أليس فيكم رجلٌ رشيد ؟! ما الذي دهى الحزب الشيوعي السوداني؟ .. بقلم: عزالدين صغيرون


في أكثر من موقف من مواقفه السياسية يطرق هذا السؤال ذهني بوجع وإلحاح، لأن من له ذرة إلمام بتاريخ الحزب النضالي، وما يمكن أن يلعبه من دور في صياغة مرحلة ما بعد الثورة، يستغرب ما يقوم به من دور، ليس فقط لا يتناسب مع ما هو متوقع منه لعبه قياساً بتاريخه، بل ويناقض هذا التاريخ، ويكاد ينقضه  وينسفه، ليظهر كما لو كان حزباً جديداً، ببوصلة نضالية “مشاترة” جديدة.
دعنا نتجاوز كل مواقفه منذ مرحلة صياغة الوثيقة وما بعدها، فقد كفانا للحديث عن تفاصيل ذلك ما ظل يكتبه الحادبون على الحزب ومثمني دوره ومكانته في خارطة الفعل السياسي، وبعضهم أعضاء سابقون في الحزب أمثال صديق الزيلعي وعبد الله علي إبراهيم وماركسيون واشتراكيون. لننظر إلى موقفه الآن ودعوته تلك التي تجاوزت حدود الجرأة لتصير أقرب “للغشامة” لإسقاط الحكومة المدنية بإصرار وإلحاح يثير الريبة في أهداف الحرب وخط سكرتيريته السياسيه وجعلته، عملياً، يركب في سرج واحد مع فلول الكيزان  يرفعان نفس الشعار، ويرددان نفس الهتاف !!.
ألا يثير هذا الموقف الدهشة والريبة والتعجب ؟!!.
وسواء كان هذا الموقف المتماهي مع الكيزان مقصود ومتعمد أم غير ذلك، فإن كتابات العديد من طبقة المهتمين بالشأن العام تؤكد ترسّخ هذا الانطباع عندهم، وليسوا جميعاً من أعداء الحزب، أو دعاة لمحاربة الفكر الإشتراكي، أو في صف الفكر الرجعي (1).
ألم يكن هذا وحده كافياً لأن تتوقف قيادة الحزب لحظة لمراجعة خط السير الذي اختطته للحزب؟.
هل كان المشهد السياسي بالغموض الذي يجعل قراءته بهذه الصعوبة التي تدعو إلى كل هذا الفوضى والتخبط في المواقف ؟.
ألم يخطر بذهن أحد في اللجنة المركزية أو ما هو دونها في الحزب إلى أن شعار إسقاط الحكومة المدنية هو قفزة في الظلام تكاد تكون معروفة النتائج ؟!.
هذه حقيقة لا تحتاج إلى عبقرية استثنائية وقدرات تحليلية خارقة.
كان يكفي أن يسألوا أنفسهم: في أي صف يجعل هذا القرار الحزب ؟.
ما هي القوى التي تنادي بهذا المطلب وتتطلع إليه؟. وما هو هدفها من رفعه مطلباً وشعاراً ؟. ما المصلحة التي يحققه لها ؟.
لو سألوا أي ثائر يتمتع بالنذر القليل الوعي السياسي، لعرفوا بأن إسقاط الحكومة المدنية هو “غاية منى” أهداف المكون العسكري، لأنه سيتيح للعسكر ملء الفراغ الدستوري بحكومة مدنية يختارها، وتتحقق له بعدها السيطرة المطلقة على ما تبقى من المرحلة الانتقالية (هذا إذا كانت ستكون انتقالية بعدها).
ولزادهم أي شاب من لجان المقاومة علماً بأن إسقاط الحكومة المدنية سيفتح باب الثورة واسعاً على (ضلفتيه) لفلول الإخوان وكل قوى اليمين، لمغامرة أخرى.
ةأن هناك العديد من القوى الخارجية – وهم على علمٍ بها – ستدعم حراكهما إذا ما سادت الفوضى.
وأخيراً سيسألون أنفسهم السؤال الذي كان ينبغي أن يطرحوه على أنفسهم قبل كل ذلك: هب أننا وبدعم ومساندة من القوى المتربصة بالثورة قد نجحنا في إسقاط الحكومة، ما الذي نملكه من القوة لنسد الفراغ الذي سينجم عن ذلك ؟.
ولا تقولن لي: نملأه بالجماهير وبقوى الثورة الحيَّة وبالشعب، وما إلى ذلك من قوى لا يعرف أحد حجمها !. فحتى قوى الثورة الحية ولجان المقاومة في الأحياء توزعت منقسمة بين هدفين وشعارين: إسقاط الحكومة، وإصلاح مسارها.
فالشارع كما قلت من قبل لم يعد هو الشارع عند انطلاق شرارة الثورة شارعاً واحداً متماسكاً، هناك اليوم أكثر من شارع. بعد أن مزقته القوى السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي نفسه، بالمواقف “المشاترة” والدروب المتقاطعة. والذي يملك بين يديه القوة الحقيقية المتماسكة الآن هو المكون العسكري. ولا يغرنكم ما تسمونه مع رئيس الوزراء بالتشظي في حملة السلاح. لأن المسافة وشقة الخلاف بين البرهان (ولا أقول الجيش) وبين حميدتي (وأقول الدعم السريع) ستتلاشى في مواجهة المكون المدني، وسيدون بين قوى المكون المدني من الأحزاب من سيصطف معهم ضد المدنية.
إذن ما الذي سيفعله الحزب الشيوعي حين يأتي يوم الفراق هذا؟. وما الذي يملكه بين يديه من أوراق يكسب بها وراثة الثورة بكل زخمها الشعبي غير المسبوق؟. ولماذا هذا التضخم الأنوي والتجرد من التواضع والواقعية بقيادته ؟!.
كلمة أخيرة
ما من أحد يعمل أو يرجو ويتمنى التغيير يسعى لإقصاء الحزب الشيوعي أو يكن له العداء، فتاريخه عصي على المحو من لوحة الشرف النضالي. إلا أن قيادته التي يسيطر عليها وهم “قيادة” النضال منفردة جرياً على قول أبي فراس الحمداني: “لنا الصدر دون العالمين أو القبر”. من أكبر معوقات دوره المرتجى، بل هو من أكبر معيقات مسيرة الثورة بين صفوف المدنيين، وكما رأينا كيف تماهى موقفه وشعاراته مع الثورة المضادة، قصدت قيادته ذلك أم لم تقصد، يقودون الحزب إلى زاوية تنسف تاريخه النضالي، وتشوش الرؤية، خاصة بين الشباب الذين لم يعايشوا ملاحم بطولاته التاريخية.
وليس أمام قيادة الحزب وشبابه سوى أمرين لإعادته إلى رشد التغيير الذي يسعى إليه ونتطلع جميعاً إلى دوره الفاعل وإمكانات كوادره فيه. إما أن تفتح القيادة أبواب كبينتها أمام قوى شباب الحزب، وأمام كل الشباب الذين يطمحون إلى التغيير من غير كوادره، وإما أن يقود الشباب ثورتهم داخل الحزب (فهو حزبهم هم أيضاً مثلما هو كباره) ليحقنوا شرايينه بدماء وعيهم الحار.
هامش
(1) على سبيل المثال: 1/ د. محمد عبد الحميد، عندما التقى الخصمان لإسقاط الحكومة في يوم الزينة. 2/ مجدي إسحق، رسالة عتاب للرفاق مع الاختلاف والمحبة. 3/ فضيلي جماع، دعونا من الشعارات وشغل الحسد.4/ محمود عابدين، 30 يوليو تحالف ” “العسكروز” والـ”شيوكوز. هذه مختارات من مقالات في صفحة يوم واحد في موقع صحيفة سودانايل بتاريخ الخميس 1/ 7/ 2021.
izzeddin9@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك