بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) – صدق الله العظيم – البقرة: 155-157.


أتقدم هنا بأحر التعازي لآل الشيخ المرحوم عبد المحمود حاج العربي في مصاب الأسرة الأليم، التي تكبدت حتى في هذا العام كثير من الأرواح الطاهرة. اناس كانوا بالأمس معنا، رحلوا عن دنيانا رحيل مفاجئ، الواحد تلو الآخر، تاركين خلفهم ذكريات خالدة، وتاركين خلفهم ذرية صالحة في أعمار الزهور. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم يحتذون ما خلد آباءهم واعمامهم الأتقياء من ذكرى طيبة وصفحات إنسانية ناصعة، ويحفظون ما تركوا لهم من إرث إنساني لا يضاهى، وسمعة وصداقة، تجعل منهم مثلا اعلى في الحياة.

ونسأله سبحانه وتعالى أن يصبر أخاهم المفجوع في فقدهم، الصديق الصدوق، والدكتور المحبوب، عبد المنعم عبد المحمود العربي وأسرته الكريمة. هذا الرجل المثابر الذي استجاب لدعوة مرضى يحتاجونه في الشتات، يلبي دعواهم ليستقر به المقام في لندن، ساهرا على مرضاه، مشخصا لحالاتهم، ومعالجا لعللهم، ومعلما لأجيال واعدة من أجل الإنسانية. هذا الرجل الصبور، الذي كنت كل ما أحادثه، أحادثه معزيا في فقد جلل يأتيه للتو، ويكون وقتها اما ذاهب لعمله، او عائد منه للحال. لقد بدأ الفقد مبكرا في العام المنصرم بفقده لصديقه الوقور، المرحوم، البروفيسور حسين جمعان. كان وقتها دكتور عبد المنعم متأهب للسفر، وعلى وشك اللقاء به في الخرطوم، لافتتاح معرض فني أوصى بإقامته البروفيسور الراحل أحمد شبرين رحمة الله. معرض يقام في المعهد الفرنسي بالخرطوم، يجمع بين أعمال بروفيسور شبرين، تلميذه بروفيسور جمعان، وأعمال فنية مميزة للدكتور عبد المنعم. وإذ به يتلقى الخبر المحزن بوفاته المفاجئة – صديقه العالم، المتواضع، التقي، الورع، الذي كان يكن له مكان لا يوصف من بين الأصدقاء.

وبه صارت إقامة المعرض بعد الرحيل، أمانة في عنق الدكتور عبد المنعم. نسأل الله تعالى أن يكتب لهذا المعرض أن يقام، كوصية وفاء للرحلين "الأساتذة شبرين وجمعان". وهذا فور هدوء أو زوال جائحة كورونا، وتذكرة بالراحلين وعطاءهم لما قدموا في مجالهم "الفنون الجميلة" من أبداع وتدريس وإدارة.

ثم يتلوه بقليل رحيل نسيبه الذي يعزه ويفتخر به أيما فخر و أيما اعتزاز، الأستاذ المخضرم، ومربي الأجيال، بابكر خلف الله، الذي رحل أيضا فجأة، وكم من حزن طبق عليه وقتها، برحيل إنسان عزيز يتلوه رحيل عزيز آخر.

لم يمر كثير من الوقت، وإلا تفقد هذه الأسرة المكلومة ابنها البار بالناس عمر، والذي عرف عنه بأنه رجل رأي ضوء الشمس لفعل الخير ومساعدة المحتاجين. كان المرحوم عمر ذو رابط مباشر بشعب أريتريا المقهور أيام الحرب مع أثيوبيا. هيأ للاجئين المأوى ليعيشوا في بلادهم الثانية آمنين. وهنا للذكر، لا للحصر، لقد آوى المرحوم عمر حتى الرئيس الحالي لدولة أريتريا "أسياس أفورقي" وبعض الثوار في داره المتواضعة، وأعطاهم الأمان في وقت ذروة الحرب. وظف عمر عليه رحمة الله ماله ووقته وحياته لأعمال الخير، إذ كان ينفق من حر ماله على الأطفال ساكني الشوارع. بل كان أيضا من المهتمين ومنذ زمن بعيد بالجانب الرياضي، ومن أجل توطين وتوطيد أنواع الرياضة الحديثة، كتنس الطاولة في البلاد. وهذا لتمارسه وتستفيد منها كل طبقات المجتمع، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي لممارسيها، وبإيمانه القاطع بأن الرياضة ملك للجميع، وممارستها هي حق من حقوق الإنسان.

في الأسابيع الماضية توالى الكلم على دكتور عبد المنعم والأسرة بفقده لثلاثة من الاخوان الأشقاء تباعا. لقد فقد أولا أخاه الشيخ المجذوب، رجل البر والإحسان، والذي سخر ما ملك من خير لخدمة الآخرين. لقد كان الأخ الأكبر، الذي أوصاه والده عليه الرحمة والمغفرة باخواته واخوانه خيرا، وأحسن الشيخ المجذوب ما أوصى به حافظا للأمانة. الرجل الذي أكمل تربيتهم وتعليمهم، وقام بزيارتهم في مواقع دراستهم وعملهم، متفقدا لأحوالهم، وحفظا للوصية.

لم تمضي أيام قليلة حتى رحل من بعد ذلك الأخ الأصغر الدكتور بابكر، والذي تخصص في طب الأسرة، وعمل لسنوات في ودولة الأمارات العربية المتحدة "شرطة حكومة ابوظبي". لبي الراحل قبل رحيله دعوة المرضى في البلاد، ليعود نهائيا للعمل في السودان، ويستقر به المقام بها لمساعدة أهل بلاده. ويتواصل الحزن بأن يلحق بدكتور بابكر توأمه علي، الذي تخرج وعمل بالمملكة المتحدة، ثم عاد لدفع ضريبة الوطن تجاه مرضاه وفي بلاده "السودان". والذي عمل حتى آخر أيام حياته بمستشفيات وجامعات البلاد، حيث كان مستشارا جديرا وبروفيسورا معلما لأمراض النساء والتوليد.

عرف عن التوأمين الراحلين "بابكر وعلي"، أحاسيسهم الرفيعة تجاه مرضاهم وهمومهم المتدفقة تجاه ذوي الحاجة من الناس. اناس كانوا ينفقون من أجورهم على مرضاهم وعلى المحتاجين، حتى يتمكنوا من شراء الدواء ومتطلبات العلاج. أي إنسانية أكثر من هذه، وأي تفاني من جانب الطبيب، تجاه المريض أكثر من هذا؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل الاخوان الأربعة: عمر، والشيخ المجذوب، وبابكر، وعلي أحسن قبول، ونسأله سبحانه وتعالي أن يتقبل البروفيسور أحمد شبرين والبروفيسور حسين جمعان، والأستاذ بابكر خلف الله أحسن قبول. نسأله سبحانه وتعالى أن يجعل مثواهم جميعا جنات النعيم خالدين فيها أبدا، وأن يجعل البركة في ذريتهم إلى يوم الدين، وأن يلزم ما تبقى لهم من أخوان وأخوات الصبر الجميل في فقدهم المحزن. وهذا حتى يكونوا سراج منير لما تركوا من أزواج وأبناء وبنات، يسلكون دروبهم في الإنسانية ونكران الذات. ونسأله سبحانه وتعالى أن يصبر أخوهم الصديق الوفي، والرجل المفضال، الدكتور عبد المنعم عبد المحمود العربي، الذي يحتاجه كل من أبناء وبنات اخوانه الراحلين وأسرهم، ليشد من أذرهم ويذكرهم بخيرة الاخوان والآباء، والأعمام. تعازينا موصولة للدكتور محمد عبد المحمود العربي والأسرة بالمملكة العربية السعودية، ولكل آل الشيخ الراحل عبد المحمود حاج العربي ونسابتهم وأصهارهم، وكل أفراد الأسرة في الداخل والخارج، من أهل وجيران وأصدقاء وأصحاب، خصوصا بمدينة بربر وما جاورها من قرى وبوادي.

نتوسل للمولى عز وجل أن يجعلها آخر الأحزان في هذه الأسرة المكلومة. آمين يا رب العالمين - إنا لله، وإنا إليه راجعون – صدق الله العظيم.

E-Mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.