جعفر نميري والخروج عن النص في الرهد ابو دكنة ! .. بقلم: محمد موسى حريكة  

مستخدما أربعة مروحيات عسكرية انطلق جعفر نميري يجوب اصقاع (اقليم كردفان) مصطحبا عددا من المسؤولين . كان ذلك في عام 1975 وهو يحشد وينشد الدعم المادي في إنشاء مشروعه الروحي (مسجد النيلين ). حطت المروحيات في فضاء صغير غرب مدينة الرهد بالقرب من محطة 



 

 

مستخدما أربعة مروحيات عسكرية انطلق جعفر نميري يجوب اصقاع (اقليم كردفان) مصطحبا عددا من المسؤولين . كان ذلك في عام 1975 وهو يحشد وينشد الدعم المادي في إنشاء مشروعه الروحي (مسجد النيلين ).
حطت المروحيات في فضاء صغير غرب مدينة الرهد بالقرب من محطة السكك الحديدية قادمة من مدينة ابوزيد ، وفي عصر ذلك اليوم الاستثنائي في مدينة الرهد الهادئة الجميلة انطلقت فعاليات مخاطبة سياسية احتفاء بالزائر وضيوفه .
وقد سبق ذلك تكوين لجنة قومية للإعداد لهذه الزيارة، وكانت الأجواء مصحوبة ببيانات مناهضة لتلك الزيارة منددة بها وبحكم العسكر من قبل بعض الجهات السياسية ،في إطار (الحرب الباردة) كما يمكن تسميتها بين السلطة وارادة الشعب الغلابة دائما وفق منحنيات التاريخ الوطني .
كانت اللجنة القومية للاستقبال تضم رموزا مقدرة من الطيف السياسي والذي استطاع ان يجير الخطاب الرسمي للجنة لصالح القضايا الأساسية التي تشغل بال المواطن دون الانسياق للتطبيل والمزايدات التي غالبا ما تميز مثل تلك الخطابات وفي مثلها ظروف .
لقد ركز خطاب اللجنة القومية علي الكساد الذي ضرب تسويق محصول الكركدي في تلك الأعوام وأثر ذلك على المنتجين من صغار المزارعين الذين يمتهنون زراعة ذلك المحصول الذي تشتهر به شرق كردفان .لم يكن ذلك الكساد قد جاء من فراغ ، فقد كانت السنوات الماضية قد شهدت وفرة وتداول وتصدير لذلك المحصول خاصة لدول شرق أوربا (بولندا) ولكن المؤسف ان سياسات مايو عقب 1971 قد أضرت بذلك التعامل التجاري مما احدث تراجعا حادا في صادرات الكركدي، وذكرت اللجنة في خطابها ان مخازن المدينة تحوي ما يزيد عن الأربعين الف طن ، وهي بالتالي اَي مدينة الرهد تتبرع بذلك المحصول(في المخازن) لرآسة الجمهورية لتسويقه عسى ان يعينها في تشييد مسجد النيلين، كان الخطاب هادئا ولا تخفى مراميه وإشاراته الخفية، وقدمت اللجنة مفتاحا صغيرا من الذهب وهيكلا ذهبيا صغيرا لشجرة (الكركدي) هدية للسيد الرئيس !
نهض النميري واستلم تلك الهدايا ،ثم اندفع نحو المنصة لالقاء خطابه وسط هتافات وزغاريد هنا وهناك.
وكعادته ابتدر خطابه بتحية ثورة مايو (الخالدة أبداً )محييا جماهير مدينة الرهد في ذلك الخطاب المرتجل ، ثم قال وبالحرف الواحد (انا مفتاحكم دا حاربوطو في تكتي) و (التكة)طبعا معروفة في ذلك السروال البلدي .هنا ضحك البعض ، وزغردت نسوة قادمات من أطراف المدينة،الا ان الصمت والوجوم والدهشة كان ذلك ما ميز تلك اللحظة مع سحابات الخجل والحياء الشفيفة التي لاحت علي وجوه بعض النساء والطالبات، ورغم كل تلك السنوات التي اعقبت ذلك الخطاب الا انني حتي اللحظة لم اجد تفسيرا مقنعا لتلك العبارة او معني محددا لها ، وقد انطلقت عدة تفسيرات لها ما بين جد وهزل ولكنها لم تسبر أغوارها .
وكنت اقف غير بعيد من تلك المنصة أراقب كل ردة فعل لهذا الخطاب غير المألوف .
وأنتهي ذلك الحفل الخطابي ، وانطلق موكب النميري نحو نزل الضيافة وقد اختير سكن الطبيب البيطري لتلك المهمة.
اشتمل برنامج ذلك المساء علي حفل عشاء في دار احد أعيان مدينة الرهد وفي تمام الساعة الثامنة والنصف تحديدا انتظم الجميع ونشرت الموائد في انتظار قدوم رئيس الجمهورية من نزل الضيافة،
الا ان المفاجأة ان احد كبار رجالات الوفد ابلغ اللجنة المنظمة ان الرئيس لن يحضر حفل العشاء !
وهنا انطلقت المخاوف والتكهنات وان النميري( زعلان) ،رغم ان كل أعضاء الوفد الزائر كانوا حضورا ، هنا طلبت اللجنة من زين العابدين محمد احمد عبد القادر الذي كان بصحبة النميري ان يتوسط لدي الرئيس وإقناعه بحضور حفل العشاء ،الا ان زين العابدين رفض مهمة الوساطة و أشار الي إمكانية ان يتوسط محمد الربيع الذي كان وقتها مشرفا سياسيا علي اقليم كردفان ،ولكن يبدو ان محاولاته باءت بالفشل
وطلب من اللجنةايصال عشاء للرئيس في غرفته هناك.
وبهذا الشكل الدرامي مضي حفل العشاء الي (غاياته ) دون النميري .
في الصباح الباكر توجه الوفدالزائر الي مدينة ام روابة، وهي التوأم لمدينة الرهد ورئاسة المجلس التنفيذي لشرق كردفان.
وكانت مهمتنا اخلاء منزل الطبيب البيطري وتنظيمه وإعادته الي طبيعته بعد انتهاء الزيارة ، في ذلك النهار حرصنا ان نعرف كيف تبدو غرفة (الجنرال) في عزلته التي ضربها علي نفسه ليلة البارحة.
كانت الغرفة مرتبة وعلي احد أركانها طاولة وضعت عليها (صينية) عشاء انفض سامرها وعلى طاولة صغيرة صورة لصفحة مكتوبة بالكربون توضح ماجاء في صحيفة (الأيام ) صباح اليوم وقد كان المينشيت (استقبال حاشد للسيد الرئيس بمدينة الرهد ) ولا شئ غير ذلك في الغرفة يبدو غير عاديا .
في زيارة نميري لمدينة ام روابة وهو قادم من مدينة الرهد وكما ذكرت فان المدينتين شبه توأمين، وقد حوى خطاب مدينة ام روابة مطالب من ضمنها تشييد مدرسة ثانوية، حيث أجابهم نميري وبإشارة ذكية ان لديه أربعون الف طن من محصول الكركدي في الرهد وهو قد تبرع بها لأهل ام روابة عسي ان تساعدهم في تشييد المدرسة الثانوية ! !

 

musahak@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!