الذرة طعام غالبية السودانيين لا تصدروه ولا تبادلوا به!! .. بقلم: عيسى إبراهيم


ركن نقاش

** أصدر بنك السودان قبل فترة أمراً بالسماح بوجود نافذتين للتعامل البنكي في السودان، نافذة للتعامل التقليدي بسعر الفائدة، ونافذة للتعامل بطريقة ما يسمى بالنظام الاسلاموي (الاسلاربوي)، ولم يصدر البنك ضوابط تمنع النظام الأخير (الاسلاموي) بالمضاربة في السلع، أو في المجال التجاري، كما هو معهود في جميع أنحاء العالم التي تعتبر البنوك أجهزة مالية لا تجارية، وقد بدأت تجربة البنوك الاسلاربوية بعيد منتصف السبعينيات في السودان في عهد نظام “مايو – نميري”، وقد أطلق عليها المواطنون – حسب متابعتهم لتعاملها – تهكماً، بنوك العيش؛ وأكاد أجزم أن التدهور الاقتصادي في السودان قد بدأ مع بداية دخول بنك فيصل إلى السودان في سبعينيات القرن الماضي، وهو بنك لم يحظ بالعمل في بلده الأم “السعودية” والتي ما زالت بنوكها تتعامل بسعر الفائدة، وكذلك منع العمل بالنظام الاسلاموي بعد تجربة فاشلة في مصر (طريقة النجار) التي دخلت بامتناعها عن أخذ فوائد في تعاملاتها وسقطت التجربة ومنع التعامل بها في مصر، وكان السودان هو حقل تجارب ما يسمى بالنظام البنكي الاسلاموي!..
تناطح السياسات والقرارات في سودان الثورة:
** أصدر بنك السودان المركزي يوم الاربعاء منشورا عممه على كافة البنوك العاملة بالبلاد سمح بموجبه تصدير الذرة مع الإلتزام بالضوابط الخاصة بعمليات الصادر. وكان البنك المركزي قد اصدر من قبل منشورا بايقاف صادر الذرة بناء على قرار من وزارة التجارة والتموين بهذا الخصوص. (سونا – الخرطوم 16-6-2021 – البنك المركزي يسمح للمصارف بتصدير الذرة)
** بنك السودان المركزي يإصداره قراراً بتصدير الذرة، يعتبر بذلك مصادماً لسياسة الانتقالية الرامية إلى منع تصدير المواد الخام إلا في صورة منتج نهائي طلباً لجني ثمار الفائدة المضافة من التصنيع، والذرة بالطبع يدخل مع خامات أخرى متوفرة في السودان مثل الامبازات وأضافات أخرى مهمة كالسيوبر الذي يمكن استخلاصها من دم الذبيح، والسودان في المقام الأول 80% من سكانه رعاة ومزارعون، أكثر من ذلك فالذرة هي طعام غالبية السودانيين في الأرياف والبوادي والأقاليم الطرفية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان وشمال السودان، بل إن الكثيرين تحولوا إلى الذرة بعد الضائقة المعيشية التي ألمت بالسودان بعيد الاطاحة بالنظام البائد الذي كان أس بلاء البلاد، وبعد ارتفاع سعر الرغيفة (حجم الكوكتيل) إلى خمسة جنيهات، وبعد إضافة الذرة “عجيب” (تطوير جامعة الجزيرة) بنسبة 30% إلى الفينو، لقد رجع الكثيرون إلى الذرة بلا مجهود في التوعية، يستجيرون بها من رمضاء الأسعار، وهاهو بنك السودان باصداره قرار التصدير يجعل استجارتهم “كالمستجير من الرمضاء بالنار”..
** “أكد نائب رئيس شعبة الذرة والأعلاف عادل قاضي – بحسب صحيفة الانتباهة – توقف صادر الذرة قبل عامين بسبب تدني الإنتاج. وهذا الموسم ٢٠٢١م فإن الإنتاج كثير جداً ويقدر بخمسة ملايين طن بعد حصر الاستهلاك الآدمي والحيواني الذي يقدر بـ ٣،٥٠٠ ألف طن، أما المتبقي خسارة بحوالى ٦٠٠ الف طن و١٠٠ الف تقاوي، وهنالك احتياطي ١٠٠الف طن، وأيضاً مبررات التصدير أن أسعار الذرة بالداخل متدنية، ولذلك كانت هذه الخطوة مهمة جداً”، “مردفاً (عادل قاضي) ان المخازن ممتلئة وتحتاج إلى تصريف” (المصدر: حسين سعد – صحفي – في الخاص)، فهل حقاً أن أسعار الذرة متدنية؟، الاجابة: لا!، حسب متابعتي في سوبا الحلة ربع الذرة “طابت” من الطاحونة بسعر 1500 جنيه، معنى ذلك أن سعر جوال الذرة بالقطاعي في الطاحونة (14 ربع × 1500 جنيه = 21000 جنيه)، والسؤال: أين الذرة المكدسة في القضارف؟، هل وصلت إلى العاصمة المعتنى بها، خلِّ عنك الأقاليم الطرفية التي تعاني شظف العيش، ويعاني – حسب الاحصاءات – 25% من السكان من مجاعة محتملة، لعل المستفيد الأول من صادر الذرة هي “بنوك العيش” القابضة على قرون “تيتل” الذرة تنتظر فتح باب التصدير!..
** من المعلوم أن المزارعين لا يصبرون كثيراً في الاحتفاظ بمنتجاتهم بل تذهب إلى التجار، وكنا نتابع ما يقال عن دعم المنتج ووجدنا أن الدعم يذهب إلى التاجر لا المزارع، والقول بأن المزارعين يتخوفون من تلف ما معهم من محصولات هو “حديث خرافة يا أم عمرو”، وكيف يستقيم تلف المحصول مع قول نائب رئيس شعبة الذرة والاعلاف: “مردفاً ان المخازن ممتلئة وتحتاج إلى تصريف”؟!..
أيهما افضل لمرضى السكري والسمنه الذره أم القمح؟:
يعد إستخدام الخبز والطحين من أكثر الأطعمة إستهلاكاً في العالم حيث يقدر إستهلاك الفرد من طحين الخبز بحوالي 70 كيلوجراماً في العام. ويمثل الخبز حوالي 50٪ من النشويات التي يتم إستهلاكها في اليوم. ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول الخبز لمدة 30 يوماً؟، وهل الذره (الكسرة والعصيدة) تمثل البديل المناسب للخبز؟. على الرغم من أن الخبز يعتبر من أهم مكونات مائدة الطعام إلا أن 99٪ من حياة الإنسان على الكرة الأرضية كانت خاليه من الخبز والقمح وأن عشرة الآلاف سنه الاخيره من حياه البشريه هي التي شهدت التطور في استخدام القمح والخبز، وفي رأيي الشخصي أن قوة تحمل الإنسان للعوامل البيئيه من أمراض وتغير في المناخ قل تدريجياً إلى أن وصل الوضع الى ما نعيشه الآن من زياده في نسبة الأمراض المناعية والاورام الخبيثه وداء السكري ومشاكل المفاصل وأمراض القلب، يمثل الإستخدام المفرط للقمح والخبز أحد أهم أسباب زيادة نسبة هذه الأمراض. في عام 1885م بدأ التعديل الجيني والوراثي في زراعة القمح حتى وصلت الأبحاث في عام 1970م الى نوع جديد من القمح معدل وراثياً بحيث يعطي كمية أكبر من الحبوب ومقاوم للآفات وأكثر تحملا” للمبيدات الحشرية التي تستخدم أثناء زراعة القمح وأيضا ساعد هذا التعديل الوراثي في مقدرة دقيق القمح على التمدد عند تعرضه لدرجات الحرارة العاليه أثناء عملية تصنيع الخبز. من هنا أصبح القمح المعدل وراثياً مصدراً لكثير من المشاكل الصحيه التي يمكن تفاديها بالتقليل أو الامتناع عن تناول الخبز واستخدام دقيق الذره كبديل لطحين القمح. يحتوي القمح (الخبز) المعدل وراثياً على كميات كبيرة من البروتين والجلوتين التي تجعل عملية الهضم والامتصاص معقده جدا” ولها مابعدها من الآثار الجانبيه والصحيه. ومما زاد الوضع سوءا هي عمليه تقشير القمح وإزاله القشرة الخارجية (النخاله) والتي تحتوي على كميات كبيرة من الألياف المفيده. الغرض من عملية ازالة القشره الخارجيه هي اتاحة فرصه إستخدام طحين القمح في انتاج مواد غذائية اخرى مثل البسكويتات والحلويات وغيرها. عملية إزالة القشرة الخارجية حولت القمح الى سكر خام ليرفع معدل السكر في الدم بصورة أكبر من سكر المائدة (السكر الابيض) بصورة مبسطه فتناول 70 جم من القمح في صورة رغيفه خبز يمكن أن ترفع مستوى السكر في الدم أكثر من مايرفعه 70 جم من سكر المائدة الابيض !! وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المعدل الجلايسيمي للخبز أكبر من المعدل الجلايسيمي لسكر المائدة الابيض مقدرة نوع معين من الأكل على رفع سكر الدم مقارنه بالجلكوز. يقدر المعدل الجلايسيمي للخبز بـ 75 بينما المعدل الجلايسيمي لسكر المائدة الابيض65!. ماذا يحدث للجسم بعد التوقف عن تناول الخبز؟، في اليوم الأول تبدأ قراءات السكر في النزول لأن الخبز يمثل 50% من النشويات التي نستهلكها في اليوم ولا فرق بين الخبز الأبيض أو الأسمر أو النخاله في رفع معدل السكر في الدم لأن المعدل الجلايسيمي لثلاثه الانواع ثابت وهو 75. في اليوم الثاني والثالث يبدا الشعور بالقلق والتوتر والصداع وهذه تمثل الأعراض الإنسحابيه لادمان الخبز، فالقمح يحتوي على بروتين الجلوتين الذي يعمل كمحفز للخلايا العصبية لإفراز ماده الجلوتيومورفين وهي مادة منعشه تقلل الإحساس بالألم وهذا يفسر الشعور أو الرغبة في تناول الخبز عندما تستنشق رائحه الخبز أثناء التصنيع (داخل الفرن). في نهاية اليوم الثالث وبداية اليوم الرابع تبدأ في الشعور باعراض انخفاض السكر في الدم وقد نحتاج لتعديل جرعه الأنسولين عندما يقرر مريض السكر التخلي عن تناول الخبز. في نهاية اليوم الرابع واليوم الخامس يبدأ الجسم على التأقلم مع الوضع الجديد وتبدأ الكبد في معالجة وضبط مستوى السكر في الدم عن طريق عمليات معقده مثل الجلوكونيوجنسيس والجلايكوجينولايسس ويبدأ الإنسان في الشعور بالراحة على مستوى الجهاز الهضمي وفي الجسم بشكل عام. تقل نسبه الأنسولين و الذي يتم إفرازه مباشرة بعد تناول الخبز وبالتالي تقل وبدرجة كبيره مايسمى بمقاومة الأنسولين والتي سوف نتحدث عنها لاحقاً وعن علاقتها بتناول الخبز. من الاسبوع الثاني والثالث يبدأ وزن الجسم في النزول وقد يفقد الجسم مابين 3 – 6 كيلوجرامات خلال 3 الى 4 أسابيع. السبب في نزول الوزن هي أن كميات السكر التي تدخل الجسم مع تناول الخبز قلت وبدرجة كبيره وكل 1 جم من السكر يقوم بحبس 4 جم من السوائل داخل الجسم. بفقدان هذه الكميه من السوائل يبدأ الجسم في فقدان الوزن والذي بدوره أيضاً يقلل من مقاومة الأنسولين. يبقى السؤال الأهم وخاصة لنا في السودان: هل يمكن استخدام دقيق الذرة كبديل لطحين القمح وخاصة عند مرضى السكري؟، الاجابه (وبكل ثقه) نعم..ظل دقيق الذره لمئات السنين هو الغذاء الأساسي لكل أفراد المجتمع (السوداني) حيث لاتخلو مائدة الطعام من دقيق الذره في شكل (كسره أو عصيده). لم تلاحظ السمنه كما هي اليوم، لم تكن معدلات الإصابة بداء السكر كما هو اليوم، لم تكن معدلات الإصابة بمشاكل المفاصل والأمراض المناعية كما هو اليوم، لم تكن مشاكل الجهاز الهضمي كما هو اليوم، حتي عطاء الإنسان ونشاطه اليومي يختلف تماماً عن الواقع المعاش الأن. المؤشر الجلايسيمي لدقيق الذره أقل بكثير من المؤشر الجلايسيمي للقمح، إن عمليه تحضير دقيق الذرة تسبقها مرحله التخمير أو (الخماره )، هذه العمليه لها فائدة كبيره جدا في تقليل نسبه السكر في دقيق الذره، حيث أن فطر الخميره يتغذى علي السكر الموجود في دقيق الذره وهذا يقلل من كميه السكريات والكربوهيدرات الموجوده فيه، وبالتالي ينخفض المؤشر الجلايسيمي لدقيق الذره، انا الآن بصدد دراسة وبحث مستفيض عن المقارنه بين دقيق القمح ودقيق الذره (ودعكر) في رفع مستوى السكر في الدم، كل التجارب التي أجريتها حتى الآن تشير بأفضلية تناول دقيق الذره عن دقيق القمح لمريض السكر من النوعين. سنوافيكم قريبا بإذن الله بالأرقام عن المقارنة بين دقيق القمح ودقيق الذره وتأثير كل واحد منهما في مستوى سكر الدم.. (د. عباس موسى عباس إختصاصي أمراض الباطنية والغدد الصم والسكري مستشفى الأمير متعب بن عبدالعزيز – السعودية)
eisay1947@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!