رهـاناتـنـا الخـاسـرة .. بقلم: عمـر العمـر


لا شيء يعلو فوق كنس ركام الإحباط الجاسم على صدر الشعب. بعد مضي أكثر من سنتين نحن لم نحرز فقط تقدما على درب التغيير بل أسوأ من ذلك تقهقر إلى الوراء خطوات واسعة متتابعة . التكلس الموروث من عهد الإنقاذ لا يشكل مبررا مقنعا للإخفاق الفاضح طوال عامين، فالقعود السياسي ، العجز الإقتصادي ،الفساد المستشري ثقافة عامة وكل العاهات المكرورة آفات معروفة طبعت عهد الإنقاذ. تلك هي نفسها أبرز محركات جماهير الثورة لجهة التغيير. من غير المنطقي تسويق العاهات ذاتها حججا لفشل سلطة الثورة الصارخ. فالتخلص منها يشكل أحد أولويات سلطة الثورة. على نقيض الرجاء نحن نتوغل في الأزمات الحياتية، نغرق في الخلافات ، نكابد الإنفلات الأمني، ترهقنا مظاهر استعراض القوة الزائفة ، يؤلمنا تصاعد الأصوات العنصرية البغيضة من صوب الشركاء، نفتقد الطمأنينة وروح السلم الذاتي، العائلي والوطني. الآخرون يعيرونا زورا وبهتانا بما هو كائن وبما كان.
***** ***** *****

مالم تتوحد قوى الثورة على برنامج عمل – على الأقل- قصير المدى لن نخرج من أجواء الإحباط العتمة الراهنة. في البدء يجب إعادة تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة المستثمرة عمداً أو جهلا على نحو يفضي إلى مراكمة سحائب الإحباط وحفر نفق التقهقر. من أبرز المفاهيم المندرجة في هذا السياق: الديمقراطية وحرية الرأي. الحوار يشكل أحد أعمدة البناء الديمقراطي .
بل لعله العمود المحوري لهذ البناء. واقع الحال يفضح إفتقادنا على كل الصُعد هذا المحور. فالقوى الحزبية تجنح إلى فرض رؤيتها أو إغلاق أقنية الحوار مع علمها بمغبة خطورة ذلك على إجهاض المشروع الثوري برمته. ذلك منهج تستخدم فيه القوى المعرقلة الإملاء، التواطؤ، التكتل أو حتى الإنسحاب.
***** ***** *****

هذا وباء لا تنجو منه مؤسسات الدولة. فالإملاء ، الضغوط أو فرض الأمر الواقع تشكل عصب شبكة العلاقات داخل مؤسسات الدولة وبين المؤسسات وبعضها البعض. فالمواطن لا يحس بتناغم بين مجلسي السيادة والوزراء. المراقبون يلمسون طابع الفردية الغالب على العلاقات البينية داخل مجلس السيادة أو مجلس الوزراء أو بين المجلسين. كثيرا هي التصريحات المتناقضة الصادرة على المستوى المؤسسي في شأن قضايا وطنية عليا كما في شأن قضايا ترتبط بحياة المواطن اليومية.ذلك لا يصدر في سياق لعبة توزيع الأدوار كما قد يحاجج البعض، إذ يرتبط عددٌ منها بمحاور خارجية أو طموحات ذاتية ، ليس إنعكاساً لصالح الوطن أو المواطن، دع عنك الثورة. لعلنا بدأنا نشهد أخيراً بروز شروخ التناقضات – التناطح – بين أصحاب الطموحات غير المشروعة عميقة على السطح. هي مؤشرات صدامات حتمية. ربما يتطلب المشهد تذكير المراهنين على قوتهم أن القوة من اليسير الحصول عليها لكن من العسير استخدامها . الأهم من ذلك أنه من السهل خسرانها كما يقول موسى نصير في سفره الفكري” نهاية القوة”
***** ***** *****

منذ بدء وهم ” الشراكة ” المفترى بها على الثورة تبلورت قناعات لدى قاعدة شعبية عريضة بوجود عناصر هنا وهناك تكرس جهودها من أجل اختطاف الثورة .أكثر من جهة تنشط من أجل إبقاء عملية التغيير الثوري تحت سقف إنقلاب أطاح برأس النظام أو طبقته العليا. كثير من الفرقاء على ربوة الثورة إختلط عليهم الامر بحيث لم يستبينوا الخيط الأبيض بين النظام والدولة. مع أن الدكتور حسن مكي لم يكن دقيقا إلا أنه لم يجاف الصواب كثيراً عندما وصف النظام الراهن بـ” الإنقاذ3 “. فقوى الثورة السياسية استسلمت لخدر ” الشراكة ” المتوهَمة إذ أبقت على كل مؤسسات الإنقاذ تعمل بكل قواها في الإتجاه المعاكس. ذلك ليس وقفأ على كبار الجنرالات في المؤسسات العسكرية ، بل يشمل كبار المتنفذين القابضين على مفاصل صنع القرار وتسيير دولاب الدولة . هكذا وجدت عناصر الثورة تتعايش رغم طهارتها – مغلوبة على أمرها – مع قوى الفساد.
***** ***** *****

رغم وضوح الجهات النشطة في عرقلة التغيير وتخليق الأزمات تلتزم سلطة الثورة الصمت المريب. هو صمت أقرب إلى التواطؤ منه إلى الحياد. ذلك الموقف المثير للحيرة والجدل وراءه الخوف من الصدام أحيانا أو خشية المساءلة والمحاسبة ليس غير. تحت مظلة الخوف تتشكل تحالفات جديدة لا تستهدف البتة تعزيز حركة التغيير والتقدم. بل على النقيض يستقصد عدد منها إجهاض ذلك الأمل المأمول.
***** ***** *****

من المفاهيم الخاطئة المساهمة في استفحال الإخفاق والإحباط الحاليين كذلك رؤية أهل السلطة تجاه مسألة حرية الرأي. فتفكيرهم الأعرج فتح الأفق أمام أعداء الثورة وخصومها لبسط ألسنتهم ، أيديهم وخناجرهم المسمومة في جسد الثورة وروحها. كعب العرج في ذلك التفكير المنحرف يتجسد في عدم الإعتراف بخطل الموازنة في منابر الإعلام . بينما توجد كل تلك المنابر في أيدى الطبقة الطفيلية وكوادرها على الربوة المناهضة للثورة لم تنجح سلطة الثورة في نصب منابرها أو على الأقل إلزام الخصوم الفاجرين بالحد الأدنى من ميثاق أخلاقي يوجب عليهم مراعاة غايات التغيير لصالح غالبية الشعب تحت سقف وطني واحد.
***** ***** *****

من المؤسف المحبط أكثر إنغماس القوى السياسية في مستنقع التشرذم دون استقطاع حيّز مزمني بغية إعادة بناء هياكلها المهترئة بروح ديمقراطية تعينها على مغالبة معارك الحاضر والمستقبل. تلك مهمة لن تنجح تلك القوى دونها في النهوض بانجاز التحول الديمقراطي وصولاً إلى البناء الديمقراطي نفسه. الإنهماك في التجاذب على عظمة السلطة الحالية لن يكسب القوى المتصارعة منعة تؤمن لها المستقبل . بل ربما تفضي بها إلى خسران الحاضر.
حماية الثورة لا يتم إنجازها فقط بالمواكب والشعارات أو الأماني الكذوبة بما في ذلك حماية الثوار أو إدانة إطلاق الرصاص عليهم. في الأنظمة الشمولية تُسيّر الشؤون وفق آلية مجرى الخيران حيث تتحدّر القرارات من الأعلى إلى الأدنى. إذا عجزت عن جرف ما تواجه من عوائق تضطر إلى الإلتفاف عليها. في الأنظمة الديمقراطية تُسيّر الأمور وفق ماكينزم الينابع ؛ من الأدنى إلى الأعلى.
***** ***** *****

ذلك هو امنطق تأمين حركة التغيير. فالشباب صانع المعجزة هو عمق الثورة وينابيعها غير القابلة للتجفيف. الشباب هم مانحو الثورة قرابينها ، روحها ، زخمها ووهجها غير القابل للإخماد. منهم تستمد سلطة الثورة هيبتها .من هيبة السلطة يستمد المواطن كرامته. تلك المعادلة هي الحقيقة الغائبة عن أركان سلطة الثورة. فكأنما لم يدرك حمدوك – فيما يبدو- أنه هو وحده المفوض المؤتمن من قبل الثوارعلى أهداف الثورة . هو وحده المكفول بحماية الثوار .ذلك تفويض يظل شرطه الوحيد الإلتزام بغايات الثورة و أماني الثوار . تلك كفالة تستمد قوتها وهيبتها من عمق لا قاع له .كلما نظرت إلى حمدوك في مشهد الثورة تذكرت وصف الرئيس الفرنسي الراحل ميتران في رئيس الوزراء إدوار بالادور” لو قطعت جلده بسكين لما وجدت دما”
***** ***** *****

الرهان على تعميق الخلافات بين أركان الشراكة المفترى بها رهان خاسر. كما الرهان على تجديد الوثائق وخارطات الطريق بائر. الثورة لن تجني من التناطح في الأطماع غير المشروعة عنباً. الثورة لن تقبض من توقيعات قوىً مفككة على أجندة عمل سوى الريح. في البدء يأتي الإصلاح من الداخل. قوانا السياسية يصدق عليها قول لينين في البورجوازية ” تتحدث باسم الشعب وهي تخونه”. فالقيادات العظيمة هي صاحبة إرادة غالبة بينما تكتفي القيادات الضعيفة بالتمني. الكلام على الورق ضرب من التمني. لو يعلم هؤلاء وأولئك نفاذ حكمة الصينيين ” إصلاح الموجود أجدى كثيراً من الركض خلف المفقود”.

aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2 shares