مكاشـفـة الجـنـرال .. بقلم: عمـر العمـر

الفريق البرهان يتوغل في طريق يفضي حتما إلى التشرذم ثم الصدام لا محالة. إن كان لا يدري فمحنته في جهله. ذلك أن أحد أبرز دروس جلوسه في القصر أنه ما من معين حينما تبدأ السفينة في الغرق. أما إن كان يدري فتلك محنة شعب ارتضى وضعه 


 

الفريق البرهان يتوغل في طريق يفضي حتما إلى التشرذم ثم الصدام لا محالة. إن كان لا يدري فمحنته في جهله. ذلك أن أحد أبرز دروس جلوسه في القصر أنه ما من معين حينما تبدأ السفينة في الغرق. أما إن كان يدري فتلك محنة شعب ارتضى وضعه على قمة النظام الإنتقالي . حمدوك دأب على تشنيف آذاننا بحديث عن علاقة مثالية في الشراكة بين المدنيين والعسكر حتى حسبناه شاعراً لا رئيس حكومة في المقابل يمضي البرهان قولا ونهجا على كل الجبهات في توسيع الشقة بين الشريكين المفترضين في كل أقواله وأفعاله يجانب البرهان الصواب إذ يُلبس الحق بالباطل كأنما يزين له البعض الثاني في ثوب الأول!

*** *** ***

في حديث أخير تكلّم البرهان من موقع الناقد عن فشل السلطة التنفيذية الكامل. الرجل لم يقدم حيثيات هذا الحكم بالماحق. كما أنه لم يقدم مرافعته مشفوعة بتفاصيل الإتهام الغليظ. بالطبع لن يكلف البرهان نفسه مشقة البحث عن كيفية معالجة قصور وأخطاء الحكومة فذلك أمر لايرد في ذهنية الرجل الجالس على قمة المسؤولية. فهو في تلك الذروة ينتزع لنفسه سك البراءة من كل عيب وتكليف ومساءلة. كأنما يفترض لذاته العليا منصب الحياد بين السلطة والشعب أحيانا ودور المراقب أحيانا على الحكومة . لكن الفريق البرهان لا يكتفي بالإطلالة على الشعب والحكومة من تلك الشرفة العليا بل يفّوض ذاته في الوقت نفسه سلطة اتخاذ القرارات المصيرية مجرداً ذاته من حق المشورة والمراجعة فيفرض مايفعل واقعا على الشعب والوطن.
*** *** ***

الفريق البرهان انتزع لمجلس السيادة سلطات خارج أُطر الوثيقة الدستورية والأعراف السودانية. القائد الأعلى منح ما يسمى بالمكون العسكري داخل المجلس التشريفي دور “مركز قوى ” متنفّذ. لكل من فريقه حق القول والفعل كما يشاء. هكذا بدا ما يسمى بالمكون المدني في المجلس أشبه برموز مسرح الدمى.البرهان لم يكتف بتسمية نفسه رئيسا دائما لمجلس السيادة بل نصّبها رأسا فعلياً للدولة من طراز سالفه عمر البشير. دون الركون إلى السرد فالشعب عامةً يعرف خطوات البرهان الإنفرادية دون علم أعضاء المجلس السيادي دع عنك مجلس الوزراء.
*** *** ***

قبيل التشكيل الوزاري تشبّث الجنرال بالحق في تسمية وزيري الدفاع والداخلية. من منطلق مجاراته في نقد الوزراء يحق لنا مساءلة الفريق البرهان عن الإخفاق الفاضح لوزيري الدفاع والداخلية . كل القوات العسكرية النظامية والميليشيات المكدسة لم تفلح في ملاحقة عصابات التهريب عبر الموانئ والحدود . تلك معضلة يجأر الجميع بخطرها على إقتصاد البلاد المترنح. ثمة عصابات تمارس السطو، السرقة تحت تهديد السلاح والنهب في وضح النهار مما أفقد المواطنين داخل المدن وعلى الطرق السريعة الإحساس بالطمأنينة والسلام. وضع الوزيرين تحت قبعة الجنرال يعني حمايتهما من المساءلة أمام رئيس الحكومة موضع الإنتقاد من قبل البرهان. هذا معيار الكيل المزدوج ؛النظر بعين الزهو من جهة وعين الإستضعاف من زاوية مغايرة.
*** *** ***

كلنا يدرك إنتقاد البرهان الأخير لأداء السلطة التنفيذية يصب في جهد العسكر وحلفائهم المحموم بغية التكريه المتعمد مع كل الإصرار في حكومة الثورة المدنية.مع التسليم بهبوط مستوى أداء الحكومة عن توقعات الجماهير إلا ان الوعي بالأرض الوعرة تحت أقدام السلطة التنفيذية تتطلب بالضرورة – فيما تتطلب- تضامن الشريكين من أجل عبور الألغام و والمتاريس للخروج بالمرحلة الإنتقالية إلى نهاياتها المستهدفة. لكن مجمل أداء ” المكون العسكري” إذ يعرض المسيرة إلى صدام حتمي لن يفضي إلى ردة كما يتوهم البعض.
*** *** ***

إنتقاد البرهان للحكومة جاء رد فعل سطحي لرفض ما يسمى مجلس شركاء الثورة. المجلس صدر بتوقيع البرهان كالعادة، ليس باسم مجلس السيادة كما ينبغي إصدار المراسيم وفقا للدستور والعرف. حمدوك فاجأ البرهان برفضه المعلن لبنيان المجلس وسلطاته . هي المرة الأولى في سيرة رئيس الوزراء إذ ينهض في وجه الشريك . مجلس الشركاء في الأصل جهاز سياسي لا يندرج تحت مظلة الدولة .من المفترض إعلان تشكيله من قبل القوى السياسية إذ يراد له تجسير خلافاتها في شأن القضايا العصية بغية تذليل الصعاب أمام السلطة التنفيذية. لذلك لا يملك مجلس السيادة كله أو رئيسه حق إصدار مرسوم بتشكيله. ذلك حق وقفٌ على القوى السياسية. تلك الرؤية لا تفسح في الأصل مكانة لمجلس السيادة بمقعد داخله إلا في سياق الحرص على مشاركته الرمزية. هكذا يتضح اختطاف البرهان المجلس والحرص على وضعه تفي أسره. مضى البرهان أبعد من ذلك في عسكرة المجلس فضم بالإضافة إلى كل المكون العسكري ممثلا للدعم السريع. كما أن إسترضاء أعداء الأمس من حملة السلاح رفقاء الغد ضد المدنيين لا يخفى على أحد
*** *** ***

المجلس المختلق على عجل يجسد صورة للبرلمان المرتقب. حين تمر هذه التشكيلة المعسكرة فمن اليسير تخليق برلمان مسلوق مروّض داخل الثكنات يكون جسرا آمنا للعسكر القدامى والجدد.من الأسئلة الواقعية لماذا لم يتعجل البرهان تشكيل البرلمان؟ ألأنه يخشى صداما يراه واقعا معه لا محالة ؟أما مضى على سقف الفترة الزمانية لتشكيل البرلمان أضعاف مضاعفة لما انقضى على توقيت تشكيل مجلس الشركاء،؟ فلم التمهل هناك والتعجل ها هنا؟ هل يستدعي الأمر عند هذا المنحنى لفت عناية وزير الداخلية إلى التهديدات الصريحة الحمقاء الصادرة عن “شكساء الثورة” القادمين تحت مظلة جوبا بتفجير نوبات العنف في أحياء العاصمة؟ اليس في ذلك ما يشكل تهديدا أرعنا على السلم الإجتماعي يستوجب استجواب اصحابه وفتح بلاغات في حقهم ؟هل استعدت قوات الأمن لإحتواء ألسنة اللهب؟ ألا يعلم إي حشد يعد له في التاسع عشر من الشهر الجاري.
*** *** ***

ي موازاة إنتقادات البرهان لأداء الحكومة ؛ ألم يفصح رئيس الوزراء مبكراًعن اختلال الوضع الإقتصادي بهيمنة المؤسسات العسكرية على 82% من عائدات الدولة؟ لو أراد البرهان وضع نفسه في مصاف الرمز الوطني البهي لأصدر آنذاك مرسوما يعيد تلك المؤسسات إلى الشعب. ماكان للسودانيين إنتظار مشروع قانون أميركي يفرض على البرهان وجنرالاته تأمين الإنتقال الديمقراطي السلس في البلاد. لاوطنياً يقبل بعد الثورة المجيدة فرض شروط خارجية تمس هيبة الدولة. نحن أعلم بكيفية وضع الأجهزة العسكرية ومؤسساتها المالية تحت سلطة الحكومة المدنية. نحن ندرك كيفية تفكيك أو تذويب الميلشيات.لا أظن ان المكون العسكري وحلفائه الجدد يريدون إعادتنا للاصطدام مجددا مع أميركا والدول الأخرى وهم يرددون تلك الخرافات والأراجيف في أثمال بطولات مهترئة يستشري في كنفها أشباح من الفساد الأخرق.

aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!