رحلة عطاء ممتد ووعاء تثقيف للشعب لن ينضب معينهُ

شاركت شعب السودان كل أفراحه وأتراحه ... وقدمت العلماء والإبداع

ظلت لسبعة عقود من الزمان تدخل كل بيت وتعبرالسهول وتتسلق الجبال

بقلم: صلاح الباشا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
قبل أن تتواصل أضواؤنا حول إرث وأدوار - هنا أم درمان إذاعة جمهورية السودان - إتصل بنا وأرسل لنا العديد من الأصدقاء والمتابعين والمؤرخين ، ليس للإشادة فحسب ، بل للتذكير بأسماء خلدت بصماتها في تلك الإاذعة الفتية ، ويأتي علي رأس هؤلاء صديقنا الباشمهندس والمقاول محمد تاج السر علي الشيخ وهو من الجيل الذي عاصر كل نهضة الإذاعة وتطورها ، كيف لا وهو الأمدرماني النشأة والهوي في حي العمدة ، برغك موقع سكناته اآن بحي الصافية ، فقد ذكرني الرجل بالعمالقة الإذاعيين الذين سقطت أسماؤهم من المقال الأول ، نظراً لإزدحام الحدث بالأحداث المبدعة ، ويأتي علي قمة أهل الإذاعة من عدة أجيال الأساتذة محمد العبيد وهو زوج السيدة الإذاعية اللامعة محاسن سيف الدين ، كما لا ننسي صاحب برنامج أشكال وألوان الذي أبرز العديد من أهل الفن وهو الأستاذ الراحل أحمد الزبير ، وينسحب الأمر علي صاحب لسان العر ب الراحل العلامة فراج الطيب السراج ، أ ويأتي من ضمن دفعة فهمي الإذاعي اللامع عبدالرحمن الياس ، كما لاتزال بصمات العم المبارك إبراهيم خالدة في تقديمه لبرنامج من حقيبة الفن صباح كل يوم حمعة في ذلك الزمن الجميل . ولا بد من ذكر أصحاب البرامج الفاخرة مثل صالح بانقا صالح إبن البان . إما إن جاز الحديث عن العم الأستاذ حلمي إبراهيم فإن الإاذعة تفرد أشرعتها لتبحر مع تاريخه المجيد وهو الذي أنجز لسنوات طوال في عقد الستينات برنامج ما يطلبه المستمعون . وكيف ننسي الراحل ذو النون بشري والمخرج الإبداعي الكيبر صلاح الدين الفاضل ... والقائمة كما قلنا تطول وتمتد وتتمدد أيضاً . 
كما نتذكر أجيال الأستاذة يسرية محمد الحسن ودكتورة عفاف الصادق اللتان أدهشتا الشعب السوداني ، بقوة حضور يسرية في الأخبار وإختيارات عفاف لفنيات المنوعات الإذاعية . كما لاننسي الراحل المقيم الدكتور الإعلامي أبوبكر عوض الذي كان أحد الأعمدة التي تشكل الإذاعة ، وكذا الحال ينطبق علي المذيع القدير عبدالحميد عبدالفتاح .
فالإذاعة كانت قدراتها عالية في مجال الرياضة ونقل أحداثها حتي من خارج السودان ، وذلك في مرافقة المنتخب القومي الذي كان يطلق عليه الفريق الأهلي السوداني في زمان مضي ، فيرافق طه حمدتو ليتحفنا من الهضبة الأثيوبية ، وقد كان عثمان الديم مدافع الهلال يستبسل في صد هجمات الأحباش ، ليصرخ طه حمدتو في المايكرفون ( يا سلام ياديمو .. اليوم قد وقف ديمو سدا منيعاً أمام الأحباش ) ليستقر إسم ودالديم داخل أفئدة شعب السودان ، أطال الله في عمره. ومن خلال الإذاعة عرفنا القانون برعي والأمير صديق منزول والحكام الدوليين : منولي ستراس الإغريقي وشاكر النحاس والخليفة موسي وعبيد إبراهيم وعادبين عبدالرحمن وحسن عبدالحفيظ واحمد قنديل والقائمة تطول.
وهاهو المتخب القومي يسافر إلي العاصمة الكينية نيروبي ، وطه حمدتو يصرخ حين كان سبت دودو يصد كافة هجمات الفريق الكيني ، فلم تلج في مرماه الكرة ، نعم يصرخ طه حمدتو  ( إنت النهار ده مش سبت وبس .. إنت إسبوع بحالو ).. ومهاجم الفريق والمريخ وقبلها نادي الزهور ثم المريخ ( وزة ) جناح أيسر الفريق القومي في ذات المبارة في كينيا  ، وطه حمدتو يعنفه ، تحرك يا وزة ، الليلة مالك يا وزة ، ليه تمشي وتتقدل ياوزة ، وفجأة يكسر طه حمدتو حاجز الصوت حين احرز وزة الهدف الوحيد ، ليصرخ وقتها ( عوّضت اللي فات ياوزة ... يا سلااااام ياوزة ... عوّضت اللي فات ياوزة )  نعم رحم الله طه حمدتو الذي كان يتمدد صوته : سمير ماش .. برضو ماش .. تخطي وسط أهلي الخرطوم .. ولسه ماش .. تخطي دفاع الأهلي .. راوغ إبراهيم كبير .. سمارة ماش وقووووووون .فكان أغلي هدف في الدوري حسب تحليل طه حمدتو لأنه أتي بالبطولة للهلال لأن التعادل كان في صالح المريخ وشكرا لسمير صالح فهمي إبن ودمدني. ومن خلال الإاذعة عرفنا مهارات برعي القانون في المريخ والأمير صضيدق منزول في الهلال ، وطاقم الحكام الدوليين الأاماجد / منولي ستراس وعبيد إبراهيم وشاكر النحاس والخليفة موسي وعابدين عبدالرحمن وحسن عبدالحفيظ ، والقائمة تمتد .
وكيف ننسي برامج الصحة والزراعة ، بل كيف ننسي برنامج الجنوب حين يهل علينا الراحل يوسف فتاكي : ( ياي .. بليدنا .. وكلنا إخوان .. سوداني بليدنا ) ... ثم شعار برنامج حصاد قطن الجزيرة : ( في الجزيرة  نزرع قطنا ) .
والإداري العريق وكاتب القصص وسيناريوهاتها ومسلسلاتها ( حمدنا الله عبدالقادر ) بعد إفطار رمضان ، يأتي يتهادي بمسلسل خطوبة سهير ، وروائع دراما مكي سنادة ومني عبدالرحيم...والفكاهة كان لها في الإذاعة مجالاً متسعاً في عصر كل يوم جمعة ، فظهر إسماعيل خورشيد ، وحسن عبدالمجيد ، وبنت قضيم وتور الجر وأب دليبة وود حامد الغرباوي والسر قدور وأبو قبورة وغيرهم .
وجاء الفنانون ... جيل وراء جيل
ثم ماذا نقول عن فن الغناء ، قديمه وحديثه ، فأتت الإذاعة بلجان النصوص ، ويعتلي محمد صالح فهمي رئاستها مرات ، ليحل محله عمنا الشاعر الضخم إبراهيم العبادي ، وتارات اخري نري علي شمو ، والمبارك إبراهيم ، ويلج عبدالكريم الكابلي إلي عضوية النصوص ، قبل أن يمارس فن الغناء العلني ، ليس ذلك فحسب ، فهناك لجنة إجاز الألحان ، فكان برعي وبشير عباس وعلي مكي وعلي ميرغني وعربي ومحمدية وغيرهم كثرُ .
أتي متولي عيد مراقب عام الإذاعة ذات مرة بمحمد وردي بعد أن بدأ يغني في الإذاعة وقد كان مصنفاً بالدرجة الرابعة من حيث الأجر ، لكنه تمدد وإنتشر بسرعة البرق ، وأجهد نفسه في تقديم العديد من جماليات الغناء ، وإسماعيل حسن يرفده بالغالي والنفيس من الشعر ، وهو يخرجها ألحانا شجية واحدة تلو الأخري ، فناداه متولي ، وطلب معه حضور أحمد المصطفي والكاشف وأبوداؤد والشفيع وقال لهم : محمد وردي ده في الدرجة الرابعة ، لكنه إجتهد وإجتهد ولم ييأس قط ، وهو الآن يستحق الدرجة الأولي معكم ، فهل من معترض ؟ فأجابوا بالموافقة ، وصعد وردي كفنان درجة أولي في عام واحد فقط وهو العام 1958م . وهنا يتضح دور الإذاعة في تقديم وردي لشعب السودان ، وهو لم يقصر حين أتي بالمعجزات : بعد إيه ، لو بهمسة ، المستحيل ، خاف من الله ، ثم الغناء الخفيف : بيني وبينك والأيام قصة حب طويلة شيدناها بالآمال والعشرة النبيلة ، ثم نور العين تأتي ، والحبيب قلبو طيب ، ونور العين ، ثم غلطة كانت غرامي ليك .. ولو طلعت القمرا وجيت أو حلفت برب البيت ، والحنين يافؤادي .. وكلها لإسماعيل حسن ، وكلها كان فضل الإذاعة عليهما كبيراً .. لذلك – كما قال لنا وردي ذات يوم بالدوحة  –  تظل الإذاعة هي الجسر الذي عبرنا من خلاله ودخلنا بيوت وقلوب الشعب السوداني دون إستئذان منهم .
والكابلي يصعد حتة واحدة كده إلي خشبة المسرح القومي بعد أن كان متردداً في غناء نشيده الخالد ( أسيا وأفريقيا ) حيث كان كابلي قد قام بتحفيظه لصديقه يوسف الشريف ليشدو به أما جمال عبدالناصر وابراهيم عبود ، غير أن اللواء طلعت فريد وزير الإستعلامات وقتها قد حضر بروفة للنشيد بأداء الكابلي ، فأمره أن يتغني بها في الحفل ، ففعل ، ثم لم يتوقف الكابلي بعد عن الغناء ، فجاءت أوامر طلعت فريد لتغير مسار الكابلي من موظف بالقضائية إلي فنان فريد عصره ، نعم صعد المسرح القومي وأنشد أمام الرئيس عبود والرئيس عبدالناصر حين زار السودان في العام 1960م ، فقامت الإذاعة  بنقله علي الهواء .. ليعرف الجمهور أن هناك عملاق جديد قد أطل بعمل وطني عالمي كبير كتب نصه الطالب وقتذاك في العام 1955م تاج السر الحسن  ليحتفظ به كابلي منذ ذلك الزمان .. إنه نشيد آسيا وأفريقيا ( عندما أعزف ياقلبي الأناشيد القديمة ، ويطل الفجر في قلبي علي أجنح غيمة )  .
ومن حفلات الإذاعة الصباحية علي الهواء ، أتي إبراهيم الكاشف وغرد : حجبوه من عيني .. إلا من قلبي لا .. ماقدرو حجبوه ، ثم كسرها في ذات الحفل : أنا يالحبيب وين ؟ قالوا لي سافر وهنا يأتي دور القطار في رحيل الحبيب : يوم سفروك .. أيوه ؟ بالقطر ودوك أيوه ، ودوك وين وين قالوا لي سافر .. نعم كان غناء هينا لينا في شحنات عالية من الدفء السوداني المعروف .
وجاء إلي الإذاعة باسماً ٍٍٍٍكعادته في بداية أربعينات القرن المنصرم ، نعم إنه عميد الفن أحمد المصطفي والذي كم أحبه كل شعب السودان بمفردات غنائه الحنين جداً  فهو رمز غناء التطريب الذي لا ضجيج فيه مطلقاً : ( الخدو لال تعال لي.. دقائق قلال تعال لي ..عارف الدلال تعال لي والحب حلال ياعيني .. يا رائع جفيتني وأنا ضائع تعال لي ).
وكيف ننسي الذين جملوا دار الإذاعة بغنائهم : عبدالحميد يوسف غضبك جميل زي بسمتك – ثم أمير العود والأكثر أناقة وهندام حسن عطية ورائعة عبدالرحمن الريح : لاقاني لا قاني ببسمة حياني ، ليكسرها بالأكثر خفة ورشاقة : يا جميل ياجميل ياسادة .. حبك جنني زيادة .
أتت الإذاعة بعبيد الطيب ليغني غناء ذلك الزمان : ياسايق ياماشي .. النظرة ماشة وراك وقـِّف وقـِّف وسوقني معاك .. وين يا سايق .. وكورس البنات يرددن الغناء معه في تسجيلات الإذاعة القديمة.
ومن هنا أم درمان أطل ذلك الرائع : أنا من شجوني .. باكيات عيوني .. ياناس دلوني ، نعم أطل أبوداؤد ومعه ملحنه البارع الموسيقار برعي محمد دفع الله .. ثم يأتي ودالقرشي برفيق دربه الطويل منذ الأربعينات ودالقرشي ويشدو إبن شندي الشفيع : لحن الحياة منك وماتقول نسينا الماضي وجـُرنا .. ناسنك محبوبي البنريدو ، لكنه لم يستطع التغريد بوطن الجدود من الإذاعة ، فالمفتش الإنجليزي يكون دوماً بالمرصاد . ألم يمنعوا العطبراوي من ترديد النشيد ؟  ثم جاءت أجيال إبراهيم عوض : هيجتني الذكري ، جمال دنيانا ، وحتي وسيم الطلعة أطلت من برنامج ساعة سمر لعمر عثمان نهاراً .. وتوال العطاء من الإذاعة ، عثمان حسين ، ورمضان حسن إبن مارنجان وصاحب أجمل الأصوات ذات القرار في الغناء السوداني ( الأمام الأمان من فتكات عيونك )  ، وظهر محجوب عثمان : يا النسيت عهد الهوي .. لما كنا زمان سوا ، والتاج مصطفي وأهلي العاتبوني عشان راحة ضميري .. ومهما يقول عنك بريدك يا سميري . والمسيرة تستمر لتأتي الإذاعة بودالبادية ويغرد : يبرق سماك في غيهب الليل الحلوك .. أغرب شمائل زاملوك وهم أكملوك .. وأدبك هبة .. وحسن الظباء .. وفيك موهبة وطبع الملوك يازول الأوصفوك ، ورحم الله شاعرها عتيق ومؤديها الأول خضر بشير .
توالت الإذاعة ولم تيأس قط في تقديم أجيال المطربين ، فدخلها وداللمين وغرد برائعة فضل الله محمد : لو تسافر دون رضانا .. بنشقي أحنا الدهر كلو .. ما بنضوق في الدنيا متعة  وكل زول غيرك نملو ، ويرافق وداللمين رفيق دربه من ودمدني الفنان الموسيقار الجاد أبو عركي البخيت وبرائعة فضل الله أيضا : بوعدك ياذاتي يا اقرب قربية .. بكره اهديك دبلة الحب والخطوبة ، فيهيم العشاق من الجنسين مع تلك المفردات التي كانت جديدة وقتذاك .
فأدوار الإذاعة عديدة ، عرفنا خلالها محمد ميرغني وزيدان وصاحب نبع الحنان الطيب عبدالله، كما عرفتنا الإذاعة بأهل الفن الشعبي : خلف الله حمد – بادي – عوض الكريم عبدالله – ترباس – عبدالله محمد – محمود علي الحاج – محمود فلاح – والكحلاوي وعبدالوهاب الصادق ( حبايبي الحلوين أهلا جوني وأنا ماقايل .. حلوين زي ديل بزوروني )  وحتي جيل حسين شندي .
الإذاعة أتحفتنا بروائع عمالقة الحقيبة : ميرغني المامون وأحمد حسن جمعة الذين أطلوا بعد أجيال سرور وكرومة والأمين برهان وغردوا لنا سوياً ( اقيس محاسنك بمن .. يا الدرة الماليك تمن .. والله نور عيني ونور الزمن ) ، ثم أولاد الموردة عطا وكوكو ورائعة الخليل ( تم دورو ودور عم نورو وشال .. فات الحلة ونور زي بدر التمام )  ، وعوض الجاك يغرد من ودمدني    ( ياجميل يامدلل ) ومعه صاحب حنتوب الجميلة ( الخير عثمان ) وكل العقد الفريد .
وكان هناك تفسير كل القرآن مع البروف عبدالله الطيب والمقريء شيخ صديق أحمد حمدون ، ثم لسان العرب المسائي وعبقرية الراحل فراج الطيب السراج . والفكي هبدالرحمن وعمكم مختار للأطفال صباح الجمعة .
وغردت المرأة السودانية ، فجاءت عبر الإذاعة فاطمة الحاج ومهلة العبادية والفلاتية والرحمة مكي ومني الخير وثنائي النغم وحتي جيل البلابل وأفراح عصام .
وللشعراء مجد أظهرته الإذاعة : شعراء الحقيبة والمحدثين والقائمة تطول ، وجراب الحاوي لمحمد سليمان ، وياراجل حرام عليك وحكاية الرئيس الأديب ليبولد سنغور .
وحقا ... كان للإذاعة أن تحتفي بعيدها فوق السبعين ، وعقبال مئات الشموع في دروب الثقافة والفن والإبداع .. لتبقي رسالة التنوير الخالدة تتوارثها الأجيال القادمة .. وشكرا جزيلاً لأجيال الإذاعيين ، الراحلين منهم و الباقين علي قيد الحياة معتصم وعبدالعظيم والبحر وأحمدان وطارق والشفيع والقائمة تمتد ، متعهم الله بالعافية .
والشكر للإذاعة المجيدة ( هنا أم درمان ... إذاعة جمهورية السودان ) والتي تطورت وتفرعت لتصبح عدة إذاعات تدخل البهجة في نفوس هذا الشعب الأسمر الصابر الذي يستحق كل  الخير والجمال ،،،،