هل هناك شك في أنك أضعف من بيت العنكبوت يا حمدوك؟  .. بقلم: عبد الغني بريش فيوف


الفرصة التي اتيحت للسيد عبد الله حمدوك كرئيس لوزراء ثورة ديسمبر 2018م، لم تتاح للذي تولى السلطة ابان ثورة أكتوبر 1964م أو ثورة ابريل 1985م، كوّن السيد حمدوك أجمعت عليه كافة قطاعات الشعوب السودانية ان يقود الحكومة الانتقالية والعبور بها الى بر السلام والاستقرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وولخ. لكن هل كان حمدوك عند حسن ظن الذين اجمعوا عليه كرئيس للوزراء؟
قبل الإجابة على السؤال أعلاه، يجب الإشارة الى ان المسؤول السوداني -خاصة السياسي، يهرب من المسؤولية من خلال البحث عن كبش فداء -عادة جهة أو شخص مجهول الهوية، وإذا لم يكن شخص مجهول أو جهة مجهولة، فهو، الشيطان الرجيم والابتعاد عن (الله)..
السيد عبد الله حمدوك ليس استثناءا، انما الرجل يعرف جيدا كيف يهرب وبالسرعة من تحمل مسؤولياته كرئيس لوزراء حكومة الثورة، فقد ظهر هذا في خطابه الذي قدمه قبل يومين للشعب السوداني، إذ:
حذّر رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك من أخطار تواجه السودان، وتهدد بإدخاله في حالة من الانقسام والتشظي، بفعل مؤامرات «أعوان النظام المباد».
وأشار إلى وجود محاولات لاستغلال حرية حق التعبير، وتحويله إلى حالات «سلب ونهب وترويع للمواطنين»، واعتداءات غير مسبوقة على النساء والمواطنين، وتعهد بحسم ما أطلق عليه «الأيادي الخبيثة» من أعوان النظام المباد الذين يعملون على تعطيل الإنتاج والعمل، للنيل من الثورة.
وقال حمدوك، في خطاب جماهيري بثّه التلفزيون الرسمي أمس، إن الأوضاع الأمنية في البلاد شهدت حالة من التدهور الأمني، نتجت عنها أجواء تنذر بالفوضى، ومحاولات لإدخال البلاد في حالة من الهشاشة الأمنية، استغلت فيها محاولات التعبير عن الرأي، وتحويلها إلى «أحداث سلب ونهب للممتلكات، وترويع المواطنين في عدد من المناطق، واعتداءات مباشرة، سبقتها حوادث قتل وتعدّ على عدد من الثوار، وهناك حالات عنف واعتداء على النساء بصورة غير معهودة».
واتهم أعوان «النظام البائد» ومن أطلق عليهم المخربين، باستغلال الفرصة لنشر الفوضى، واصفاً اغتيال رجل شرطة في تلك الأحداث بأنه تربص بـ«الثورة والتغيير»، دون تفريق بين مدني وعسكري، وإطلاق الرصاص والكلمات المحرضة لبث الفتنة وإشاعة روح الغدر وانعدام الضمير.
وأرجع حمدوك التدهور الأمني، الذي قال إن البلاد تشهده، إلى تشطي مكونات الثورة، ما ترك فراغاً تسللت منه جهات معادية، من أنصار النظام البائد، ودعاها إلى التماسك وتنظيم صفوفها، قائلاً: «بوحدتها فقط قادرة على حماية الثورة وقيمها وأهدافها… وإن التشتُّت هو الذي يدفع أعداء الثورة للتحرك والتآمر”.
واعترف حمدوك بقسوة الأوضاع التي تشهدها البلاد، بيد أنه حذر من انتشار خطاب الكراهية وروح التفرقة، وحالة التشظي التي يمكن أن تقود للفوضى، وسيطرة العصابات والمجموعات الإجرامية، وتفشي النزاعات بين المجموعات السكانية كافة، بما يهد بحرب أهلية تقضي على «الأخضر واليابس»، وتهدد بجرّ الإقليم كله إلى حالة من عدم الاستقرار.
وشن حملة قوية ضد من يصفونه بالضعف، وأوضح أنه يعمل وفقاً لتوازن صعب يحاول قدر الإمكان حفظه، وقال: «قد تحملت اتهامات بالضعف وعدم القدرة على المواجهة، بينما كان مصير البلاد والشعب، هو همِّي وبوصلتي في كل المواقف التي اتخذتها»، وتابع: «الانتقال السلمي والتأسيس لسيادة نظام الدولة، لن يتم دون إيجاد قدر كبير من التفاهمات والأراضي المشتركة مع كل القوي الفاعلة لتتمكن من المشاركة في الانتقال».
وشدد على أهمية التمتع بأكبر قدر من المرونة والتفاهم والتوازن بين الأطراف كافة، وعدم الدخول في معارك جانبية «لن يتضرر منها سوى أمن السودان واستقراره»، واستنكر محاولات وصفه بالانعزال عن الشعب بالقول: «إنني أعي تماماً حقيقة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها بلادنا؛ أعرف أن هنالك من يحاول الإيحاء بأننا نعيش في برج عاجي، وربما مردّ ذلك أنني لم اعتد على التحدث كثيراً أو الظهور في كل وقت، فمنهجي أن أترك للسياسات والقرارات أن تتحدث”.
أعلاه هو الخطاب الخشبي الذي قدمه عبد الله حمدوك للشعب السوداني، وكما يلحظ، فإنه خطاب انشائي، لكنه مليء بإلقاء اللوم على الآخرين ومحاولة وضع تبريرات وحجج لرفع المسؤولية عن نفسه.
حمدوك في خطابه، لم يعترف بإخفاقاته وفشله في تحقيق مطالب واهداف الثورة، بل القى اللوم ودون خجل على النظام البائد، وعلى جهات غير معروفة، وبهذا يكون قد برأ نفسه كما يعتقد وهما من الحالة المأساوية التي يعيشها المواطن السوداني -اقتصاديا وسياسيا، واجتماعيا، وامنيا، وولخ.
كان على حمدوك ان يعتذر اولا للشعب عن اخفاقاته السياسية والاقتصادية والأمنية وولخ، كأكبر مسؤول سياسي مدني في البلاد، لكنه بدلا، قال، “فمنهجي أن أترك للسياسات والقرارات أن تتحدث”. والسياسات والقرارات التي يريد الناس ان يروه من خلالها، هي تلك التي اوصت (الدولار) الى 500 جنيه والساقية لسع “مدورة”، وتلك التي أوصلت البلاد إلى حالة من التدهور الأمني، نتجت عنها فوضى في كل مكان.
بدا السيد حمدوك مشدود الأعصاب وزعلان جدا في خطابه، بشنه حملة قوية ضد من يصفونه بالضعف، وأوضح أنه يعمل وفقاً لتوازن صعب يحاول قدر الإمكان حفظه.
وقال: «قد تحملت اتهامات بالضعف وعدم القدرة على المواجهة، بينما كان مصير البلاد والشعب، هو همِّي وبوصلتي في كل المواقف التي اتخذتها»، وتابع: «الانتقال السلمي والتأسيس لسيادة نظام الدولة، لن يتم دون إيجاد قدر كبير من التفاهمات والأراضي المشتركة مع كل القوي الفاعلة لتتمكن من المشاركة في الانتقال”.
عزيزي القارئ..
هل تعرف لماذا انزعج حمدوك عند وصف الناس له بالضعيف؟
السيد حمدوك الذي أجمعت عليه كافة قطاعات الشعوب السودانية ان يقود الحكومة الانتقالية والعبور بها الى بر السلام والاستقرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وولخ، لم يكن عند حسن ظن الذين اجمعوا عليه كرئيس للوزراء، وذلك للاتي:
1/ ملف السلام..
هذا الملف، كان يفترض ان يكون من مسؤولية حمدوك، لكن لهوانه وضعفه، ترك هذا الملف للشق العسكري الجنجويدي، الأمر الذي صعب من تحقيق سلام شامل ودائم وعادل في السودان حتى الآن.
2/ الملف الاقتصادي..
هذا الملف وفق الوثيقة الدستورية، من اختصاص عبد الله حمدوك -وهو ذلك الخبير الاقتصادي الأممي الذي كان يتوقع منه تحويل السودان الى دولة كماليزيا أو رواندا. لكنه ولضعفه وهوانه، وضع هذا الملف في يد محمد حمدان دقلو، ليصبح السودان دولة فاشلة تعيش فوضى في كل المجالات.
3/ الملف السياسي..
هذا الملف أيضا من مهام السيد حمدوك، لكنه ومرة أخرى ولضعفه، فتح الباب على مصرعه لكل الكائنات السياسية طبقا لقوله.. إن “الانتقال السلمي والتأسيس لسيادة نظام الدولة، لن يتم دون إيجاد قدر كبير من التفاهمات والأراضي المشتركة مع كل القوي الفاعلة لتتمكن من المشاركة في الانتقال”.
ما قاله حمدوك أعلاه، هو الوهّم ذاته، إذ انه كيف له إرضاء كل الناس في السودان، وقد جاءت الثورة لإزاحة الكائنات السياسية التي كانت سببا في مأساة الشعب، وكأن حمدوك يريد ارضاء الضحية والجاني في آنٍ واحد!
لا يمكن بناء دولة عصرية بلا موارد سيادية، أو إرضاء المحتل بقبول احتلاله، أو إرضاء المعتدي بالانصياع لمطالبه يا “افندم” حمدوك.
عامان على نجاح ثورة ديسمبر 2018م، وليس هناك ما يشير الى حدوث أي تغيير ولو طفيفا في كافة المالات، بل ساءت الأوضاع وانحدرت الى القاع، وكان لابد ان يشار الى ضعف حمدوك مباشرة دون الطعن في ظله.
انطلق حمدوك من خداع الناس بوهم، (فمنهجي أن أترك للسياسات والقرارات أن تتحدث)، متقمصا شخصية المنقذ الذي يعمل بصمت دون ضجيج، لكن تلك الصورة الوهمية التي حلقت في فضاء خياله الخادع الكاذب المضلل، وصنعت له أجنحة الإجبار الفارغة من كل معنى، أوهن وأضعف من البيوت العنكبوتية.
bresh2@msn.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!