثيل الشامل و ضمان تمثيل جميع القبائل والطوائف في العملية السياسية. التجديد الديمقراطي: تطوير معايير تدعم الانتقال الديمقراطي وتحترم التنوع الثقافي والاجتماعي. من خلال هذه الخطوات، يمكن للنخب السياسية في السودان أن تساهم في بناء دولة تعددية تحترم التنوع وتعمل على تحقيق الاستقرار والتنمية لجميع مواطنيها
نعم، تشير الدراسات والتحليلات إلى أن هناك خللًا في تكوين النخب السياسية السودانية منذ الاستقلال وحتى اليوم. يُعتقد على نطاق واسع أن النخب السياسية لم تتمكن من بناء وتجديد الحياة وفق رؤية وأسس مدروسة لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والتطور. كما يُشير التحليل إلى أن النخب السياسية تعاني من تناقض الخطاب، والصراع، والعجز، وعدم القدرة على الابتكار
ويُعتبر غياب الرؤى الفكرية الاستراتيجية الواضحة والفشل في ابتكار صيغة عادلة وناجحة لإدارة السلطة السياسية على أساس من حقوق المواطنة الشاملة من الأسباب الرئيسية لهذا الخلل. وقد أدى هذا إلى تجدد الأزمات والصراعات، مما يُظهر الحاجة إلى إعادة النظر في المناهج والأساليب الموروثة لدى النخبة السياسية والتخلص من جميع أشكال الخلل
لذلك، يُعد الحوار وتعزيز مساحات الحرية والديمقراطية وتحقيق المصالحة الوطنية من الخطوات الضرورية لإصلاح الوضع السياسي في السودان , أيتها الخب كل المطلوب بعد منحة الحرب والدمار أمر بسيط أن نتفهم مطالب العامة من كل شعوب السودان لقد أنتهي زمن القمع والهيمنة بالقوة علي السلطة والثروة ,ان نجح دراويش النيل في انتزاع حقوق منكم سوف يولد جيل من أبناء الغابة والصحراء يعرفون السودان وكل أقاليمه قطعة قطعة والاعراق والتاريخ وأنتم في جهالة التعالي وظن أنكم خير أمة أخرجت للناس متحذلقين في الصالونات العامرة بروائح النبيذ الفاخر والعطور الباريسية في عزلة تامة عن الشعوب السودانية .

zuhair.osman@aol.com

 

آراء