السُّلالة والعِرق والهوية: قراءة مفاهيمية من منظور علم السلالات الجينية .. بقلم: د. عثمان عابدين عثمان


من قبل أن ندلف إلى لب موضوع علم السلالات الجينية، لابد من خلفية مُبَسطة عن الأسس البيولوجية، والمفاهيم الوراثية، التي يقوم عليها هذا المجال الحيوي.

تحتوي البويضة المُخَصبة على ثلاثة وعشرون زوجاً (46) متماثلًا ومتقابلاً من الكروموسومات، يأتي نصفها من الأم، والنصف الآخر من الأب. إثنان وعشرون زوجاً منها تسمى بالكروموسومات الجسمية يَكمن دورها في تحديد الصفات الوراثية الحيوية والفيزيائية للفرد، وزوجان منها بالكروموسومات الجنسية: أنثوي ‘XX’ وذكوري ‘XY’يقومان بتحديد جنس المولود. مجموع هذه الكروموسومات (المادة الجينية/الحمض النووي) يُكوِّن الخريطة (البصمة) الوراثية التي تسمى بالجينوم. تتكون الكروموسومات من سلسلة نيوكليوتيدات متقابلة ومُكمِّلة لبعضها في شكل قوائم سُلَّم حلزوني يحمل جينات الصفات الوراثية المعينة مثل لون العينين، أو نسيج الشعر، أو تقاسيم الوجهة. في تركيبة هذه الجينات توجد القواعد النيتروجينية الأربعة: الأدينين(A) ، السايتوزين(C) ، الجوانين(G) ، والثيمين(T) ، والتي تنتظم هي بدورها في ثنائيات متقابلة، مُكمِّلة لبعضه تمثل عَتبَات السُلَّم (A-C ؛G-T ) .تسلسل ثنائيات هذه القواعد النيتروجينية، أو تكرارها الترادفي (A-C ؛A-C أوG-T ؛G-T)، يمثل الشفرة الجينية التي سوف تترجم أثناء عملية الخلق لبروتينات وظيفية، أو هيكلية، تشكل اللُبنة الأساسية للكائنات الحية.

أثناء عملية إنتقال الجينات من السلف إلى الخلف تحدث طفرات عشوائية تُغير في تسلسل هذه الشفرات الوراثية والتي تتراكم وتَكتُّل بصورة راتبة وبطيئة على مر العصور في علامات تَحُّور جيني على مستوى الكروموزوم الذكوري (Y-DNA) ، أو الأنثوي (mtDNA)، أو الجسمي (X-DNA). على ضوء حساب مُعدَّل هذا التَحوُّر الجيني بأثر رجعي يمكن الرجوع لآخر الأسلاف المشتركين ومن ثم السلالة الجينية لأية مجموعة بشرية تحت الدراسة. إختبار طفرات الحمض الننوي للكروموزوم الذكوري يحدد الإنتماء (النسب) من ناحية الأب (جد- جدنا الأكبر). أما إختبار الحمض الننوي للميتوكوندريا الانثَويَّة فيحدد النسب من ناحية الأم ( جدة- جدتنا الكبرى). أما الكروموزومات الجسمية فإختبارها يساعد في يتتبع إنتقال الجينات في صورتها الكلية عبر الأجيال والذي يظهر في شكل خريطة مُركِبة جينية/سكانية من نسب مئوية تُصنِّف السلالات حسب توزيعها الجغرافي. (Semino et al., 2002).

تم تسمية السُّلالات البشرية (المجموعات السكانية)، المتقاربة في جيناتها الوراثية، وفقا لتسلسل الحروف الأبجدية. السلالات الذكورية تم تسميتها حسب أقدمية ظهورها التاريخي من الحرف ‘A’ إلى الحرف ‘T’ بحيث تكون سلالسة ‘A’ هي الأقدم و T’’ الأحدث – الأصغر سناً. أم السلالات المنتمية للأم فقد سُميِّت أيضا وفقا للحروف الأبجدية، لكن على حسب أولوية لحظة إكتشافها من الحرف ‘A’ إلى الحرف ‘Z’.

نشأت السلالتان الأبويتان ‘A’ و ‘B’ في القارة الأم – إفريقيا وبقي أفرادها فيها على مدى التاريخ ليَتركَّز أحفادها بشكل أكبر بين سكان شرق افريقيا وسكان حوض النيل وبين الخوسيين في الجنوب الغربي الأفريقي. من بين هؤلاء، عاش جد- جدنا الأكبر في مكان ما في شرق إفريقيا، غالبا على شواطئ إحدى الأنهار التي تنبع من فوق هضبة الأخدود الأفريقي العظيم (أنهار أومو، أواش، والنيل الأزرق)، وذلك منذ حوالي مائتين وستة وثلاثين ألف عام. أما أحفاد – أحفاد هاتين السلالتين – السلالة ‘E’ فقد رأوا النور من قبل ثلاثة وسبعون ألف سنة في منطقة شمال- شرق إفريقا، وبلغ عمر آخر أسلافنا المشتركين منها (جد- جدنا الأكبر) حوالي ثلاثة وخمسون ألف عام. إنحدر من هذه المجموعة سكان وادي النيل القدماء، الصوماليون، وغالبية سكان الهضبة الإثيوبية والصحراء الكبرى من البربر(الأمازيغ). بعد أن رسخت أقدام أجيال هذه السلالة في منطقة القرن الأفريقي هاجر بعض من بنوها إلى شبه الجزيرة العربية وسواحل البحر الأبيض المتوسط لمنطقة الهلال الخصيب ومنها لأرخبيل دولة اليونان الحالية ودول البلقان لينتهي بهم الترحال في غرب أوروبا. بصورة مماثلة نشأت السلالتنان ‘R’ و ‘T’ في شمال – شرق إفريقيا. ففي الوقت الذي مَيَّزت فيه السلالة ‘T’ الناطقين باللغة الكوشية، هاجر أحفاد السلالة ‘R’ إلى أوروبا منذ حوالي أربعة ألف وستمائة عام لينتشروا بشكل أساسي في السهول الأوراسية ويتجهوا من بعدها جنوبا للقارة الآسيوية، وغربا لقارة أوروبا، حيث تصل نسبتها هناك ما يقارب المئة في المئة في بعض المناطق من جمهورية ايرلندا الحالية. (Cruciani et al., 2007); (Cruciani et al., 2004)؛ (Trombetta et al., 2015); (Sanchez et al., 2005).

سُميَّت السلالة ‘J’ بالمجموعة السامية بسبب إنحدار شعوبها من صلب أسلافها الناطقين باللغة السامية في شمال شرق إفريقيا وفي جنوب الجزيرة العربية من سكان مملكتي سبا وحِمْير. هاجر أحفاد هذه السلالة من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها من قبل نحو ثلاثين ألف سنة، ومن هناك إتجهوا شرفاً لأواسط آسيا (إيران)، ثم شمالاً للقارة الأروبية. أما الهجرات المعاكسة لأحفاد هذه السلالة فقد حدثت من قبل حوالي خمسة ألف سنة وأسست لعنصر الكلدانيين، البابليين ،الأكراد، الجورجيين، التركمانستان، وبعض الألبان والأسبان. طريق إنتشار هذه السلالة وبعدها الجيني من منبعها الأفريقي يشير بوضوح للعلاقة بين سكان الجزيرة العربية، وسكان إفريقيا، وأسيا، وأوربا. (Semino et al., 2004)

نشأت السلالتان ‘C’ و D’قبل حوالي ثمانية وثمانون ألف سنة وبلغ عمر جد- جِدُنا الأكبر منها حوالي سبعة وسبعون ألف سنة وتركز أحفادها الحاليين في قارة آسيا، الأستراليزيا، بلولونيزيا، وميلانيزيا. كذلك إنحدر من هذه السلالة سكان مرتفعات التبت، اليابانيون، الأستراليون الأصليين (الأبوروجنيز)، وسكان غينيا الجديدة. واصلت مجموعة من هذه السلالتين رحيلها شمالاً وشرقاً إلى أن وصلت لشواطيء المحيط الأطلسي لسيبيريا في نهايات العصر الجليدي الأخير فعبروا فوق الممر الجليدي لمضيق بحر بيرينج إلى آلاسكا ومنها واصلو هجرتهم بمحازاة سواحل المحيط الباسفيكي لعمق الأمريكتين. أما السلالة ‘G’ فقد تأسست في منطقة شمال آسيا الصغرى (منطقة الهلال الخصيب) حيث أنحدر منها الأترك، والجورجيون، والأزربايجنيون، واليهود الشرقيون. من هناك إتجه أحفاد هذه السلالة شرقاً لتخوم القارة الهندية وشمالاً لشواطيء البحر الأبيض المتوسط ليتفرع منها بعض اليونانيون والعنصر اللاتيني.

إنحدرت السلالتان الذكوريتان‘H’ و ‘L’ من صلب سلفهما ‘G’ وإستوطنتا، في البداية، شبه القارة الهندية لتميز فيما بعد نمط هجرة وإنتشار عنصر الرحالة الغجر إلى قارتي آسيا وأوروبا. أما السلالات ‘K’، ‘M’، و ‘N’فهي أيضاً ترجع جزورها إلى القارة الآسيوية حيث تشكل السلالتان ‘K’و ‘M’ غالبية سكان غينيا الجديدة. أما السلالة ‘N’ فقد هاجر أحفادها إلى منطقة جمهوريات البلطيق، وشمال أوروبا، وسيبيريا، لتتميز أكثر بين الفنلنديين.

بالنسبة للسلالات المنحدرة من جانب الأم، فقد عاشت جدة- جدتنا الكبرى التي إنتمت للسلالة ‘L’ في شمال – شرق إفريقيا منذ حوالي مائة وستين ألف عام خلت. أما أخواتها المُنتمينَ للسلالات ‘L6’ إلى L0’’ فلم يُهاجرنَّ خارج القارة الأم مطلقاً، لكن بداخلها، حيث تناقص عددهن تدريجياً مع بعدهِنَّ الجغرافي من مسقط رأسهِنّ وذلك في تناسق مع نمط التنوع والبعد الجيني وأقدميته. لذلك، أعلى نسبة لأفراد هذه السلالةَ، حوالي ستة وتسعون في المائة، موجود في أفريقيا جنوب الصحراء، تليها إفريقيا شمال الصحراء، ثم شبه الجزيرة العربية، ثم منطقة الشرق الأوسط، ليصل أدنى مستوى لها في ربوع القارة الأروبية.

عاشت أمنا الافريقية ‘L3’ في منطقة القرن الأفريقي قبل خمسة وثمانون ألف سنة وإنحدر من أحفادها في جنوب آسيا السلالتان ‘M’ و’N’ والبالغتان من العمر حوالي ثلاثة وستون ألف عام. في وقتنا الحالي تميز االسلالات الأنثوية‘F’ ،‘C’ ،‘W’ ،‘D’ ،‘K’ ،‘U’،‘T’ ، ‘A’ ، ‘B’ ، ‘C’ ، ‘Z’ ، و ‘U’ الأسيويين، بينما تميز السلالات ‘Q’، ‘S’، ‘O’، ‘N’، و ‘P’ الأستراليين. السلالت ‘H’، ‘K’،’J’ ‘T’، ‘V’، ‘X’ و ‘W’ هي الأكثر تحديدًا للمجموعات السكانية الأوروبية الأصغر سناً، حيث يبلغ عمر السلالة ‘V’ أربعة عشر ألف سنة فقط. (González et al., 2007)؛ (Krings et al., 1999).

بناءً على هذه السلالات الجينية، والوصف الذاتي لمفهوم العرق، والخصائص اللغوية والثقافية المشتركة، قام ‘تيشكوف. آت آل.’ (2009) بدراسة ‘للإحتشاد الجيني المُركَّب’ والتي على ضوئِها قُسَّم سكان العالم لأربعة عشر مجموعة سكانية (سلالة) كبيرة من الأسلاف، ستة منها توجد في القارة الأفريقية، وهي مجموعات: الأفرو- آسيويون؛ النيليون- الصحراويون – الكوشيون؛ النيليون- الصحراويون- الشاديون؛ النيجر- كردفانيون؛ مجموعة الأقزام؛ ومجموعة الهازدا. من بين كل هؤلاء واحد وسبعون في المائة (71٪) من السكان الناطقين باللغة الأفرو -آسيوية تتمركز مع الكتلة الكوشية. في نفس منحى دراسة ‘تيشكوف. آت آل.’ لاحظت دراسة أخرى “للأحتشاد التتابعي الجينومي- (2018)” أن إنتشار السلالات الأفريقية يتناسق مع البعد الجغرافي، وكذلك مع أنماط الهجرة المغادرة لمسقط الرأس، والمرتدة إليه بعد حين. فالسلالات الأفرو- آسيوية والجماعات الأثنية- اللغوية النيلية – الصحراوية تتواجد بكثافة في في شمال، وشمال شرق إفريقيا، حيت مهد إنسانها الأول، ومجموعات الآري – أوموتيك في الشمال الشرقي؛ النيجر – الكونغو في االجنوب والغرب؛ الخوسيون في الجنوب؛ والأقزام في وسط القارة. أيضاً، وفقا لهذه الدراسة، تَفَّرعت سلالة السان من قبل مائة وستون ألف عام، الهادزة والسنداويين قبل عشرين ألف سنة، والنيجر – كونغوليين، والنيلين- الصحراويين، والأفرو- آسيويين، من قبل ستة عشر ألف سنة إلى أربعة وخمسية وأربعون ألف سنة. (Tishkoff et al., 2009)؛
(Fadhlaoui-Zid et al., 2013).

دراسة أخرى للجينوم تم إجراؤها بالاشتراك بين معهد علم الأحياء التطوري وجامعة ستانفورد في عام 2012 أظهرت أن السلالات الجينية لسكان شمال إفريقيا تميل أكثر للعنصر الغير إفريقي. ولاغرابة في هذا لأنه يتماشى مع التحول الديمقرافي في المنطقة. فالإنسان الأول وصل إلى شمال إفريقيا منذ حوالي مائة وتسعون إلى مائة وأربعون ألف عام وتعرض على مر العصور لهجرات عديدة ومتنوعة. الفينيقيون، الرومان، البيزنطيون، الأغاريق، الفرس، الآشوريون، الألبان، الأتراك، وغيرهم كثر أتوإلى إفريقيا عابرين، أو غزاة، أو مستوطنين، فإمتزجوا، وتعايشوا، وتناسلوا مع سكانها الأصليين. فعلى الرغم من حاجز العزلة الوراثية الذي فرضته الصحراء الكبرى بين سكان شواطئ البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا جنوب الصحراء، إلا أن بصمتهم الجينية لم تنفصم من مصدرها الأصيل الضارب في القدم، بل أكدتها بتطوير سلالة E1b1b – EM78’ ’ التي تغلب بين شعب البربر (الأمازيغ)، و سلالالة ‘E1b1b -M81’ التي تميز العنصر القبطي – المصري. (Fregel et al. , 2018)؛
.(Solé-Morata et al., 2017)

حري بالقول أنه على الرغم من التناسب العكسي للتنوع، في أصله القديم، مع مسافة الجغرافيا والتاريخ، إلا أن هجرات أسلافنا لم تكن متوازية في المكان أو متتابعة في الزمان، بل متداخلة ومتشابكة لدرجة أنها أسست لمراكز تنوع جديدة (كما في جنوب آسيا }الهند{) صارت هي بدورها مصدراً لإشعاع سلالات جينية جديدة . كذلك، لابد من التنبيه إلى أن إعتبار السلالات الجينية الأحادية (السلالات الذكورية) بمفردها قد لا يشير لأكثر من جد – جد بعينه، بعيداً، لا يحمل الحفيد منه إلا تلك العلامة الجينية التي تُرْجِعهُ إلى جذور نشأته الأولى، لأن الإنتماء للسلف مصيره الإنتهاء إلى عدة بيوت بينها خشومٌ من بيوت، ثم قبائل، وجمع من شعوب، تبعد عن بعضها في سحناتها وتركيبتها الجينية كلما زاد عدد أفرادها وتفرق بهم الزمن وتشتتوا في المكان. فسكان إفريقيا، كغيرهم من مجموعات العالم السكانية الأخرى، تعرضو على مر القرون لهجرات مغادرة، وأخرى عائدة – معاكسة عديدة، من داخل القارة الأم – إفريقيا، ومن خارجها، ليؤدي ذلك لتبادل جيني كثيف أضفى على سكانها تنوع فريد كان، ولايزال، مصدر للأنسانية تنهل منه معرفة أصلها الواحد ومصيرها المشترك. (Cruciani et al., 2002)؛ (Henn et al., 2012)؛
(Shaohua et al., 2019).

تاريخاً، تَجذَّر مفهوم السلالة في التراث البيولوجي لعلاقة القرابة والنسب، لكنه تداخل مع مفهوم العرق من حيث التقليد في الإشتراك في السمات الثقافية والإجتماعية مثل اللغة والعادات والشعائر والعبادات. أما العرق كمصطلح منفصل عن بِنيته الاجتماعية فهو يقوم على أسس التشابه في الصفات الجسدية للإنسان والتي تمثل معاييراً للحكم على هويته، لكن من غير الأخذ في الإعتبار قيم وعادات ومفاهيم المجتمع الذي ينتمي إليه. لكل ذلك، أكترث الإنسان بطبيعة بنوعه فحاول تحسينها بالتزاوج مع من كان في تقديره أحسن عرقاً وأنبل نسباً. (Herodotus).

في حوالي القرن الرابع قبل الميلاد أورد الفيلسوف اليوناني القديم، أفلاطون، في كتابه “الجمهورية” القواعد التي من شأنها أن تشجع التزاوج بين أفراد طبقة النبلاء من أجل خلق مجتمع مثالي خالي من العاهات العقلية والجسدية. تشارلز داروين، عالم البيولوجيا المتفرد، على الرغم من أنه إستخدم مصطلح ‘الأجناس البيولوجية’ في كتابه “حول أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي” إلا أنه في كتابه اللاحق “أصل الإنسان ذكر أنه “لا يوجد تمييز عرقي من شأنه أن يشير إلى الأجناس البشرية كأنواع منفصلة”. مع ذلك ، إقترح إبن عمه، فرانسيس جيتون في كتابه “إستفسارات عن ملكة الإنسان وتطورها” على النخبة البريطانية التزاوج في ما بينها حتى تُحسِّن الجنس البشري بأكمله. أما في ثلاثينيات القرن الماضي فقد إستخدم إرنست رودين، الطبيب النفسي، وعالم الوراثة، وعضو الحزب النازي الألماني، علم تحسين النسل لتبرير هوس هتلر بالتطهير العرقي والتعقيم القسري. (Darwin، 1871)؛ (Darwin, 1859).

للأسف، التصنيفات للشعوب والمجموعات البشرية على أساس وهم تَميُّزها وتَفرُّدها البيولوجي قاد إلى مفاهيم التنميط التقافي الضيقة، والتمييز العنصري البغيض، والذي مازال العالم يعاني من عواقبه المأساوية إلى يومنا هذا. لذلك، الإلمام بالخطوط العريضة لعلم الانسان المرتبط بالسلالات الجينية وحفريات اللغة والأثارأصبح ضرورة ملحة، ليس فقط للمتخصصين في دراسة أصول الشعوب وتصنيف سلالاتها وتتبع هجراتها عبر العصور، لكن أيضاً، لمتطلبات المعرفة العامة الضرورية لمراجعة وتغيير الكثير من المفاهيم والمسلمات الخاطئة، ومن ثم تغيير الإرث الثقافي والكتابي والخاص بالتاريخ. (Michael, 2007)؛ (Camoroff, 2009).

على كل حال، في هذا العصر الذي تميُّزه كثافة الهجرات، والهجرات المعاكسة، والتبادل الثقافي الغير مشروط في فضاء العالم الإفتراضي الامحدود، يكون الفرد منا مضطراً لطرح نفسه كجزء من الفضاء المعرفي الطلق الذي يتفاعل مع القيم الإنسانية العابرة لحواجز الدين، والثقافة، والجغرافيا. وهو في بذلك يتغمَّص هَويَّة عالمية مرنة تُمكِّنه من التواصل اللحظي مع الآخر المختلف في الطرف الآخر من الكرة الأرضية. ففي سيادة عصر علم الوراثة وأنثروبولوجيا الإنسان، يَعود الإنسان عوداً حميداً لأصله الواحد، الأول، وتنتفي العلاقة بين القيم الثقافية والجينات التي تحدد السمات الخارجية للإنسان، وتتعرى ضحالة التفكير في التفرد، أوالتفوق، أوالنقاء العرقي.

د. عثمان عابدين عثمان
osmanabdin@gmail.com
https://www.facebook.com/oosman51/
27/05/2021

////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!