“المشروع الحضاري” في السودان والإسلاميين الجنوبيين: بين الاستيعاب والإقصاء .. بقلم: ويلو بيريدج .. عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذا عرض وتلخيص لبعض ما جاء في مقال للدكتورة ويلو بيريدج نشر في مجلة دراسات شرق أفريقيا (J East Afr Stud) في مارس من عام 2021م. تعمل كاتبة المقال محاضرة بقسم التاريخ في جامعة نيوكاسل البريطانية.


 

“المشروع الحضاري” في السودان والإسلاميين الجنوبيين: بين الاستيعاب والإقصاء
The “Civilization Project” and the southern Sudanese Islamists: between assimilation and exclusion
Willow Berridge ويلو بيريدج
عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذا عرض وتلخيص لبعض ما جاء في مقال للدكتورة ويلو بيريدج نشر في مجلة دراسات شرق أفريقيا (J East Afr Stud) في مارس من عام 2021م.
تعمل كاتبة المقال محاضرة بقسم التاريخ في جامعة نيوكاسل البريطانية. وكانت قد درست وعملت من قبل في قسم التاريخ بجامعتي درم ونورثهامتون، حيث نشرت الكثير من المقالات المحكمة عن أجهزة الأمن والشرطة والسجون في السودان، ومقالا عن الثورة المصرية على نظام حسني مبارك، وعددا من الكتب منها: “حسن الترابي: السياسة الإسلامية والديمقراطية في السودان” و”الثورات المدنية في السودان الحديث في عامي 1964م و1985م”، و”الإسلاموية في العالم المعاصر من زاوية تاريخية”. وكانت أطروحة الكاتبة المقدمة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة درم هي بعنوان: “تحت ظل النظام: تناقضات حفظ النظام في السودان بين عامي 1924 و1989م”.. وسبق لنا ترجمة بعض أعمالها مثل مقال “التعليم تحت ظل الاستعمار وتشكيل الايديلوجية الاسلامية في السودان بين عامي 1946 و1956م”، و” أوجه القصور في سجون سودان ما بعد الاستعمار: من الإصلاح إلى الاقتصاص، 1956 – 1989م.
أشكر الكتابة لاهتمامها بتعريب بعض أجزاء بعض هذا المقال.
المترجم
************* *********** *************
ذكرت الكتابة في مُفْتَتَح مقالها أن حسن الترابي (زعيم حزب المؤتمر الشعبي، ومهندس “المشروع الحضاري” في السودان، والمعارض الحالي لذات النظام الذي أنشأه) أعلن في يناير من عام 2010م أن عبد الله دينق نيال ايوم (الوزير السابق في حكومة نظام الإنقاذ) هو مرشح حزبه لانتخابات رئاسة الجمهورية في ذلك العام. وكان ترشيح مسلم جنوبي لرئاسة البلاد أمرا بالغ الأهمية، خاصة وأن السودان كان مقبلا على آخر انتخابات رئاسية قبل الاستفتاء الذي أدى لاحقا لفصل جنوب السودان (ذي الأغلبية غير المسلمة). ولعل ترشيح الترابي لجنوبي مسلم كان آخر محاولة لإنقاذ رؤيته لسودان تطغى فيه الهوية الإسلامية على خصوصيات الجهة والعرق (وغيرهما). وذهب محمد الأمين خليفة (وهو من دارفور) إلى أن ذلك الترشيح يمكن أن “يُعد رمزا لوحدة السودان، لأننا لسنا بانفصاليين، وليست هنالك تفرقة عنصرية في حزبنا، ولا في الإسلام نفسه”.
غير أن هنالك من قال بأن اقتراح الترابي بترشيح عبد الله دينق للرئاسة لم يكن إلا من باب المراوغة فحسب، فقد كان الترابي ومن معه في قيادة حزبه يعلمون تمام العلم بأن الانتخابات الرئاسية ستزُوِّرْ حتما لصالح حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان. بل وشكك بعض الكتاب الغربيين في أن النظام الإسلاموي السوداني (الذي كان الترابي على رأسه حتى 1999م) كان ملتزما بصدق في عملية أسلمة وتعريب الجنوبيين من غير المسلمين، ودليلهم على ذلك هو الممارسات العنيفة التي كانت تقوم بها قوات الأمن ضد أولئك الجنوبيين، والتي كانت ترغب في إقصائهم وليس استمالتهم أو استيعابهم. غير أن آخرين كانوا يرون أن مشروع الإسلاميين الحضاري كان قد أخفق بسبب غطرستهم ورغبتهم الاستعلائية في فرض هوية موحدة على سكان ذوي هويات متنوعة. ويؤمن آخرون متعاطفون مع النظام الإسلامي بأن الصراع الشامل في جنوب السودان أدى لنزوج كثير من الجنوبيين للخرطوم حيث تشرَّبَوا ثقافة عرب الشمال. وهناك من ذكر بأن الحكومات الشمالية التي أعقبت نيل الاستقلال كانت ترغب بصدق في “أسلمة” سكان الجنوب، ولكنهم لم يكونوا يرغبون حقيقةً في خلق مساواة اجتماعية بين الشمال والجنوب. وكان كثير من المثقفين الجنوبيين يصفون سياسات حكومات الشمال تجاه الجنوب بأنها “استعمار ثقافي”. وضرب البعض مثلا بالإسلامي الدارفوري داؤود بولاد الذي أصابه اليأس والإحباط بعد أن تأكد له أنه لم يعد مساويا لرفاقه الشماليين، فخرج على الحركة الإسلامية والتحق بالحركة الشعبية، وعوقب على ذلك بالقتل في 1992م.
****
ذكرت الكاتبة تحت عنوان جانبي هو “الحركة الإسلامية والجنوب” بأن رجال الحركة الإسلامية يؤمنون بما كانت تقول به صفوة المثقفين الوطنيين من أن الفصل بين الشمال والجنوب كان فصلا اصطنعه المستعمرون البريطانيون. بل قام أحد قادة الإسلاميين الأوائل (علي طالب الله، 1910 – 1984م) بالزواج من امرأة جنوبية ليُري الناس مدى التزامه بوحدة الشمال والجنوب.
وتناولت الكاتبة كذلك تاريخ “سياسة المناطق المقفولة” التي نفذها المستعمرون البريطانيون فعليا في الجنوب عام 1930م، والتي كان المستعمر يحاول بها أن “يحمي” الجنوب الأقل نموا وتمدنا من تغول متعلمي الشمال وتجارهم (الجلابة)، وأن يمنع أي حدوث صلات “وطنية” تهدف لوحدة الشمال والجنوب (مثلما حدث في حركة “اللواء الأبيض” عام 1924م). وفي الثلاثينات والأربعينات تبنى خريجو كلية غردون أفكارا وطنية تجعل من الثقافة العربية، ليست مجرد تعبير عن الهوية فحسب، بل رابطة لغوية وثقافية يمكن لها توحيد كل أجزاء السودان بمجتمعاته المتباينة تحت راية موحدة متماسكة. وعقب “مؤتمر جوبا” في عام 1947م ظهرت عند أولئك الخريجين فكرة القيام بـ “مهمة نشر الحضارة civilization mission”، الشبيهة بما كان يدعو له المستعمر البريطاني، عدا أنها كانت تهدف لنشر الثقافة العربية وليس غيرها.
وتناولت الكاتبة كذلك تاريخ نشاط الحركة الإسلامية في الجنوب، بدءًا من مولانا أحمد محمد علي، المدرس في وادي سيدنا الثانوية، الذي ذهب للجنوب عام 1954م، وقُتل به في حوادث التمرد عام 1955م. غير أن الحركة الإسلامية لم تقم بعمل جاد في الجنوب إلا في بداية ثمانينات القرن الماضي. وكان الترابي قد سعى عقب ثورة أكتوبر 1964م لكسب ود الجنوبيين باقتراحه لـ “الحكم المحلي” عوضا عن نظام الحكم المركزي كحل لمشكلة الجنوب. وأنضم للحركة الإسلامية عدد من أعضاء “جبهة الجنوب” منهم علوية عبد الفراج وخميس مرجان وأحمد الرضي جابر. غير أن “جبهة الميثاق الإسلامي” لم تصب نجاحا يذكر في الانتخابات التي أجريت بعد ثورة أكتوبر، إذ لم تفز إلا بدائرة واحدة في مريدي (نالت فيها 379 صوتا من 544).
ثم أضطر الاسلاميون للاختفاء عقب قيام “ثورة مايو” الاشتراكية في بادئ أمرها، ثم عادوا لمصالحة ذلك النظام في 1977م، وتغلغلوا في النظام المصرفي الإسلامي الجديد واستفادوا منه في توسيع نشاط حركتهم. وكانوا قد أقاموا أيضا ما سُمي بـ “مكتب الجنوب”، الذي قام ثلاثة من أفراده – بقيادة أحمد الرضي جابر – بعمل مسح استغرق 45 يوما لمعرفة مدى انتشار التعليم في أوساط الجنوبيين وما يدينون به. وعمل الترابي أيضا في أوساط أهل دارفور (من غير المجموعات العربية)، ودفع بعلي الحاج لقيادة الحركة الإسلامية، وذلك لجعل الحركة الإسلامية السودانية حركةً “أفريقية” أكثر منها “عربية”، مثلما هي الحركة الإسلامية المصرية. وصار علي الحاج من أهم الشخصيات الإسلامية التي عملت على توسيع نشاط الحركة الإسلامية بالجنوب، خاصة عقب عودة النظام البرلماني بعد انتفاضة 1985م، وإنشاء “الجبهة الإسلامية القومية”. وفي مقابلة للكاتبة مع علي الحاج ذكر لها أن “الجبهة الإسلامية القومية” كانت قد قررت توسيع نشاطها في الجنوب، وتشجيع الجنوبيين المسيحيين للانضمام لها، وتذكيرهم بما قام به الجنوبيون في ثورة 1924م، وبأن أولئك كانوا وطنيين غير عنصريين ولا قبليين. وورد في ميثاق “الجبهة الإسلامية القومية” الصادر عام 1987م أن هنالك “العديد من سكان السودان الذين يؤمنون بديانات أفريقية، وأن هذه الأقلية من مواطني السودان يجب ألا تضار أو يضيق عليها” (1). وبهذا يتضح أن “الجبهة الإسلامية القومية” لم تصف الديانات الإفريقية الأخرى ببساطة بأنها محض جاهلية وثنية، بعكس ما يراه الإسلاميون في أمكنة أخرى. ورغم ذلك فقد كان مفهوما أن تلك الثقافات الإفريقية تمثل ثقافات فرعية أو ثانوية subcultures ضمن هيمنة إسلامية أعرض وأشمل (2). وكان الإسلاميون (مثلهم مثل المبشرين المسيحيين) قد أدركوا أهمية اللغات المحلية في عملية إدخال أصحاب الديانات الإفريقية في الإسلام (أو المسيحية في حالة المبشرين). وأوصى مؤتمر للمنظمات الإسلامية العاملة بالجنوب عُقد بجوبا في 1992 و1997م بترجمة القرآن والأحاديث النبوية للغات المحلية لتسهيل فهم ونشر الإسلام في أوساط السكان، وكان عبد الله دينق من ضمن الذين شرعوا في ترجمة القرآن للغة الدينكا. وغني عن القول إن نظام الإسلاميين بعد انقلاب 1989م كان قد فارق بصورة واضحة الرؤية الشاملة الجامعة (والأسمية/ الشَكلِية أيضا) التي قدمها “ميثاق الجبهة الإسلامية” في عام 1987م.
***** ******** *********
وتحت عنوان جانبي هو “منظمة العالم الإسلامي” تناولت الكاتبة قدرة الحركة الإسلامية السودانية في السبعينيات والثمانينات على تحويل نفسها لحركة جماهيرية عن طريق تمويل المنظمات الخيرية التي تقدم الخدمات الصحية والتعليمية التي عجز القطاع العام عن تقديمها للناس لأسباب متنوعة. وأدى تكوين تلك المنظمات (بتمويل من ليبيا وبعض الدول الخليجية) في خلق حركة جماهيرية ساندت “المشروع الإسلامي” أكثر بعد انقلاب البشير عام 1989م، وتوسعت في الجنوب وأقامت به “الهيئة الإسلامية لجنوب السودان” بجوبا في 1982م، كبديل للمنظمات المسيحية التبشيرية، و”منظمة الدعوة الإسلامية” – بقيادة مبارك قسم الله زايد – (3). وكانت المنظمتان المذكورتان – بحسب مقابلة مع منير سوميت (4) مع صحيفة الراية في 5/10/1985م – تقدمان المساعدات والخدمات الطبية للمواطنين بالجنوب من أجل زيادة نفوذهما في أوساطهم. وإضافة لهدف إدخال المستفيدين من تلك الخدمات في الإسلام، كان هنالك هدف آخر لمنظمة الدعوة الإسلامية ذكره (الرئيس السابق) عمر البشير وهو “خلق قيادة إسلامية من أبناء الجنوب”.
وكانت “منظمة العالم الإسلامي” ترى أن السمة المسيحية الغالبة للتعليم في جنوب السودان تعيق دخول المسلمين الجنوبيين من اقتحام مجالات العمل العام. وهذا ما دفع بالمنظمة لدعم عملية إدخال الجنوبيين الذين درسوا خارج السودان (بمصر مثلا) في العمل السياسي العام، والعمل على تطوير قدرات الجنوبيين الذين نزحوا للخرطوم بسبب الحرب الأهلية. فعلى سبيل المثال مولت “منظمة العالم الإسلامي” دراسة القائد الطلابي إبراهيم الماظ دينق في جامعة القرآن الكريم بعد نزوحه من الجنوب للخرطوم، وذلك بحسب ما ذكره في مقابلة له مع صحيفة “رأي الشباب” في 11 مايو 2006م. وكان من فكروا في البدء في تكوين “منظمة العالم الإسلامي” يرونها كمنظمة منافسة لجمعيات العون المسيحية وجماعات المبشرين الذين يستغلون حالات الفقر والتخلف لتنصير السكان عبر الأعمال الإنسانية. وجاء في دراسة حديثة عن حركة “الإخوان المسلمون” بمصر أن مثل تلك المنافسة كانت قد جعلت المنظمات الإسلامية تنتهج ذات الاستراتيجيات والرؤى والآفاق التي كانت تنتهجها المنظمات الخيرية الغربية.
وتناولت الكاتبة بعض ما جاء في مذكرات الأمين محمد عثمان، الأمين العام لمنظمة الدعوة الإسلامية بين عامي 1985 و2002م (5)، عن عمله في لندن في السبعينيات، وتأثره بمفاهيم وقيم الطبقة الوسطى البريطانية التي تتميز – بحسب رأيه – بـ “المسؤولية والسلوك اللطيف المؤدب”، واعجابه بالمدارس البريطانية في سبعينيات القرن الماضي، التي وصفها بأنها “مكنة انتاج” لصنع المواطنين (الصالحين). وكانت تجربته مختلفة تماما مع مهاجري الكاريبي من ساكني منطقة “نوتنق هيل” بغرب لندن، حيث تفشو العطالة والجرائم والمخدرات والخمور والانحلال الجنسي. وكان يعزو كل ذلك لبعض خواص الرأسمالية الغربية، ويقول بأنه إن عاد للسودان فسوف يعمل على منع حدوث مثل ذلك الحال الذي شهده في مجتمع “نوتنق هيل” في السودان، إذ أن مثل تلك الطبقة في السودان “ستغدو قضية عنصرية وعرقية تدمر بنيان مجتمعنا المسالم حميد الأخلاق”.
وكان الكاتب الإسلامي حسن مكي قد استخدم كلمتي “الحزام الأسود” للتعبير عن خشية وعداء النظام لتمدد وتزايد أعداد الجنوبيين النازحين الذين أقاموا بعشوائيات في أطراف الخرطوم. غير أن الأمين محمد عثمان كان ينتقد “الخوف والقلق” من ذلك “الحزام الأسود”، وكان يرى بأن “منظمة الدعوة الإسلامية” تراه كـ “حزام أخضر”، يمكن للمنظمة أن تعمل فيه لإدخال ساكنيه للإسلام عبر الأعمال الخيرية (مثل إقامة المساجد والخلاوي، وتوفير المراكز الصحية والقابلات المؤهلات وأخصائي التغذية في مناطق لا وجود للشرطة بها).
وكانت أعداد الجنوبيين النازحين الذين دخلوا في المسيحية بعد قيام انقلاب 1989م يفوق بكثير أعداد الذين دخلوا في الإسلام. غير أن بعض الذين أسلموا من هؤلاء النازحين تبوَّأوا لاحقا مناصب مهمة في الدولة (مثل الدينكاوي أبكر مل الذي ظفر بمنصب تشريعي بعد عمله في منظمة الدعوة الإسلامية في حي مايو)، مما يدل على قدرة هؤلاء على سد الفجوة بين المركز والهامش، إلى حد ما بالطبع.
***** ******** ********
وفي جزء آخر من المقال ذكرت الكاتبة أن تجنيد الجنوبيين للانضمام للحركة الإسلامية كان يتم عن طريقين هما: المدارس الثانوية والجامعات في مدن شمال السودان الكبيرة، ومواقع السلطة التقليدية مثل الإدارة الأهلية وزعماء القبائل وكبرائها (chiefs). لذا ليس من المستغرب أن كبار قادة الحركة الاسلامية الجنوبيين كانوا قد درسوا بمدارس وجامعات الشمال، التي كان جوها العام يتميز بالحرية والمساواة النسبية، ويتيح للطلاب القادمين من المناطق المهمشة أن يبرزوا كقادة سياسيين (مثل أبو بكر دينق، الشلكاوي من ملكال وعضو الجناح الطلابي للحركة الإسلامية، الذي ترأس اتحاد طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم عام 1985م). ودرس بعض الطلاب الجنوبيين المسلمين بجامعة الأزهر مثل أحمد الرضي جابر (ربما في الخمسينيات) وعبد الله دينق في منتصف السبعينات. وكانت الحركة الوطنية الاتحادية قد بعثت بنحو عشرين طالبا جنوبيا لمصر في محاولة لصد الآثار المضادة للإسلام التي أعقبت إعلان “سياسة الجنوب” الاستعمارية. وسحبت مصر لاحقا التمويل السنوي الذي كانت تقدمه لذلك البرنامج بعد أن آثر السودانيون الاستقلال التام عن مصر وبريطانيا.
******** ********* ********
وفي أطول أجزاء المقال المعنون “إسلاميو الجنوب والشريعة والمفاصلة والانفصال” ذكرت الكاتبة أن تأييد “الجبهة الإسلامية القومية” لقوانين سبتمبر التي أصدرها نميري عام 1983م، ولتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم، واندلاع الحرب الأهلية الثانية في ذات العام، كل ذلك قد أسهم في عدم كسب “الجبهة الإسلامية القومية” إلا لمقعدين برلمانيين بالجنوب في انتخابات 1986م. وكان الترابي وبقية أعضاء “الجبهة الإسلامية القومية” يخشون من شعار “السودان الجديد” الذي كان يرفعه جون قرانق، وما يستتبعه من علمانية ومساواة في “سودان جديد”. وظل الإسلاميون لعقدين من الزمان يقاومون جهود قرانق لتصدير الكفاح الجنوبي ضد التهميش إلى الشمال، بعدة وسائل وطرق مختلفة منها التنازل والقبول بمبدأ الحكم الذاتي للجنوب، وعقد صفقات مع من أنشقوا عن “الحركة الشعبية لتحرير السودان” في التسعينيات.
ومنذ عام 1986م وما بعدها بدا أن الترابي وجماعته كانوا على استعداد للتضحية بمبدأ “أسلمة الجنوب” من أجل ضمان بقاء نسختهم الخاصة من الحكم بالشريعة في الشمال (والتي عارضها الكثير من العلمانيين والمسلمين من غير أتباع “الجبهة القومية الإسلامية”، خاصة فيما يتعلق بالحدود وتطبيقها). غير أن الترابي عند إصداره لـ “ميثاق السودان” في 1987م، ومنذ أن شغل منصب “النائب العام” في 1988م، وبعد انقلاب 1989م، ظل يؤكد أن تطبيق حدود الشريعة لن يسري على المسلمين أو غير المسلمين بالجنوب. إلا أن ذلك التأكيد لم يرض الإسلاميين بالجنوب، واحتج بعضهم (مثل منقو اجاك) على ذلك الاستثناء بالقول إنهم لا يرضون بأن يكونوا “مسلمين من الدرجة الثانية” (بحسب ما جاء في صحيفة “الراية” يوم 18 /9/ 1988م). غير أن أبوبكر دنيق أعتبر أن انقلاب 1989م سيجلب “عصرا ذهبيا لمسلمي الجنوب”. وسعت حكومة انقلاب 1989م لتعيين جنوبيين محليين في وظائف عليا ومهمة بولاياتهم، مثل موسى المك كير الذي عُين حاكما لأعالي النيل بين 1994 – 1996م، ومنقو اجاك الذي عُين حاكما لنفس الولاية بين 1998 – 2000م. وعين النظام أيضا بعض الجنوبيين كحكام لولايات في الشمال (منهم عبد الله دينق الذي عين حاكما للنيل الأبيض، وكان في فترة سابقة وزيرا للإرشاد).
ولا يوجد أي مثال يعبر عن العلاقات المتوترة بين السلطات والسياسيين الجنوبيين السابقين مثل ما حدث للقائد الطلابي السابق إبراهيم الماظ دينق، الذي هجر حزب المؤتمر الشعبي وانضم لـ “حركة العدل والمساواة”، فقامت سلطات الأمن باعتقاله. ومثلت خلفية دينق كجنوبي إسلامي وانضمامه لحركة تمرد في دارفور نوعا جديدا من التهديد لصفوة الشماليين النهريين يساوي تهديد قرانق لهم بـ “سودان جديد”. وتحالفت “حركة العدل والمساواة” مع “الحركة الشعبية لتحرير السودان”. وبذا لم يكن غريبا أن قامت حكومة الخرطوم بعد انتهاء محكومية دينق في عام 2017م بترحيله للجنوب. وكان ذلك مما أثار حفيظة كاتب صحافي ناقد للبشير هو عثمان ميرغني الذي انتقد ذلك القرار في صحيفة “السودان اليوم” الصادرة في يوم 23/10/ 2017م. وانتقده كذلك ياسر عرمان مؤكدا حق إبراهيم الماظ دينق (الذي وصفه بـ “الرجل الشجاع الذي ينتمي للشمال والجنوب”) في الاحتفاظ بجنسيته السودانية.
وشابت علاقة الجنوبيين المسلمين الذين عادوا للجنوب مع نظام الحكم الجديد في الجنوب المستقل الكثير من الغموض والالتباس. فقد كانت الحركة الشعبية تدين رسميا الإسلاميين، وتعدهم سبب الأزمة في الجنوب التي تطاولت لسنوات عديدة. لذا فقد كان على فرعي حزبي المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي في الجنوب أن يعلنا استقلالهما عن الحزبين في الشمال، وأن يقدما دستورين جديدين يتعهدان فيهما بالالتزام بعلمانية جنوب السودان (بحسب مقابلة لعبد الله دينق مع الكاتبة في أغسطس من عام 2018م). وورد في كتاب نوح سولمون المعنون “في حب النبي” أن السلطات في جنوب السودان أغلقت تلك المساجد التي قيل إنها أقيمت من أجل فرض الإسلام بالقوة. ولكن السلطات الجنوبية سمحت للقادة الإسلاميين مثل بيش أكور ومنير سوميت بقيادة منظمات إسلامية بالجنوب. ولعل مرونة الترابي المعهودة هي التي سهلت على الإسلاميين الجنوبيين هجرهم لكثير من الشعارات والأقوال التي كانت سائدة في الشمال، وذلك لضمان وجودهم سياسيا في الجنوب. وتحدى عبد الله دينق فتوى الشيخ القرضاوي التي كانت تحرم تصويت المسلمين على انفصال الجنوب. وبالفعل وافق عبد الله دينق وصوت على الانفصال مستندا على قاعدة “المصلحة العامة”. ومكنته تلك “النظرة العملية” من تسنم منصب وزير في أول حكومة بجنوب السودان.
****** *******
ملخص المقال
اعتمد هذا المقال على عدد من المقابلات الشخصية، وعلى ما نُشر في الصحف والمجلات السودانية وغيرها من المصادر المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية. وقدم المقال تحليلا للتطورات التاريخية في استراتيجيتها الهادفة لأسلمة جنوب السودان، بالتركيز على التجارب الشخصية لبعض أفرادها. وأورد المقال أوجه التشابه بين طرق وخطط “تمدين” جنوب السودان التي سلكها الاستعمار البريطاني والإسلاميون الشماليون، وكيف أن طرق “المشروع الحضاري” لحسن الترابي، ونظام “الإنقاذ” تراوحت بين استيعاب واقصاء الجنوبيين. ورغم أن محاولات الحركة الإسلامية لتجنيد جنوبيين في صفوفها لم تلق نجاحا كبيرا، إلا أن من تم تجنيدهم بالفعل لم يكونوا مجرد توابع لإسلاميي الشمال، بل سعوا لردم الفوارق الاجتماعية بين المركز والهامش، وكان ذلك سببا لاختلافهم مع بعض صفوة الإسلاميين الشماليين. وهذا ما يثبت خطل فكرة أن الحركات الإسلامية متجانسة اجتماعيا وفكريا. ويقدم المقال منظورا جديدا للنقاش والحوار حول التعريب والأسلمة في السودان، وعلاقات المركز بالأطراف في سياقات مرحلة ما بعد الاستعمار.
************* ***********
إحالات مرجعية
1. جاء في “ميثاق السودان” الذي أصدرته “الجبهة القومية السودانية” ما نصه أن “السودان وطن واحد، يتحد شعبه بولاء وطني وقومي، لكنه يتباين بأصوله العرقية وكياناته العرقية والثقافية المحلية. ويختلط فيه عرق عربي وعرق افريقي تتمازج ثقافة عربية وأخرى افريقيـة، وفيـه داخـلات من عروق وثقافات أخرى، وتحترم الأصول والوشائج العريقة والقبلية، وترعى أعراف التعامل والتعاون الخاص في الإطار القبلي والمحلي”.
2. ذكر “ميثاق السودان” الصادر عام 1987م ما يفيد بأنه يجب احترام الثقافات المحلية ذات اللغات والتراث وطرق العيش المختلفة، وينبغي السماح لها للتعبير عن نفسها والدعوة لها، ولكن دون انتقاص أو عدم التزام بالسياسات التعليمية القومية وباللغة الرسمية للبلاد.
3. قدم طالب ماجستير بجامعة أم درمان الإسلامية رسالة بعنوان “مبارك قسم الله زايد وجهوده في الدعوة إلى الله” عام 2006م. http://thesis.mandumah.com/Record/166829/Details
4. للمزيد عن منير سوميت يمكن النظر في الخبر المنشور عن “شورى المجلس الإسلامي بجنوب السودان” يوم 10/9/2020م: http://www.iinanews.org/page/public/news_details.aspx?id=320134
5. نشرت “الشرق الأوسط” في يونيو 2002م الخبر التالي عن الأمين محمد عثمان، تجده هنا: https://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=8435&article=107931#.YF1rLJ0zaUk

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!