.الظهور الشكلي والاداء التعبيري لكادر القناة!
أقدم اليوم تشريحا ناقدا هادفا لاحدي القنوات التي ظلت تشغل ألباب ونفوس المتابعين لها ولاتزال من سودانيي الداخل وسودانيي الخارج!لنحو من عقد من الزمان,وحينما أقول تشريحا هادفا يعني هذا أن نبرز كل ما يبدو لي أويتبدي من انسجة وشرايين واوردة القناة في بديع تصويرها وانسيابية الدم المبثوث فيها من مضخة الادارة والانتاج في القناة!جنبا الي جنب مع ما قد يبدو أو ماهو باد من مظاهر القصور أو الاحتقان علي محيا ال القناة أو من شاكلة الامراض المزمنة التي أخذت في الزحف داخل جسد القناة سنة وراء سنة دون  أن تجد من يتصدي له فيوقف زحف العلة مبكرا!ولاغرو ..فان اي نشاط بشري يكون محدودا بحدود المعقول ومؤطرة بفرضية
النقيصة والخطأ الذي ينتاب البشر منذ الخليقة في مبداها حتي ان يرث الرب جل وعلا هذه الأرض ومن عليها!ومادامت القناة صممت مستهدفة  الضمير السوداني  بما انتجته وتنتجه من برامج متنوعة ومؤلفة تاليفا فيه ما فيه من اجتهاد يقبل الصواب والخطأ,فانه يجب عليها-أي ادارة القناة-أن تعلم أنها تتعامل مع متلق ومشاهد سوداني ذكي ملماح!لا تكاد تفوته شاردة ولا واردة لانه يتعامل في جل أوقاته بتلقائية ذكية وروح لماحة في كل مراحل تطوره العمري!لذلك فان استهداف متلق بهكذا صفات يستوجب تعهدا جد مخصوص من حيث انتقاء افكارا متجددة بناءة وذكية وتحويلها الي قاعدة للبرامج المقدمة لكيما تتناسب متسقة وذهنية المتلقي السوداني وتتوافق ومعطيات ضميره العقدية والثقافية الاجتماعية!
يمكننا تصنيف مقدمي برامج القناة الي  جيلين ونصف لغاية الان,جيل أول ابتدأ العملية  التقديمية في مستهل العمل  في  القناة!وهم من تقع أو وقعت علي عواتقهم المسئولية الاساس في تطبيق فلسفة الاداء والعرض للقناة التي أسمت نفسها (نيلا أزرقا) لذلك كان من المهم بمكان وزمان ان يكون ذلك الجيل الأول قد ساهم في ترسيخ مبدأ القناة ,وعليه ايضا تقع مسئولية الترابط الوجداني المهني بينه وبين الجيل التالي له من مقدمي ومقدمات البرامج!الشيئ الذي لم يحدث!
ان القناة رغما عن تبنيها منهج معتدلا لطيفا لكي توصل مفهومها الاعلامي الثقافي  بين أعضاء المجتمع الوطني السوداني الا أنها أغفلت عدة جوانب منها بث روح المثاقفة والتوا صل الحضاري بين مقدم البرامج-أو مقدمته!-وبين ما يتمتع به بلدنا من موروث حضاري ضخم يكاد يتوسط خاصرة متحف حضارات البشر!وبدا ذلك سطحية التناول الموضوعي لمقدمة البرامج ومقدمه,خاصة عندما يكون البرنامج حواريا يستضيف المقدم شخصا مميزا متفردا قي مجاله!فبدأنا نلحظ في الاونة الاخيرة ضعفا في معرفة وثقافة المقدمة او المقدم الذين يهتمون ومركزين جدا علي مغالطة ومقاطعة المضيف لكن بطريقة دبلوماسية!وكل ذلك يكون علي حساب الموضوعية والمهنية التي يتوجب علي  المذيعة او المقدمة ان تتحلي بها!
في مرة من المرات ,في برنامج حواري يبث علي الهواء مباشرة,كانت مقدمتاه تتباريا في من يطرح السؤال أولا؟وتشتد وترتفع الحناجر علي الهواء لكي يتحول الضيف الي متفرج مذهول لما يجري  حوله!
ان الاهتمام  بمظهرية اللغة المستخدمة من قبل المذيع او مقدمة البرامج لا يتسق والاهتمام بالجوهرية وموضوعية التناول!
ولكن من المعلوم أن مقدم ومقدمة البرامج ما هم الا أدواة في يد مخرج ومعد العمل الذي يستخدمهم كيف يشاء!لذلك لابد لنا من تسليط شيئ من نقد علي من هم خلف الكواليس حتي لاينغلقوا علي ذواتهم من الناحية الفكرية الابداعية!
مشكل اخر هو ان الجيل الحالي من المقدمات والمقدمين يجتهدون في نقل او نسخ مظاهر تعبيرية ليست  ذات  قاعدة مركزة ومستمرة للمقدمات والمقدمين حتي يزيلوا جهلهم بقيمة ان تظل سودانيا محافظا علي هويتك دونما حاجة لاستعارة جملة او مفردة من مجتمع اخر مختلف جدا!


-2-

لا شك أن المتابعة المستدامة لقناة من القنوات –أيا ماكانت هذه القناة-ينتج قدرا من التفاعل بين المتلقي والقناة بحيث تتراءي للمشاهد المتلقي صورة ذهنية تدريجية تكشف له شيئا فشيئا النواحي كلها المضيئة والرمادية في اداء وشكل ظهور العناصر المقدمة (سواء أكانت هذه العناصر مذيعة او مقدم )جنبا الي جنب مع العناصر المنفذة للبرامج(سواء اكانت معدا او مخرجا),وينبغي علي الذين انبروا لمهمة الاشراف علي ادارة القناة أن يدركوا شيئا مهما جدا وهو أن المتلقي الذي استهدفوا ذهنيته وضميره لمدي عقد من الزمان لم  يكن ابدا منبترا عن أصله ولا منفصلا عن جذره بل انه ظل يزداد يوما ببعد يوم وعرضا بعد عرض تركيزا وتحليلا لما تعرضه عليه القناة من مواد وبرامج!هذه واحدةوالثانية ان هذه المتلقي الحصيف جدا ظل لعقد من الزمان او يزيد معرضا للفضاء الخارجي متنقلا بذات الحرية بين القنوات الفضائية التي يبرز فيها غث البث وسمينه!ومن خلاله يمكن للمتلقي ان يميز مقدار الامانة المهنية التي بذلت في سبيل ايصال الرسالة الاعلامية المستهدف بها المتلقي من خلال مقارنته الذكية التي يعقدها بتلقائية!لذا فمقصدي من هذا أن ما قدمته قناة النيل الازرق في حوالي عشر سنين وجب بل توجب علينا اعمال فكر النقد عليه هادفا كان او بناءا!ويجب ان نتناول عينة ماقدمته قناة النيل الازرق كالشريحة التي تم خزع مخ العظم فيها وجهزها لنا نطاس برع في صبغ العينة بصبغة الشفافية والوضوح فتسهل علينا مجهرة وتشريح موادها المقدمة ومن ثم تقييم مؤداها الذي طبعته في ذهنيتنا نحن معشر المتلقين!قد يختلف معي من يختلف ولهم قد يكون الحق في ذلك !وقد يتفق من يتفق بذات الحق!
يبدو ان فلسفة قناة النيل الازرق قامت وقائمة علي مخالفة جل ما قناة السودان الفضائية الام عليه!ابتداءا من المظهر الأساس  الذي تواضعت عليه ادارة القناة لمظهر المذيعة الذي اعتمد بواسطة التزيي بالحجاب حيث لا بديل عنه لمن أرادت أن تعمل كمذيعة في تلفزيون السودان!فكان أن تفردت القناة السودانية علي سواد عظيم من القنوات العربية المسلمة بمظهر المذيعات الحجابي!ذلك ما قد يكون أثلج ضدور قوم مؤمنين من المتصوفة,او اليمينيين أ و المعتدلين ممن اراد ان يجلس امام القناة ليشاهد مادة دون  حرج أو دون مخافة ان تفاجأه القناة بمظهر مذيعة أو ممثلة يدخله دائرةالمحاسبة الضميرية الدينيةمن فرط الزينة او رداءة الثوب قربا او بعدا من معيار الحجاب!!
ان القناة وقد ظل علي رأسها لعدد من السنوات شخصيتان مرمومقتان ايديولوجيا واعلاميا(بابكر حنين في الفترة الأولي وحسن فضل المولي حتي الان!) قد بدات مقبولة نوعا من حيث مظهرية المذيعة وهي امام الكاميرا لم تكن مذيعة النيل الازرق بعيدة عن الزي السوداني القوي المحتشم(بفتح الحاء والشين!)وقد استبشرت أيما !في حينه فيمن استبشروا بأن القناة المعاصرة الجديدة حديثة العهد قد خرجت من رحم امدرمان !عاصمة الوطن الوسط وحاضنة الدولة المهدية المسلمة !-تلك التي حملت لواء الرجوع والتحرر والانعتاق المسلم!-ولكن مع الوقت بدانا نلاحظ تنازلا تدريجيا ونزولاغير اضطراري بائن للعيان الذين لا يخشون في قولة حق لومة لائم!وبدلا من ان تثبت ادارة القناة علي مبادئنا السودانية وتصر علي الثوب السوداني الساتر الجميل المميز جدا لنا بين امم الدنيا!يبدو ان الحبل ترك علي غاربه وبدا الثوب يرق ويدق ويرق ويدق حتي وصل مرحلته الحالية!التي يراها الناس بل وتعودوا عليها وغلبوا  علي امرهم ورضخوا للواقع!حتي اصبح شغل التقديم في القناة مباريات في  الظهور الشكلي دون ضابط أو رابط!(من يدري ربما بمباركة من ادارة القناة وضوء اخضر!)ليتهم اهتموا بجماليات المنطق والموضوع وحسن التقديم بمثلما اهتممن بالمظهر؟اذن لهانت المصيبة!ان الحاصل في اوساط المذيعات من ناحية الطلعة الذهنية ولياقتهن المعرفية لهو مضحك مبك في ذات الوقت!باستثناء اثنتين منهن فقط ما زلن يحتفظن بالثوب السوداني الاصل ولديهن بعض الالق الذهني والكياسة في التقديم !ان شعبنا ما يزال يحتفظ بزبدة المثل والتخلق المتزن المحافظ رغم موجة الضغط والعولمة والانحطاط الاخلاقي العاتية!وبرغم ان الجيل الحالي ضائع او مضيع يبدو كمن جاء منبترا عن الجذر منفصلا عن الاصل!الا انه لم يفقد الامل فيه(بضم الياء وفتح القاف!)
اما الرجال المذيعين فهم في حال ليست بافضل من حال اخواتهم وزميلاتهم !فهم مختصرون ومحتكرون في مذيع يقدم المنوعات والبرامج الخفيفة يظن انه وصل درجة الاجادة والتمكن (وهو قد يكون وصلها لكن ليس لتميز او عبقرية منه!بل لفراغ الساحة من الموهوبين الحقيقيين الذين لم يجدوا طريقا لولوج القناة ووجدها هو ومن شابهه نسبة لامتياز معرفة او قربي من داخل القناة!)وهو أي هذا المذيع بارع جدا في شيئ واحد هو مفاجاة ضيفه بسؤال محرج من شاكلة تحت الطربيزة!ويختم مقابلته دائما بمقاطعة للضيف الذي يبدأ او بدا في اجابة سؤاله المحرج!!
انني اتمني وارجو ان يحاول مدير القناة ومن يعاونه من ادارة ان يضع مراة مهنية ويحاول ان يري مردود القناة دون رتوش وان يوسع صدره ويقبل نقدا ذاتيا ويبدأه ويقبل الرأي الاخر!وعليه ان يعلم ان رحم المواهب في  هذا البلد لم تعقر ابدا!فقط عليه اعادة النظررفي طرق الكشف عنهم حتي يفسح المجال لمن كانت لديه موهبة حقيقة ووطنية صادقة واصالة وتمسك وتماسك بالسوداني من القيم مظهرا ومخبرا!ولكي يقبل مدير القناة هذا عليه ان يتذكر القول الماثور(كل يؤخذ  من قوله ويرد الا صاحب هذا المقام-صلي الله عليه وسلم-)وعليه ان يخشي محاسبة التاريخ له حاضرا ومستقبلا!وعليه ان يعلم انه ينتمي الي امة وشعب ليس له مثيل او شبيه من حيث الذكاء الاجتماعي والمقدرة علي التحليل والتقييم ومن ثم الازاحة او الاطراء!
هذا وبالله التوفيق!
بقلم.د.نيازي عزالدين
Neerabon_10french@skype