لندن، ذكريات وأحاديث .. بقلم: مازن سخاروف


28 يونيو 2021
(1)
في ربيع أو صيف عام 2000 قبل عقدين من الزمان إلتقيت في لندن وأنا بعد في ربيع العشرينات بالكاتب الروسي زنوفي زِنِك Zinovy Zinki. حصلت على عنوانه من دليل التلفونات. مررت بمنزله وضربت الجرس فلم يجبني أو يخرج أحد لفتح الباب. تركت رقم هاتفي ومعه رسالة كأحد قرائه المعجبين بكتاباته:
“عزيزي زِنوفي
أنا أحد قرائك الشباب. عثرت على روايتك “قاطف عش الغراب*” وأنا أتلكأ في قسم مغمور من الأدب بإحدى مكتبات لندن. أنا مطلع شغوف بالأدب الروسي. نتمنى لو نلتقي. سأترك رقم هاتفي ويمكنك الإتصال حين تشاء.
تحياتي لك ولزوجتك نينا”.

هاتفني الرجل ذات عصر, وابتدرني بالحديث سائلا: “من أي جيل أنت؟” أجبت بأني عشريني. سمعت ضحكة رجل يستعيد شبابه في “فلاش باك” الكاتب حين قال, “هذا هو العمر الذي بدأت فيه خربشاتي الكتابية”. سألني مرة أخرى:
زنوفي: ما هي هواياتك؟ سخاروف: الشطرنج, المشي …
قاطعني وهو يضحك مجددا. ما الأدبُ إلا سَكرةُ فكرة. ما الشعر إلا نتوءُ فكرة في الجمجمة. في مساء عادي في صقيع المنافي الغربية يلتقى عبر الأثير عقلان من جيلين مختلفين. يمشي الرجل في حلمه متعجلا تارة أو مستبطئا. في إثر القطار يركض. سنواتُ العمر تمضي وفي خلد كل منا أمنياتٌ كأوراق الخريف. يسير بها هواء الرواية الأزلي عبر الفصول. قطاراتنا ككل القطارات تضطرب وتتشابه في مُثار نقع خيول الركبان, لولا تميز استرجاع الذاكرة وطيف الحدث. كل خيّال يشجع نفسه: “أن امضِ يا فتى! سِر فلا كبا بك الفرس”! نُسرج جياد الآمال. كل رحلة حدها السماء. كل جواد ينفعُ قطارا في فلاة العمر. والراكب كمن يقتفي طيفه ظلالا وأضواء من بعد عناء السفر. أو الآكل حين يجد في قعر إناء الطبخ ذاكرة جوع بالأمس. لولا الأرض لما قلنا هذا سراط نُصفّر به حد المستحيل وحد حماقاتنا. حسبنا ما سمعنا ورأينا وعرفنا يا صاح. وما سنتركه لآخرين من بعدنا.
سألته بدوري: ماذا عن مسار الحركة الأدبية في روسيا, ومَن من الكـُتاب يمثل “التجديد” في الأدب الروسي؟
أجاب: الكاتب فِكتور بليفِن* Viktor Pelevin
على الهاتف رتبنا موعدا للإلتقاء. وقتها لم يكن هناك هواتف ذكية ولا خرائط قوقل ولا شد عصبي بعد النوم لمن لا يفطن لخطر زخم الإلكترونات على دماغ النائم. سألني إن كان هناك شيئ من الأدب الروسي يمكنه أن يجلبه معه لأجلي حين نلتقي, فقلت له, “أيُّ شيئ جديد .. “. إلتقينا في إحدى البارات بشمال غرب لندن. من مظروف بنيّ أخرج نسخة من كتابه (مجموعة قصصية) بعنوان تذكرة في إتجاه واحد one way ticket. وناولني إياه. قبلتُ الهدية شاكرا, وبدوري أعطيته أولى قصصي القصيرة The Case of Monsieur Grand, قصة درامية عن محام يصاب بالجنون بعد فشله في السيطرة على بارانويا شخصية. رغم تفاوت الأجيال والخبرات, فقد بدونا كأنداد يتبادلان الإنتاج الأدبي بانسجام واحترام – ربما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. طلب لنفسه كوبا من gin and tonic, وسألني, ماذا أستطيع أن أطلب لك؟ طلبت ليمونادة. قال لي, “هل ترغب بشريحة ليمون مع الليمونادة”؟ ثم نظر إليّ وقال, “يا إلهي إنك صغير السن جدا!”
My God, you are so young!
—————-
* The Mushroom Picker
العمل الأصلي باللغة الروسية حمل عنوانا مختلفا هو Руссофобка и фунгофил وترجمته “صاحب الفوبيا الروسية وصاحب عشقية فطر عش الغراب”. أدركت فيما بعد أن الكثير من الترجمات الإنجليزية لا تعدل في عنوان العمل وحسب, بل تدلس ما بالمحتوى أيضا – وتلك حُجية أخرى.
** فِكتور بليفِن أديب روسي مثـّل حينها في بداية الألفية الثانية (في الحقيقة الأصوب أن نقول الألفية الثالثة, ولكن لا بأس) ذروة “الموجة الجديدة” في الأدب الروسي. بطبيعتي فضولي جدا إلى حد الجشع في العلم والأدب, فيمكن القول إن مسألة “إكتشاف” بليفِن كانت مسألة وقت, لكني بالتأكيد كنت ولا أزال بعد كل تلك السنيين اعتبر نفسي مدينا لزنوفي زنك بتعريفي ببِليفين. فبعدها قرأت عددا من أعماله, ثلاث روايات وعددا كبيرا من القصص القصيرة:
The Clay Machine Gun; Generation P; and The Helmet of Horror (all three are novels)
The Blue Lantern; Problems in Central Russia (both are short story collections)

jsmtaz2014@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!