هل يطلب الرئيس الاسبق ساركوزي محاكمة سودانية؟ .. بقلم: بشير عبدالقادر


الكل يعلم أن النظام السياسي الحديث يفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية، التشريعية والقضائية، وأن ذلك الفصل يقود لأن يتم الفصل بين الدولة كجسم ثابت يتمتع باستقرار دائم، والحكومة التنفيذية كجسم قابل للتغيير كليا أو جزئيا بصورة مستمرة. ينبغي أن تظل السلطات التشريعية والقضائية تتمتعان باستقلالية ورقابة ذاتية و تبقيان ضامن لمحاسبة السلطة التنفيذية في حالة تعديها على الدستور او حتى القوانين اليومية.
في هذا المقال أطرح أمثلة حديثة تدل على أن الاستقرار السياسي للدولة غير مقرون بديمومة حكومة تنفيذية من عدمها؛ بل مقرون أكثر بوجود السلطة القضائية التي تتمتع بالاستقلال بعيدا عن رئاستها في الحكومة التنفيذية أي وزارة العدل.
في يوم 01/07/2021م تمّ تسليم السيد وزير العدل الفرنسي ايريك موريتي خطاب استدعاء للمثول امام محكمة العدل في تاريخ 16/07/2021م القادم!!! وفوق ذلك فقد تمّ تسليمه خطاب إستدعاء للمحكمة أثناء عملية التفتيش التي تمت في مباني وزارة العدل كجزء من التحقيق في شبهة حصول الوزير على مصالح بصورة غير قانونية، واستغرقت عملية التفتيش 15 ساعة مع وجود ثلاثة قضاة بصحبة عشرين من رجال الدرك،-الشرطة العسكرية -وقد احتجزت اللجنة تلفون الوزير وكل رسائل الايميلات لمساعديه!!!
وصراع الوزير وهو سلطة تنفيذية مع القضاء له حكاية ؛ منها ان الوزير طلب تحقيق اداري ضد ثلاثة قضاة من المكتب الوطني المالي في شهر سبتمبر 2020م، باعتبارهم قد ساهموا في التحقيق الذي هدف لكشف الشخص او الأشخاص الذين لعبوا دور “الغواصة” وقاموا بإبلاغ الرئيس ساركوزي بأنه ومستشاره تحت التصنت بخصوص قضية فساد. وكان أولئك القضاة الثلاثة قد فحصوا بدقة كشف المكالمات التلفونية للوزير عندما كان مايزال محامي. مما دعي الوزير والمحامي حينها لفتح بلاغ باعتبار ان هناك تعدي على خصوصياته؛ ولكنه قام بسحب الشكوى عندما تما تعيينه وزيرا.
للعلم ان لجنة التحقيق التابعة لمحكمة العدل التي إستدعت الوزير هي الجهة الوحيدة المخولة بمحاكمة الوزراء.ويعتقد بأنه سيتم توجيه تهمة للوزير بانه استغل منصبه بصورة غير شرعية ، وقد عبر محاميان وزير العدل بأن تسليم خطاب الاستدعاء في نفس يوم التفتيش في الوزارة معناه ان ما تم تفتيشه ليس له معنى لهم وان اللجنة قد قررت مسبقا قبل اجراء عملية التفتيش استدعاء الوزير “جرجرة” !!! كذلك هناك ثلاث نقابات تابعة لجمعية “انتيكور” قدمت شكوى ضد الوزير، متهمة السيد الوزير بأنه استغل منصبه لتسوية او لتصفية ملفات قضايا كانت تهمه او تورط فيها عندما كان محامي!!!
ثاني على قوة الجهاز القضائي واستقلاليته عن الجهاز التنفيذي بل مراقبته و تقديم افراده للمحاكمة إذا ثبتت عليهم اتهامات. فمثلا هناك اتهامات تلاحق وزير الداخلية ومستشار الرئيس ساركوزي الاسبق بتهم فساد!!!
فبعد أن أقسم وزير الداخلية الاسبق السيد كلود غيان بأنه لم يتلقَّ أدنى هدية من رجل الأعمال الفرنسي الجزائري والوسيط ألكسندر جوهري، اعترف السيد الوزير الاسبق تحت ضغط الأدلة بتسلم ساعة ثمينة قدر سعرها بحوالي 11.000 يورو في العام 2006م ، وقال “أعطاني ألكسندر جوهري هذه الساعة بالفعل …دون أن يكون هناك مقابل”.، وأعترف كذلك بتسلم ومبلغ نقدي كبير قدر بحوالي 400000 يورو في العام 2008م. كذلك تلاحق وزير الداخلية الاسبق تهمة (التدخل لدى الشركة الأوروبية للدفاع الجوي والفضاء، لكي تدفع عمولات كبيرة إلى السيد الكسندر جوهري على هامش بيع طائرات إيرباص (Airbus) للنظام الليبي(
يبقى ان كل هذه المعاملات المالية المشبوهة لها علاقة وثيقة بقضية التمويل الليبي للانتخابات الفرنسية الرئاسية لصالح المرشح ساركوزي .اما الرئيس ساركوزي نفسه فهو في “حيص.بيص” ولم تنته محاكماته بعد وقد سبق لي ان خصصتها بمقال منشور وموجود في النت بعنوان “ما بين محاكمة البشير ومحاكمة ساركوزي”!!! ماسبق يوضح قوة السلطة القضائية واستقلاليتها.
أما في البلاد التي استوزرت للعدل زمنا ما امثال السيد سبدرات، الذي وصفه المرحوم الطيب مصطفى-خال الرئيس- بأنه محامي الشيطان، بعد أن قبض مليار جنيه في التحكيم في قضية الاقطان الشهيرة، ثم يأتي ليصبح احد ممثلي الدفاع عن المخلوع البشير؛ ثم لا يخجل ان يصف غياب ممثلي الاتهام والشاكي عن الجلستين السابقتين بانه سابقة خطيرة “ردد رئيس هيئة الدفاع عبدالباسط سبدرات ثلاث مرات ان هذا الامر خطير وقال ان غياب الاتهام سابقة خطيرة وطعن في القضاء”!!
الاستاذ سبدرات وزير العدل الاسبق يعلم بان ما يحدث من زملائه ال99 محامي ما هو الا “هرجلة قانونية” أدت الى ان تصدر هيئة الاتهام بيان جاء فيه “…إن الهيئة تقدمت بمذكرة في ٢٧ يونيو 2021م لرئيس القضاء المكلف فيما يتعلق بإجراءات المحاكمة وما يحدث فيها من مخالفات منذ بداية المحاكمة. … تؤدي إلى اجهاض العدالة وانهيار قواعد المحاكمة العادلة. وقد رأت هيئة الاتهام أن الصمت عما يحدث أو المشاركة فيه يرقى إلى درجة خيانة الشعب السوداني الذي نمثله في هذه المحاكمة ولذلك قرروا عدم حضور جلسة امس حتى يتم الفصل في طلبهم”.
بل ذهبت هيئة الدفاع الى قمة الاستفزاز للشعب السوداني قاطبة عند مطالبتها بشطب القضية، كما قال المحامي هاشم ابوبكر الجعلي في جملة استفزازية للمحكمة ” نأمل ان تتوفر الشجاعة للمحكمة تحقيقا للعدالة، اذا قدرت المحكمة عدم شطب الدعوى فأننا في هيئة الدفاع نلتمس احتياطا الافراج عن موكلي وبقية المتهمين بالضمانة حتى لا يحبس المتهمين في انتظار المجهول”!!!
يقول المحامي الجعلي ذلك وهو يعلم (أن البلاغ المعروف باسم بلاغ انقلاب 30 يونيو 1989م يواجهه المتهمون فيه بلاغا تحت المادة 96 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1983 وهي تقويض النظام الدستوري والمادة 78 من نفس القانون وهي الاشتراك في الفعل الجنائي، والمادة 54 من قانون قوات الشعب المسلحة وفي حال أُدين البشير بموجب المادة 96 فقد يُواجه عقوبة أقصاها الإعدام)!!!
اما الاستاذ ابوبكر عبدالقادر -الذي يصلي خلف زوجته- فقد قدر أن (الاتهام) تغيب عمدا وقصدا عن حضور الجلسة ….وأكد ملاحظته بأن القاضي لم تبدُ عليه المفاجأة بغياب الاتهام ورغم ذلك أصدر قرارا برفع الجلسة دون أن يسمع رأي هيئة الدفاع وسط احتجاجاتها على القرار.اي ان الاستاذ ابوبكر عبدالقادر يلمح الى ان عدم تفأجي القاضي يوضح انه على علم سابق بحدوث التغيب!!!ثم رفض محامو الدفاع سماع المتحري في غياب الاتهام والشاكي معتبرين ان الغياب غير المبرر لهيئة الاتهام والشاكي يمس العدالة والهيئة القضائية ويعد تجني على العدالة.
اما قاضي المحكمة والذي شهد الشعب السوداني قاطبة ضعفه في ادارة الجلسات لدرجة اظهرت عدم احترام هيئة الدفاع له ولكل المحكمة!!! هذا القاضي الذي طالب الكثيرون بتغييره لشبهة تواطئه مع النظام البائد وكدليل على ذلك ما ذكر بانه متردد بين السير في إجراءات القضية وسماع المتحري او شطب الدعوى!!!
ويظهر تواطؤ القاضي في تصريحه في بداية الجلسة ” ان المحكمة كانت خالية الذهن في الجلسة الماضية عن أسباب غياب هيئة الاتهام.. بالأمس علمنا لن هناك طلبا امام رئيس القضاء من قبل الاتهام ولم يتم الفصل فيه”!!! قاضي يمكن أن يشطب دعوى عقوبتها قد تصل للاعدام!!! في ظل وجود أمثال محامي الدفاع هؤلاء وهذا القاضي، ليس من البعيد ان نسمع قريبا مطالبة الرئيس الاسبق ساركوزي و كل المحالين للمحاكمة في فرنسا بنقل محاكماتهم للخرطوم!!!
أنشد الشاعر أحمد بن الصديق
“وإنَّ الأمــنَ كلَّ الأمـنِ عــدلٌ *** يـُلاذ بظــلّه و به احـتـمـــاءُ
ورمز القسط قاضٍ قد تساوَى *** ذَوُو ضـعـفٍ لديهِ وأقـويــاءُ
وعينُ القسط مـيـزانٌ تساوَى *** أخو فــقـــرٍ لــديهِ وأغـنيـاءُ
فإن صلُحَ القضاء فـنمْ قريراً *** وإنْ فسدَ القضاء فما العزاءُ
وإن وَهَنَ القضاةُ طغى طغاةٌ *** سلاحهُمُ الخراب والاعـتداءُ”.

wadrawda@hotmail.fr


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!