رواكيـب الخـريـف .. بقلم: عمـر العمـر

مع إطلالة السنة الجديدة تلوح في الأفق نجيمات السعد بانقشاع ليل التجهم الطويل. هذا ليس ضرباً من فراءة الطالع أو هزءً التمني. بل خلاصة مسبّقة لمؤشرات تتبلور في حضن التشكل. مثار الفلق ليس في سوء القراءة أو إخفاق التوقع بل في خطر 


 

مع إطلالة السنة الجديدة تلوح في الأفق نجيمات السعد بانقشاع ليل التجهم الطويل. هذا ليس ضرباً من فراءة الطالع أو هزءً التمني. بل خلاصة مسبّقة لمؤشرات تتبلور في حضن التشكل. مثار الفلق ليس في سوء القراءة أو إخفاق التوقع بل في خطر المتربصين لسرقة نجاحات جهودنا الصبورة. ثمة فئة من هؤلاء ستنهض مدعية بأنها صاحبة اليد الطولى في زارعة تلك الفسائل ومن ثم فهي أحق من غيرها بعائدات الحصاد . . هؤلاء أقرب إلى فئة يتمكن منها الإحباط حداً يجعلها تلوذ إلى التشكيك من منطلق أن الإنفراجة ليست غير سحابة عابرة لن تدوم زختها إلا قليلا. لذا نحن أحوج ما نكون لإعادة رسم معسكر الثورة وتحيد هوية أصحابه. على المستوى نفسه نحن أحوج ما ينبغي للتمسك والإهتداء بقاموسنا السياسي إذ أنه مفتاح أساسي لكل ذلك وغيره.

في الوقت نفسه هناك مخطط يجري نسجه من أجل إنتزاع مفاتيح المستقبل .
*** *** ***

عندما نهض الشباب إلى الساحات في وجه النظام الفاشي ثم تدافعت الأجيال من كل فج عميق. لم يتحدث الثوار لغة الشراكة في صنع الحدث الفريد بل تكلموا في لسان مبين بحال صناع الثورة. حينما داهمتنا الخيانات في أشكال متباينة تعالت الأصوات الثائرة عن قناعات راسخة ثابتة أصلها في صدور الثوار وفرعها في سماء الانعتاق بأن صناع الثورة هم حماتها. حتى عندما لم ترضهم خلاصات من تفاوض باسم الثورة ظلت إرادات الجموع صلبة في قدراتها على تصحيح الزلات والنهوض من العثرات واستئناف المسيرة حتى بلوغ ممارسات العمل الديمقراطي الكامل.
*** *** ***

“الشراكة” مصطلح دخيل لم يرد في قاموس الثورة. الثوار لا ينتظرون “شركاء” بل هم يترقبون مواكب ثوارة وأرتال أنصار للحق والجمال مسلحون إيماناً بالحرية، العدالة والسلام معززون بروح التجرد والتفاني. جذور مصطلح ” الشراكة” تضرب في قاموس التجارة “بزنس” . مصطلح الشراكة السياسية المستحدث تبلور ضمن تجليات مدارات العولمة. كلاهما أكثر ما يكونان ارتباطا عضويا بمفاهيم الصفقات وعقليات المساومة وجني الأرباح.
كلاهما لا علاقة لهما البتة بوهج الثورة أو روح الفداء والتضحية لدى الثوار. في سياق هذا الفهم تأتي النظرة إلى “مجلس شركاء الثورة” بارتياب تثبته مواقف الشركاء المزعومين ولغاتهم. هم يعترفون ضمنا في التسمية “شركاء” بوصولهم المتأخر في صناعة الثورة لكنهم لا يكتفون بتفيئ ظلالها . بل يكشرون عن أطماعهم في جني عائدات نضال سقاه غيرهم بالدم والسهر نحت أهوال الرعب والتقتيل العشوائي. أكثر من ذلك لا يتورع البعض منهم عن التوهم بانتزاع حقوق الوصاية – دون امتلاك المقومات- على المرحلة الإنتقالية. هؤلاء الجهلة لا يدركون الأصل في بناء الشراكة القويمة هو الإختيار الحر، الكفاءة والندية والتكافؤ. فمع من من فصائل الثوار أبرموا هذه الشراكة المختلقة؟
*** *** ***

من المهم في سياق القاموس كذلك التشديد على تماهي المفاهيم بين الثورة ، الشعب والوطن. فإذا كان للوطن علاقة بالجغرافيا فإن له تشابك حميم مع التاريخ. فالوطن ليس فقط مجرد رقعة أرض. بل كما قال المفكر المصري جمال حمدان: الوطن دراسة في عبقرية الزمان والمكان.. هو إبداع الإنسان الحضاري والمشاعر والطاقات الإنسانية. أي جيش ذي عقيدة وطنية حينما يدافع عن الوطن لا يحمي فقط رقعة أرضية ذات حدود من جغرافيا العالم . بل هو يحمي تاريخا وتراثا وقيما إنسانية كذلك. لذلك قال المناضل الشهير جيفارا: من اليسير نقل مواطن عن وطنه لكن من المستحيل نقل الوطن عن المواطن.. أفيصيب العمى بعض الجنرالات فلا يروا في ثورة ديسمبر الجماهيرية الفريدة إنجازا سودانيا يستوجب الدفاع عنه حد الفداء! أسمع الجنرالات العظام بمقولة جيفارا علمني الوطن ان حدوده ترسم بدماء الشهداء. حتى في إطار الحيز الجغرافي الضيق من الفهم والإستيعاب كيف يتأتى لجنرال التباهي بحماية أرض الوطن وبعض أطرافه تحت وطأة قوات أجنبية ،ميلشيات خارجة عن القانون وحقوق الإنسان وعصابات تهريب وهو في رئاسة أركان جيش عاجز عن التصدي لتلك الخروقات المشينة!
*** *** ***

مثل هذه العقلية عاجزة بالطبع عن إدراك ماهية الثورة من زاويتها المفتوحة على مضامين سياسية ، وطنية، ثقافية إقتصادية إنسانية شاملة تستهدف كسر أُطر وضع منخثر بغية الإرتقاء إلى وضع أفضل. تلك عملية تقتضي هدم نظام الحكم القائم بما في ذلك مؤسساته وعلاقات إنتاجه السائدة . الثورة من هذه الزاوية عملية تغيير تقوده نخب الشعب وطلائعه . وحدهم أعداء الشعب والخارجون عن النخب والطلائع يتصدون لقوى الثورة ويعرقلون حركة تقدمهم. هؤلاء يفعلون ذلك حرصا على مصالحهم المكتسبة في ظل النظام السابق للثورة غالبا أو لضيق أفقهم كذلك. من شدة عجزهم يلوذون لبث الرعب كما الإحباط للتيئيس من إحداث تحول نحو ذلك الأفضل المرتجى. أي جنرال يمتشق قوامه قدرا من أخلاقيات الرجال ، فحولة أبناء القبائل ونخوة ” اخو الأخوات” بمعنى مقومات السوداني الأصيل ” ود البلد” يرتضي رؤية ” عنف البادية” و” همبتة الخلا” تزلزل أمن الصبية والحرائر في المدائن؟ حيث تتنافس العصابات على مطاردة ، أعتقال ، تعذيب وتغييب الصبايا والصبية
*** *** ***

أما المتربصون الجدد بالثورة من على عتبة الشراكة فنذكرهم بمقولة رائد علم الإجتماع المعروف لغيرهم عبد الرحمن بن خلدون” لابد للصراعات السياسية من نزعة قبلية أو دينية لكي يحفّز قادتها أتباعهم على القتال والموت فيتخيلون أنهم يموتون من أجلها”. لعل أتباعهم أدركوا شرور أعمالهم فهم من غمسوا أيديهم في فتنهم وولغوا في دمائهم حتى ما عادوا يملكون الجرأة على مزاورتهم فركنوا إلى إثارة غرائز السلب والنهب عند حواف المدن نشرا للفوضى بدعاوى استعراض قوة متوهمة وترويع الآمنين. لو كان في وسع الجنرالات شاغلي المواقع تحقيق أي إنجاز على درب الثورة فالأولوية تستوجب عليهم تامين السلم الإجتماعي. بأي وجه يتباهى أي جنرال بالدفاع عن وطن تحدث عمليات التقتيل الممنهجة والعشوائية في شوارع الأحياء السكنية والمعابر بين المدن؟ عن أي ثورة يقسم أي جنرالات بالدفاع عنها دون أن يجرؤ على تسمية من هم الأعداء المستهدفون بينما تشير أصابع شباب الثورة إلى الجنرالات وشركائهم
*** *** ***

بمقولة عبد الرحمن بن خلدون” قمة الأدب الإنصات إلى شخص يحدثك في أمر أنت تعرفه جيداً وهو يجهله.” يقتدي الدكتور حمدوك في تعامله مع الجنرالات. وكذلك نفعل. حمدوك لا يفعل ذلك فقط من باب التأدب لكن لمعرفته كذلك أن وراءه خزان بشري لو استعان بموجات منه لاكتسحت كل رواكيب الخريف حيث تعشعش أوهام الردة إلى النظام الشمولي في عقليات الموسومين زورا ” شركاء الثورة”

aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!