بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كانت المفاهيم غير واضحة في ذهني عندما كنت صغيراً، ولا يزال الكثير منها كذلك، ولكن كان مفهوم العلم من أكثرها ضبابيَّة خاصَّة وأنَّ تعليمنا كان خليطاً بين العلمانيَّة والبُعد الدِّيني، وإن كان للعلمانيَّة نصيب الأسد. فالعلم كان، كما درَّسونا، هو ما يمكن إثباته بالتجربة أو التَّحليل المنطقي، ولهذا فالأحياء والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والرياضيات كانت تُعتبر علوماً، أمَّا ما عداها فكانت تُعتبر آداباً ولم نكن نسمع بمفهوم "العلوم الإنسانيَّة". ولكن لأنَّ اللغات لها قواعد مُعيَّنة، وهي وسيلة التَّخاطب والدراسة، فقد كان لها موقعٌ أعلى من موقع الدين، وحتى عندما يقولون عن أستاذ يدرِّس المادَّتين فقد كانوا يقولون مثلاً: "أستاذ اللغة العربيَّة والدين"، ولم يقولوا "والعلوم الإسلاميَّة".
وقد كان يختلط في ذهني مفهوم عالم ديني بمفهوم عالم كيمياء مثلاً، فقد كنت أعدُّ أنَّ وصف شخص بعالم الدِّين هو عبارة عن وصف لتمكُّنه من معرفة الدين وليس لأنَّ الدين في ذات نفسه علم. وعندما قرأت القرآن الكريم وجدت المولي عزَّ وجلَّ يقول:
" وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً‬"، ولم أفهم هل يقصد المولي عزَّ وجلَّ بذلك أنَّ معرفتنا بالعلوم الطبيعية قليل مهما فعلنا، أو أنَّه يقصد علماً آخر؟ ثمَّ وجدتُّ الآية الكريمة:
" فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ‬"، وقلت في نفسي إنَّ الله سبحانه وتعالي لم يُعلِّم مصطفاه صلَّى الله عليه وسلَّم الأحياء أو أيٍّ من العلوم الطبيعيَّة، ولكن أرسله برسالة سمَّاها "دين الإسلام"، " ‫إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ‬"، ثمَّ أضاف في نفس الآية: " وَمَا اْختَلَفَ اْلَّذِينَ أُوتُواْ اْلكتَابَ إِلَّا من بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ اْلعلمُ بَغْياً بَينَهُم" فاستنتجت أنَّه لم يقصد العلوم الطبيعية فقط التي اكتشف الإنسان بعض أسرارها.‬
وبعد تفكُّرٍ وتدبُّر وصلت إلى فهم أنَّ العلم يعني إدراك كامل حقيقة المعرفة بأيِّ شيء وأنَّ له أنواع بعضها نافع وبعضها غير نافع وبعضها مُضر: "اللهم إنِّي أعوذ بك من علمٍ لا ينفع"، وأنَّ له مراتب بعضها أهمّ من بعضها. ووجدت أنَّ النَّاس انبهروا بما اكتشف الناس من علوم طبيعيَّة أو فلسفات ظنُّوا فيها كمال العلم شوَّشت عليهم أفكارهم وأبعدتهم عن الله سبحانه وتعالي فقال في ذلك:
" ذلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ "، ثمَّ وضَّح أنَّهم مهما وصلوا من معرفة علمية فهو الأعلم:
" إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى". وقد وقفت كثيراً في معني كلمة "سبيله"، وطرأ لي أنَّ كلّ سبيل علم لا يقود إليه سبحانه وتعالي فهو ليس بسبيله لأنَّه يقول:
" فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه". وإذا آمنَّا بأنَّ الله هو خالق الكون فذلك يعني أنَّ ما في الكون من علوم مخفيَّة ترجع في أصلها جميعاً لمن خلقها. ولذلك فهناك علم موهوب وعلم مكتسب ومصدرهما الله سبحانه وتعالي والواجب إذن أن يكونا الدليل على وجوده والقائد إلى وجهه لا أن يكونا حجاباً بين العبد وربِّه. فلا أحد يُعلِّم الطفل كيف يرضع وكيف يصرخ إذا أصابه ألم بدلاً من أن يضحك فهذا علم موهوب ولكنَّما يتعلَّمه الإنسان في حياته فهو علم مكتسب.
والإنسان الملحد يُرجع العلم الموهوب للغريزة ولا يري فيه دليلاً على أنَّه دليل على إتقان صناعة المولي الذي علَّمه وفي هذا ضلال عن سبيل الله، وكذلك يري وجود الكون المُنظَّم نتيجة صدفة أو أنَّ فيه عقلاً ضمنيَّاً نظَّمه ولا يراه خلقاً لله الواحد القهار الذي سخَّره للإنسان وفيه ضلال عن سبيل الله:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.
وإذا اكتشف قوانين طبيعيَّة موجودة منذ خلق الكون يفرح بها ويعتبرها الدليل على عدم وجود الله، كأنَّها هي السبب في وجود الكون، ولا يسأل نفسه عن الذي خلق القوانين التي خُلق منها الكون إذ يعتبر أنَّ ذلك تمَّ أيضاً عن طريق الصدفة وفي هذا أيضاً ضلال عن سبيل الله.
ونري أنَّ كلَّ هذه العلوم مُسخَّرة للإنسان حتى يؤدي وظيفته:
" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‬"، وهذا مثلاً، ولله المثل الأعلى، إذا بني شخص مكاتباً ووفَّر فيها كلَّ ما يحتاجه الموظف لأداء مهمَّته ثمَّ عيَّن موظفين فإنَّ ما فعله يكون عبثاً إذا لم يوضِّح لهم الهدف من توظيفهم ولم يُعطهم المنهج الذي يهديهم لأداء المهمَّة ومُهمَّته لا تنتهي عند تسليمهم مفاتيح المبني ومهمتهم لا تبتدئ عند دخولهم إليه بل هناك متابعة ومحاسبة وثواب على حسن الأداء وعقاب على التقصير.
وبرغم أهمية المبني وكلَّ ما فيه فإنَّه لن يكون نهاية الرحلة بل هو بدايتها إذ أنَّ المبني بما فيه مُسخَّر لأداء مُهمَّة والجهل بهذه المهمَّة وطريقة أدائها هو الذي يقود للفوضى.

فتخيَّل أنَّ صاحب المبني ترك للموظفين كامل الحريَّة لفعل ما يرونه مناسباً بلا هدف واضح أو منهج مُفصَّل فكم من الخطط والأفكار المتعاندة ستنشأ وكم من المعارك بينهم ستكون؟ وهل ستجد أنَّهم سيقبلون أنَّ غيرهم أفضل منهم أو أنَّ طريقتهم أحسن من طريقتهم؟ وهل سيكون هناك أثرة، أي أنانية، أم إيثار، أي تضحية؟ وها نحن نري في مبني الكون أمماً متشاكسة كلُّهم يدَّعي أنَّ علم منهجه هو الأصح وهم لا يختلفون في العلم المُسخَّر مثل استخدام الكهرباء والهاتف والسيارات والطائرات. وإذا كانت هذه شركة بلا هدف ولا منهج واضح ولا قيادة واحدة رشيدة فهي شركة خاسرة لا محالة مهما كان ذكاء موظفيها ومهارتهم.

إذن فالعلم ينقسم إلى طبقتين وهما طبقة العلم السيِّد والعلم المُسخَّر ولا يمكن للعلم المُسخَّر أن يكون سيِّداً فهو وسيلة لا غاية، ولا نجد النَّاس تختلف في العلم المسخَّر مهما كانت مرجعيَّتهم الفكريَّة فعلم الفيزياء هو نفسه في كلِّ بقاع العالم بينما علم الحياة يختلف من مكان لمكان بل من بيت لبيت لأنَّ لكلِّ منَّا إيمانه الخاص بتفوِّق علمه على الآخر.
والأمر ببساطة ينتهي إلى افتراضين وهما:
وجود خالق للكون أو وجود كون بلا خالق وهذا يعني أنَّ الفريق الأوَّل يؤمن بأنَّ هذه الدنيا جسر بين حياتين حياة عابرة وحياة دائمة والفريق الثاني يؤمن بأنَّ الحياة هي دار القرار. ولكلٍّ فريق يدعمه وكلاهما يحتكمان إلى العقل ويتَّهمان الفريق الآخر بعدم العقلانيَّة.
فالمصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم قال في الفريق الثاني مبيِّناً معني عدم الإيمان بالله وربطه بالعقل:
"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له".
والإنسان قد عاش بغير علوم تطبيقية ويستطيع أن يفعل ذلك فالسماء والأرض توفِّران له أسباب المعيشة ولكنَّ الإنسان باكتشافاته يوفِّر لنفسه أسباب الترف ولكنَّه لا يستطيع أن يعيش بدون شيء يؤمن به ويعطي معني لحياته ولا من غير طقوس وعادات وشعائر وهو العلم الأهم والذي بغيره تكون الحياة بلقعاً ويكون الموت الروحي ثمَّ النفسي هو المُحصِّلة ويتبعه الموت الاجتماعي وأخيراً الجسدي، وهو ما نجده في أكثر بقاع الأرض ترفاً.
ومعظم أنواع العلوم التطبيقية والطبيعية لن تظهر على أيدي المسلمين لأنَّ الله سبحانه وتعالي جعل اكتشافها على أيدي غير المسلمين رحمة منه بهم لأنَّهم لا يستطيعون قراءة القرآن الكريم فيرون إعجازه اللغوي البلاغي ولكن في إمكانهم معرفة إعجاز محتواه العلمي وهذا تصديق قوله تعالي:
" ‫إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ‬"، أي أنَّ القرآن ذكر للناس كلَّهم وسنعلم حقائقه على مرِّ العصور باكتشافات متواترة من مجموعة كبيرة من الناس غير مسلمين من مختلف الأمم وهو ما حدث فعلاً وما أثبتته الآية:‬
‫"أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أفَلاَ يُؤْمِنُونَ؟ ‬
إذن عندما يقول الله سبحانه وتعالي:
" أَفَلَا يَنْظُرُونَ؟"، فهو يلفت النَّاس إلى رؤية حقائق العلم المُسخَّر وإعجازه ليتفكَّروا ويعلموا أنَّ هذا العلم صُنع بواسطة عليم فيهديهم ذلك إليه فيؤمنوا به. وهو لذلك يخاطب الإنسان في مفرده، لأنَّ المسئوليَّة للتَّفكُّر والتَّعلُّم ثمَّ الانحياز لفريق المؤمنين أو لفريق الملحدين مسئوليَّة فرديَّة فيعيش على هدى اختياره ويُحاسب عليه وحده.

وهو أيضاً يخاطبه في جماعته لأنَّ ما يطلبه منهم لن يستطيع أحدٌ بمفرده أن يقوم بكافَّة النَّظر في كلِّ العلوم، وإنَّما هو تكامل مواهب ومقدرات لكلِّ النَّاس في كلِّ مكان وعبر الأزمان.

وهي دعوة أيضاً للتكافل والتلاقح المعرفي بين كافَّة البشر من أجل مصلحة البشريَّة وتحقيقاً لقوله تعالي:
" ‫يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَي وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا‬". ‬
والتعارف لا يعني معرفة الأشخاص بخلق صداقات شخصيَّة معهم فقط، ولكن أيضاً معرفة الثقافات والأفكار والعلوم للشعوب الأخرى، وتبديد الجهل حتى يكتشف النَّاس أنًّهم من أصلٍ واحد وتحت جلودهم لهم نفس المشاعر والحاجات والرغبات، فتضعف بذلك العصبيَّات والعنصريَّة ويتمُّ تبادل المنافع بينها، خاصَّة من الذي يستطيع إلى الذي لا يستطيع، لأنَّ كلَّ شيء أعطاه الله لأحدٍ فهو وزَّعه بحكمة وعدل وهو رزق للإنسان الذي سيكون مسئولاً عن توزيعه بعدل. ولنا في قصَّة ذي القرنين عبرة:
" ‫قالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ‬ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا؟ ". أي أنَّهم عرضوا عليه أجراً ليساعدهم ولكنَّه بإحساسه الإنساني الراقي، ووعيه بدوره في الحياة، وأنَّ ما عنده من قوَّة وعلم وقدرة هو من عطاء الله سبحانه وتعالي وحده وليس من كسبه، وأنَّ واجبه أن يعطي منه لمن لا يملكه فقال:‬
" ‫قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ‬". وفي هذا يقول المثل الصيني: "الذهب له ثمن أمَّا الحكمة فلا ثمن لها"، ويقول المولي عزَّ وجلَّ: " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا". فالحكيم يعرف أنَّ ذهب الدنيا زائل وخير الله باق ولذلك قال ذو القرنين: " مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ".‬

وقد كان بإمكانه أن يطلب منهم الذهاب بعيداً حتى لا يتعلَّموا أسراره العلميَّة ويحتفظ بها لنفسه كمصدر قوَّة مثلما تفعل القوي العظمي اليوم مع أسرارها العلميَّة والتَّكنولوجيَّة، ولكنَّه قام بعملٍ مخالف لطبيعة الإنسان الأنانيَّة وموافق لطبيعة المؤمن الإنسانيَّة مُوضِّحاً بذلك أنَّ جوهر الدِّين هو محاربة الأنانيَّة داخل النفس البشريَّة ونقلها من الأثرة للإيثار الإنساني فقال:
" فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا".
فقد قام بفعله ذلك "بتنمية قدرات" الشعب الضعيف فدرَّبهم على كيفيَّة بناء السد بتعليمهم وتوجيههم، فكان أن ترك فيهم علماً باقياً ليعتمدوا عليه ويمكن أن يستخدموه في حياتهم أو في الدفاع عن أنفسهم وبذلك أعطاهم إحساساً بالقوَّة والقدرة حتى يستطيعوا أن يحافظوا على استمراريَّة العمل. هذا ما تفعله الجمعيَّات الخيرية عابرة القارات في يومنا هذا مع الشعوب المتخلِّفة وقد كانت من قبل تطعمهم فقط.

فهي لها نفس المبادئ لعمل الخير ومساعدة الآخرين ولكنَّهم يستخدمون نفس المبدأ الصيني: " إذا أعطيت رجلا سمكة فقد أطعمته يوما واحداً، أما إذا علمته كيف يصطاد السمك فقد أطعمته طول العمر"، وهو يعني أهمية بناء القدرات بتمكين الإنسان من المعرفة والمهارات ليكتسب الخبرة، ولكن أهمَّ من ذلك هو استمراريَّة العمل وهذا له عوامل كثيرة أهمَّها خلق الكوادر المُدرَّبة التي يمكن أن تنقل خبرتها وتطورها للأجيال اللاحقة، وثانيها توفُّر الموارد، ولكن أهمَّها تأسيس مفهوم "عمل الفريق" مقارنة بالعمل الفردي في نفوس الأفراد حتى يتم تكافل المواهب والمهارات.

فذا القرنين كان أوَّل تجربة إنسانيَّة للعولمة في تاريخ البشريَّة ولم تكن، كما هي الآن، مُحاولة لاستغلال الشعوب المحتاجة وتوفير عوامل الترف لشعوب دون غيرها، ولكنَّها كانت فعلاً خالصاً لمساعدة البشريَّة أينما كانت بنشر قيم العدل والمساواة والخير للجميع، وليس كما تدَّعي الدول الكبرى بتصديرها لقيم الديموقراطية وحقوق الإنسان لكافَّة شعوب العالم بينما تصمُّ أذنيها عن صرخات الشعوب إذا كان في بقاء الشموليَّة والطغيان ما يوافق مصالحها.

ونعود إلى تنبيه الله سبحانه وتعالي إلى العلم الكامن في خلقه، والذي يرجو من إدراكنا له أن نؤمن أنَّ هذا الكون لم يأت نتيجة صدفة، وأنَّ الذي خلقه أعطاه توصيفاً وظيفيَّاً لأداء مُهمَّة مُعيَّنة لا يمكن أن تتجاوز حدودها، وكلها مُسخَّرة للإنسان ليقوم بأداء وظيفته أيضاً والتي تُوجد تفاصيلها في الرسالة التي بعثها مع المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم.
فالشيء الذي يربط بين العلم بالمخلوقات وبين الخالق هو الإنسان المُفكِّر فهو حلقة الوصل في الآية الكريمة:
"أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ‬؟ وَإِلَى اْلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ؟ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ".
فإذا كان الإنسان هو سنام الخلق:
"‫وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".‬
فالإبل هي سنام المخلوقات الحيَّة بما فيه من صفات مُتميِّزة في خَلقها وخُلقها فهي الأقرب أخلاقاً للإنسان. فالإبل ذكيَّة وتفهم أكثر من ثلاثمائة كلمة ولكنَّها أنبل الحيوانات ولا ترضي الضيم وتحقد على من يظلهما وتنتقم لنفسها عندما تسنح لها الفرصة في وقت لاحق ممَّا يدلُّ على تفكيرها وتخطيطها وحكمتها وعدم اندفاعها. وهي أيضاً تملك عاطفة الحبِّ وحسّ الفكاهة والإيثار والتضحية وردِّ الجميل لمن أحسن إليها. وهي الحيوان الوحيد الذي حمله وفصاله أقرب للإنسان وهو مدَّة عامين ونصف ووليده ضعيف مثل وليد الإنسان مقارنة بالحيوانات الأخرى. وفوق ذلك فهو حيوان عائلي واجتماعي ومسالم وذو حياء فالناقة لا يقربها جمل إلا وهي باركة ولا تلد إلا في مكان منعزل بعيداً عن الأعين. وعندما تكبر الإبل فإنَّها ترعي أحفادها وتذود عنهم مثلما بفعل الإنسان.
والعلاقة بين الإبل وأصحابها من المتانة أنَّها تُعتبر جزءاً من العائلة. إذن فهي أقرب الحيوانات سلوكاً للإنسان وأكثرها منفعة له ولذلك نري كيف تسنَّمت الإبل بقيَّة الحيوانات وتسنَّم الإنسان كلَّ المخلوقات.

وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالي خلق الإبل، ذكر رفع السماء ونصب الجبال ثمَّ سطح الأرض، لأنَّ في رفع السماء ونصب الجبال وتسطيح الأرض تماثلاً يعرفه العربي صاحب الإبل الذي ينصب بيوت الشعر.

فهو في ترحاله يعتمد على شيئين وهما بعيره وبيت شعره الذي يحمله على ظهره، لأنَّ في ذلك معونة على تواصل الحياة، فبعيره ينقله إلى حيث يشاء، وبيت شعره يوفِّر له الظلَّ في النَّهار والوقاية من البرد والوحوش في الليل، والسترة من النَّاس فينام آمناً مطمئنَّاً ويوفر له كذلك فرشه.

ولذلك فالعربي يعرف كلَّ صغيرة وكبيرة عن الإبل وكذلك عن بيت الشعر، فيعرف كيف يرفع سقف بيت الشعر بعد أن يلقيه أوَّلاً على الأرض في حالة انبساط مسطَّح، ثمَّ يثبت وتداًٍ في الأرض ويربطه بحبل ليجرَّه من سقفه بواسطة عمود حتى يقيمه. ولا يمكنه أن يقيم بيته وينصبه قبل أن يرفع سقفه.
والسماء تعني كلَّ ما علاك فأظلَّك، فالمولي سبحانه وتعالي يُقرِّب لفهم البدوي ترتيب الخلق بربطه بما يقوم به في حياته إذا أراد أن يبني بيتاً بعمود، فأوَّل ما يفعل هو رفع سقف البيت وهو سماؤه. والله سبحانه وتعالي يقول في خلق السماء:
"‫اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا‬"، أي أنَّنا لا نري الأعمدة التي تقوم عليها السماء وهي ما أثبتته الدراسات العلميَّة الحديثة وسمَّته بقوانين الجاذبيَّة.‬
ونحن نعرف أنَّ السماء والأرض كانتا رتقاً:
" ‫أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا"، أي‬ كانتا مُلتصِقتين بلا فصْـل ثمَّ فُصل بينهما بقوَّة وهو ما يسمي في علم الفيزياء بالانفجار العظيم والذي دمَّر المادَّة الأولي التي خلق منها الكون. وما نعرفه أنَّ تلك الكتلة المتلاصقة الأجزاء كانت مُسطَّحة وعندما فُتقت صارت مُقوَّسة مثل السنام وصارت مفصولة بأعمدة لتوسيع مساحة ما بينها كما يفعل العربي البدوي ببيت شعره المطروح على الأرض ملاصقاً لها. ٍ ‬‬‬‬‬‬
فالسماء نراها في شكل قُبَّة، ولذلك نقول القُبَّة السماويَّة وهي قُبّة وهميّة ذات امتداد لا نهائيّ، مركزُها الأرض، وعليها تقع النجوم والكواكب والأجرام السّماويّة، فهي أرفع أو أعلى من الأرض. والسماء من كلِّ شيء تعني أعلاه تماماً كما تعني كلمة السنام. والآية تقول:
" ‫أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا‬".‬‬‬‬‬‬‬
ورفع سمكها تعني جعل ثِـخَـنـَـها مُرْتـَـفِعًـا جهة العلوّ وعلم الفيزياء يقول أنَّ السماء مُقوَّسة مثل السرج.
والآية تقول أيضاً: " ‫وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ "‬. وذات الحبك تعني ذات الجمال والحسن (مثل تجعد الماء والرمل إذا ضربته الريح) وهو يماثل الصورة المُتخيَّلة علمياً للسماء، وأصله من قولهم: بعير حَبُوكُ القرا (القرا: الظهر)، أي: محكمه. وهنا نري الربط بين الإبل والسماء كما رأيناها بين الإنسان والإبل. ‬‬‬‬‬‬‬
ثمَّ يتلو ذلك نصب بيت الشعر وتثبيت أركانه حتى لا يزول بحركة الرياح أو نعومة الرمال. وهو ما سمَّاه التَّنصيب وهو رفع الشيء وإقامته، وهو ما أدركه العلم حديثاً عن طريقة تكوين الجبال ووظيفتها.

‫وقد ذكر الله سبحانه وتعالي في موضع آخر أنَّه أرسي الجبال: "وَاْلْجِبَالَ أَرْسَاهَا"، أي أثبَتها في الأرض كالأوتاد، ورَسَا الجَبَلُ يَرْسُو إذا ثَبَت أَصلهُ في الأَرض. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ثمَّ بعد ذلك تسوية أرض بيت الشعر إمَّا بتسوية الرمل أو وضع الفراش عليه مثل البساط وسطَّح الشَّيءَ: أي بسَطه وعرَّضه وسوّاه:
" ‫الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا‬".‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

والجبال هي سنام الأرض فهي أعلاه وبدون أن تقف في شكل عاموديٍّ لا يمكن أن تغوص في الأرض لتثبيتها بما يُسمَّي جذور الجبال أو ما يُسمِّيه الله الأوتاد. وأعلى جزء في الجبال له دور مُهمٌّ وأساسيٌّ في دورة الماء وتوفير الأكسجين في الكرة الأرضيَّة.

وقد اكتشف علماء الجيولوجيا طريقة تكوين الجبال فقالوا بأنَّها كانت أرضاً مُسطَّحة عند حافَّة قشرتين أرضيَّتين تصادمتا فغطست قشرة في الأرض وكوَّنت الجزء الباطن للجبل مثل العمود وسمُّوه بالجذور، ووظيفتها رفع قمَّة الجبل وتثبيت الأرض تماماً كما يفعل البدويِّ عندما ينصب بيت شعره. وهذه الجذور أو الأوتاد ضعف طول الجبل الظاهر على قشرة الأرض، والتي تغوص في الجزء السائل من باطن الأرض مثلما تفعل الرَّواسي أو الأوتاد التي يلقي من السفينة في البحر لتثبيتها حتى لا تميد أو أوتاد بيت الشعر:
‫"وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ‬"، وأيضاً توضيحاً لنفس الوظيفة سمَّاها الأوتاد: "وَاْلْجِبَالَ أَوْتَاداً". وإذا أنت نظرت إلى وتدٍ في الأرض فستجد أنَّ معظمه غاطس في الأرض كما تغطس رواسي السفينة في الماء.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
واكتشف العلماء أيضاً أنَّ قمَّة جبل إيفيرست صخور جيريَّة كانت قاعاً للمحيط قبل اربعمائة وسبعين مليون سنة ممَّا يؤكَّد وصف القرآن الكريم لطريقة تنصيب الجبال. ولا يزال جبل إيفيرست يزداد سنتيمترات سنويَّاً ممَّا يدلَّ على استمراريَّة عمليَّة التَّنصيب.

فهذا هو الرابط بين خلق الإبل ورفع السماء وتنصيب الجبال وتسطيح الأرض في ترتيب الآيات لتوضيح مفهوم كيفيَّة الخلق للإنسان وتنبيهاً لدورة الحياة المشتركة بين كلِّ هذه المخلوقات.
ومثلما للإبل وظيفة فكذلك للجبال وظيفة وهي ذكر توفير الظلِّ والستر والأمن:
"وَاْللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ اْلْجِبَالِ أَكْنَاناً"، والكِنُّ هو وقاء كل شيء وستره أو البيت .

أمَّا كيفيَّة تسطيح الأرض فهو أمرٌ مدهش إذ أنَّ الحديث الشريف يقول:
"وُضِعَ البيتُ قَبْلَ الأرضِ بِأَلْفَيْ سنةٍ فكان البيتُ رُبْدَةً بيضاءَ حتى كان العرشُ على الماءِ وكانتِ الأرضُ تحتَه كأنَّها حسفَةٌ فدُحِيَتْ منه". والربدة هو ما اختلط سوادُه بنقط حمراء وبيضاء وهو شكل حمم البركان وهو يتكوَّن. ويؤكِّد القرآن الكريم هذه الحقيقة:
" ‫إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ".‬

وما نفهمه من ذلك أنَّ الأرض، كما نعرفها اليوم، كانت مُغطَّاة بالماء تماماً، وهي حقيقة أثبتها علماء الجيولوجيا الذين قالوا أنَّ الأرض قبل بليونين ونصف سنة كانت مُغطَّاة بالماء ولم يظهر من الأرض إلا 2% - 3% ممَّا يعني أنَّها كنت مغمورة بالماء تماماً قبل ذلك وبدايتها هو ظهور جُبيل صغير في قاع البحر نتيجة نشاط بركاني يشبه سنام الجمل ظلَّ يكبر حتى ظهر فوق سطح البحر.
والحديث يقول أنَّ أوَّل ما ظهر من الأرض هو مكان البيت الحرام كأنَّه حسفة، والحسفة تعني الشوكة، فهذا يشبه السنام ويعني أنَّ هذا النتوء كان مُرْتـَـفِعًـا وصلباً جهة العلوّ، وبما أنَّ الجزء الأعلى صلب فلا بُدَّ أن يلين حتى يُسطَّح، وكلمة حسف تعني أيضاً تقشَّر وتعني أيضاً السحابة الرقيقة أو الزبد الأبيض.

وهذه كلَّها مراحل تكوُّن الجزر البركانيَّة حتى يومنا هذا فهي تبدأ بانفجار بركانيٍّ تحت سطح البحر يظهر كغلالة مكوَّنة من الزبد الأبيض كأنَّها سحابة بيضاء. وإذا نظرنا إليها تحت سطح الأرض فسنجد نتوءاً مثل السنام سرعان ما يتجمَّد ثمَّ يتسطَّح وسطه ثمَّ يظهر على سطح البحر.

والبليغ في الأمر هناك رابط بين تسطيح الأرض وتسطيح الجمل، فسطحه تعني صرعه وعلاه، وسطح الجمل تعني أناخه وأبركه، فيظهر مثل نتوء الأرض البركاني بكلِّ شكله.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي