يحاول الدكتور النور حمد الكاتب والباحث السوداني الوصول إلى سردية تاريخية تعيد اكتشاف الوطن، والإجابة على سؤال الهوية، على نحوٍ أخير نهائي، وقد أعمل أدواته المعرفية في سبر أغوار المشكلة التاريخية والسياسية التي أقعدت بالسودان، كما يعد أحد أهم تجليات الدوامة الفكرية المنتجة، وإن حبسته دائرة "مهارب المبدعين"، إذ إنه ظل يقطر آخر مداده على منفستو التغيير، تلوح قبالته يوتوبيا ظل يحلم بها، ورفاق يستلذون بعراقتهم، فانعتق من فرط إبائه، محطمًا أساور الولاء المطلق للطائفة والقبلية والأيديولوجيا، لكنه ينتمي بعمق للرسالة الجمهورية، التي أبدعها أستاذه محمود محمد طه، شهيد الفكرة، كما يوسم على الدوام.

ولعل أهم ما تفضل به النور حمد في هذه المقابلة، محاولة اجتراح قراءة نقدية لبنية الفكر الرعوي، منغمسًا فيها، مجيبًا أيضًا على أسئلة الراهن والثورة، والمستقبل ومأزق الجيش والسياسة في السودان، والاصطفاف الإقليمي، كضرر بالغ، فماذا قال؟

أريد أن أبدأ معك هذا الحوار بأشهر أعمالك (مهارب المبدعين) إذ تبدو فيه حانقًا على كل شيء بوتيرة متصاعدة، ترمي اللوم على الاحتلال المصري للعقل السوداني، وعلى الثقافة العثمانية الغالبة ونزعتها المتشددة، والجيل الثاني من الخريجين الذي انغمس في الملذات داخل السرداب كنوع من الهروب من مواجهة غوائل السطح، فهل كان التاريخ عبئًا ثقيلًا علينا؟
لا أعتقد أنني كنت حانقًا، بقدر ما كنت واضحًا في محاولتي تشخيص العلل التي أقعدت طلائع المتعلمين عن وضع الدولة السودانية الوليدة في طريق بناء الدولة والنهوض. وكما ترى فإن العلل الأولى التي صاحبت الحركة الوطنية لا تزال آثارها السالبة تطاردنا حتى يومنا هذا. وقد قدمت الأعذار لذلك الجيل وقلت إنه جيل محدود التعليم تأثر كثيرًا بقشور الحضارة الغربية ولم يأخذ الكثير من لبابها. وقد كان ذلك بحكم تعليمه المحدود على يد المستعمرين البريطانيين ورسل الاستعمار المصري الذين توافدوا على السودان مع الغزو الخديوي. فهم لم يـأخذوا من الحضارة الغربية فكرها الاجتماعي، وأسس بناء الدولة، وإدارتها، وإنما أخذوا منها الفرنجة المظهرية وتدليل الذات والولع بالبرستيدج.

هل كان جيلًا منفصلًا عن جذوره بالمرة؟
ابتعد ذلك الجيل أيضًا عن الإرث الصوفي السوداني، وعن الروحانية المسيحية والكوشية، واكتفى بقشور الدين، التي جاءت مع علماء الأزهر، الذين بعثهم محمد علي من أجل استتباع القطر السوداني دينيًا للمؤسسة الدينية الخديوية السلطوية المتمثلة في الأزهر. هذا الخليط من قشور المدنية الغربية ومن قشور الدين هو الذي حبس الممارسة السياسية في خانة المماحكات والصراعات غير المنتجة التي ثار عليها الآن شباب 19 كانون الأول/ديسمبر. فهذا التاريخ ألقى بظل ثقيل على حاضرنا، ودربنا في التخلص منه لا يزال طويلًا.

ألا تعتقد أنه عندما تتاح فرصة الكتابة عن النور حمد بعد أعوام طويلة ربما يمكن إدراجه ضمن فئة الهاربين من واقعهم أيضًا؟
بطبيعة الحال، من حق من يأتون بعدنا مقاربة تجاربنا الحياتية نقديًا، مثل ما فعلنا نحن مع من كانوا قبلنا. ولا يزعجني أن أوصف بأني هارب، فلسنا جميعًا أبطالًا أسطوريين. وحتى الأبطال الأسطوريين يتحركون من مكان لآخر، حين تضطرهم الظروف للمغادرة، ثم إعادة الكرة من جديد. فالنبي صلى الله عليه وسلم، على سبيل المثال، ترك مكة لأهله القرشيين حين تآمروا على حياته، فوجد السند من الأوس والخزرج في المدينة، لكنه عاد لاحقًا وفتح مكة.

إذًا هي هجرة أخرى؟
شخصي، وكثيرون غيري، خرجنا مع مجيء انقلاب الإنقاذ وبدأ كثيرون يعودون بعد اتفاقية نيفاشا. وكثيرٌ من هؤلاء رجعوا إلى منافيهم من جديد، حين تعثرت الأمور وانفصل الجنوب، وانفردت الإنقاذ بالسلطة، وساءت الأحوال.

السودانيون خارج السودان الآن لا يقلون عن خمسة مليون شخص، وكل هذا الهدر بسبب سوء الحكم. وعمومًا إذا تعذر على المرء النجاح في بلده، بسبب السياسات الرسمية القائمة على الإقصاء، فلا ضير من أن يخرج ليحقق النجاح والحياة والمورد المالي المعقول لمتطلبات الأسرة. ولقد حققت هذه الهجرة للسودانيين مخزونًا ضخمًا من الخبرات والقدرات. ولو استقرت البلاد، وعاد فيها حكم القانون، وعادت الحريات والنظام الديموقراطي، ودارت فيها عجلة التنمية فإن كل الذين خرجوا سوف يعودون وسيكونون رأس مالٍ عقليٍّ جبارٍ، بسبب ما اكتسبوه في الخارج.

أنت ابن وفي للفكرة الجمهورية ولكنك لا تؤمن بضرورة فعالية الحزب الجمهوري، أو على الأقل لم تنشط سياسيًا في الحزب. لماذا ؟
الفكرة الجمهورية فكرة تنويرية، أساسها الانبعاث الروحي، بمعني النهوض المعرفي والأخلاقي، ثم تأتي، بعد ذلك، الدعوة للإصلاح الديني. لكن الإصلاح الديني في البيئات الإسلامية، بصورتها الراهنة، ليس عملًا سهلًا، وسوف يأخذ وقتًا طويلًا. والإصلاح الديني، كما أفهمه، ينبغي أن يسير في وجهة الانفتاح الفكري الواسع، متفيئًا ظلال روحانية كونية عريضة للفضائل الإنسانية، بعيدًا عن تعصب كل أهل عقيدة لعقيدتهم. باختصار، لن يكون الإصلاح الديني بإبدال عقيدة بعقيدة جديدة، أي؛ إبدال دوغما بدوغما جديدة. أنا أرتكز في توجهاتي الفكرية على جوهر فكر الأستاذ محمود ومنهجه في تحرير الفكر وإبعاده عن الوقوع في حفرة اليقينيات التبسيطية، والثبات والجمود. كما أرتكز في نفس الوقت على مجمل التراث الإنساني التحرري المستظل بمظلة الروحانية الكونية التي أخذ المبصرون في كل أركان الأرض، يتشاركونها عبر حواجز العقائد والنظريات الكلية الشاملة.

كما لو أنك تميل إلى معالجة إشكالية معقدة؟
أميل أكثر في هذه المرحلة من مراحل تطورنا في نطاق الدولة السودانية إلى معالجة الإشكالات الجزئية التي يفرزها الواقع المعاصر، ولا أميل إلى التبشير بنظرية كلية أو أيديولوجيا شاملة، قابضة.

حسنًا، ماذا عن التمرد على العمل التنظيمي؟
العمل التنظيمي الحزبي عملٌ مقيِّد. فإن هو ناسب البعض، فإنه لا يناسب آخرين، بالضرورة. وأنا واحد من هؤلاء الذين لا يناسبهم الانخراط في التنظيم الحزبي. فليس بالضرورة أن يكون كل الناس منظمين حزبيَّا. ففي كل الديمقراطيات في عالم اليوم، لا يمثل المنظمون حزبيًا سوى قطاعًا محدودًا من مجموع السكان، كما أن العمل التنظيمي الحزبي يلزمك بالتقيد برأي الأغلبية بل والدفاع عنه. ولا أعتقد أن العقول قد ارتفعت إلى مرتبة التقارب الفكري، والنضج المعرفي، التي تجعل الفرد المنظم حزبيًا، يلتزم برأي الأغلبية، والدفاع عنه، دون أن يضر هذا الفرد بصورة ما. عمومًا، ما يناسبني أكثر في هذه المرحلة، هو العمل الفكري والإسهام في التنوير والبحث في الإشكالات المقعدة في بنية الوعي السوداني، التي طالما أعاقت النهضة والنمو، وكذلك التقريب بين وجهات النظر في القضايا الكلية. وعمومًا فإني أزعم أن فكر الأستاذ محمود حاضرٌ جوهريًا، فيما أكتب، ولكن، من غير أي ترديد ببغاوي فج لمقولات الأستاذ محمود وحشرها في أي سياق، بمناسبة وغير مناسبة.

كيف تقيم التطورات السياسية الجارية حاليًا في السودان؟
نحن الآن في أحلك مرحلة من مراحل تاريخ دولتنا المستقلة. ولا بد لهذه الثورة أن تعبر وتبلغ غايتها في إعادة تثبيت حكم القانون، وإعادة النظام الديمقراطي، ووضع الدولة في الهيئة التي ينبغي أن تكون عليها. أي أن يكون لديها جيش واحد، تحت قيادة واحدة، يعمل وفق ما حدده له الدستور من مهام، وكذلك، شرطة تعمل وفق القانون، ويقف في مراقبة أدائها قضاء مستقل استقلالًا تامًا. يضاف إلى ذلك برلمان يملك القدرة على استجواب ومحاسبة شاغلي المناصب في السلطة التنفيذية. يرى ماكس فيبر أن الدولة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي لها أن تحتكر استخدام العنف. ولذلك، فإن من علامات فشل الدولة أن يصبح استخدام العنف متاحًا لجهات تعمل خارج إطار الدولة، أو لجهات تعمل داخل إطار الدولة، ولكن باستقلاليةٍ تامةٍ عن بعضها، وقد شهدنا في شهور الثورة المنصرمة هذه الظاهرة في عدد من الأحداث الدامية، وتنذر هذه الظاهرة بشرٍّ مستطير، إن لم نناقش أخطارها بوضوحٍ، ونعمل بجدٍّ على تداركها.

ما جرى بعد رحيل البشير هل هو ثورة أم انقلاب عسكري برأيك؟
هناك ثورة في الشارع، واضحةٌ وضوح الشمس، وهناك انقلابيون يسَّروا لهذه الثورة مهمة إزاحة البشير، ومن كانوا حوله من المقربين. لكن العسكريين يصرُّون أن يضعوا أنفسهم في مكان البشير. أو على الأقل، هم مصرون على أن يهندسوا، عبر الفترة الانتقالية، لعودة نظام البشير في صيغة جديدة، وهذا هو سبب حالة الشد والجذب التي تجري الآن. فالشعب يريد تحقيق إرادته، والعسكر يريدون كسر إرادة الشعب الثائر، وفرض أجندتهم الشخصية، والحزبية على مسارات الأمور. وهناك إملاءات واضحة من بعض القوى الإقليمية على المجلس العسكري، وعلى الإسلاميين، غرضها أن تحول دون نجاح تجربة الربيع السوداني، وتحقيق شعاراتها المرفوعة، لأسباب عديدة. نحن الآن في خضم معركة كسر عظم، فيما يتعلق بمصير جهود استعادة الدولة السودانية، التي أضحت نهبًا للقوى الإقليمية على طرفي المعادلة السياسية للقوى الإقليمية.

يعاني السودان من إشكالية اصطفاف المحاور، وهو الآن أقرب إلى المحور السعودي الإماراتي، هل ثمة مضار تترتب على ذلك؟
لقد ظل قرار السودان مصادرًا بواسطة القوى الإقليمية، منذ استقلاله. لقد ظل السودان متأثرًا في صناعة قراره بالمراكز الإقليمية، عبر عهود الحكم العسكري، والمدني الحزبي. وقد جرّه ذلك على مستوى الأسس الأيديولوجية والتوجهات السياسية التي حكمت خيارات الأحزاب العقائدية، كالشيوعيين والإخوان، والبعثيين والناصريين إلى الارتكاز، بقدر من المقادير، على منصات تقع خارج السودان. وينطبق ذلك على حزب الأشقاء الذي تحول عبر الزمن إلى الاتحادي الديمقراطي. والآن بلغ هذا الانجرار إلى الأقطاب الإقليمية العربية أقصى درجاته سوءًا وخطرًا. ولن يتم اخراج السودان من هذا الجحر في يوم وليلة. فذلك يقتضي وعيًا على مستوى فهم مكونات الهوية السودانية. كما يقتضي تحريرًا للعقول من التبعية والتماهي العاطفي مع من يطمس هويتها ويلبسها هوية زائفة من أجل أن يستغلها ويعطل نموها ويكبل خيارها في التحرر والديمقراطية. وهو الخيار الذي يشبه التكوين التاريخي للأمة السودانية. لابد من الخروج بالوعي، من الاستتباع والاحتلال العقلي. كما لا بد من انبعاث وعي سياسي جديد، وحس وطني جديد وتعريف جديد للوطنية وثوابتها. إن درجة الانجرار الحالية للمحاور الخليجية أمر مخجلٌ ومؤسف. فهي قد نسفت فعلًا، لا قولًا وحسب، كل الثوابت الوطنية، بل بلغت في بعض حالاتها درجة العمالة والخيانة العظمى.

ألا تعتقد أن قوى الحرية والتغيير تحمل بذرة خلافات متجذرة تعيقها من القيام بمهام وطنية مشتركة خلال الفترة الانتقالية؟
نعم هناك خلافات تاريخية بين هذه القوى، وهناك مكايدات، وهناك منحى للانفراد بالنصر. ولكن على جمهور الثورة، الذي بدأ الثورة قبل أن تتخلق قوى الحرية والتغيير، أن يضعها، هي الأخرى تحت المراقبة. وألا يترك لها الحبل على القارب. فالمشكلة في الجهتين، ولكنها أكبر في جهة المجلس العسكري وبقايا المؤتمر الوطني.

كيف تنظر إلى المستقبل، أو تتصور حل المشكلة السياسية المعقدة في السودان؟
أنظر إلى مستقبل السودان بعقل يجلس في برزخ بين الشك واليقين. يجي يقيني بمستقبل السودان الباهر، مما شهدته في هذه الثورة الفريدة. فقد أجلت هذه الثورة العظيمة معدن الإنسان السوداني الذي تراكم عليه الصدأ. وقد منحنى هذا يقينًا بأن التاريخ العظيم لا يموت. فالأمة السودانية أمة ذات تاريخ مجيد. ويمكن القول إن خلاصات الفضائل الإنسانية الرفيعة، المُمْتخضة من كسب التاريخ، تختبأ في الجينات، في حالات الركود الحضاري، لكنها لا تلبث أن تتفجر في المنعطفات الحاسمة، كالمنعطف الذي نمر به الآن. أما شكِّي فيجيء من جهة كثرة المال والعدة والعتاد لدى القلة القليلة من الأشرار، المحليين والإقليميين الذين يعملون ليل نهار لحبس الشعوب في مقام السوائم، ولكنهم مهزومون، بعون الله، إذ إنهم معوزون روحيًا بسبب عبادة المال، فهم من المبطلين الذين عناهم القرآن الكريم حين قال: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ".

تحدثت كثيرا عن العقل الرعوي، فإذا أسقطنا ذلك المفهوم على ظاهرة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي، هل يبدو الرجل ملائمًا للقياس؟
الظاهرة كما عالجتها، ولا أزال، أكبر من ذلك بكثير. وأنا الآن عاكفٌ على إخراج الأطروحة في كتابٍ كبير يحوي قراءة تاريخيةً موسعةً مدعومةً بالأسانيد المرجعية، لكن يمكن القول إن ظاهرة حميدتي تمثل واحدًا من تمظهرات "العقل الرعوي". "العقل الرعوي" ينظر إلى الدولة والمال العام كغنيمة. والعقل الرعوي يؤمن بالقهر والغلبة، وبالاستقواء بالسلاح وحده. كما أن العقل الرعوي ضد المأسسة، وضد التقيد بحكم القانون. وظاهرة حميدتي، وكل ظاهرة مشابهة، إنما تعكس بصور مختلفة هذه الخصائص.

لماذا نحن بحاجة إلى نقد بنية الوعي الرعوي، إلى درجة تحميله كل خيباتنا الحضارية، وهل هو نتاج التنشئة والبيئة، أم بالوسع القول إنها حالة سودانية عامة؟
نحن بحاجة لنقد بنية العقل الرعوي لأننا كنا أهل حضارة مستقرة، وأهل دولة قديمة جدًا، وتحولنا في مرحلة من مراحل تاريخنا إلى رعاة. أو قل، من أجل الدقة، تحولت أكثريتنا لأسباب مختلفة إلى رعاة، من بين تلك الأسباب اجتياحات الرعاة للبيئات السودانية المستقرة، وغرس التصورات البدوية للدين في أرض ثقافاتنا. أما خيباتنا الحضارية، كما تفضَّلت أنت، فأسبابها كثيرة ولكن جوهرها هو اختلال بنية الوعي. ومما شاب بنية وعينا طفو خصائص ثقافة الرعي والتنقل على ثقافة الاستقرار، والتراجع في احترام الملكية، وفي قبول جهاز الدولة، والانصياع لحكم القانون. غلبة الرعوية قلبت الأمور في ثقافاتنا السودانية، رأسًا على عقب. فأصبح السعي إلى السلطة غرضه الكسب الشخصي والأسري والقبلي والجهوي وليس الصالح العام. وعبر هذا المسار، تناقص الكلف بالعمران وبالاستقرار والازدهار والنمو.

ما هي مشكلتك بالضبط مع تجربة الإسلام السياسي في السودان؟
ليست لدي مشكلة شخصية مع الإسلام السياسي، إلا في إطار مشكلتنا كلنا نحن السودانيين معه بمعنى تضررنا الكبير جدًا منه الذي لم يعد خافيًا على أحد. ما نحن فيه الآن من مأزق خطر للغاية، سببه الإسلام السياسي والعجلة على الإمساك بالسلطة بالقوة، وتحطيم حكم القانون واختطاف الدولة بأجمعها بواسطة فئة قليلة، فقط لأنها تظن أنها مخولة من قبل السماء لكي تفرض هيمنتها الكاملة على الآخرين، وتصادر حقهم في الرأي والاعتراض وتهينهم وتذلهم وتكسر إرادتهم فقط لأنهم يخالفونها الرأي. بل وتفقرهم ولا تبالي بإفقارهم. قال الأمين العام السابق للحركة الاسلامية علي عثمان "ليس من واجب الحكومة أن توفر الحياة الكريمة للناس"، أو قال شيئا بهذا المعنى.

بالرغم من أن الدكتور الترابي لديه اجتهادات فكرية، وحماس إزاء الحرية ومحاولات إعادة السلطة إلى جادة الصواب ودفع نتيجة لذلك أثمان باهظة من السجن والخيانة والتآمر، مع ذلك تحمل عليه كثيرًا، لماذا؟
حماس الدكتور الترابي، المتأخر للديمقراطية ليس حماسًا أصيلًا، وإنما هو أمر اضطره إليه ابعاده عن السلطة. فهو أصلًا مهندس القبضة الإنقاذية الحديدية ووضع الدولة بكاملها في يد تنظيم واحد. هذا الأساس الخاطئ هو الذي قامت عليه كل الإشكالات العويصة التي نعاني منها اليوم. وحتى النقد لتجربته الذي بثه بتفصيل كبير في حلقاته مع قناة الجزيرة، أصر ألا يذاع إلا بعد وفاته.

ماذا يعني لك تأجيل بث الحلقات؟
هذا في حد ذاته أمرٌ مثيرٌ للحيرة ويطعن، بشدة، في أصالة دوافع النقد. وكون الدكتور الترابي عانى ما عانى من تلاميذه، الذين انقلبوا عليه، سجنًا وإهانةً ونكرانًا للجميل، لا يعفيه من مسؤولية التسبب في أكبر كارثة في التاريخ السياسي السوداني لفترة ما بعد الاستقلال، وهي كارثة الإنقاذ التي نقف نحن اليوم جميعًا حائرين إزاء الخروج من مآزقها الكثيرة بالغة الخطورة. على الإخوة الإسلاميين أن يغادروا محطة الدكتور الترابي في تاريخ مسيرة الحركة الإسلامية. لقد كان، عليه الرحمة والرضوان، سياسيًا مقتدرًا، غض النظر عن أساليبه البراغمالتية. فقد بنى للحركة الإسلامية السودانية صرحًا تنظيميًا ضخمًا في بضع عقود. فليحفظوا له هذا الفضل، ولكن عليهم اقتلاع خيامهم ومغادرة مناخهم هذا الذي أناخوا فيه ردحًا من الزمان تحت ظل الرجل. على الإسلاميين، اليوم، أن ينتجوا فكرًا إسلاميًا تحرريًا، ديمقراطيًا، حقيقةً، وليس تدليسًا بالشعارات. هم بحاجة لفكر ولسلوك سياسي جديدين يناسبان السياقات الجديدة. فإنتاجهم في هذا الجانب يبقى إلى الآن، ضئيلًا جدًا، إن لم نقل منعدمًا.

بالعودة للعلاقة بين الجيش والسياسة في السودان فهو يبدو لصيقًا بها، كيف يمكن فك الارتباط والتأسيس لديمقراطية دائمة؟
هذه هي علتنا الكبرى. نحن بحاجة للعودة بالدولة السودانية إلى منصة التأسيس. لقد كانت دعوة رئيس وزراء حزب الأمة عبد الله خليل، للفريق إبراهيم عبود لاستلام السلطة ضربة البداية في جر الجيش إلى معترك السياسة بواسطة السياسيين. ومنذ تلك اللحظة أصبحت الأحزاب تحرص على وجود ذراعٍ عسكريٍّ لها داخل الجيش. العلة إذن ليست في الجيش، وإنما في السياسيين الذين يريدون الوصول إلى السلطة بكل سبيل، حتى عبر نسف الدستور ومبادئه. لقد اكتوينا بهذا السلوك الخاطئ كثيرًا. والآن، فإن هذه الثورة تمثل فرصة ذهبية لإعادة الدولة السودانية إلى منصة التأسيس من جديد، ووضع الجيش في موضعه الطبيعي، بحكم الدستور، بعيدًا عن المعترك السياسي.

لماذا عمر التجربة الديمقراطية قصير في السودان بالمقارنة مع تجارب الأنظمة العسكرية (عبود ونميري والبشير)؟

لعل الإجابة على هذا السؤال وردت ضمنًا في السؤال السابق. عمر الديمقراطية قصيرٌ لأن أحزابنا لا تؤمن بالديمقراطية. ولأنها تستدعي الجيش، وتدبر الانقلابات ضد الديمقراطية. أحزابنا تريد مقاعد السلطة بغض النظر عن وسيلة الوصول إلى هذه المقاعد. لذلك لا بد من النقد الذاتي والنقد الجمعي لتجربتنا السياسية، ففي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح، والصحيح هو الصبر على الديمقراطية ومصاعبها، فهي الضامن الوحيد للاستقرار وللدولة مكتملة الأركان. ولنا في تجربة الهند التي استقلت قبلنا بسنوات أسوة حسنة، الهند تدخل اليوم نادي الدول الكبرى.

في سلسلة مقالاتك التي تحولت إلى كتاب "لماذا يصحو مارد الهضبة، ويغفو مارد السهل؟" مارست نوعًا من جلد الذات والانبهار ببلد لم تهتد إلى وفاق قومي بعد، وتعيش حرب الهويات القاتلة؟
عبارة "جلد الذات" أصبحت فزاعة لإبعاد النقاد من ممارسة النقد. وهي عبارة من صنع عبدة أوثان الراهن والقائم الذين لا يريدون أي تغيير. إذا كنا مقصرين بقدر يجعلنا مستحقين لجلد الذات، فما الغرابة في أن نجلد ذواتنا. بل يصبح من الواجب، في مثل هذا الوضع، أن نجلد ذواتنا. نعم إثيوبيا لم تهتد إلى وفاق قومي كامل، لكنها حققت فيه الكثير ما جعلها مستقرة سياسيا ونامية. والوفاق القومي مجال واسع. فكثير من الدول الغربية فيها حركات انفصالية رغم أنها ديمقراطية ومتقدمة صناعيًا. لذلك ينبغي ألا نترك طنين الكلمات، يحجب عنا حقيقة المعاني. دستور إثيوبيا يقوم على فيدرالية إثنية، ويمنح كل إقليم حق الانفصال عبر الاستفتاء، متى أراد. والحكم الفيدرالي في إثيوبيا متقدمٌ كثيرًا على السودان، فالأقاليم من حقها أن تدرس في مرحلة الأساس بلغة الأم. إثيوبيا محاطة بالدول التابعة للجامعة العربية ولا تنجر في سياساتها إلى تبعية تفقدها استقلالية قرارها. أما النمو الاقتصادي، فكل المؤشرات تقول إن معدل النمو في إثيوبيا من أعلى المعدلات في العالم وقد استمر بهذه الوتيرة لأكثر من عشر سنوات. ودعونا ننتظر عشر سنوات أخرى لنرى الوضع المتميز الذي ستحتله إثيوبيا في القارة الإفريقية.

لماذا اخترت أثيوبيا تحديدًا كنموذج لهذه الدراسة؟
اخترت إثيوبيا من أجل المقارنة لأنها جارة، ولأن مواردها أقل من مواردنا بما لا يقاس، ومع ذلك، عرفت كيف تستقر وكيف تنهض. وهل أنا بحاجة لأن أقول أيضًا إن الدولة في إثيوبيا متينة القبضة، وأنها لا توجد بها مليشيات.

العالم مقبل على نذر حرب، وصفقة قرن غامضة، واصطفاف مخيف، ألا يزعج ذلك؟
يزعجني أن العالم الآن في أسوأ أحواله، ويمكن القول إن عصر القادة الكبار قد ولى. لا يوجد الآن في العالم قادة من عيار وينستون تشيرتشيل أو شارل ديجول أو فرانكلين روزفلت أو جوزف ستالين. أوصلت الرأسمالية العالم إلى وضع أصبح فيه الرؤساء تابعين للشركات العابرة للقارات ولمراكز صناعة السلاح. ولا أعتقد أن حربًا سوف تقوم في المدى المنظور. وإن قامت فستكون جزئية جدًا. على سبيل المثال، أوصل فشل النخب الأمريكية، وانجرارها وراء مراكز المال، وربط الإعلام بالمال لا بالتنوير، إلى اشتعال الشعبوية وسط العامة، من الصامتين المهملين، فأوصلوا رجلًا جاهلًا، بلا أخلاق، مثل دونالد ترمب، وأجلسوه على قمة هرم السلطة في بلد يعد القوة الأكبر على ظهر الأرض.

///////////////////